الكرستولوجيا اليوحناويّة

 

ليس من السهل أن ندرك إدراكًا دقيقًا فكر يوحنا الكرستولوجي في الحالة الآنيّة لهذا الانجيل، أي في تدوينه الأخير. فهناك عدّة معطيات تتعلّق بيسوع الابن، بالآب، وبالاسكاتولوجيا، وبأمور أخرى، تبدو في أفقين اثنين. فالمسيح يقدّم على أنه كله "مرتبط" بالآب. وفي الوقت عينه، تبقى استقلاليّته كاملة. هو المرسل، ذاك الذي لا يقول شيئًا من ذاته. وفي الوقت عينه، هو الكلمة الذي كلامه مستقلّ. وأيضًا: عند يوحنا تبدو الاسكاتولوجيا وكأنها تحقّقت: "جاءت الساعة وهي الآن" (23:12؛ 16: 22). وفي الوقت عينه، ليست النهاية بعدُ هنا (2: 4؛ 8: 20). وأيضًا: كل شيء يبدو محدّدًا بيد الله. وفي الوقت عينه، تبقى حريّة الايمان. بل يبدو أن الكاتب يلعب على هذه المواضيع "في مخالفة متبادلة"، ساعة يكون تقديمه المجيد للكلمة في انشداد مع بشريّة المصلوب. وأيضًا: هناك اسكاتولوجيا "تالية" (نهاية أخيرة ما زلنا ننتظرها) في انشداد مع اسكاتولوجيا قد "تحقّقت" وكأن الأزمنة تبلبلت، وكأن "ما لم يتمّ بعد" من خلاص نهائي قد دخل في خلاص "حاضر هنا" منذ الآن. 
هل نعود فقط إلى مراجع أو إلى تقاليد مختلفة لكي نجد حلاً لهذه الاختلافات؟ أما تكون هذه الاختلافات في قلب التقليد اليوحناوي (وفي قلب سائر التقاليد أيضًا)، في قلب "المسيرة الجدليّة" للاهوت اليوحناوي (واللاهوت البولسيّ أيضًا)، في قلب علاقة لا نفهمها بين ما نسمّي اليوم بشريّة يسوع ولاهوته الذي لا يعبرّ عنه؟ إن مسيرة الايمان تأخذ على عاتقها هذه الانشدادات القصيّة، بل هي تستفيد منها من أجل انطلاقة للاعتراف بربّها.
لقد حاول عدد كبير من أخصائيّ يو أن يُبرزوا هذه الاختلافات الداخليّة في النص اليوحناويّ، مستعينين أولاً بمراجع أو تقاليد عديدة حسب الأوقات المهمّة في حياة الجماعة. وهذا المجهود (من النمط الدياكروني) يلفت الانتباه، وإن ظلّ كل (على المستوى السنكروني) تفسير العناصر اليوحناويّة "في انشداد معاكس"، مهمًا جدًا.

1- التوسّع الكرستولوجيّ في التقليد اليوحناويّ
أ- على المستوى الدياكروني، نذكر بوئير الذي يمّز أربع مراحل لتوسّعه في التقليد اليوحناويّ:
أولاً: في البداية، لا يتضمّن الانجيل سوى مجموعة معجزات قدِّمت على أنها آيات مسيحانيّة (2: 1- 11؛ 46:4-54؛ 5: 1-9 أ؛ 9: 1-7؛ 11: 1-44). بعد ذلك، جاء خبر الباعة (2: 14-22)، ثم خبر الآلام، وأخيرًا الخاتمة (20: 30- 31). كل هذا يمجّد وجه يسوع كالمسيِح وموسى الجديد الذي يُجري الآيات والمعجزات المسيحانيّة. بهذا الشكل، دلَّت الجماعة المسيحيّة المتهوّدة، جماعة التلميذ الحبيب، على مسافة جعلتها بينها وبين تلاميذ يوحنا المعمدان، بينها وبين سائر اليهود.
ثانيًا: على أثر استبعاد المسيحيين من المجامع، أعاد تلاميذُ هذا التقليد اليوحناويّ عينه، قراءةَ التقليد الأول، فأبرزوا وجه المسيح كابن الله، والمرسل الذي نزل من السماء قبل أن يصعد إلى الآب. حينئذ برزت مسألة أصل يسوع الالهي. لهذا، ازدادت الحرب ضدّ اليهود بشكل واضح. ما استطاع هؤلاء اليهود أن يحتملوا ما بدا لهم نظرية عن إلهين اثنين. عند ذاك تفتّحت كرستولوجية الكلمة الموجودة قبل الزمان: هو موجود قبل ابراهيم (يو 8: 56)، بل هو موجود منذ الأزل (1: 1-2، 14).
ثالثًا: ثم جعلت الجماعة انتباهها على وجه ابن الانسان، الديّان الاسكاتولوجيّ، المرفوع الآن والممجّد على الصليب. فصارت الحرب أكثر ضراوة مع اليهود بسبب اضطهادهم للمسيحيين. بعد هذا، شدّدت قراءة التقليد على الانتظار وعلى المستقبل (دون أن تبقى عند اسكاتولوجيا تحقّقت).
رابعًا: وأخيرًا، كانت قراءة أخيرة، بالنظر إلى الأزمة "الغنوصيّة" التي هزّت الجماعة حينذاك (وهذا ما نجده في 1 يو). حينئذ كان تشديد على بشريّة يسوع (رفض الظاهريّة) وعلى موته كذبيحة. فهو الذي يطهّر الخطيئة ويكفّر عنها.
ب- ونذكر أيضًا برون الذي سبق "بوئير" وشابهه في بعض الأمور، حين أراد أن يعيد بناء التوسّع الكرستولوجيّ في يو. في الحقبة الأولى من التقليد اليوحناويّ، حدّدت الجماعة هويّتها بالنظر إلى وجه المعمدان، وبالتالي في الخط المعمداني مع موقفه تجاه الهيكل والذبائح. وطبع موقفٌ من القطيعة بطابعه هذه المجموعة المسيحيّة المتهوّدة، على شاكلة قمران، أو في خط "الأنبياء الاسكاتولوجيين" الذين قدّموا نفوسهم مثل "موسى الجديد" أو "يشوع الجديد"، فدعوا الجموع إلى البريّة. لاشكّ في أن مجموعة "الحبيب" الفلسطينيّة ظلّت في بدايتها "مسيحيّة متهوّدة". غير أنها اتخذت مسافتها بالنسبة إلى اسرائيل بشكل عام. وهكذا اختلفت عن يعقوب، وبالأحرى عن "جماعة يعقوب" التي أرادت الاحتفاظ بعلاقتها مع اسرائيل.
بعد ذلك، وعلى مستوى ثان، جاء بعد المستوى الأول وبدا موازيًا له، ظهرت مجموعة يهوديّة مهلينة ترتبط بيوحنا، وتحارب بشكل خاص في السامرة (4: 39-42)، وتغتني بحضور "اليونان" (12: 20-23) أو مرتدّين جاؤوا من الأمم. وبمختصر الكلام، نستطيع أن نميّز في الجماعة اليوحناويّة ثلاث طبقات سوف تكوّنها بشكل تدريجيّ: (1) مسيحيون متهودون فلسطينيون. (2) يهود مهلينون ذات روح رسوليّة. (3) مسيحيون مهلينون. من الواضح أن العبور إلى الأمم سيُبرز بشكل قويّ القطيعةَ مع "اليهود" كما مع "العالم" اللذين لم يقبلا المسيح.
ولكن يُطرح السؤال: بعد أن تعرّفنا إلى هذه المجموعة معرفة قليلة أو كثيرة، إلى أي حدّ نستطيع أن نربط بكل منها خيارات كرستولوجيّة حسب الأوقات والأزمنة. هنا نحفظ نفوسنا من "تطوّر كرستولوجيّ" فيه تعود المجموعات على التوالي إلى مسيح داود. إلى النبيّ الذي مثل موسى. ثم إلى الرب في وجوده الأزلي، في وسط غطسَ في العالم الهلنستي ولامسته الغنوصيّة. وهكذا ننتقل من "كرستولوجيا دنيا" عن المسيح، إلى "كرستولوجيا عليا" مع الكلمة. في الواقع، تبدو الأمور متشعّبة. وإذا استطعنا أن نميّز مواضيع مختلفة، إلاّ أننا لا نستطيع أن نرتّبها ونؤرّخها حسب ظهورها. وإذا أردنا أن نرى المسألة بوضوح، نتوقّف على التوالي عند مختلف التسميات الكرستولوجيّة التس استعادها التقليد اليوحناويّ.

2- الألقاب الكرستولوجيّة في يو
أ- الألقاب الرئيسيّة
ونبدأ بالألقاب التي تعتبر رئيسية: المسيح. رج 1: 41 حيث نقرأ بفم اندراوس الذي قال لأخيه سمعان: "وجدنا ماسيا أي المسيح". وفي 4: 25 في حوار بين يسوع والسامرية. قالت: "أعرف أن ماسيا ذاك الذي يُدعى المسيح، يأتي...". قال لها يسوع: "أنا هو أنا المتكلّم معك" (رج 4: 29، قالت المرأة: ألا يكون المسيح؟). وفي 7: 27، 31، 42 نقرأ جدالاً بين يسوع واليهود حول المسيح: "إذا ما أتى لا يعلم به أحدٌ". "متى جاء المسيح أتُرى يعمل آيات أكثر من هذا"؟ "هل يأتي المسيح من الجليل" أم "من بيت لحم"؟ في 9: 22، يهدّد اليهودُ بالحرم كلّ من يعترف بأن يسوع هو المسيح. رج 10: 24؛ 27:11؛ 31:20.
واللقب الثاني: يسوع المسيح. نقرأ في 1: 17 مقابلة بين موسى ويسوع: "النعمة والحقيقة بيسوع المسيح قد حصلا". وفي 3:17 نقرأ في الصلاة الكهنوتيّة: "أن يعرفوك أنت الاله الحقيقيّ الوحيد، والذي أرسله يسوع المسيح".
غاب لقب "ابن داود" (رج 7: 42). وظهر ملك اسرائيل في فم نتنائيل (رابي أنت ابن الله، أنت ملك اسرائيل، 1: 49) وفي فم مستقبلي يسوع الآتي إلى أورشليم (مبارك الآتي باسم الرب، ملك اسرائيل، 12: 13)، ثم ملك اليهود في خبر الآلام (18: 33؛ 19: 3، 19).
وشموع هو الابن (18:1؛ 3: 6). وابن الله (1: 49؛ 18:3: لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد). والربّ (4: 11). وابن الانسان (1: 51 وحتى 13: 31. ولكن هل نحن أمام لقب؟).
ب- تسميات مختلفة
ونذكر تسميات مختلفة تعود إلى حقبات مختلفة ومصادر متنوّعة. فتدلّ على أصل يسوع: هو ابن يوسف (1: 45؛ 6: 42). ولكن غاب "ابن مريم". هو الناصريّ (نازورايوس، 18: 5، 7، 19: 19). وتدلّ على وظيفته في المجتمع: هو رابي (1: 38، 49...). ومعلّم (ديدسكالوس، 1: 38...). وتدلّ على دوره الدينيّ الحالي والمقبل: هو النبيّ (4: 19، كما قالت السامريّة؛ رج 17:9 في خبر شفاء الأعمى). هو ذاك الآتي (6: 14؛ 11: 27). ذاك الذي لا يدين (3: 17؛ 12: 47). وذاك الذي يدين (5: 22؛ رج 8: 15، 16، 26). وتدلّ على رسالته: المرسل (ابوستولوس، 3: 17... 20: 21). والراعي (10: 11).
ج- صفات تدلّ على كيانه
نجد تسميات تورد صفات تشير إلى عمق كيانه في علاقته مع الله والبشر. غابت تسمية "الخادم" (دولوس أو دياكونوس). وتسمية "البار" و"البكر" و"الحبيب"، و"آدم الجديد أو الأخير" و"حكمة الله" و"صورة الله". وسمّي يسوع "قدوس الله" (6: 69)، "العريس" (3: 29)، "الكلمة (1: 1، 14؛ 1 يو 1: 1). ولا ننسى لفظة "الله" التي طبّقت على يسوع (1: 1) مع "إغو إيمي" (أنا هو) في 24:8-28.
د- ألقاب تدلّ على عمل الخلاص
ونورد أيضًا عدّة ألقاب تدلّ على عمله الخلاصيّ. هو المخلّص كما اعترف به السامريون بعد أن بشرّتهم المرأة ثم بشرّهم هو (4: 42). هو الحمل الذي يحمل خطايا العالم، كما سمّاه يوحنا المعمدان (1: 29، 36). هو البارقليط (14: 16؛ 1 يو 2: 1، بارقليط آخر). هو القيامة والحياة (11: 25). ولكن غابت لفظة "الوسيط". ولا ننسى الألقاب الاستعاريّة: النور (1: 4؛ 8: 12؛ 9: 5). خبز الحياة (32:6). ينبوع الماء الحيّ (37:7). الباب (10: 7). الطريق (14: 6).
ما نلاحظه للوهلة الأولى هو غنى اللغة الكرستولوجيّة في يو وتنوّعها، وارتباط هذه اللغة مع سائر التقاليد الكنسيّة بما فيها من تشابهات واختلافات.

3- دراسة بعض المواضيع والالقاب الكرستولوجيّة
أ- يسوع والمعمدان
نتذكّر بادئ ذي بدء المسافة الشاسعة بين يسوع والمعمدان، التي كانت السبب في تكوين مجموعة أخرى، مجموعة معمدانية. نقرأ في 4: 1: "إن يسوع يصطنع تلاميذ ويعمّد أكثر من يوحنا". لقد وُلدت الكرستولوجيا من هذه القطيعة الاولى فحرّكت تقييمًا جديدًا لشخص يسوع وعمله.
اختلفت مسيرة يسوع عن مسيرة المعمدان. يوحنا يعمّد في عين نون قرب ساليم، ربّما في السامرة. يسوع يعمّد في بيت عينا، في عبر الاردن، ثم في اليهودية (3: 22-23). ظلّ يوحنا يعمّد واستمرّت مجموعته تعمّد بعد موته (مر 29:6) وحتّى زمن الآباء على الأقلّ. وبعد ذلك، لم يتردّد بعض من تلاميذ يوحنا من تسمية معلّمهم المسيح كم تقول الرسائل الاقليميّة المزعومة. لهذا أراد يو أن يوقف هذا التمدّد في الاعتداد المسيحاني، فشدّد قائلاً: "اعترف يوحنا وما أنكر. اعترف: إني لست المسيح" (1: 20). ومن جهته، توقّف يسوع عن التعميد، كما يقول 2:4 في جملة قاطعة (مع أن يسوع لم يكن هو نفسه يعمّد بل تلاميذه). فالأناجيل الازائيّة هي أيضًا لا تتحدّث أبدًا عن عماد يمارَس خلال رسالة يسوع العلنيّة. بل هو الصمت الكامل. ونلاحظ أيضًا صمت يو حول عماد المعمدان كفعلة من أجل غفران الخطيئة (مر 1: 4- 5). فمنذ الآن، "حملُ الله" هو "الذي يرفع خطيئة العالم" (1: 29). وزال التشديد على الماء، وحلّ محلّه التشديد على الروح (يو 1: 32-33، لم يذكر عماد يسوع بالماء على يو المعمدان). فالخلاص لم يعد في الماء، بل خارج الماء، في الروح.
حسب يو امّحى المعمدان أمام يسوع: أعلن المعمدان في 1: 27: "ذاك الذي يأتي بعدي" (يو 1: 27-28؛ مت 3: 11). وحصر الانجيلي وجه المعمدان بالنسبة إلى يسوع. أعلن أنه ليس المسيح (1: 20). ثم كبّر هذا الوجه بالنسبة إلى المؤمنين: صار المعمدان المعترف الأول بالايمان في خط كرستولوجيا عليا: "يأتي بعدي انسان قد تقدّم عليّ، لأنه كان قبلي" (1: 30). "وأنا رأيت وأشهد أنه هو ابن الله" (آ 34).
ب- القدوس
ونورد في عجالة تسميتين كرستولوجيتين قديمتين، ما عتّمتا أن زالتا من اللغة المسيحيّة. يسوع هو "القدوس" (المنفصل)، هو "البار" (أعلنه الله بارًا). كان هذان اللقبان قد طبّقا على يوحنا المعمدان. "كان هيرودس يخاف يوحنا، لأنه علم أنه كان رجل بار وقديس" (مر 6: 20؛ رج مر 1: 24). ثم أعطاهما بطرس يسوع في إحدى خطبه: "أنكرتم القدّوس والبار" (أع 3: 14). وكذلك فعل اسطفانس حين أشار إلى الأنبياء الذين "أعلنوا مجيء البار" (أع 7: 52). في انجيل يوحنا، أعلن بطرس كلامًا بلتقي مع اعتراف قيصريّة فيلبس كما نقرأه عند الإزائيين: "نحن نعلم أنك قدوس الله" (6: 69. في مر 1: 24، نقرأ هذا اللقب في فم الشياطين). لن نعود نرى هذا اللقب في الانجيل الرابع.
ج- يسوع النبيّ
وهنا أيضًا يتميّز وجه يسوع النبويّ عن وجه المعمدان. فهذا الأخير قد سمّاه والده زكريا "النبيّ" (لو 1: 76)، وكذلك فعلت الجموع حسب مت 11: 5؛ 21: 26 (كلهم يعتبرون يوحنا نبيًا). ويسوع نفسه قال عن المعمدان حسب مت 9:11؛ لو 26:7: "ماذا أتيتم ترون؟ أنبيًا؟ بل أعظم من نبيّ". ولكن إذا عدنا إلى الانجيل الرابع نسمع جوابًا سلبيًا لدى المعمدان. سألوه: "هل أنت النبيّ"؟ أجاب: "كلا" (1: 21، 25). بل ليس هو "إيليا الذي عاد إلى الحياة" (يو 1: 21، 25)، كما يقول مر 1: 1 ي.
أما يسوع، فالتقليد الازائيّ يعطيه لقب النبيّ بشكل غير مباشر: "قال لهم يسوع: لا يُحتقر نبيّ إلاّ في موطنه" (مر 6: 4؛ رج يو 44:4؛ لو 33:13). كما أعلنت الجموع: "هذا هو النبيّ يسوع من ناصرة الجليل" (مت 21: 11؛ لو 7: 16). في انجيل يوحنا، ظهر هذا اللقب بشكل متواتر. في خبر السامرية، "أرى أنك نبيّ" (يو 19:4). وكذلك في خبر المولود أعمى: "هو نبيّ" (17:9). ونجد في شكل خاص كيف يقدّم يسوع نفسه على أنه نبيّ وملك معًا. فحسب 1: 45، قال فيلبس لنتنائيل في مناخ تث 15:18، 18: "هذا الذي كُتب عنه في شريعة موسى وفي الأنبياء، قد وجدناه" (1: 45). وفي 6: 14-15 هتف الجمع بعد الفعلة الموسويّة التي قام بها يسوع حين كثّر الأرغفة: "هذا هو حقًا النبيّ الذي سيأتي إلى العالم"... "ولكن يسوع علم أنهم سيأتون ليختطفوه ويجعلوه ملكًا".
لاحظنا أن معطيات العهد الجديد محصورة، لأن اللقب النبويّ ظهر حالاً غير كاف وغير كفوء. فهذا اللقب القديم ما عاد يدخل في اعترافات الايمان، إلاّ للدلالة على يسوع كما "من قبل" (لو 19:24 وما قاله تلميذ عماوس). ومع ذلك، استعمل يو هذا اللقب بشكل أوسع بعد أن بدّل معناه وحمّله مدلولاً عميقًا.
ونضيف أن لقب "نبيّ" بدا حينذاك خطرًا، بعد أن استعمله هؤلاء السحرة والمضلّلون (7: 12؛ مر 13: 5-6، 22) الذين قدّموا نفوسهم في أيام موسى الجديد فأتمّوا الآيات والمعجزات المسيحانيّة التي تحدّث عنها سفر التثنية. كان أنبياء مثل توداس والمصري اللذين تكلّم عنهما فلافيوس يوسيفوس في العاديات اليهودية (20: 9) ولوقا في أع 5: 36؛ 21: 38.
في الواقع، في القرن الأول المسيحي، اتجه لقبا المسيح الملك والنبي اللذان كانا مميّزين في الأصل، إلى الاندماج (مر 13: 22)، بحيث إن اللقب النبويّ حمل قوّة لفظة مسيح في عصره (رج اتهام يسوع "ملك اليهود"). لهذا، سيتجنّب يوحنا قدر الامكان التباس لقب مسيحاني وسياسيّ ودينيّ. وسيقلّل في الظاهر من الأهميّة الكبرى المعطاة لعجائب يسوع (سمّاها آيات، لا معجزات أو أعمال قوّة، دينامايس. وألغى فعلة يسوع في طرد الشياطين وما استعاد إلاّ القليل من المعجزات الواردة عند الازائيين). ومع ذلك، استعاد التقليدَ المسيحيّ المتهوّد القديم الذي يشير إلى فعلتين رئيسيتين لعطيّة الخبز والسير على المياه (6: 1-15، 16- 21)، رافقتهما خطبة طويلة. فيسوع هو موسى الجديد. وهو أيضًا أعظم من موسى: يعطي الخبز مثل الله (لا كموسى)، ويسيطر على الماء كما يفعل الله.
ومع ذلك، فاللقب النبويّ القديم كانت له فائدته. فهو يطبع بطابعه تجديد كلمة الله. الله يتكلّم (إذن يتدخّل) من جديد بواسطة نبيّه، تجاه الذين اعتبروا أن "السماوات أغلقت" منذ ملاخي (توسفتا سوطا 13: 2). حينئذ استغلّ يو هذا الموضوع وأعطاه معنى عميقًا. فدلّ على يسوع "الكلمة" (لوغوس)، كلمة الله السامية والفاعلة. لاشكّ في أن موضوع "اللوغوس" عُرف لدى فيلون الاسكندراني الذي جعل منه قوّة (شبه ملائكيّة ومخلوقة) تلعب دورًا لدى الله في الخلق على مثال الحكمة. ولكن الألفاظ الأولى في المطلع اليوحناوي تبدو كالرعد فتحدّد موقع هذا الكلمة في الله نفسه.
ثم إن هذا اللقب النبويّ يشير إلى وجه إيليا ووجه موسى. ففي يو، يقدّم يسوع نفسه بشكل متسام، على أنه إيليا الجديد، على أنه بدرجة أكبر موسى الجديد. فنتذكّر الاعلان الالهي الذي نقرأه في تث 18: 15: "يقيم الرب إلهك نبيًا مثلي... تسمعون له". ويظهر الموضوع أيضًا في ما قاله المعمدان الست إياه، 1: 21). إن لفظة "أنا هو" التي تبدو عادية وتحمل في الوقت عينه معنى عميقًا سنجده في يو 28:8، 58، تبدو امتدادًا لما نقرأ في تث 15:18: "مثلي". ولكن هذه العبارات العميقة جدًا سوف تتفجّر أيضًا في يو، في كل الاتجاهات.
د- المسيح، الملك والملكوت
يستعمل التقليد اليوحناوي في هذا الوسط المسيحي المتهوّد ذات الطابع الخاص، اللقب المسيحاني بشكل واسع. ولا ينسى القرّاء اليونانيين الذين لا يعرفونه بعد: "وجدنا المسيح (مشيحا في الأرامية)، وجدنا الماسيا" (1: 41؛ رج 25:4). هذا ما قاله اندراوس لسمعان أخيه. فمسيحانيّة يسوع هي موضوع اكتشاف يجب أن ينتشر كالبشرى (كالخبر الطيّب) "لكي تؤمنوا أن يسوع هو المسيح، ابن الله" (20: 31).
في الظاهر، هي عبارة لا تحرّك تحفّظات إلا إذا أعطيناها معنى "ملكيًا" مفرطًا (6: 15: أرادوا أن يختطفوه ليجعلوه ملكًا". رج 18: 36). فلفظة "خرستوس" (مسيح) تبدو وكأنها مفصولة عن لفظة "ملك". ومع ذلك، فهذا اللقب الملكي لا يُرفض. فالتأكيد الملكيّ واضح على شفتي نتنائيل: "أنت ملك اسرائيل" (1: 49؛ رج 13:12-14). وقد سجّله يو في قلب خبر الآلام مع سؤال بيلاطس: "أأنت ملك اليهود" (مت 27: 11)؟ وسار الانجيليون الآخرون في الخطّ عينه. غير أن يسوع اليوحناويّ سيعرف كيف يبيّن الاختلاف: هو ملك ولكن لمملكة أخرى: "مملكتي ليست من هذا العالم". فقال له بيلاطس: "أأنت ملك إذن"؟ أجاب يسوع: "أنت تقول إني هو" (18: 36-37). وهكذا أزيل الالتباس المسيحانيّ.
هـ- الابن وابن الله
سمّى يسوع نفسه "الابن"، ولاسيّما في إطار تقليد المعين (مت 11: 27؛ لو 10: 21-22): "كل شيء أعطي لي من قبل الآب، ولا يعرف أحد الابن إلاّ الآب، ولا يعرف أحد الآب إلاّ الابن ومن شاء الابن أن يكشف له". إن لهذا العنصر رنّة يوحناويّة، وهو يؤكّد في الوقت عينه الرباط بين الآب والابن: خضوع (على مستوى الوجود والحياة) الابن بالنسبة إلى الآب، ومعرفة متبادلة بين الاثنين، في خبرة حيّة بين الاثنين. هذه العلاقة الشخصيّة بين الاثنين تعطي لقب الابن وزنًا أثقل ممّا نجد فقط في عبارة "ابن الله" التي يختلف معناها باختلاف السياق.
قد تعني التسمية: لقب مسيحانيّ كما في قمران. أو ما يدلّ على حماية إلهيّة (مت 3: 11 وكتب الحكمة). أو اسم أعطي للملائكة أو اسرائيل أو الأبرار. وهناك المعنى القويّ الذي نقرأه عند بولس في روم 1: 3 (عن ابنه يسوع المسيح ربّنا)، وعند مرقس حيث يكشف الله عن ابنه في المعموديّة والتجلّي. فكيف لا نلاحظ تشديد يو الكبير على لفظة "الابن" التي تستعمل في المطلق: يو 1: 18؛ 3: 16-17؛ 5: 19-23، 26؛ 6:6، 40؛ 36:8؛ 14: 13؛ 17: 1. وعبارة "ابن الله" حاضرة أيضًا: 1: 49؛ 3: 18؛ 5: 25؛ 10: 36؛ 11: 4، 27؛ 19: 27؛ 20: 31. فبحسب يو لسنا أولاً أمام لقب أعطاه الله (كما في مرقس)، أو أقرّ به المؤمنون أخصّاؤه (مت 16: 16)، بل تعبير عاديّ في فم يسوع. هو صفة مرتبطة به منذ حضن الآب (18:1)، وليس فقط في العماد أو على الصليب أو في القيامة.
حين يرد هذا اللقب في المطلق، فهو يحيلنا إلى وجه الآب. فالكل يعرفون كم يحبّ يسوع أن ينادي الله بلفظة: الآب (لو 11: 2). أبي (لو 49:2. ولكن في مت ويو خصوصًا) أبانا (مت 6: 9). إن الاستعمال اليوحناوي للفظة الآب هي متواترة جدًا، دون أن نستطيع أن نُبرز الفرق اللاهوتي بين "الآب" و"أبي" و"أبينا" (20: 17). ومع ذلك، فإذا كان الله أبا جميع البشر، فموضوع
(2: 16... رج مت 7: 21...) يُبرز تصرّفَ يسوع النبويّ، ويدلّ على أنَّ علاقته بالآب هي من نمط خاص.
يشدّد الانجيليّ على هذه البنوّة الفريدة، بنوّة يسوع (18:1؛ 3: 16، 18)، على علاقة مباشرة ومتبادلة بين الآب والابن (5: 15، 23...). لأن "الآب يحبّ الابن وقد جعل كل شيء بين يديه" (35:3؛ رج 22:6؛ رج أيضًا لو 11: 22). إنه "الأوحد" (المولود وحده) (1: 14). بالإضافة إلى ذلك، تنسب "إيس" (إلى) و"مونوس" (واحد، وحيد، فريد) إلى الله بشكل رفيع، في الكتاب المقدس. رج مت 23: 8-9 (لا تدعو أحدًا على الأرض أبًا)؛ روم 3: 30؛ يو 8: 41. الله هو الوحيد كما تقول صلاة "اسمع يا اسرائيل" (تث 6: 4)، وكما يقول يسوع أيضًا. وبمختصر الكلام، في يو، يسمّي يسوع نفسه "الابن". ونجد الاعتراف الكرستولوجيّ في الجماعة اليوحناويّة مجموعًا في كلمة مرتا عن ابن الله: "نعم يا رب. أؤمن أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم" (يو 11: 27).
د- المعلّم والربّ
سُمّي يسوع "رابي" (معلّم) في 1: 38، 49؛ 3: 2؛ 4: 31؛ 25:6؛ 2:9؛ 8:11؛ 16:20. هو ما سمّى نفسه كذلك، بل سمّاه الآخرون. وسُمّي "ديدسكالوس" (معلّم التلاميذ) في 1: 38؛ 3: 2؛ 8: 4؛ 11: 28؛ 13:13-14؛ 20: 16). سمّاه الآخرون كذلك. وهو ما سمّى نفسه إلاّ في 13: 13-14: "تدعونني معلّمًا وربًا... وأنا كذلك". ولكن لقب "الرب" يعطي لقبَ المعلّم بُعدًا كبيرًا جدًا.
يطبَّق لقب "كيريوس" (السيّد، الرب) على يسوع قرابة أربعين مرة (يو 4: 11...). وهكذا تجاوزنا بشكل واضح لقب ربّ البيت. هذا اللقب هو أسمى لقب في اعتراف الايمان اليوحناويّ (كما عند بولس ولوقا، لا كما عند مرقس). وفي السياق الشرقيّ بشكل خاص، انطبق اللقب عادة على الآلهة، ثم على الأباطرة (منذ كاليغولا ونيرون). وفي نهاية حكم دوميسيانس (81-96)، نسب هذا الأمبراطورُ إلى نفسه لقب "كيريوس كاي تيوس" (الرب والاله)، فضمّ كيريوس إلى الله. تذكّر التقليد اليوحناويّ (بما فيه سفر الرؤيا) هذا الكلام، فقدّم اعتراف توما الايماني: "ربي وإلهي" (يو 20: 28).
على أثر هذه الملاحظات القليلة حول الألقاب الكرستولوجيّة عند يو، يبدو من الأهميّة بمكان أن ندرك كيف اعترف يوحنا بما نسمّيه اليوم "ألوهيّة المسيح" (عبارة مأخوذة من العالم اليوناني). نتذكّر هنا فقط النصوص الهامة المتعلّقة بهذا الموضوع: فل 2: 6؛ روم 9: 5؛ وبشكل غير مباشر: 1 كور 8: 6؛ ثم كو 1: 15؛ 19:2 (فيه يسكن جسديًا كل ملء اللاهوت)؛ تي 13:2 (إلهنا العظيم ومخلّصنا المسيح يسوع؛ رج 2 بط 1: 1، 3). ولكن يوحنا يتفوّق عليهم في خطّ "الكرستولوجيا العليا"، فيشدّد على هذه النقطة الرئيسيّة: 1: 1؛ 18:5؛ 10: 33؛ 20: 28؛ 1 يو 5: 20.
ونكتفي بالإشارة إلى ما يقال حول أصل ابن الله "الذي هو في حضن الآب" (18:1). الذي جاء "من السماء" (من عند الله) (13:3، 31؛ رج 6: 31-58). قال الخصوم: يسوع يجدّف "لأنك وأنت انسان تجعل نفسك الله" (33:10). وقالت الخاتمة الاولى في ف 20 (لا الخاتمة الثانية في ف 21) في عبارة جمعت هذه الألقاب الكرستولوجيّة: "ربّي وإلهي. المسيح وابن الله" (28:20 ي). ومرمى الكتاب مرمى كرستولوجي واضح: هو الكتاب اليوحناويّ لاعتراف الايمان.
وأخيرًا، وفي خطّ التقليد اليوحناويّ في ملئه، كان موضوع اللوغوس (كلمة الله) مقدّمة للانجيل كله. وكان لهذا الموضوع رنّة قويّة في سياق فلسطينيّ ومسيحيّ متهوّد. فالكلمة والكيان هما واحد بحسب الفكر الساميّ. الله يتكلّم، وهذه الكلمة هي أكثر من أداة يعطيها الله لذاته. هذه الكلمة ليست مخلوقة على مثال الحكمة. وقد تماهى يسوع مع الكلمة الالهيّة (1: 1، 14؛ 1 يو 1: 1؛ رؤ 13:19). وهذا التماهي السامي يلقي ضوءًا على التقليد اليوحناويّ في انطلاقته وفي مجرى الانجيل فيقدّم عمق الفكر اليوحناويّ.
إن العبارة التي تبدأ يو، تجعل انشدادًا بين ثلاثة تأكيدات غير منعزلة الواحدة عن الأخرى. "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله" (1: 1). وهذا قبل أن نصل إلى الاعلان الأساسي: "والكلمة صار بشرًا" (آ 14). إن هذا التقليد لا يجد صدى له في سائر التقاليد المسيحيّة، ولو استمرت هذه التقاليد تذكر أقوال يسوع. أيكون السبب خاصية يوحنا في إطار مسيحيّة متهوّدة من النمط الصوفي (المستيكي)، ترتبط بقمران أو بالاسكندريّة؟ أيكون لأن بولس واللحمة الانجيليّة الأولى التي نسجها مرقس، قد أبرزا يسوع في عمله الخلاصي، لا في كلامه مثل يوحنا؟ أيكون لأن صورة كلمة الله ما أتاحت للكنيسة أن تميّز كلمة يسوع في خاصيتها؟ إن كان التماهي بين يسوع والكلمة قد وصل إلى هذا الحدّ (على مثال فيلون الاسكندراني)، أما نصل إلى شكل من أشكال المودالية (أو: الشكليّة) التي تجعل من يسوع مجرّد ظهور تاريخيّ لله؟ ولكن يسوع يحافظ على هويّته تجاه الله، دون أن يكون أو يصير "إلهًا ثانيًا" كما قال فيلون