"والكلمة صار بشرًا..." 1: 1-14

 

يقول بعضهم إنّ مقدمة إنجيل يوحنا ليست إفتتاحيّة أو مقدمة، بل هي الإنجيل بالذات، في رؤية شاملة عميقة تيشّر بالأفكار الرئيسية التي سيتناولها الإنجيل وتكشف هكذا، منذ البدء، عن جوهر لاهوت المسيح...
لقد وضع هذا النص، الملقّب "بالمقدمة"، على مرحلتين: في الأولى، دوّن نشيد أصلي لتمجيد المسيح بصفته كلمة الله (الآيات 1-5؛ 9-14)؛ وفي الثانية، تمّ توسيع يبدو أنّ الإنجيلي أدخله فيما بعد، يوضّح من جهة، في الآيات 6-9، أنّ يوحنا ليس المسيح المنتظر؛ ويوضح من جهة أخرى، في الآيات 16- 18، علاقة الابن بالآب كما ورد مفهومها في الآية 14.
ستقتصر دراستنا على النشيد الأصلي، أي على الآيات 1-5، 9-14.
لنسمع إولاً هذا النشيد الذي شبّهه أحد المفسرين باستهلاليّة موسيقيّة أو سيمفونيّة...

يوحنا 1: 1-14
1 في البدء كان الكلمة 
والكلمة كان لدى الله 
والكلمة كان الله.
2 كان في البدء لدى الله.
3 به كان كل شيء
وبدونه ما كان شيء مما كان.
4 فيه كانت الحياة
والحياة كان نور الناس
5 والنور يشرق في الظلمات
ولم تدركه الظلمات....
9 كان النور الحق الآتي إلى العالم.
10 كان في العالم
وبه كان العالم
والعالم لم يعرفه.
11 جاء إلى ذويه وذووه ما قبلوه
12 أما الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه
فقد أعطاهم سلطة أن يصيروا أولاد الله
13 هم الذين لا من دماء ولا من رغبة بشر (لحم) 
ولا من رغبة رجل بل من الله ولدوا
14 والكلمة صار بشرًا (لحمًا)
فسكن بيننا
فرأينا مجده
مجدًا من لدن الآب لمولود وحيد
ملؤه النعمة والحق.
أ- تحليل أدبي

1- المحيط الإلهي والمحيط الإنساني
يتضمن هذا النشيد احتواء (Inclusion) أو "فاتحة وخاتمة"، يبرز في تكرار المصطلح Logos- الكلمة (4 مرات)، محددًا هكذا ما نسمّيه وحدة النص: فتتمحور هذه الوحدة حول "الكلمة الكائن ومصيره":
كان الكلمة... والكلمة كان لدى الله، والكلمة هو الله (آ 10)
والكلمة صار بشرًا (آ 14)
نلاحظ في هاتين الآيتين توزايًا بالتناقض:
كان الله
الكلمة 
صار بشر
يعكس هذا التوازي، نوعًا ما، وجه "الثنائيّة" الواردة في عمليّة التجسّد: الله/ بشر. في إطار هذه "الثنائيّة"، يتضمّن النشيد سلسلة من المصطلحات أو المصادر المعيّنة التي تدلّ على تشابك عالمين أو محيطين مميّزين: المحيط الإلهي أو السماوي، من جهة، والمحيط الإنسانيّ أو البشري، من جهة أخرى.
فيما يختص بالمحيط الإلهي. تبرز المصادر التالية:
الكلمة (1)- الله (1، 2، 12، 13)
الحياة (4)- النور (4، 5، 9)
المجد (14)- النعمة (14)
الحق (14)
وفيما يختص بالمحيط الإنساني، تبرز المصادر التالية:
الظلمة (5)- الإنسان (4- 9)
العالم (9- 10)- الدماء (13)
البشر (13)- الرجل (13)
إنّ عدد المصادر التي تعرّف على المحيط الإلهي هو سبعة (رقم الكمال...)، بينما عدد المصادر التي تعرّف على المحيط البشري هو "ستة" (إنّ العدد 6، عند يوحنا، يرمز إلى حالة نقص أو عجز): قد يدلّ هذا الترقيم، من جهة، إلى وجه السموّ والكمال الذي يتّسم به المحيط الإلهي، ومن جهة أخرى، إلى وجه الخلل والنقص الذي يميّز المحيط البشري.

2- هويّة الابن
"فرأينا مجده، مجدًا من لدى الآب لمولود وحيد..." (آ 14).
إنّ المصادر السبعة المذكورة أعلاه في المحيط الإلهي، تعرّف بصورة مباشرة عن هويّة الابن المتجسّد، إذ هي مرتبطة به رباطا وثيقًا:



يرافق معظم هذه المصادر فعل واحد يتكرّر عدّة مرّات خلال الآيات 1- 10، هو فعل "كان" (ην):
كان الكلمة (1)؛ كان لدى الله (1)؛ كان الله (1)؛ كان في البدء (2)؛
كان نور الناس (4)؛ كان النور الحق (9)؛ كان في العالم (10).
يتكرّر فعل كان، نسبةً إلي الابن، 7 مرات: فيشدّد على كيان الابن الأزلي، الموجود قبل إنشاء العالم؛ إنّه شخصيّة وشخص، لا فكرة تجريديّة. لا يتميّز في هذه الآيات بأيّ دور ظاهر، إلاّ أنّه الكائن المطلق السائد في قلب الوحدة الإلهيّة.

3- كيفيّة التجسّد
تتميّز الآيات 11-14 باستخدام أربعة أفعال، نسبًة إلى الابن، تدلّ- بخلاف فعل "كان "- إلى النشاط والحركة: جاء- أعطى أن يصيروا- صار- سكن.
وتتوازى هذه الأفعال، بشكل منطقي، داخل بنية هرميّة واضحة:
بنية الآيات 11-14 
11 جاء-إلى ذوية وذووه ما قبلوه
12 أما الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه
فقد أعطاهم سلطة أن يصيروا أولاد الله.
13 هم الذين لا من دماء ولا من
رغبة بشر ولا من رغبة رجل

14 بل من الله ولدوا
والكلمة صار بشرًا
فسكن بيننا 


فرأينا مجده... 
تعبّر هذه البنية- بهرميّتها- عن ديناميّة التجسّد وهدفه: ويمكن إبرازها من خلال الجدول التالي:
مجيء الكلمة
تألّه البشريّة
الخلق الجديد


تجسّد الألوهيّة
سكن الكلمة


معاينة مجد الله

يبرز السؤال التالي: لماذا التجسّد؟ وإلام يهدف؟
هل هو لحلّ النزاع القائم بين الألوهيّة والإنسانيّة؟ بين القدسي والدنيوي؟ هل هو لتغلّب النور على الظلمة؟ وانتصار الخير على الشرّ؛ وفيض النعمة في إزالة الحطيئة؟ نتوقّف على أبعاد هذا التجسّد، إذ ينفرد يوحنا، في العهد الجديد كلّه، بذكر لاهوت الكلمة وسرّ تجسّده.
ب- تفسير لاهوتي
والكلمة صار بشرًا
يشير التعبير "صار" إلى واقعيّة تدخّل الكلمة في التاريخ: تدخّل، أو حدث تاريخي يدشّن كيانًا جديدًا للكلمة، ألا وهو أنّ الكلمة يصبح لحمًا أو بشرًا؛ وهذا لا يعني رداء خارجيا أو تعبيرًا وهميًا لتدخّل الله في محيط مجرّد، بل إلتزام واضح واعتناق طبيعة إنسانيّة معينّة. بدون التخفي عن كونه الكلمة.
تدلّ كلمة "لحم" هنا، إلى أن الكلمة اعتنق فعلاً الطبيعة البشريّة (لم يستعمل يوحنا مثلاً كلمة "إنسان"/ anthropos). يصبح لحمًا، أو "يتلحّم"، إذا صحّ التعبير، وهذا يعني تحمّل وضع الإنسانيّة بكاملها، مع ضعفها، وزوالها، وحدودها: يعني أن يولد، وينمو، ويموت، ويشارك في جميع مراحل الحياة البشريّة، في إطار تاريخ دنيوي محدود، لا بل خاضع لجميع النزاعات الناتجة عنه.
الفعل اليوناني، ‹eskenosen›››- سكن، يعبّر جيدًا عن هذا التجسّد أو هذا "التوطين" البشري. "وسكن بيننا...".
يذكّر فعل "سكن" بالفعل العبراني "شكن"، الذي يوحي بحضور الله المتسامي في وسط شعبه: يسكن الله في تابوت العهد في الصحراء (خر 22:15؛ 7:33- 11؛ اح 12:26)؛ ومن ثمّ يسكن في الهيكل (1 مل 8: 10- 11)؛ والحكمة ذاتها تسكن في يعقوب (سي 24: 8)... لا يعبّر هذا المصطلح عن إقامة عابرة سريعة. بل يدلّ فعل ‹eskenosen›››، مع مجيء المسيح، عن مبيت الله الثابت والدائم، فيتوّج بتجسّده تاريخ حضور الله الفعّال في وسط شعبه.
إنّ نتيجة هذا الحضور الإلهي، من خلال تجسّد الكلمة، له أثر مباشر في "الذين قبلوه، والذين يؤمنون باسمه": ألا وهو معاينة مجد الله...
"فرأينا مجده..."
إنّ المجد- "كابود"- يرافق تاريخ حضور الله في العهد القديم، فيعبّر عن قداسة الله وسموّه (اش 6: 1-4)، لا بل عن محبته ورحمته الأزليّتين (خر 16: 10؛ 24: 15؛ 18:33). بعد عبور سيناء، يحيط المجد الهيكل، الذي يصبح المكان المميّز لتجلي مجد الله (حز 2:43)؛ ومع أنبياء الجلاء، يتّسم بطابع أخروي أو إسكاتولوجي حازم.
إنّ حضور الله وقداسته مرتبطان رباطًا وثيقًا بتجسّد الكلمة الذي يظهر مجد الله بصورة محسوسة؛ فيتجلّى هذا المجد في عرس قانا الجليل، وفي قيامة لعازر...، حيث يتمّم الابن مشيئة الآب، معلنًا بأعماله، مجد الله.
ومع أنّ حياة المسيح كلّها ستتسنّى بطابع المجد، فهناك وقت أو ساعة خاصة، يتبلور فيها مجد الابن، ألا وهي ساعة الفصح: ساعة آلام وموت وقيامة المسيح (راجع صدى كلمة "مجد/ تمجيد" في إنجيل يوحنا). بالتالي لا نستطيع أن نفصل سرّ التجسّد عن واقع الفصح وطابعه الفادي.

في الختام
للتجسّد، منذ البدء، طابع الألم والتضحية، يعبّر عنه هذا النزاع الدائم والمستمرّ بين الأسفل والأعلى، وبين المادة والروح،... كما يرويه يوحنا في نشيده للكلمة.
ألا يكشف هذا النزاع- من وراء حدود الإنسانيّة والضعف البشري- عن نزاع آخر؟ نزاع ينبع من حضن الألوهيّة؟ إذ، في التجسّد، يغادر الابن "محيط الوحدة الثالوثيّة"، فيفتتح زمنًا يتميّز، من الآن وصاعدًا، بحضور الله وغيابه (Présence-Absence de Dieu): حضور وغياب ينبض في قلب البشريّة وفي قلب الله أيضًا...