الشهادات في إنجيل يوحنا

 

إن موضوع الشهادة هو من دون أي شك ذو أهمية أساسية بالنسبة لعصرنا. فالأيمان المعلن بالقول والتعليم يبقى عقيمًا إذا لم تصحبه شهادة الحياة. في الواقع، يتأثّر مجتمعنا بالشهادة النابعة من إيمان ملتزم، أكثر من تأثّره بالمواعظ البليغة؛ فالشاهد أكثر فاعلية من الواعظ.
بيد أن هذا الموضوع ليس ابتكارًا جديدًا، بل يشكّل استمرارية مع التقليد الكنسي منذ بداية المسيحية ويستنبت جذوره من الكتاب المقدّس. فالشهادة هي أحد المواضيع التي استعملها الكتاب المقدّس ليوصل الانسان إلى ثروات السرّ الإلهي: مثل مواضيع العهد أو الميثاق والكلمة.

الشهادة في العهد القديم
إن الشاهد في العهد القديم، هو النبي قبل أي شيء آخر. يعرف النبي الله، لأن الله كلّمة، وأوكل إليه كلمته. تلقّى النبي كلمة الله، لا ليحتفظ بها، بل لينقلها إلى سواه. إنه خادم الكلمة، وشاهد لله، وسط مناخ من العداء والاضطهاد في أغلب الأحيان.
والشاهد في العهد القديم هو أيضًا شعب إسرائيل الذي اختاره الله ودعاه: "أنتم شهودي، يقول الرب، ذريّة عبدي الذي اخترته لأنكم علمتم وآمنتم أنّي أنا هو..." (أش 43: 10 راجع أش 43: 12؛ 44: 8). إن الشعب مدعوّ إذًا ليتصرّف كشاهد في وسط الأمم.
ولكن الشعب بدا غالبًا عاجزًا عن القيام برسالته كشاهد، لذلك فالرّب الإله يظهر أنه الإله الحقيقي إذ ينجز أفعال عدالة وقدرة (راجع أش 45: 21-24). 
شهد الله لنفسه عندما أوحى لموسى بمعنى اسمه القدوس (راجع خر 3: 14)، أو عندما أعلن أنّه الإله الأوحد (راجع خر 20: 2-3). وقد شهد الله أيضًا بالوصايا التي تتضمنها الشريعة (راجع 2 مل 13:17؛ مر 8:19؛ 87: 5، 56). ولهذا السبب أطلق على "لوحي الشريعة" اسم "الشهادة" (راجع خر 16:25؛ 18:31). وقد وضعت في تابوت العهد، فسمّي "تابوت الشهادة" (راجع خر 25: 22؛ 40: 3، 5، 21-22)، وصار قدس الأقداس "مسكن الشهادة" (راجع خر 38: 21؛ عدد 1: 50-53). في المزامير أيضًا، فرائض الشريعة كان يعبّر عنها بكلمة "الشهادة" (راجع مز 93: 5؛ 119: 24، 31، 36، 59، 99)...


الشهادة في العهد الجديد
إن موضوع الشهادة، في العهد الجديد، ليس عارضًا، بل متكررًا ومقصودًا. وإذا أجرينا إحصاء لتكرار كلمة "شهادة" ومشتقاتها، لوجدنا أنها ترد 172 مرة. باستثناء نصوص يوحنا، تكثر كلمات "شهد" و"شهادة" في التقليد اللوقاوي وخاصة في كتاب أعمال الرسل. فالشهادة ميزّت النشاط الرسولي بعد القيامة، ودلّ تعبير "شهود" على الرسل بدرجة أولى.
هناك أربعة خطوط بارزة تحدّد الرسل كشهود:
1- قد اختارهم الله، كما اختار الأنبياء (أع 1: 26؛ 10: 41).
2- لقد رأوا المسيح وسمعوه (أع 4: 20)، وعاشوا معه طوال المدة التي قضاها بينهم (أع 1: 21-22)، وهم، بالتالي، اختبروا شخص المسيح، وتعليمه، وأعماله، اختيارًا حيًا.
3- لكي يتمكّنوا من تأدية الشهادة "نزل عليهم الروح القدس" (راجع أع 8:1).
4- رغم صعوبات الرسالة، بشّر الرسل بكلمة الله، بشجاعة نادرة، هي ثمرة الروح القدس الذي يعمل فيهم فتغلّبوا على الخجل وعلى الخوف من الاضطهادات والموت، وأدّوا شهادتهم بأمانة مطلقة للمسيح ولتعليمه.
بفضل الشهادة التي يؤدّيها الرسل، يجد الإنسانُ الإنجيلَ أمامه، كواقع متجسد في خلائق من لحم ودم. يبدو الرسل كصلة وصل بين زمن يسوع وزمن الكنيسة. إنهم يؤمّنون الاستمرارية بين جماعة ما قبل الفصح وما بعده. هكذا ترتكز المسيحية، منذ ألفي سنة، على شهادة الرسل، فضلاً عن ارتكازها على الوحي الذي أنجره يسوع. فلو أن المسيح مات وقام من دون شهود، ولو أن هؤلاء الشهود لم يعلنوا الحقيقة، لما كانت البشرى السعيدة بلغتنا.

إنجيل يوحنا والشهادة
توسّع يوحنا في هذا الموضوع، أكثر من الإنجيليين الآخرين. فالإنجيل الرابع بمجمله يبدو كشهادة، كما ورد في خاتمته الثانية: "وهذا التلميذ هو الذي يشهد بهذه الأمور ويدوّنها، ونحن نعرف أن شهادته صادقة" (يو 21: 24). ونصادف في الفصل 19 الفكرة نفسها: "والذي رأى هذا يشهد به، وشهادته صحيحة، ويعرف أنه يقول الحق حتى تؤمنوا مثله" (يو 19: 35). وكذلك فإن تقليد آسيا الصغرى يطلق على الرسول يوحنا لقب "الشاهد": فرأى إيريناوس في يوحنا "شاهدًا موثوقًا به على تقليد الرسل" (ضد الهرطقات 3:3، 4)، ودعاه بوليكاربوس الأفسسي "شاهدًا ومعلمًا" (التاريخ الكنسي 3: 31، 3).
استعمل كاتب الإنجيل الرابع كلمتي marturia "شهادة" و marturein "شهد" 47 مرّة؛ كما استعمل أيضا تعابير أخرى تعبّر عن فكرة الشهادة. وليست المعطيات الإحصائية وحدها هي التي تثير الانتباه وتبعث على التأمل؛ ولكن هذه المعيطات، في الواقع، تتّخذ، في إطارها مدلولات لاهوتية غنيّة جدًا.
ومن جهة أخرى، نلاحظ أنّ مفردات التبشير، المتصلة عادة بإعلان البشرى السعيدة، والأساسية في التقليد الإزائي، غائبة كلّيًا عن نصّ يوحنا: إننا لا نجد أبدًا تعابير مثل Kerussein "أعلن، كرز"، و euanguélion "إنجيل، بشرط سعيدة"، أو euanguélizien "بشّر، أعلن البشرى السعيدة"... فنتساءل عن سبب اختيار يوحنا المفردات المتعلقة بالشهادة للإعلان عن البشرى السعيدة، خلافًا لما فعله الإنجيليون الآخرون في اختيار مفرداتهم.
إن علاقة هذا الموضوع بالوحي من جهة، وضرورته في إطار "محاكمة" من جهة أخرى، تعطي للشهادة اليوحناويّة اتجاهًا خاصًا. سوف نعالج موضوع "المحاكمة" بعد الإشارة إلى أهمية الشهادة بالنسبة للوحي وبعد دراسة تطوّر معاني كلمة "الشهادة".

شهادة موحية
إن الذهنية السامية شديدة التعلّق بالألوهة، وتدرك مع ذلك المسافة التي تفصلها عن العالم الإلهي. ويوحنا ينتمي إلى هذه البيئة، ونجد هذه الفكرة في إنجيله: العالم لا يعرف الله (17: 25)؛ يسوع يمتلك معرفة الله الحقّة، لأنه أتى من الله، وبالتالي فهو وحده القادر أن يوحي به.
يملأ يسوع هذه المسافة التي تفصل الله عن الإنسان: عرّف الله إلى العالم، لأنه قادر أن يشهد بما يعرف، وبما رأى وسمع من لدن الآب (راجع 3: 11؛ 3: 31-32؛ 26:8؛ 28:8؛ 38:8؛ 8: 40). إن ظهوره تجلّ يكمِّل كل التجلّيات الأخرى فيحجبها ويتخطّاها (راجع 1: 1؛ 1: 17؛ 1: 51؛ 56:8). يدعو يسوع بشهادته الإنسان إلى الإيمان، ليدخله في حب الله. الشهادة الأكثر أهمية، في إنجيل يوحنا، هي شهادة يسوع الذي يوحي بالله. إنه مرسل من الآب، وهو ابنه الوحيد، وكلامه عن الله ذات وزن كبير جدًا، لا يقارن بكلام الآخرين. إن الآب هو ضامن رسالة يسوع، ولقد أعطاه أعمالاً وعلامات تؤكّد أقواله. والروح القدس يشهد أيضًا لمصلحة يسوع ويثبِّت تلاميذه في الايمان. إن يسوع وحده يملك المعرفة الإلهية مباشرةً، وبالتالي هو وحده القادر على إظهار ما رأى وسمع وهو في حضن الآب (راجع 1: 18). إن العلاقة الفريدة القائمة بين الآب والابن، والتي تسمح ليسوع بالقول: "أنا والآب واحد" (10: 30)، تعطي لشهادة يسوع صفة مميّزة.
شهادة المسيح هذه تشكّل "وحيًا". فهو الكلمة التي تكشف أمام العالم واقعًا مختلفًا عن الواقع الذي يعرفونه. وبفضل الشهادة التي أدلى بها يسوع، صار الواقع الموجود في غير أرض البشر، موجودًا هنا بينهم. ولكن لا ينوجد هنا إلاّ بواسطة الشهادة. "إن وجود الله هنا" متعلّق بكامله بشهادة يسوع الذي رآه وسمعه في حضن الآب.
كل حياة يسوع تشكّل الوحي الكامل، بما هو يسوع حقًا، بالنسبة إلى الله، وبالنسبة إلى البشر. وهكذا أدّى المسيح شهادة خلال حياته على الأرض، وخاصة بصلبه. وإذا بلغ الوحي ذروته على الصليب، فلأن شهادة يسوع هناك بلغت ذروتها، مظهرة حب الله الفائق للبشر.
ومن الطبيعي أن يبني الشهود البشريّون كلمتهم وبشارتهم على شهادة يسوع، ويمكنهم أن يعتمدوا في رسالتهم هذه على رعاية الروح القدس حسب ما وعدهم يسوع.

دلائل كلمة "شهادة"
يستعمل يوحنا الكلمات المشتقة من فعل "شهد" والاسم "شهادة"، بينما تغيب المفردات المشتقة من كلمة "شاهد" (martus)، وهكذا يجعلنا نفهم أن يوحنا أكثر اهتمامًا بفعل أداء الشهادة منه بالشخص الذي يؤدّي الشهادة. بالواضح، الشهود متعدّدون في الإنجيل الرابع، ولكن شهادتهم كلّها تتمحور حول شخص يسوع، وهذا ما يهمّ الإنجيلي.
سندرس أولاً المعاني المختلفة لكلمة شهادة، ودلالتها وتطورها، قبل أن نهتم بخصوصية هذا التعبير في الاستعمال اليوحناوي له.
أ- الدلالة الأصلية
الشاهد، عمومًا، هو شخص شاهد بعض الأحداث، أو عرف بعض الناس أو بعض الوقائع، فأصبح بالتالي قادرًا على نقل ما يعرف إلى سواه. يتمتع الشاهد بتجربة مميّزة، ويجعل الآخرين يشاركونه فيها، إذ ينقل علنًا ما شاهد وسمع، وبالتالي، فإن شهادته تصريح، إعلان، واعتراف. إن كلامه إظهار لما شهد من الأحداث التي لم يشهدها من يتوجّه إليهم، ولا يتمكنون من معرفتها إلا بواسطة شهادته.
من الواضح أيضًا أن الشاهد ليس ناقلاً للأحداث وحسب. فهو لا يتوقّف عند إعلان مجرّد، بل "يشهد لصالح فلان..."، إنه يؤدّي الشهادة لقضية ما..."، إنه يؤكد ارتباطه بالقضية التي يدافع عنها، بواسطة اعتراف علني بقناعاته.
ولكن للشهادة علاقة ثنائية بين الشاهد ومن يسمع شهادته. الشاهد رأى، والسامع لم ير بل يسمع. وهذا الأخير يمكنه أن يصدّق أو لا يصدّق وقائع الأحداث التي ينقلها الشاهد.
من جهة أخرى، الشهادة عنصر مختصّ بالإطار القانوني. إنها في خدمة القضاء، وهي بهذا المعنى، تذهب إلى أبعد من سرد بسيط للوقائع؛ إنها إقرار علني بقناعة حميمة عند الشاهد الذي يلتزم بكلامه من أجل الدفاع عن قضية يعتبرها عادلة. يُدعى الشهود، في قضية ما، إلى التدخل ليصرّحوا عمّا يعرفون؛ ويمكن أن يكون هذا التصريح ضدّ المتهم أو لمصلحته. لذلك، فالشهادة عنصر هام من الأدلة اللازمة لمحاكمة معيّنة. قد يكون ربح قضيّة، أو خسارتها، مرتبطًا بهذه الشهادات.
لا يقدّم الشاهد، من تلقاء ذاته، للادلاء بشهادته: فإمّا أن يستدعى لأداء الشهادة، وإما أن يكون عازمًا على أداء رسالة. وهذه عمومًا، حالة الشهادة الدينية التي يرجع إليها الإنجيل الرابع. يرسل الشاهد ليشهد، فهو وسيط لإيصال كلمة أو حقيقة تتجاوزه وليست ملكًا له، ولكنه يقوم بهذه المهمة بحرّيّة.
ب- الشهادة والحقائق الإلهية
تكتسب الشهادة معنى أغنى عندما يكون موضوعُ هذه الشهادة الحقائقَ الإلهية أو محتوى الكتب المقدّسة. إن هذا المحتوى هو حقيقة، بالنسبة إلى الإيمان، وهو "حدث" أنجزه الله. ولكنه حدث ذو مستوى سام: فالمقصود هنا هو الوحي الذي لا يمكن إدراكه حسّيًا، ولا يمكن أن نشهد عليه كشهادتنا على أحداث عادية من التاريخ. وبالتالي، نعبر هكذا من الشهادة البسيطة على أحداث متداولة، إلى إعتراف إيماني. إن الشاهد هنا، معنيّ شخصيًا، ونشاطه هذا يدخل في نطاق رسالة إلهية.
إن فكرة يوحنا عن الشهادة تدخل في هذا الإطار، لأن موضوعها هو يسوع المسيح وهويته ورسالته.
ج- موضوع الشهادة
نجد في صميم إنجيل يوحنا سرّ شخص يسوع المسيح. يرتكز جوهر هذا الإنجيل على الوحي بأن ابن الله الأزلي هو الله ذاته. لا يهتم يوحنا كثيرًا بأن يخبر عن أعمال يسوع وتعاليمه، بقدر ما يهتم بأن يعرّف الناس على من هو يسوع ومن أين جاء، فتتخطّى الشهادات مجرّد الإشارة إلى تاريخية يسوع وتعاليمه وأعماله، لتكشف معنى هذه الأعمال والآيات والتعاليم! هكذا فإن الشهادات كلّها تدور عمليًا حول شخص يسوع، وحول طبيعته الخاصة، وعلاقته بالآب، ومجيئه إلى العالم، ورسالته، وعودته إلى الآب.
ليس للشهادة موضوع واحد، كما في أعمال الرسل الذي يشدّد على حدث القيامة بل انصبّ اهتمام يوحنا على أن يظهر لنا يسوع ذاته الذي به أوحي لنا العالمُ السماوي.
إن "العجائب" في الإنجيل الرابع، وتسمى دائمًا "آيات"، لا تبرز تعاطف يسوع مع المرضى وشفقته عليهم وحسب، كما كانت الحال في الأناجيل الإزائية. إن الآيات تبرز بالأحرى قدرة الابن ومجده: تمّ شفاء الأعمى منذ الولادة "حتى تظهر قدرة الله وهي تعمل فيه" (9: 3). وقيامة لعازر، هي أيضًا آية تشهد لمجد يسوع: "ما هذا المرض للموت، بل لمجد الله. فيه سيتمجّد ابن الله" (4:11).
د- "الشهادة" والتعابير المشابهة
أولاً- الشهادة، تصريح علني
إن الميزة الأساسية للشهادة هي أنها تصريح علني. فالشاهد مقتنع بحقيقة الوحي، ولا يسعه إلا أن يشهد له علنياً. نلاحظ تقاربًا بين فعل (marturein) "شهد"، وفعل (krazein) "أعلن"، "صاح" (يرد هذا الفعل 4 مرات في إنجيل يوحنا). إن الطابع العلني للشهادة هو نتيجة الصلة القائمة بين الشهادة والوحي. فإذا كانت الشهادة أداة مميّزة للوحي، يجب أن تكون علنية للتمكين من بلوغ هدفها.
ثانيًا- الشهادة والاعتراف الإيماني
شهادة الرسل، ومن بعدهم المسيحيين تنطلق من إيمان عميق وتصبح اعترافًا علنيًا بهذا الإيمان. إن شهادة المعمدان مثلاً (يو 1: 19، 34) تعطى كاعتراف إيماني. وفي هذه الشهادة يؤدي الفعل marturein "شهد"، معنى الفعل homologuein "اعترف". ويتردّد هذا الفعل أربع مرّات في إنجيل يوحنا، وهو دائمًا متصل بالمسيح.
ثالثًا- الشهادة وعلاقتها بالفعل "تكلّم، قال"
نجد في إنجيل يوحنا موازاة أخرى، خاصًة في موضوع شهادة يسوع، وهي التوازي بين فعل marturein "شهد" وفعل lalein "تكلّم، قال". ففي 3: 11، مثلاً قال يسوع لنيقوديموس: "... نحن نتكلّم بما نعرف، ونشهد بما رأينا ولكنّكم لا تقبلون شهادتنا". ومن الملفت أن يوحنا لا يستعمل هذا الفعل إطلاقا في حدث عادي. فقد استعمل هذا الفعل 47 مرّة من أصل 59، وكان يسوع هو المتكلّم، أو كان الموضوع يورد كلمات يسوع: "فمن أرسله الله يتكلّم بكلام الله" (34:3). من المؤكد أن فعل "قال، تكلم" ذو قيمة خاصة، بالنسبة ليوحنا، ويجري تطبيقه خصوصًا على نقل الكلمة الموحى بها.
رابعًا- الشاهد رأى وسمع
نجد الفعل "شهد" مرتبطًا، في حالات كثيرة بالفعلين "رأى" و"سمع" (theaomai, orao). والتقارب بين هذه الأفعال يتأكد في شهادة المسيح: يسوع "الآتي من السماء، يشهد بما رأى وسمع" (3: 31، 32)، وقد قال لنيقوديموس قبل ذلك: "نحن نتكلّم بما نعرف، ونشهد بما رأينا..." (3: 11).
لكنّ العلاقة بين الرؤية والشهادة ليست نفسها في شهادة يسوع من جهة، وشهادات الناس من جهة أخرى. إن يسوع "شاهد عيان" على الحقائق السماوية، وشهادته وحي مباشر من لدن الله: "ما من أحد رأى الله. الإله الأوحد الذي في حضن الآب، هو الذي أخبر عنه" (1: 18). في هذا المجال، لا يملك الشهود البشريّون الرؤية لله التي يملكها يسوع.
أمّا بعد القيامة، فقد صار الإيمان مبنيًا على الشهادة أكثر مما هو مبني على الرؤية. إن توما، حتى بعد سماعه شهادة الرسل، أراد أن يرى ويلمس ليؤمن (25:20)، فدعاه يسوع ليقترب ويضع إصبعه في الجرح، ولكن توما لم يقترب ليلمس، بل اكتفى بأنه رأى يسوع، فأعلن إيمانه: "ربّي وإلهي!" (28:20). فقال يسوع: "هنيئًا لمن آمن وما رأى" (20: 29). ومع ذلك، لا تفقد الرؤية أهميتها لأنها افتراض مسبق، ضروري للشهادة، ولكنّها تتحوّل من رؤية خارجية وجسدية إلى رؤية باطنية وإيمانية.

الشهادة والمحاكمة
سبق وذكرنا أن يوحنا يركّز كثيرًا على الشهادة كوسيلة مميّزة لإعلان بشرى الإنجيل، وذلك نظرًا للعلاقة الحميمة القائمة بين الشهادة والوحي من جهة، ولأهمية الشهادة وضرورتها في إطار المحاكمة الكبرى التي نجدها في الإنجيل الرابع من جهة ثانية.
يؤكّد يسوع، بشهادته أمام العالم، واقعًا جديدًا لم يسبق له مثيل. ويجد هذا الواقع ذاته في صراع حادّ ودائم مع "العالم"، ويصبح من الضروري اتخاذ خيار حاسم وجذري تجاهه. هذا النزاع أُعلن عنه في مقدمة إنجيل يوحنا: "وكان في العالم... وما عرفه العالم. إلى بيته جاء، فما قبله أهل بيته" (1: 10، 11). لهذا السبب تتخذ الشهادة التي يقدّمها الإنجيل الرابع مكانًا لها في "المحاكمة" الكبيرة التي شنّها العالم ضدَّ يسوع وتلاميذه. بالواقع، نجد في هذا الإنجيل الكثير من التشابيه القانونية والتعابير المستعارة من لغة القضاء. ونجد يسوع باستمرار، في محيط معاد، يجادل اليهود ويناظرهم، إنه يسترجع أمامهم سلسلة طويلة من الشهادات التي تؤكّد صدقيّة رسالته.
إن أسلوب إنجيل يوحنا ومفرداته ولغته وكثرة الشهود فيه، تكوّن جميعها محاكمة بالمعنى القضائي للكلمة. وسندرس باختصار مختلف مظاهر هذه المحاكمة في إنجيل يوحنا.
أ- الأسلوب
نجد في الإنجيل الرابع عددًا من الخطب التي يمكن وصفها بالمرافعات القانونية. إن مناقشات يسوع مع "اليهود" تشبه الحجج والبراهين والأدلّة التي تقدّم في أثناء عرض محاكمة ما. في الواقع، إن الموضوع الرئيسي في الفصول الاثني عشر الأولى في إنجيل يوحنا، هو النزاع بين يسوع واليهود الذين يمثلّون العالم غير المؤمن بالله والمعادي له. وهذه المناقشات متعدّدة، وهي تتبع عادة تدخلاً علينًا يقوم به يسوع فيصدم الإحساس اليهودي، خاصة عندما يكون هذا التدخل انتهاكًا للشريعة. هذا الأمر ينطبق خاصة على الآيات التي حصلت أثناء استراحة السبت.
ب- اللغة والمفردات
نلاحظ في إنجيل يوحنا غزارة المفردات ذات اللون القضائي مثل: يشكو Katégorein (وردت مرتين في 45:5)، شكوى Katégoria (6:8؛ 18: 29)؛ نصير، محامي Paraklétos (وردت 4 مرات). يدين Krinein (وردت 18 مرّة)؛ دينونة Krisis (وردت 11 مرّة)، ردّ apokrisis، منصّة، مكان المحاكمة" البلاط" Béma (19: 13). جدال، مناظرة zétésis (3: 25)؛ أقرّ، إعترف homologuein (4 مرّات)، ذنب aytia (3 مرات)، شقاق skhisma (43:7؛ 16:9؛ 10: 19)، أقنع، أظهر ذنب فلان، حاكم élénkhein (16: 8)، نفى، رفض arneisthia، ودون أن ننسى بالطبع شهادة marturia وشهد marturein.
إن هذه التعابير الكثيرة تجعلنا نفهم أن عمل يسوع، بالنسبة لكاتب الإنجيل، يحصل في إطار من الاعتراض والمدافعة، أي في إطار محاكمة.
ج- أبطال المحاكمة
في هذه المحاكمة نجد يسوع المرسل من الله من جهة، و"العالم" من جهة أخرى. إن الشهود لقضية يسوع هم يوحنا المعمدان، الكتب، الأقوال والأفعال التي قام بها يسوع، وبعد ذلك الرسل والروح القدس. وبالمقابل نجد العالم الذي يمثّله اليهود غير المؤمنين بيسوع، وهؤلاء يمثّلون في هذا الإطار، مجموع العالم المنغلق بوجه بشارة المسيح، والباقي في الظلمات. وفي فكر الإنجيلي، هذا الرفض يؤدّي إلى الدينونة.
إن أسلوب يوحنا التهكّمي، يحقّق تحوّلاً عظيمًا في الأدوار وتبدلاً لها: فيسوع الذي اتهمه اليهود وحكموا عليه، هو في الواقع صاحب السلطان الذي يحكم. وقد أعطي له هذا السلطان من الآب (5: 2). نلاحظ كذلك، أن حضور المسيح ذاته في العالم، هو دينونة. وهذه الدينونة هي نتيجة رفض العالم للمسيح، لأن يسوع لم يأت ليدين العالم بل ليخلّصه (17:3).
نلاحظ أيضًا أن المشاركين في القضية هم، في الوقت عينه، شهود ومدافعون. هكذا، فإن يوحنا المعمدان هو شاهد للمسيح (1: 8 و15)، ولكنه يحاول أيضًا إقناع سامعيه ليقودهم إلى الإيمان (1: 7). ويسوع يشهد بما رأى وسمع من لدن الآب (3: 11 و32؛ 8: 26)، ثمّ يعرض قضيته تكرارًا ويدعمها بحجج كثيرة ليردّ على اتهامات أخصامه له (5: 30، 47؛ 10: 32-38). وكذلك يقوم الروح القدس بدور مزدوج، هو دور الشاهد والمدافع (14: 16؛ 15: 26؛ 8:16- 15). حتى بيلاطس نفسه يقوم بدور شاهد ومدافع. إنه مقتنع ببراءة يسوع، وببطلان الاتهامات التي ساقها اليهود ضدّه، فيعلن ثلاث مرات متتالية براءة يسوع (18: 38؛ 19: 4 و6)، ويقترح على اليهود أن يطلقوا سراحه (18: 39- 40)، ثم يحاول أن يترك لليهود إمكانية مقاضاة يسوع ومحاكمته (19: 6). وبعد ذلك، يرفض تغيير مضمون الكتابة التي علّقت على الصليب: "يسوع الناصري، ملك اليهود" (19: 19-22)، وهذا الأمر بحد ذاته يشكّل شهادة لصالح ملوكية يسوع، أقلّه في تفكير الإنجيلي وقرّائه.
د- موضوع المحاكمة
إن موضوع هذا النقاش هو مسيحانية يسوع وبنوّته الإلهية وصدقيّة رسالته (يو 20: 31؛ راجع 3: 15-16) والهدف من الشهادات المعروضة هو الحث على الإيمان.
من المعلوم أن "الايمان" هو موضوع أساسي في الإنجيل الرابع. فالأناجيل الأخرى لم تتضمن هذا التعبير بمقدار ما تضمّنه إنجيل يوحنا (pisteuein "آمن" 98 مرّة)، ويتمحور هذا التعبير عادة حول المسيح. فالشهود هم مؤمنون أعلنوا إيمانهم، ودعوا السامعين إلى السير على خطاهم واعتناق الإيمان عينه. ليس هذا الأمر مستغربًا، نظرًا للطابع القضائي للإنجيل الذي يبغي إظهار أنّ يسوع هو المسيح، وابن الله.
هـ- الآيات تدعم قضيّة يسوع
إن الأدلّة في محاكمة ما، لها دور هام في تأكيد أقوال المتّهم أو للدلالة على أن الاتهامات لا ترتكز على أساس متين. و"الآيات" sémeia التي قام بها يسوع، تعتبر علامات وأدلّة تدعم كلمات المسيح وشهادته. يعطينا نيقوديموس مثلاً على ما سبق. فقد أقرّ أن يسوع هو "المعلم" الآتي من عند الله. "فلا أحد يقدر أن يصنع ما تصنعه من الآيات إلا إذا كان الله معه" (3: 2). وكذلك، تبعت الجموع يسوع "لأنهم رأوا آياته في شفاء المرضى" (2:6؛ راجع 17:12-18).
يدرك الإنجيلي القدرة على الإقناع، الكامنة في الآيات، ولذلك أعلن الأعمى منذ ولادته: "كيف يقدر رجلٌ خاطئٌ أن يعمل مثل هذه الآيات؟" (9: 16). ونقرأ أيضًا: "ولولا أنّ هذا الرجل من الله، لما قدر أن يعمل شيئًا" (9: 33). أمّا بالنسبة لرؤساء اليهود، المتشبّثين بعدم إيمانهم، فقد كانت الآيات مصدر إرباك لهم: "وقالوا: ماذا نعمل، وهذا الرجل يصنع آيات كثيرة؟ فإذا تركناه على هذه الحال آمن به جميع الناس..." (11: 47-48).
و- احترام فرائض الشريعة
يهتمّ يوحنا كثيرًا باحترام شريعة العهد القديم الذي ينصّ على أن كل شهادة يجب أن تكون مدعومة بتأكيد شاهدين لتصبح مقبولة. نجد هذه الشريعة في سفر تثنية الإشتراع: "لا تثبت شهادة شاهد واحد على أحد في شيء من الذنوب والجنايات التي يرتكبها، لكن بشهادة شاهدين أو ثلاثة شهود تثبت الشهادة" (تثنية 19: 15). لا يهتم يوحنا في إنجيله بالإقناع في خطأ أو جريمة ما، بل يهتم بتثبيت الحقيقة.
يحاول الإنجليّ، في مقاطع عديدة، أن يوضح قضيته، داعمًا تأكيداته بشاهدين. نجد مثلاً في الفصل الأول يوحنا (المعمدان)، والتلاميذ الأوائل (راجع 1: 19-35 و1: 41 و45 و 49). ويقدّم الفصل الثاني شاهدين منفصلين لتأكيد حقيقة آية يسوع الأولى (رئيس الوليمة والخدم، راجع 2: 9-10). وفي الفصل الخامس نجد مجدّدًا شهادة "المعمدان"، مع شهادة الآيات والكتب (5: 31-47). وفي الفصل الثامن ينضمّ الآب إلى الشهادة التي أعطاها يسوع لنفسه: "وفي شريعتكم أنّ شهادة شاهدين صحيحة: فأنا أشهد لنفسي، والآب الذي أرسلني يشهد لي" (17:8-18). وقد حضر ملاكان عند باب القبر الفارغ في الفصل 20 (وذلك قبل ظهور المسيح لمريم المجدلية 20: 12)، بينما ذكر إنجيل مرقس ملاكًا واحدًا (مر 16: 5)...
ز- غياب الشهود خلال المحاكمة
نجد في الأناجيل الإزائية اتهامات يتقدّم بها شهود كذبة، في القضية المرفوعة ضد يسوع (راجع مر 14: 55-60؛ متى 26: 59-62). أما غياب الشهود الكذبة في الإنجيل الرابع فهو أمر ملحوظ ولا يمكن اعتباره عارضًا؛ في الواقع، طلب يسوع من عظيم الأحبار أن يسأل الشهود بصراحة: "كلّمت الناس علانية وعلّمت دائما في المجامع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود كلّهم، وما قلت شيئًا واحدًا في الخفية. فلماذا تسألني؟ إسأل الذين سمعوني عمّا كلّمتهم به، فهم يعرفون ما قلت" (18: 20- 21). ولكن عظيم الأحبار لم يردّ على التحدّي الذي أطلقه يسوع. كذلك قال يسوع للحارس الذي صفعه: "إن كنت أخطأت في الكلام، فقل لي أين الخطأ؟ وإن كنت أصبت، فلماذا تضربني؟" (18: 23).
لم يُستدع أي شاهد أمام قوس المحكمة، وبهذا أشار يوحنا إلى أن يسوع ربح الدعوى المرفوعة ضدّه. وهكذا، بحسب الأصول القانونية في العهد القديم وانسجامًا مع الممارسة الرابّينية، يكون الحكم على يسوع بالصلب مخالفًا للشريعة، وهو انحراف في العدالة: لم يقم اتهام ضدّه وليس هناك من سبب للحكم عليه (18: 29 و38).
ح- غياب المثول أمام السلطات اليهودية
لماذا لم يتحدّث يوحنا عن "المحاكمة لدى السلطات" اليهودية بعد توقيف يسوع، ولا عن استجواب مجلس الأحبار له؟ (راجع متى 26: 57-68؛ مر 53:14-65؛ لو 22: 66- 71). لا شك أن يوحنا كان على علم بمثول يسوع أمام السلطات اليهودية، والأهمية التاريخية والقانونية لهذا المثول؛ ولكنه مع ذلك، انتقل فورًا إلى سرد وقائع المحاكمة الرومانية، بعد الإلماح، بصورة عابرة، إلى إرسال يسوع إلى حنّان ثمّ إلى قيافا. إن قصة الاستجواب الذي قام به حنّان (18: 19-23)، هي خاصة بيوحنا. ولكن هذا الاستجواب شكلي فقط. فيجب ألاّ ننسى أن حنّان لم يعد يشغل أية مهمة رسمية، ولكنه كان "حمو قيافا، رئيس الكهنة في تلك السنة" (18: 13 و24).
يجب ألاّ ننسى، أن أعيان اليهود كانوا قد توافقوا، وقرّروا قتل يسوع (11: 45-53) قبل أن يستجوبوه، خلافًا لما لفت نيقوديمس نظرهم إليه سابقًا: "أتحكم شريعتنا على أحد قبل أن تسمعه وتعرف ما فعل؟" (7: 51). إذًا عندما اقتادوا يسوع إلى المحكمة الرومانية، لم تعد هناك حاجة لأن يجتمعوا من جديد: فقد صدر حكمهم سلفًا!
بالنسبة للإزائيين، الموضوع الأساسي للاستجواب في المجمع هو مسيحانية يسوع، وبنوّته الإلهية وتهديد الهيكل. لقد رأينا سابقًا كيف أنّ المناظرة بين يسوع ورؤساء اليهود تمتدّ على كل إنجيل يوحنا، ابتداءً من استجواب يوحنا المعمدان (1: 19) حتى اتخاذ القرار بقتل يسوع (11: 49-53). إذًا، رأى يوحنا أن ذكر رواية "محاكمة أخرى" يهودية، أمر غير ضروري. لذلك، عرض الإنجيل الرابع رواية "المحاكمة الرومانية" (18: 28؛ 19: 16 أ) التي تحتل مكانًا مميّزًا في القسم الثاني من إنجيل يوحنا، المعروف بكتاب الآلام. ففي هذا الكتاب نجد مجدّدًا المواضيع الأساسية للمناظرة بين يسوع وأحبار اليهود.
إن التفسير الآخر الممكن لهذا الصمت قد يكون التمييز بين المستوى التاريخي من جهة والمستوى اللاهوتي من جهة أخرى. فبينما نجد يسوع محكومًا عليه، في "المحاكمة" المعروضة أمام مجلس الأحبار، وذلك على الصعيد التاريخي، نجد عكس ذلك على الصعيد اللاهوتي. إن المحكومين الفعليين بنظر يوحنا، هم الذين لم يقبلوا يسوع "نور العالم" فرفضُهم للمسيح يشكّل حكمًا عليهم بالذات. إن موت يسوع على الصليب سيكون حكمًا مبرمًا على العالم الذي رفض الحقيقة.

الشهادات والشهود
نلاحظ أن يوحنا الإنجيلي، على رغم تآلفه مع العهد القديم، يتجنّب استعمال الاستشهادات البيبلية بكثرة، كشهادة تدعم قضيّته. استعمل الإزائيون هذه الشواهد بكثافة، ولكن يوحنا عرف أن يستند إلى العهد القديم من ضمن بنية النصوص، إما بإدخال استشهادات غير مباشرة، أو بتلميحات. ولكنه ظلّ محتفظًا ببعض الحرية، واختار ما يخدم لاهوته. كما أن الإنجيلي يعرف أن أخصام يسوع وغير المؤمنين يمكنهم أن يعطوا للاستشهادات تفسيرًا مختلفًا عن تفسيره، لذلك تحاشى استعمالها بكثرة.
ولكن بالمقابل، يُدخل يوحنا عددًا كبيرًا من الشهود. يشهدون لصالح يسوع الناصري الذي اتهمه رؤساء اليهود. وهكذا تأتي الشهادات المعطاة لتؤكد أقوال يسوع وأعماله وتؤكد مسيحانيته وبنوّته الإلهية (راجع 20: 31)، أكثر من الاستشهادات الكتابية.
إن هذا الاهتمام بتقديم شهود يبرز بوضوح منذ الفصل الاول، بإدخال يوحنا المعمدان في سياق المقدّمة (6:1-8 و15)، وبعرض عدد كبير من الأشخاص والأحداث ليشهدوا ليسوع، كلّ على طريقته.
من الواضح أن كل هذه الشهادات، ليست على مستوى واحد، ولكن توحِّد بينها نقطةٌ مشتركة على الأقل: إن هدفها وموضوعها واحد، وهو التعريف بالمسيح.
أ- شهادة يوحنا المعمدان
يوحنا المعمدان هو الشاهد الأول والأهم من بين الذين شهدوا ليسوع. وبالفعل، فإن الإنجيل الرابع يركّز على هذه الشهادة بكثير من الإلحاح.
لا يهتم إنجيل يوحنا كثيرًا بالمهمة الأساسية التي أعطتها الأناجيل الإزائيّة ليوحنا المعمدان، كنبي يعدّ طريق الرب، ويحضّر قلوب سامعيه لاستقبال بشارة يسوع؛ ولذلك كان يعمّد ويدعو إلى التوبة. أما في الإنجيل الرابع فإن دور يوحنا يقتصر على كونه الشاهد.
يقدّم الإنجيل الرابع، في بدايته، المعمدان كشاهد (1: 6: 8 و15). واجهه رؤساء اليهود بأسئلتهم، فأدلى بالمناسبة بأولى شهادة له (1: 19-34)، ثم أشار إلى يسوع أنه "حمل الله"، فتبعه اثنان من تلاميذه (1: 35-36). يظهر يوحنا مجدّدًا في 23:3، وهو يعمّد في "عين نون" قبل أن يُلقى في السجن (23:3، 24). وحصل جدال بين تلاميذه وأحد اليهود حول الطهارة، فأتوا يستشيرونه (3: 25-26). وقد سبّب هذا الحادث اعتراف يوحنا الأهم (3: 27-36) الذي يتحدّث عن الصورة الرمزية للعريس. في العهد القديم تُعطى صورة العرس للعلاقة بين الله وشعبه. يطبِّق يوحنا هذه الصورة على يسوع، ويُسرّ لكونه صديق العريس. وبذلك يُعْلِنُ الميثاق الجديد المبنيّ على رباط الحب القائم بين المسيح (العريس) والشعب المسيحاني (العروس). يلي استحضار هذا الموضوع البيبلي اعترافُ إيماني بيسوع "الآتي من فوق". إنه المرسل من الآب، وينطق بكلمة الله وهو الشاهد المباشر لها، "ويهب الروح بغير حساب".
ثم إن يسوع ذكرَ يوحنا على أنه "شهد للحق" (33:5)، مع أن شهادته ليست بأهمية شهادة الآب. وفي النهاية، جاء "كثيرون" إلى يسوع وآمنوا به لأنهم عرفوا صدق شهادة يوحنا لصالحه: "... ما عمل يوحنا آيةً واحدة، ولكن ما قال في هذا الرجل كان كلّه صحيحًا" (10: 40-42).
إن مهمّة يوحنا المعمدان هي، بنظر الإنجيلي، أن يكون شاهدًا. ولقد أرسله الله من أجل هذه الرسالة. ومحتوى شهادته هو أن يدلّ الناس على المسيح ويجعلهم يتبعونه ويؤمنون به.
ب- شهادة الآيات
بعد شهادة (المعمدان) وشهادة التلاميذ الأوائل، يقدّم لنا الإنجيلي شهادة آيات يسوع، ابتداء من آية قانا. إن كلمة "آية" ذات قيمة كبيرة في التقليد اليوحناوي. نجدها 17 مرّة في الإنجيل. يفضّل يوحنا كلمة "آية" على الكلمات الأخرى التي استعملها الإزائيون والتي تعيّر عن أعمال يسوع، مثل: خوارق أو أعاجيب أو معجزات.
اختار الإنجيلي بعض الآيات التي حصلت على مرأى تلاميذ يسوع، كما ذكر في نهاية إنجيله (20: 30، 31)، وهذه الآيات كانت منشّطة للإيمان. والاختيار الذي قام به الإنجيلي للآيات، يدلّ على أنه ينقل معناها البارز الذي يلقي الضوء على سرّ يسوع. وهذه الآيات، في الواقع، تسهم في إظهار هوية يسوع، وتثبّت التلاميذ وكل الذين تبعوه، وآمنو به كمسيح، وكابن الله. يعرف يوحنا أن الآيات ليست ذات تأثير تلقائي في غير المؤمنين، أما المؤمنون فينتقلون منها، ليكتشفوا هوّية يسوع الحقيقية.
نقدّم فيما يلي أعمال يسوع التي أشار إليهل الإنجيل حصرًا "كآيات".
أولاً- الآية الأولى في قانا
إن آية قانا هي الأولى، بحسب الترتيب الزمني. ومن الواضح أن قصة عرس قانا آية تهدف إلى إظهار مجد يسوع: "فأظهر مجده، فآمن به تلاميذه" (2: 11). ينكشف مجد يسوع بواسطة عملٍ من أعماله.
يتذكّر القارىء المتيقّظ أن هذا المجد ذو علاقة بالبنوّة الإلهية: "... فرأينا مجده، مجدًا يفيض بالنعمة والحق، ناله من الآب، كابنٍ له واحد" (1: 14). فتحت هذه الآية أعين التلاميذ على حضور الله في يسوع، وأعلنت أن الميثاق القديم القائم على الشريعة قد استعيض عنه بميثاق جديد مبنيّ على الحب. ترمز هذه الآية الأولى إذًا إلى الإنجاز الحاسم الذي قام به يسوع، وهو ميثاق الله مع شعبه.
ثانيًا- شفاء ابن موظف الملك وشفاء مقعد
آية شفاء ابن موظف الملك (46:4-54) وآية شفاء المقعد عند بركة باب الغنم (5: 1-9) تحملانا على التأمل في كلمة يسوع القادرة على إعطاء الحياة الجديدة. فالولد كان قد أشرف على الموت (4: 47). وبعد أن استمع يسوع لموظف الملك أعلن وقال: "اذهب، إن ابنك حي" (4: 50). بالنسبة للإنجيلي، حققّت كلمة يسوع انتصارًا على الموت. وهذه الآية ترمز إلى أن يسوع جاء يعطي الحياة الجديدة للإنسان. ولا ننسى أن موظف الملك آمن هو وأهل بيته (53:4). والقارىء المتنبّه يتذكر ما قاله يسوع: "من آمن بالابن فله الحياة الأبدية" (3: 36). وكذلك فالمقعد الذي شفاه يسوع قد استعاد حياته بعد ثمان وثلاثين سنة قضاها في المرض. والجدل الذي يلي هذه الآية يؤكّد هذه الفكرة. ولكي يبرّر يسوع عمله يوم السبت، شبّه عمله بعمل الله المتواصل الذي يرافق الخليقة بعنايته ويبقيها في الحياة (راجع 5: 17)، وهذا يضع يسوع على مستوى الله ذاته، الأمر الذي اغضب اليهود وجعلهم يتآمرون لقتله (5: 18).
ثالثًا- تكثير الخبز
يتضمن الفصل 6 أربعة أحداث: آية تكثير الخبز (6: 1-15)؛ السير فوق مياه البحر (6: 16- 21)؛ لقاء يسوع مجددًا مع الجموع وخطبته عن خبز الحياة (6: 22-65)، ثم اعتراف بطرس (6: 66- 71).
إن آية تكثير الخبز والسمك (6: 1-15) لم تترك الناس غير مبالين: لقد رأوا في يسوع "النبي الآتي إلى العالم"، وبدأوا يستعدّون لاختطافه وجعله ملكًا (6: 14-15). لم يتمكّنوا من فهم المعنى الحقيقي لهذه الآية التي تشهد أن يسوع هو الخبز النازل من السماء ليعطي الحياة للعالم. إذن، فهو المسيح إذًا. وبالتالي، لم يتّضح معنى هذه الآية إلاّ مع ما أوحت به الخطبة (6: 33- 65). 
إن عطية الخبز جاءت موازية لعطية الخمر في قانا. ويذكّر خبز الحياة، الذي أعلن عنه الخطاب، بالماء الحي الذي وعدت به السامرية. الخمر، والماء والخبز، رموز يوحناوية تكمل بعضها بعضًا، لتعني بطريقتها، الحياة التي يعطيها يسوع للمؤمن.
إن السير فوق البحر (6: 16- 21) يوضح معنى آية تكثير الخبز. ففي وسط هذا المقطع، نجد ما أعلنه يسوع في آ 20: "أنا هو". هذا التعبير كان يطبّق على الله وحده في العهد القديم، ويدل هنا على أن الله حاضر في يسوع، ويشهد بالتالي لمصدر يسوع الإلهي، الخبز الآتي من السماء، ويقوّي إيمان المسيحيين المتزعزع لأنهم ظنوا أنهم متروكون: "لا تخافوا". إن سير يسوع فوق البحر، هو من الناحية البيبلية تجلّ لألوهيته التي يمكن أن يعنيها الإنجيلي ضمنًا في القول: "أنا هو".
وأخيرًا يلخّص اعتراف بطرس (6: 66- 71) الوحدة الأدبية للفصل 6؛ يتناقض إيمانه مع رفض الأكثرية التي تخلّت عن يسوع وانقطعت عن مصاحبته (66:6). يوضح سمعان بطرس مقوّمات الإيمان الحقيقي: ليس بمعرفة غامضة، بل بعلاقة وجودية كالعلاقة التي تجمع الراعي الصالح بخرافه (10: 14- 15).
رابعًا- يسوع يفتح عيني أعمى منذ الولادة
إن آية شفاء الأعمى منذ الولادة، تُسهم في إظهار يسوع "نور العالم". في هذه القصة، اقتيد الأعمى الذي شُفي، ليشهد بما جرى له على يد يسوع، رغم إمكانية تعرضه للإهانة والاضطهاد. تدريجًا، وبشكل موازٍ لقساوة قلوب اليهود، نقل الأعمى الذي أبصر، الوقائع أولاً، ثم استخلص منها ما يتعلّق بفاعلها. وبينما دخل هذا الإنسان البسيط في الإيمان، وأصبح يعيش في النور، صار أخصام يسوع "عميانًا"، وظلّت "خطيئتهم باقية" (9: 41).
خامسًا- يسوع يقيم لعازر من الموت
يخبر الفصل 11، كيف أقام يسوع لعازر من الموت بعد دفنه بأربعة أيام، وفعل بذلك آية هي شهادة لأخصّائه من جهة، وإرباكًا لأخصامه من جهة ثانية. فمريم ومرتا وتلاميذ يسوع جميعهم شهود على هذه الآية (7:11 و15-16) وكذلك الحال بالنسبة لجيران عديدين من اليهود الذين رافقوا مريم إلى المكان الذي دفن ففيه لعازر، وحتى الفريسيّون الذين أخبرهم أحد اليهود الذي كان حاضرًا بحصول الآية، لم ينفوا الحدث، حدث القيامة، بل لاحظوا أن "هذا الإنسان يأتي بآيات كثيرة"، ولذلك قرّروا التخلص منه (11: 47- 54).
تشهد هذه الآية المسيحانية ليسوع وسلطته على الحياة والموت، تمامًا كما الله. هذه الآية هي الأخيرة قبل أن "تأتي ساعة" يسوع، وهي تُبرز مجد الله وتمجيد الابن الوحيد (11: 4 و40). إذا كانت كل قصص الآيات تظهر هذا الوجه أو ذاك من أوجه الخلاص الذي يقدمه يسوع للمؤمنين، فإن قصة لعازر تلامس صميم الإيمان، بأنها تبيِّن الانتصار على الموت، العدوّ الأكبر للإنسان. لا تعرض هذه الآية على القارىء الإيمان بيسوع كصانع معجزات خارقة، بل الإيمان بالمسيح الذي هو بالنسبة للبشر كلهم "القيامة والحياة".
سادسًا: قيامة يسوع
القيامة أكثر من مجرّد آية. فإن حدث القيامة يلقي الضوء على كل الآيات والأعمال التي قام بها يسوع. رسّخت القيامة إيمان الرسل والمؤمنين، لأنها شهدت لمسيحانية يسوع، وبنوّته الإلهية وصدقيّة كلمته. وبالواقع، فإن يسوع أعلن، خلال حياته الأرضية، أن ابن البشر عليه أن يتألم، ويموت ويقوم في اليوم الثالث. إن القيامة تتمّم البشارة وتؤكد بذلك أقوال يسوع: "فلما قام من بين الأموات، تذكّر تلاميذه هذا الكلام، فآمنوا بالكتاب، والكلام الذي قاله يسوع" (2: 22). إذًا بدت القيامة كإنجاز لمهمة يسوع في العالم، فإنها تفتتح أيضًا تاريخًا آخر، هو تاريخ الكنيسة، أي تاريخ "التلاميذ- الشهود" بعد الفصح.
ج- شهادة الأعمال
يعدّد يسوع، من بين الشهادات التي تؤيّد كلامه، شهادة الأعمال التي أعطاه إياها الآب أن يعملها (راجع 5: 36). إن الأعمال، مثلها مثل الآيات، تُسهم في إظهار هوية يسوع. إن كلمة ergon "عمل" ترد 27 مرّة في الإنجيل الرابع، كما يرد الفعل ergazomai "عمل" 8 مرات. ويوجد فرق بين الكلمة المفردة "عمل" (6 مرّات)، وبين الجمع "أعمال" (12 مرّة).
ففي صيغة المفرد يهتم يسوع بالعمل بمشيئة من أرسله، وإتمام عمله (4: 34؛ 17: 4). إن إتمام مشّيئة الآب هو إنجاز المخطّط الخلاصي بكل اتّساعه (راجع 3: 16-17). يستعمل الإنجيلي كلمة "عمل" مع الفعل "أتمّ" الذي يدل على إنجاز العمل. سعى يسوع لإتمام هذا العمل طيلة حياته الأرضية؛ وأنجز ذلك نهائيًا على الصليب: "تمّ كلّ شيء!" (19: 30).
أما "الأعمال" بصيغة الجمع، فتدل على ما قام به يسوع لصالح الإنسان، مثل شفاء المقعد قرب بركة سلوام (5: 1-9). وهذه الأعمال التي أعطاه إياها الآب (5: 17 و36؛ 10: 14) تشهد على المصدر الإلهي ليسوع. إنها أعمال صالحة (10: 32 و33) خلافًا لأعمال العالم السيِّئة (7: 7).
ومن جهة أخرى إن الاتحاد بيسوع إيمانيًا سيسمح للتلاميذ بإنجاز أعمال تشبه أعماله، وحتى أعظم منها (14: 12).
د- شهادة الآب
ترتبط كل الشهادات، في النهاية، بشهادة الآب. فكل الشهود الآخرين لا يفعلون سوى نقل شهادة الله إلى البشر. إن هذه الشهادة الالهية، التي يعبّر عنها شهود متنوّعون، والتي تبرز بكاملها في شهادة يسوع، تعطي لشخص يسوع كلّ سلطته، وتؤكدّه كمسيح، أمام العالم.
هـ- شهادة المسيح
إن الشاهد الأهم والمثالي، في إنجيل يوحنا، هو المسيح. وشهادته هي الأهم، لأنه هو من يحمل إلى العالم الوحي النهائي، أي الحقيقة. إن التسليم المطلق للآب يشكّل الضمانة العظمى لرسالة يسوع. شهود كثيرون شهدوا ليسوع، وهو أيضًا يشهد لنفسه (5: 31؛ 13:8 و14 و18). وهذه الشهادة اعتبرها أخصامه نقطة ضعف عنده، من جهة الشريعة. وبالعكس، اعتبر يسوع شهادته لنفسه مبرّرةً بكونه يعرف "من أين أتى والى أين هو ذاهب" (8: 14). وكذلك لأنه مدعوم بشهادة الآب والروح القدس، وكل الشهود الآخرين (18:8-19).
إن المسيح الآتي من السماء، يشهد بما رأى (32:3). وفي حالته هو، العلاقة بين الرؤية والشهادة أصلية ومميّزة. فوضعه مختلف عن وضع الشهود البشريين. لأن هؤلاء يشهدون بخصوص الأحداث والوقائع التي يعتبرونها آيات، والتي تفتح أمامهم منفذًا إلى واقع مخبأ في صميم الإيمان. أما يسوع فيشهد انطلاقًا من واقع مرئي منه وحده: "ما من أحد رأى الله. الإبن الأوحد الذي في حضن الآب، هو الذي أخبر عنه" (1: 18) وأيضًا "ليس أنّ أحدًا رأى الآب إلاّ الذي هو من عند الله: هو الذي رأى الآب" (6: 46). بالنسبة إليه، لا انفصال بين ما يراه وما يشهد به.
و- يسوع والآب
أن يشهد يسوع لذاته يؤدّي إلى كشف علاقته الفريدة والمميّزة مع الآب، ويجعل العالم يعرف أنه ابن الآب، ومرسله الحقيقي ووحيه النهائي. إن الصلة بين الشهادة والوحي تبلغ ذروتها في شهادة يسوع.
إن الشهادة إذًا بالنسبة للمسيح هي إظهار الآب وإعلانه. بالواقع، يتمحور اعتراف يسوع أمام العالم، حول مصدره الإلهي ورسالته في العالم: إن يسوع هو الآتي من الآب، وهو الذي يعلن الآب ويمهّد الطريق إلى الآب. الشهادة بالنسبة إلى المسيح، هي الظهور، والتعريف بهويته، ومن أين أتى، وبعلاقته الفريدة مع الآب. إن شهادته تُخرج حوارَه الحميم مع الآب إلى العلن، إلى العالم.
نشهد في إنجيل يوحنا تبادل شهادات تهدف إلى تغذية الإيمان: قدّم يسوع شهادة لصالح الآب معلناً إياه للعالم، والآب قدّم شهادة للابن، مؤكدًا أنه مرسله الحقيقي. وكلّ الشهادات، في الواقع، تجد لها مصدرًا في شهادة الآب. 
استعان يسوع بشاهدين بشريين، مثل موسى ويوحنا المعمدان، ليكونا حجّة دامغة تجاه أولئك المعتقدين بصدق تعاليم هذين الاثنين. ولكن هذه الشهادتين هما ذات محدودية بالنسبة إلى شهادة الآب التي برزت للناس تحت ثلاثة مظاهر: الكتب المقدسة، أعمال يسوع وعمل الروح.
1- إن الكتب المقدسة الموحى بها من الله، هي ينبوع حياة لأنها تنقل كلمة الله. وهذه الكتب تتضمّن حدث الخلاص الذي يتحقق بيسوع المسيح. وهي تشهد لمن يدرك رسالتها أن الابن كان حاضرًا في الوحي القديم.
2- إن الأعمال هي أعمال الله (3:9)، وقد أعطاها الآب للابن لكي ينجزها (5: 36).
3- روح الحق سيشهد ليسوع لدى عودته إلى الله. إنه يمثّل الصيغة المستقبليّة التي ستكتسي بها شهادة الآب.
يرى يسوع كلمته وشهادته مثبتة من قبل الآب، ولكن الإنجيلي يقدّم لقرّاءه مسارًا آخرًا أيضًا: بإتمام الكتب، شهد يسوع لأمانة الله وميثاقه ووعوده. وعندما صنع يسوع "الآيات" ولجأ في كلماته وتصرفاته إلى عناصر رمزية (نور- ماء- نار في عيد المظال)، وهذه العناصر تتصل بتصرّفات يهوه في العهد القديم وتذكّر بعطاياه الإسرائيل. وهذا ما يشكّل استمرارية لتاريخ الخلاص، ويشهد مرة أخرى، لحقيقة كلمة الله إلى شعبه.
إن يسوع هو محور كل هذه الشهادات، وهو نفسه يلفت الانتباه نحو الآب. والإنجيل بكامله، والشهادات المتنوعة الموجودة فيه، تدلنا على أن الشهادة اليوحناوية هي للآب من خلال الابن. إن الحقيقة عن الله اللامنظور تتجلّى في وجه يسوع التاريخي وعبر شهادته. دخل ابن الله في تاريخ البشرية ليوحي لها عن الآب ويوجّه خطانا نحوه.
ز- شهادة الروح
يشير يوحنا، مرات عدّة في إنجيله، إلى دور الروح القدس كشاهد. إن شهادته تتمحور حول المسيح أساسًا. إن فيض الروح القدس يتحقق مباشرة على يد الابن فوق الصليب وبالقيامة (19: 30؛ 20: 22)، إنه روح الحق الذي يشهد ليسوع (15: 26)، ولكنه يفعل ذلك مذكّرًا بأقوال يسوع (14: 26)، أي بإفهام معناها الحقيقي ومفعولها بكامله. فإن الحقيقة التي يوحي بها ليست سوى وحي الابن (15: 26)، أو وحي أقواله (16: 13- 15).
إن شهادة الروح القدس، كباقي الشهادات، متّصلة بما رأى وسمع وتلقّى من الابن (13:16-15). الروح القدس يشهد أمام التلاميذ لمجد يسوع: "سيمجّدني، لأنه يأخذ كلامي، ويقوله لكم" (16: 14).
إن الروح هو أيضًا "البارقليط" أو "المعزّي الآخر" (14: 16)، أي النصير، المحامي. والتعبير مستعار من الوسط القانوني والقضائي. لا داعي للتذكير بأهمية هذا التعبير في المحاكمة الكبرى التي يعرضها الإنجيل الرابع، والذي يصبح أساسيا في إطار صراع التلاميذ مع "العالم". ففي الفصل 14، يدافع الروح القدس لصالح المسيح وتلاميذه في العالم: "ومتى جاء وبّخ العالم على الخطيئة والبر والدينونة" (16: 8). يوحي الروح القدس لأعين التلاميذ بخطيئة العالم. يجعل هذه الخطيئة بارزة. وهي عدم استقبال وحي الله الآتي في شهادة يسوع المسيح (راجع 16: 9). وفي موضوع العدالة، يعلن الروح القدس (في إطار المحاكمة) انتصار يسوع الذي سيحتلّ مكانه مجدّدًا بجوار الآب (راجع 16: 10). ويبشّر الروح القدس أيضًا بالدينونة ويشير إلى من هو الذي أدين بالفعل: ظنّ العالم أنه دان يسوع إذ حكم عليه بالصلب، ولكن موت يسوع على الصليب هو في الواقع إدانة صادرة بحقّ الشيطان "سيّد هذا العالم" (راجع 16: 11).
ح- شهادة التلاميذ
إن مهمة الروح القدس أيضًا هي إيصال التلاميذ إلى الحقيقة بواسطة الشهادة التي يؤدّيها (16: 13). وهكذا نجد شهادة التلاميذ مرتبطة بعمل الروح القدس وشهادته. فالروح هو الشاهد، الذي بحضوره في التلاميذ وفي الكنيسة، يوفّر للمؤمنين الإمكانية والقوة للاعتراف بإيمانهم وللشهادة لصالح يسوع.
أولاً- شهادة التلاميذ الأوائل
المثل الأول عن شهادة التلاميذ نجده في الفصل الأول من الإنجيل الرابع، إن شهادة المعمدان في بداية الإنجيل (32:1-36) سبّبت أحداثًا مترابطة ومتواصلة: أشار يوحنا إلى المسيح بأنه "حمل الله"، فإذا تلميذان يتبعانه. أحد الاثنين هو اندراوس الذي جاء بأخيه سمعان إلى يسوع. وفيلبس الذي التقى بيسوع، جاء بنتنائيل. وبالمناسبة نجد شهادات عدّة تعطي ليسوع ألقابًا متنوعة: أندراوس أخبر سمعان: "وجدنا المسيّا، أي المسيح" (1: 41)، وفيليبوس وصف المسيح قائلاً: "وجدنا الذي ذكره موسى في الشريعة، والأنبياء في الكتب..." (45:1). وأعلن نتنائيل: "أنت يا معّلم ابن الله، أنت ملك إسرائيل!" (49:1). ويتوّج هذا القسم بكلام يسوع، الذي أكمل سلسلة الألقاب المسيحانية: "الحق أقول لكم: سترون السماء مفتوحًة، وملائكة الله صاعدين نازلين على ابن الإنسان" (1: 51).
هكذا تأتي شهادة هؤلاء التلاميذ الأوائل، لتؤيّد شهادة يوحنا المعمدان حول مسيحانية يسوع، وهذا الأمر يحافظ على منطق الشريعة التي تفرض، لقيام شهادة، تأكيد شاهدين أو ثلاثة لها (تثنية 19: 15). أكّد هؤلاء الشهود أن يسوع هو المسيح، ابن الله، وملك إسرائيل، الذي يكمّل كلّ الناموس والأنبياء. 
إن تفسير هذه الشهادات يجب أن يأخذ بالاعتبار مختلف مستويات القراءة: إن الألقاب المعطاة ليسوع تنمّ عن تأمل ناضج لدى الجماعة المؤمنة، المستنيرة بحدث القيامة، والتي يرعاها الروح. يدخل الإنجيلي ثمار هذا الاختبار في النص، ويكمّل بذلك كل معطيات التقليد المناسب لزمن يسوع.
ثانيًا- نقل الوحي
إن المسيح نفسه حدّد مهمة تلاميذه، بأنهم شهود، وذلك في خطبته الكبرى الأخيرة: "وأنتم أيضًا ستشهدون، لأنكّم من البدء معي" (27:15). إن شهادتهم هامة جدًا، إذ بواسطتها تنتقل كل الشهادات السابقة إلى الكنيسة. فالتلاميذ يمكنهم أن يكونوا شهودًا صادقين لأنهم عاشوا مع يسوع منذ البداية. وعلى ضوء القيامة خاصة، اكتسبوا فهمًا حقيقيًا لرسالة المسيح. وبالإضافة إلى ذلك، فإنهم مدعومون بشهادة الروح البارقليط في داخلهم. لقد اكتسبوا اتصالاً شخصيًا وخبرة مميّزة مع يسوع، مما جعل منهم شهودًا مميّزين لنقل الحقيقة التي سمعوها من فم المعلّم نفسه ورأوها في شخصه.
ليست الشهادة معدّة للتوقف بموت آخر تلميذ، لأن موضوعها الحقيقي هو على مستوى الإيمان، ويفوق اختبار الحواس. ومن جهة أخرى فإن روح الحق يدعم كل المؤمنين ويدفعهم لينقلوا إلى إخوتهم هذه الشهادة على كل ما جعلتهم نظرتهم الإيمانية يكتشفونه في يسوع.
ط- تنوعّ الشهود ووحدة الشهادة
إن هذا التنوّع في الشهود لا يؤذي وحدة الشهادات في شيء، لأننا نجد في إنجيل يوحنا مصدرًا واحدًا للشهادة وموضوعًا واحدًا لها. وكلّ هذه الشهادات ترجع، بطريقة ما، إلى شهادة الآب لصالح يسوع وتهدف إلى إظهار المسيح في العالم، بتأكيد مسيحانيته وبنوّته الإلهية. المقصود دائمًا شهادة الآب، والشهادة لصالح ابن الله. ويتم التعبير عنها بطرق عدّة، وتتحقق في التاريخ بشهادات متنوعة، من العهد القديم إلى الجماعة المسيحية.
يبدأ الإنجيل بشهادة يوحنا المعمدان. ويؤكد الآب أقوال يسوع بإعطائه آيات وأعمالاً حسنة يحققها فتشهد لصالح مصدره ورسالته. والكتب أيضًا، تسهم بشهادتها في إعلان مجيء المسيح. فحالة شهادة يسوع لنفسه وللآب هي حالة خاصة. فهو من جهة يشهد لهذه العلاقة الوحيدة والمميّزة مع الآب. ومن جهة أخرى، يظهر وجه الله الحقيقي للعالم، ويؤكد إخلاصه لوعوده. أضاء المسيح بقيامته كل الشهادات المعطاة، وأعطى للتلاميذ القوة اللازمة ليصيروا رسله وشهوده المخلصين في العالم. ثم إن رسالة التلاميذ مدعومة بشهادة البارقليط، روح الحق، في داخلهم.
في تصوّر الإنجيل الرابع، تجد الشهادة كمالها في شهادة المسيح عن الآب التي تتواصل بدورها بشهادة الروح. وفي ذلك يكمن البعد الثالوثي للشهادة. وفي الوقت نفسه تكون هذه الوحدة في مصدر الشهادة وموضوعها ضمانة لوحدة الوحي.

آفاق
أ- الشهادة والإيمان
إن الشهادة تدل على مهمّة يسوع الموحية، وموضوع الشهادة هو المسيح نفسه، في سرّه الشخصي كابن الله. لهذا السبب يوجد الإيمان في صميم الشهادة، وهو من أهمّ أهدافها.
الوحي هو عطية الله للبشر، بواسطة شهادة ابنه. ولكن هذه العطية لا تُفرض فرضًا، مع أن قبولها يتيح للإنسان أن يستفيد من الوحي الذي أتمّه يسوع؛ فالوصول إلى الآب يتمّ من خلال الابن وحده. وأخصام يسوع لا يستطيعون معرفة الله معرفة حقيقية، لأنهم يرفضون القبول به كابن.
الإيمان هو قبول كلمة يسوع وشهادته. وهذا الأمر يتطلّب انفتاحًا لدى الإنسان، ليتمكن الخلاص الذي جاء به يسوع من الوصول إليه. ولكن بعد الانضمام إلى يسوع، ينبغي أن يستمر المؤمن مع يسوع ويحبه بأمانة. وعليه أن يصبح بدوره شاهدًا يقترح على العالم اعتناق الحقيقة والخلاص.
ب- الشهادة واللاهوت
بعد نهاية القرن الأول حصل تبدّل جذري. فلم يعد هناك شهود مباشرون، وبالتالي لم يعد بإمكان أي مسيحيّ أن يتمتّع باختبار تاريخي مباشر عن يسوع المسيح. ولم يعد بمقدور المؤمنين أن يكتفوا بالعودة إلى شهادة الذين "رأوا وسمعوا ولمسوا يسوع" (راجع 1 يو 1: 1). ولهذا السبب اضطروا إلى حمل الكلمة، وجعل أنفسهم شهودًا، ليثبتوا للعالم صدقيّة الاختيار الذي يعيشونه (راجع 1 بط 3: 15). نكتشف هكذا عدم إمكانية الوقوف عند مجرّد تكرار ما وصل إلينا.
ثمّ بدأت الكنيسة تعبر تدريجيًا من مرحلة الإعلان، ومن التبشير الصرف، إلى مرحلة التأمّل بمحتوى إيمانها وتقديم الحجج والبراهين. وهكذا نعبر إلى محاولات جديدة للتعبير عن الإيمان، وإلى عصر جديد من الشهادة المسيحية.
بما أن أول من تصدّوا للمسيح كانوا من اليهود، فإن أول أشكال اللاهوت المسيحي أخذ حججه وبراهينه من نبوءات العهد القديم. ومع انتشار المسيحية الناشئة، وتحت تأثير الثقافة الهلّينية، لم يعد مصدر الحجج والبراهين محصورًا بالعهد القديم، بل تحوّل إلى الفلسفة.
ولكن مع كلّ هذه التطورات، فإن شهادة الإنجيل الأصلية تبقى أساسية لكل تأمل لاهوتي... هي تقدّم للفكر المسيحي مضمونًا لينطلق منه. يوجد في شهادة يسوع وفى بشارة شهوده الذين "سمعوا" و"رأوا" وحيًا مباشرًا يشكّل نقطة انطلاق للتأمل اللاهوتي. إن لاهوتًا بدون شهادة محكوم عليه بأن يصبح خطابًا لا بداية له ولا نهاية.
ج- الشهود الحاليّون
تجد المسيحية مصدرها في شهادة يسوع، وفي وحيه الذاتي، وفي شهادة الرسل الذين استناروا بحدث القيامة وبفعل الروح في داخلهم. والكنيسة تسعى باستمرار إلى تأوين الشهادة التي تسلّمتها بأمانة وصدق.
إن مسار شهادة الإنسان هو امتداد لشهادة المسيح، وتأوينها بدون انقطاع بشكل يتماشى مع شهادة يسوع، وبطريقة تواصل نشر الشهادة الأولى، عبر الزمان والمكان، في تاريخ البشر كلّه.
وشهود اليوم، كشهود الإنجيل، هم في نزاع دائم مع "العالم". إن شهادتهم تسجّل في خانة قضية إله يسوع المسيح، ضدّ الآلهة الكذبة في هذا العصر. إن الصراع بين النور والظلمة لم ينته بعد، ولكنه موضوع في إطار جديد وبمعطيات تاريخية وجغرافية وثقافية جديدة.
يجب أن يحاول الشاهد الحالي إعطاء هذا الزخم للكلمة الإنجيلية، وذلك بالتزام صادق يتجسّد في شهادة حية، ليصير علامة مربيّة على حب الله بيسوع المسيح. على مثال الشاهد الأعظم يسوع، يُدعى كلٌّ مؤمن لإتمام الرسالة، رسالة إظهار الآب للبشر، بحيث تكون للبشر الحياة عبر وحي الابن (راجع 20: 31).
د- الشاهد والشهيد
في القرن الثاني، صارت التعابير "شهد" و"شهادة" تطبّق أكثر فأكثر على العذابات المؤدية إلى الموت، والتي قاساها المؤمنون لأجل إيمانهم، وقد عُرف هؤلاء المؤمنون باسم "شهداء". يقاسي "الشهيد" (martus) العذاب ويموًت، لأنه كان، بكلمته وحياته، "شاهدًا" (في اليونانية تبقى الكلمة نفسها martus) ومؤمنًا بالمسيح.
إن مفهوم يوحنا للشهادة لا يتضمّن بوضوح شهادة الدم، ولكن العبور من المعنى الأول إلى المعنى الجديد أمر طبيعي، لأن الحقيقة الثابتة في الشهادة المسيحية، هي حقيقة الموت للفداء. إن "الشاهد- الشهيد" يشهد لانتصار المسيح بالموت، قد غلب الموت بالموت، وكانت له الحياة التي لا تزول.
كان الرسل في الأساس شهودًا للمسيح القائم من الموت (راجع لو 24: 48؛ أع 1: 8 و22)، وحملوا هذه الشهادة أمام "كلّ شعوب الأرض" (أع 3: 25)، رغم منع المجمع ورؤساء اليهود لهم بالضرب والعصي (أع 4: 19؛ 5: 32 و40). واسطفانوس بدوره، أكّد حدث القيامة، ولهذا السبب رجموه (أع 7: 55-58). وقد ذكّر بولس بموقفه من رجم اسطفانوس فقال "وإني كنت حاضرًا عندما سفك الشعب دم اسطفانوس شهيدك..." (أع 22: 20). نرى كيف تطوَّر معنى هذه الكلمة فصار "الشاهد" "شهيدًا".
يشير سفر الرؤيا إلى هذه الفكرة عندما يقول إن تلاميذ المسيح انتصروا على متّهمهم (الشيطان) "وغلبوه بدم الحمل وبشهادتهم له، وما أحبّوا حياتهم حتى في وجه الموت" (رؤ 12: 11).
وفي أدب ما بعد الرسل نجد الكلمات "شهود"، "شهادات" و"شهد" 12 مرة في رسالة اكليمنضوس الروماني الذي يتحدّث فيها عن "الشهادة" (marturia) التي قام بها بطرس وبولس في روما "حتى الموت" (راجع رسالته إلى أهل روما 5: 1-7). المقصود هنا بالتأكيد هو الشهادة القصوى، شهادة الدم. ثمّ ظهرت هذه الكلمة في "استشهاد بوليكاربوس" بمعناها المجرد أي "الشهيد" (martus): "نكتب لكم، أيها الإخوة، بخصوص الشهداء، وخاصة الطوباوي بوليكاربوس، الذي، باستشهاده، أقفل باب الاضطهاد وجعله يتوقف" (1: 1). وهكذا أعطي لبوليكاربوس "بأن يكون أهلاً باحتلال مقامه في عداد الشهداء".
صارت كلمة "الشاهد- الشهيد" (martus) عبارة كلاسيكية من التقليد المسيحي. "فالشهيد" هو المسيحيّ الذي يشهد علنًا بإيمانه بالله الواحد وبألوهية يسوع المسيح، ويؤدّي هذه الشهادة حتى الموت. يجمع الشهداء الكنيسة، بطريقة مميزة جدًا، بالمسيح، وبشهادته المميزة التي أعطاها بآلامه وموته على الصليب. وإذ يشارك الشهيد بموت المسيح، فإنّه يشاركه في حياته، فتصبح "شهادته" آية للإنسان ودعوة للإيمان بيسوع المسيح.