الملاك والكتاب الصغير

 

إن رؤية الملاك الجبّار الذي يحمل كتاباً صغيراً، تدخلنا بشكل مباشر في قلب تعليم رؤ. وهي تتضمّن ثلاثة مقاطع قصيرة: نرى الرائي على المسرح في المقطع الأول (آ 1- 4) والأخير (آ 8- 11). وسيكون مشاهداً متفرّجاً في المقطع الثاني (آ 5- 7). ويمكننا أن نلاحظ حضور المثلث السماء/البحر/ الأرض حسب ترتيب واحد في المقطع الأول والأخير. ويظهر حسب ترتيب آخر (البحر/الأرض/السماء/ثم السماء/الأرض/البحر) مرتين في المقطع الثاني. هذا يدلّ على تأثير التعليم الذي يتضمّنه الكتاب على الكون. وهذا يدلّ أيضاً على الدقة التي بها دوّن الرائي كتابه. أما هذا الفصل فيستلهم بشكل خاص تث 12: 4-9؛ حز 2: 8- 3: 15، بعد أن أعاد صياغة ما قرأه في هذين النصين.
قبل أن ندخل في التفاصيل، يجب أن ندرك الترتيب العام للفصل. فيوحنا يجد نفسه أمام ملاك مهيب. قد لا يفهم تصرّفه (آ 1- 3، 5- 7). ولكن صوتاً آتياً من المساء علّمه الموقف الذي يليق بما يحصل حوله هذا الملاك (آ 4، 8- 11).
حمل الملاك عنصرين مميّزين: كتاب صغير مفتوح، وصوت يحرّك الرعود السبعة فيعلن إقتراب التتمة الأخيرة. قد ينتظر يوحنا هذه التتمة بموقف منفعل (لا يفعل شيئاً)، وينسى الكتاب الصغير. أما الصوت فيبعده عن تعليم الرعود السبعة (آ 4: أكتم ما نطقت به الرعود السبعة) ليدفعه إلى التعلق أولاً بالكتاب الصغير (آ 8- 11: خذ الكتاب).

1- الملاك والكتاب الصغير (10: 1- 4)
إن الملاك بصفته الرسول الإلهي، يلتحف بقدرة الله ومجده. إنه ينقل تعليم المصالحة مع الله الرؤوف (قوس قزح هو علامة رحمة الله، تك 9: 12- 17). صورة هذا الملاك تشبه صورة المسيح التي رآها الرائي (1: 12 ي). هذا يعني أن الملاك خاضع لسلطة الله. والملاك لا يورد كلماته الخاصة، بل يمسك في يده كتاباً مفتوحاً، أي إنه أُمِر بأن ينقل تعليم الله فلا يزيد عليه ولا ينقصه. إستطاع الحمل (= المسيح) وحده أن يفتح الكتاب المختوم بسبعة ختوم (5: 1)، أما الآن فتعليم الله قد سُلّم لكي يُعلن. فالملاك نفسه لا يستطيع أن ينقل أسرار الله لو لم يكن الله قد عرضها فيما مضى.
نلاحظ أن خبرة رؤية المسيح جعلت رائي بطمس يقع على الأرض (1: 17) ويصبح "كالميت". أما رؤية الملاك فلم تحدث إضطراباً عنيفاً بهذا العنف لدى يوحنا. فالملاك يجعل التعليم الإلهي في متناول الإنسان. بل هو يحرّك الرغبة في تدوين الرؤية (تأهّبتُ للكتابة).
يبدو يوحنا واقفاً على الأرض، وهو سيتحدّث عفا سيحدث على الأرض. أما الملاك فيرتدي سحاباً شبيهاً بالسحاب الذي يرافق إبن الإنسان (دا 7: 13) أو الله نفسه (خر 16: 10). والمجد الذي يحيط بوجهه يبدو كذلك المجد الذي يحيط بعرش الله في 4: 3. يبدو وجهه كالشمس، فيذكرنا بابن الإنسان (1: 16). وساقاه كعمودين من نار (رج 1: 15). 
ومع ذلك لسنا أمام المسيح نفسه، بل أمام ملاك قريب من الله. قوّته عظيمة، وقامته رفيعة. في خطوة واحدة يستطيع أن يغطّي الكون كله (آ 2، 5، 8). يسمّى "القوي" (الجبّار). وصوته عظيم. تصويره يقابل مهمته التي تعني الكون كله.
"بيده كتاب صغير مفتوح" (آ 2). التقارب يفرض نفسه مع 5: 2 حيث نجد ملاكاً آخر جباراً (قوياً) (رج 18: 21) يرتبط بكتاب السبعة ختوم. إن المشهدين يستلهمان إستلهاماً واضحاً دعوة حزقيال (2 : 8- 3: 3). فقد دُعي النبي ليأكل درجاً تقدّمه له يد (آ 9- 10). كُتب الدرج على الوجه وعلى الظهر (رؤ 5: 2) أكله حزقيال فأحسّ بطعمه كالعسل (آ 9-10).
هناك علاقة واضحة بين الكتابين رغم الاختلافات بينهما: واحد كبير جداً والثاني صغير جداً. واحد مختوم والآخر مفتوح. واحد في يد الله والآخر في يد ملاك. واحد سلّم إلى الحمل لكي يفتحه والآخر إلى الرائي لكي يأكله.
وحين أكل يوحنا الكتاب قيل له بأن يتنبأ (آ 11). وان 11: 1- 13 يصوّر المهمة النبوية للشاهدين (11: 3، 6، 10). إذن، هذان الشاهدان يجسّدان أو يحقّقان موضوع الكتاب الصغير الذي هو: الإعلان النبوي لدينونة الله التي تصيب جميع البشر. وفي النهاية، إذا كان الكتاب المختوم يمثّل العهد القديم الذي يستطيع المسيح وحده أن يفتحه ويتمه بمجيئه، فالكتاب الصغير الذي سلّم إلى الرائي يدلّ على ما سيفعله البشر لكي يهيّئوا هذا المجيء. ما يفعله الحمل يعرفه هو وحده. أما الكتاب الصغير فهو مفتوح. مضمونه واضح وقصير وملحّ: الرب يأتي. هذا ما يجب أن يقوله المسيحيون. هذه هي مسؤوليتهم التي لا غنى عنها في مجيء التتمة النهائية. ولكن كل هذا لم يفهمه يوحنا الرائي حين ظهر له الملاك.
"وصرخ بصوت عظيم كأنه زئير الأسود" (آ 3). هنا نفكّر في هو 11: 10؛ عا 1: 2؛ 3: 8 ("زأر الأسد، فمن لا يخاف؟ تكلّم الرب، فمن لا يتنبأ"؟). تأثّر يوحنا بصوت الملاك، ولكن هذا لم يدفعه إلى التنبؤ (إلى الكتابة في العالم الجلياني). فالصوت هو علامة تحرّك التعليم الذي يودّ يوحنا أن يكتبه أي "الرعود السبعة". فالرعد ليس ضجة عادية، بل هو تعليم سماوي ملوكي ومهدّد لأنه يعلن أحكام الله.
تذكّرنا أيضاً لفظة "أسد" بأسد يهوذا (تك 49: 9؛ رؤ 4: 5؛ 10؛ 3)، فتدلّ على السلطان كما تدلّ على ما في كلام البلاغ من إلحاح. وحين زاد الرعد كخلفية صوتية، أبرز بشكل أقوى سلطان الله. ففي العهد القديم يشبّه صوت الله بقصف الرعد والعاصفة (مز 18: 14؛ 29: 3؛ إر 25: 30 ي). وعدد 7 يرمز إلى الملء والطابع النهائي. فكلمة الله التي نُقلت حتى الآن، تبدو على أنها الكلمة الأخيرة، التي لا مفرّ منها، التي لا يُزاد شيء عليها. وقسم الملاك (آ 6) يؤكد أنه لم يعد من مهلة بعد الآن، أن البوق السابع سيتمّ النفخ فيه، أن سر الله سيكمّل. وهذا ما يدلّ على الطابع النهائي واللامتبدّل لدينونة غضب الله.
هذا ما حدث في حياة يسوع (يو 11: 2- 29). قال يسوع: "يا أبت، نجني من هذه الساعة... يا أبتِ مجّد اسمك". فقال صوت من السماء: "مجّدته وسأمجده". فقال الحاضرون: "هذا دويّ رعد". هكذا أجاب الله يسوع. وهنا، صرخ الملاك وقدّم الكتاب الصغير فبدا كمن يعلن الدينونة، فجاء الرعد السماوي يصوّر منذ الآن تحقيق هذه الدينونة (رج صم 12: 16- 18 حيث تبدو الرعود السبعة كالكلمة الأخيرة لله).
"تأهبت للكتابة" (آ 4). أراد يوحنا أن ينقل (= يكتب) ما فهم، ولكن الصوت السماوي أفهمه أنه يجب أن لا يفعل. أختم تعليم الرعود السبعة. أي: لا تعلنه، بل احتفظ به إلى ما بعد (دا 8: 26؛ 12: 4). سنجد عكس ذلك في رؤ 22: 10: "لا تكتم كلام النبوءة في هذا الكتاب، لأن الوقت قريب".
لماذا يكتم الرائي تعليم الرعود السبعة؟ لأننا أمام إيحاءات سرّية لا يجب أن تنشر (رج 2 كور 12: 4). ثم إن الرعود تحتفل بالتحقيق النهائي للدينونة. أما الرؤية فتقول بأن هناك مهلة، بأن الدينونة لن تتمّ الآن. إذن، لا بدّ من السكوت بشكل موقت على تعليم الرعود. نحن هنا أمام مهلة شبيهة بمهلة 7: 1-3 حيث منعت الريح من أن تهبّ. ففي هذه المهلة الأخيرة وقبل اليوم الأخير، تمتدّ حياة الكنيسة.

2- قسم الملاك (10: 5- 7)
لا نظنّ أن هذه المهلة تشكل دورة وتأخراً يدلاّن على "ضعف" الله أو "عدم قراره". لا، هذه المهلة هي جزء من مخطّط الله، لأن الله يعرف إلى أين يسير، ويعرف التاريخ الدقيق لتتمة هذا السرّ كما أعلنه لعبيده الأنبياء. إن نهاية المهلة محدّدة مسبقاً وهي قريبة جداً. في الأيام التي نسمع فيها الملاك السابع ينفخ في بوقه (10: 7). هذا ما وجب التذكير به للكنائس مراراً كما في 2 بط 3: 3- 9.
"رفع يده اليمنى" (آ 5). فالأمر كيد جدُّا إلى درجة تجعل الملاك يُقسم بالحي إلى أبد الدهور. يستلهم هذا المشهد دا 12: 5- 7: "رفع يده اليمنى نحو السماء...". وكمّل يوحنا اللقب الإلهي عائداً إلى رؤ 1: 18؛ 4: 9، 10؛ 15: 7. وتوسّع فيه مذكراً بأن هذا الحيّ هو الخالق أيضاً. قسم إحتفالي جداً وفيه أسمى تأكيد عمّا سيفعله الله.
إذن، حدّد تاريخ النهاية. نال دانيال وحياً أن التتمة ستكون بعد إضطهاد انطيوخس يأبيفانيوس بثلاث سنوات ونصف. أما بالنسبة إلى يوحنا، فسيسبق النهاية بالضرورة زمن النبوءة والشهادة الذي يمتد أيضاً ثلاث سنوات ونصف (1260 يوماً) (11: 3). زمن صعب ولكنه محدود. زمن المحنة والأمانة. إنه زمن النغمة المهدّدة والتوبة الممكنة (2 بط 3: 9): "إن الله يصبر عليكم لأنه لا يريد أن يهلك أحد، بل أن يتوب الجميع". 
"فما إن يحين الوقت" (آ 7). في نهاية حقبة هامة تجعلنا ننتظر النهاية، سيدلّ البوق السابع على تتمة سّر الله. تعود لفظة "سرّ" في رؤ 1: 20؛ 17: 5، 6 لتدلّ على المعنى الخفي لرؤية من الرؤى. وسّر الله هنا هو المعنى الخفي للتاريخ الذي يدلّ رغم الظواهر أنه ليس مسلّماً للصدفة والحتمية، بل يسير في خط معيّن. هذا ما أعلنه الأنبياء في الماضي. وهذا ما سيظهر بوضوح تام عند البوق السابع (11: 15). وإن القسم الثاني من رؤ (ف 12- 22) سيروي هذه التتمة.

3- رسالة الإنجيل (10: 8- 11)
وعلى خلفية تدلّ بالتأكيد على قرب النهاية، توجّه الصوت أيضاً إلى يوحنا. كان قد منعه. من كتابة بلاغ السبعة رعود. وها هو يفهمه ما يجب عليه أن يفعل: "إذهب، خذ الكتاب المفتوح". هو في الوقت عينه أمر. ودعوة وتولية نبوية. 
"الصوت الذي سمعته خارجاً من السماء" (آ 8). هذا يدل على طبيعة الأمر الذي وصل إلى يوحنا وما فيه من سموّ. فقد يمانع الرائي من الاقتراب إلى الملاك العظيم والمجيد دون تعليمات محدّدة من "واحد" أكبر منه. والكتاب الذي في يد الملاك هو كتاب مفتوح عكس كتاب السبعة ختوم. ويصوّر الملاك واقفاً على البحر والبرّ، أي مشرفاً على الكون كلّه من أعلى السماء.
"فذهبتُ إلى الملاك" (آ 9). أطاع يوحنا الصوت السماوي وطلب الكتاب الصغير. قيل له أن يأخذه ويأكله: سيكون حلواً كالعسل في فمه، ولكن سيكون مراً في جوفه. لقد عاد يوحنا الآن إلى الأرض، إلى مسرح القتال الأخير. لم يكن ليوحنا أن يأخذ الكتاب بشكل خارجي ودون أن يقوم بعمل، بل أن يجعله جزءاً منه على مثال يسوع الذي طعامه هو أن يعمل مشيئة من أرسله (يو 4: 34).
يعود بنا هذا المشهد إلى حز 2: 8؛ 3: 3 مع ذكر الطعام وحلاوة العسل. غير أن حزقيال لا يشير إلى المرارة في الجوف. نجد أن هذه المرارة حاضرة في مضمون الدرج: مراث، نواح، ويل (حز 2: 10). وهي حاضرة أيضاً في قساوة المهمة التي يقوم بها النبي (حز 3: 7- 8) فتملأه مرارة وغيظاً (حز 3: 14). ونستطيع أن نتذكّر أيضاً في إر 15: 16- 17 الكلمة التي تبهج وتغضب. "كانت لي كلمتك سروراً وفرحاً في قلبي، لأن اسمك ألقي علّي... جلست منفرداً، لأنك ملأتني غضباً". إن لفظتَيْ "حلو، مرّ" تعودان إلى عواطف النبي أكثر منه إلى مضمون البلاغ. فدعوته تكشف له وجهتين متعارضتين في مهمته النبوية: حلاوة بأنه بجمل بلاغاً يعلن الغلبة (مز 19: 10- 11؛ 119: 103). مرارة لأن عليه أن يكشف القناع عن القلوب القاسية ويحارب هذه القساوة. وسنجد صورة واضحة عن هذا الوضع في خبر الشاهدين (ف 11).
من أراد أن يعلن كلمة الله جعلها جزءاً منه، فيكون منادياً بلا عيب لكلام الله في ملء نقاوته، ولا يعطي أفكاره وتفسيره الخاص لكلمة الله. وهكذا شدّد الرائي على سلطته الخاصة التي يكفلها الله، فدوّن كتابه. فالرّب الحاضر والفاعل في كنيسته لا يتكلّم فقط في الأناجيل والرسائل، بل في سفر الرؤيا أيضاً.
"قيل لي: يجب أن تتنبأ ثانية" (آ 11). بعد أن "هضم" يوحنا الكلمة التي تضع البشر أمام نفوسهم وأمام الله، بعد أدن صار والكلمة "جسداً واحداً"، ها هو يُرسَل كما أرسل إرميا (إر 1: 5، 9- 10). أُرسل إلى جميع البشر. غير أن اللائحة التي تضمّ عادة الألسنة والقبائل والشعوب والأمم (5: 9؛ 7: 9؛ 13: 7؛ 14: 6) تذكر هتا الملوك بدل القبائل. وهكذا يعلن النصّ أن الشاهدين سيصطدمان بأكثر خدّام الشيطان نشاطاً وهم: ممثّلو السلطة السياسية في الأمبراطورية المتعبّدة للأوثان.
إلى ماذا يرمز هذا الكتاب الصغير؟ هنا اختلفت الآراء. فقال بعضهم هو الإنجيل. والبعض الآخر كلمة الله كما وصلت إلى يوحنا. نشير إلى أن هذا الدرج لن يذكر فيما بعد في رؤ، ما يتضمّنه هذا الدرج هو تعليم للكنيسة المؤمنة ونحن نجده في الآيات اللاحقة (11: 1- 13).