يسوع مرسل الآب

 

يتّفق معظم شرّاح الكتاب المقدس أن لاهوت الإنجيل الرابع يدور حول هذا السؤال: من هو يسوع؟ وبالفعل ينفرد إنجيل يوحنا في التعمّق بسر المسيح ويبحث بما لديه من براهين ومعطيات ليؤكد حقيقة هذا الإله المُرسل من لدن الآب والذي نصب خيمته فيما بيننا. فنيقودمس يعلن باسم رؤساء اليهود، دهشته حول شخص يسوع فيقول له: "رابي. نحن نعلم أنك جئت من لدن الله معلّمًا فما من أحد يستطيع أن يأتي بتلك الآيات التي تأتي بها أنت إلاّ إذا كان الله معه" (3: 2). وتتحيّر السامرية من أجوبة يسوع وتقول: "هل أنت أعظم من أبينا يعقوب"؟... (12:4)، "أرى أنك نبيٌّ" (19:4)، "ألعلّه المسيح"؟ (29:4). وعامة الشعب أيضًا لا تخفي استغرابها من أمر يسوع: "إن هذا نعرف من أين هو..." (7: 27). أما المناقشات بين يسوع ورؤساء لليهود فإنها تأخذ طابعًا دراماتيكيًا: "من تجعل نفسك؟ أأنت أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات" (53:8). ولكنهم أيضًا يعترفون بأن سر يسوع يجهلونه تمامًا: "نحن نعلم أن الله كلّم موسى، أما هذا فلا نعلم من أين هو" (9: 29)؟
على هذه التساؤلات كافة، يقدّم لنا الإنجيلي يوحنا جوابًا واضحًا عن سر المسيح إذ يكشف لنا عن هوية يسوع الناصري بأنه "مرسل الآب"- "يسوع مرسل الآب".
هذا هو عنوان بحثنا الذي ينقسم بدوره إلى قسمين:
1- في القسم الأول نبحث عن الآيات والأفعال التي لها علاقة مباشرة في موضوع الإرسال.
2- في القسم الثاني سنتكلم عن هدف وغاية إرسال يسوع من لدن الآب إلى العالم.
ثم ننهي بحثنا بخلاصة راعوية.

1- الأفعال
هناك فعلان أساسيان يستعملهما الإنجيلي يوحنا للدلالة على إرسال يسوع أو للتأكيد على أن يسوع مرسل الآب وهما: αποστελλω πεμπω إن الفعل "أرسل" عندما يُستعمل للدلالة على رسالة يسوع يعبّر عنه باليونانية بهذين الفعلين (πεμπω وαποστελλω) من دون أيّ اختلاف في المعنى. ونلاحظ غنى وأهمية هذا الموضوع بالنسبة للإنجيل من خلال تكرار الفعل "أرسل" حوالي أربعين مرّة.
ولا بدّ للإشارة هنا أننا نجد افتقارًا لهذا الموضوع عند الإزائيين: يسوع كمرسل مرتان (متى 24:15 "لم أرسل إلاّ إلى الخراف الضالة من بيت اسرائيل" ولو 4: 43 "يجب عليّ أن أبشِّر سائر المدن أيضًا بملكوت الله، فاني لهذا أرسلت")؛ والآب الذي يرسل 4 مرات (متى 10: 40؛ لو 48:9؛ 10: 16؛ مرقس 37:9)؛ وفي مثل الكرّامين القتلة يُذكر أن الآب هو الذي يُرسل الابن (متى 21: 37؛ مرقس 12: 6؛ لو 20: 13). ما عدا هذه الآيات فاننا لا نجد أية أهمية لهذا الموضوع عند الإزائيين.
أما في إنجيل يوحنا، فإن هذا الموضوع هو في بالغ الأهمية. يسوع نفسه يستعمل الفعل "أرسل" مرّات عديدة ليؤكّد لنا مصدره الإلهي أي أنه ينتمي إلى الطبيعة الإلهية ويخبرنا عن فحوى الرسالة التي يحملها إلى العالم. وهكذا تصبح عبارة "الذي أرسلني" مرادفًا للآب نفسه كما أنها تعبّر عن حقيقة جوهر ورسالة يسوع كمرسل. هناك علاقة وثيقة بين الآب الذي يرسل ويسوع المرسَل، علاقة الآب بالإبن، علاقة حب متبادل ينتج عنها رسالة الخلاص التي يحملها يسوع المسيح إلى العالم أجمع.
بالنسبة إلى يوحنا، يسوع هو مرسل إلى العالم. أما بالنسبة إلى الإزائيين فيسوع هو مرسل إلى إسرائيل (متى 15: 24؛ لو 4: 43).

2- الآيات التي تدلّ على الإرسال
نلاحظ من خلال البحث أن هناك ثلاث فئات من الناس تكلم يسوع أمامهم في إعلانه عن ذاته كمرسل من الآب:
1- أمام عامة الشعب
2- أمام اليهود
3- مع التلاميذ
أ- أمام عامة الشعب
نلاحظ أن أول أمر يطلبه يسوع من عامة الشعب هو الإيمان. فعلى سؤالهم "ماذا نعمل لنقوم بأعمال الله؟" (28:6)، يصرّح يسوع قائلاً: "عمل الله أن تؤمنوا بمن أرسل" (6: 19). والإيمان بيسوع المسيح ليس نظريًا إنما هو تطبيق إرادة الله الآب في حياتنا؟ لأجل هذا يعلن يسوع من أنّه "نزل من السماء لا ليعمل بمشيئته بل بمشيئة الذي أرسله. ومشيئة الذي أرسله الاّ يهلك أحدًا... بل يقيمه في اليوم الأخير" (28:6، 39). حول هذه المشيئة، مشيئة الآب، تتمحور حياة يسوع المسيح؛ ويطلب من كل إنسان يريد أن يتبعه أن يعرف مشيئة الآب ويعمل بها؟ فإن في هذا العمل مرضاة الآب، لذا يقول يسوع: "ما من أحد يستطيع أن يقبل إليّ إلاّ إذا اجتذبه الآب الذي أرسلني وأنا أقيمه في اليوم الأخير" (6: 44). من هنا نجد شرطًا أساسيًا لقبول رسالة يسوع ألا وهو معرفته وتصديق المصدر الذي منه أتى. فإن عجز الناس عن معرفة يسوع كمرسل من قبل الله لهو دليل على أنهم لا يعرفون الله فعلاً. لذا يؤكّد قائلاً: "أجل، إنكم تعرفوني وتعرفون من أين أنا. على أني ماجئت من نفسي فالذي أرسلني هو صادق. ذاك الذي لا تعرفونه أنتم. وأما أنا فأعرفه لأني من عنده وهو الذي أرسلني" (7: 28- 29).
وكان لا بدّ من التأكيد للناس أن يسوع والآب الذي أرسله ينتميان إلى طبيعة واحده وتربطهما علاقة وحدة وثيقة، علاقة حب الآب للابن والابن للآب. لذا يعلن يسوع بصراحة: "إني لست وحدي بل أنا والذي أرسلني، وإذا حكمت فحكمي صحيح" (16:8). "أنا أشهد لنفسي والآب الذي أرسلني يشهد لي أيضًا (18:8). ويضيف متوّجًا إعلانه: "من آمن بي لم يؤمن بي أنا بل بالذي أرسلني ومن رآني رأى الذي أرسلني" (12: 44-45). إن هذه الوحدة بين الآب ويسوع تشكل مصدر رسالته في العالم.
ب- أمام اليهود
إن ما يلفت نظرنا في أولى الآيات التي يوجّهها يسوع أمام اليهود عندما كان يتكلّم عن دوره كمرسل من لدن الآب، هو إعطاء الكرامة للإبن كما للآب. فالكرامة والتمجيد الواجبان لله الآب واجبان أيضًا للابن: "لأن الآب لا يدين أحدًا بل جعل القضاء كلّه للابن لكي يُكرم الابن جميع الناس كما يكرمون الآب: فمن لم يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله" (5: 22-23) وبهذا ينفرد يسوع عن سائر الأنبياء كونه الابن الذي يُظهر في شخصية المتأنس سر الألوهة، سر محبة الله الآب للعالم أجمع.
والذي يقدّم واجب الكرامة للآب وللابن لا بدّ له من أن يسمع الكلمة ويحفظها في قلبه، لأنّ فيها يجد الحياة الأبدية. هذا ما يؤكّده يسوع حين يقول: "الحق الحق أقول لكم: من سمع كلامي وآمن بمن أرسلني فله الحياة الأبدية ولا يمثل لدى القضاء بل انتقل من الموت إلى الحياة" (5: 24). وهنا أيضًا سماع كلام يسوع يردّد وقع شماع إسرائيل، فبواسطة سماع وصايا الله وكلامه يدخل اليهود الحياة ويحيون مع الله إلى الأبد. ويريد يسوع أيضًا أن يؤكّد لليهود بأن سماع كلامه وحفظ وصاياه يجعلانهم يدخلون الحياة مع الله. ولكن اليهود قساة القلب لم يريدوا أن يسمعوا ولا أن يروا ليؤمنوا؛ ويسألون الرب: ما هي الأشياء التي تعملها لنؤمن بأنك مرسل من قبل الله؟ ويجيبهم يسوع قائلاً: "إن الأعمال التي وكل إليّ الآب أن أتمّها هذه الأعمال التي أعملها هي تشهد لي بأن الآب أرسلني. والآب الذي أرسلني، هو يشهد لي" (5: 36-37).
ويتعجب اليهود أيضًا من تعليم يسوع ويسألون: "كيف يعرف هذا الكتب ولم يتعلّم؟" ويبّين يسوع لهم من "أن تعليمه ليس من عنده بل من عند الآب الذي أرسله" (7: 16). مرّة أخرى يؤكد يسوع أمام اليهود وحدته مع الآب وهذا ليس فقط من خلال تعليمه بل من خلال اعماله التي تشهد له بأنه مرسل الآب.
وعلى الرغم من صراحة يسوع بالإعلان عن جوهر ذاته وعن هويته ومن أنه مرسل الآب ظلّ اليهود ينعتونه بالمجدّف وبالكافر؟ وبشكل دراماتيكي يدل على تعنّتهم وعدم فهمهم يردّ يسوع عليهم بسؤال: "كيف تقولون للذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم: أنت تجدّف، لأني قلت إني ابن الله"؟ (10: 36).
وسيبقى اليهود حتى النهاية على موقفهم الرافض لتعاليم يسوع وأعماله التي تشهد له أنه مرسل الآب.
ج- مع التلاميذ
إن ما يميّز التلميذ عن سائر الناس أعطاؤه الأولوية لتعاليم الرب والعمل بارادته. هذا ما يبدأ به يسوع مع تلاميذه إذا يعلمهم أن مشيثة الرب هي التي يجب أن تأخذ بالهم وفكرهم وقلبهم فتصبح هكذا كالطعام الضروري للاستمرار في الحياة: "طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمّ عمله" (34:4).
والتلميذ أيضًا، على ضوء تعاليم يسوع، وجب عليه أن يطابق عمله مع عمل السيد؛ وبكلام آخر وجب عليه أن يكون في أعماله إبنًا للنور. ويؤكد يسوع هذا عندما يقول: "يجب علينا، ما دام النهار، أن نعمل أعمال الذي أرسلني، فالليل آت وفيه لا يستطيع أحد أن يعمل" (9: 4). فالتلميذ يعدّ عمله امتدادًا لعمل المسيح.
وما يتميَّز به التلميذ أيضًا محبّته لمعلّمه. وتفترض المحبة أن يحفظ التلميذ كلام الذي يحب لأنه يهمّه أن يصغي إلى صوته لأن الرب لا يريد إلاّ أن يقوده إلى كمال الوحدة معه. لذا يعلن يسوع أمام تلاميذه: "من لا يحبّني لا يحفظ كلامي. والكلمة التي تسمعونها ليست كلمتي بل كلمة الآب الذي أرسلني". (14: 24).
إن موقف التلميذ هذا، بمحبته للمعلّم وبسماع كلامه وباتمام مشيئته، سيعرّضه للإضطهاد بسبب جهل العالم للحقيقة ولرسالة يسوع؛ ولكن لا يهمّ لأن حسب التلميذ أن يكون مثل معلّمه. هذا ما يعلنه يسوع بقوله: "إذا اضطهدوني فسيضطهدونكم وإذا حفظوا كلامي فسيحفظون كلامكم أيضًا. لا بل سيفعلون ذلك كلّه بكم من أجل اسمي لأنهم لا يعرفون الذي أرسلني." (15: 21). ولكن طالما يعرف التلميذ جيدًا أنه بالإيمان بالآب وبيسوع المسيح المرسل من الآب يدخل الحياة الأبدية فلا داعي للخوف من الاضطهاد ولا حتى من الموت: "الحياة الأبدية هي أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويعرفوا الذي أرسلته يسوع المسيح" (17: 3).
أضف إلى ذلك أن التلميذ مرسل من قبل الرب كما يسوع مرسل من الآب. أنه يتلقّى أمر الرسالة من الرب يسوع: "كما أرسلتني إلى العالم، فكذلك أنا أرسلتهم إلى العالم" (18:17). لذا وجب على التلميذ أن يكون في وحدة مع الرب وفي تناغم معه على جميع الأصعدة. هذه كانت أمنية يسوع لا بل صلاته قبل الوداع الأخير: "فليكونوا بأجمعهم واحدًا كما أنت فيّ، يا أبت، وأنا فيك فليكونوا هم أيضًا فينا ليؤمن العالم بأنك أرسلتني" (17: 21). ويضيف قائلاً: "أنا فيهم وأنت فيّ ليبلغوا كمال الوحدة ويعرف العالم أنك أنت أرسلتني" (23:17). إن وحدتنا مع الرب يسوع ووحدتنا مع بعضنا البعض كجماعة مسيحية لهي شهادةٌ حية للعالم عن حضور الرب فينا؛ وبهذا يعرف العالم الإله الحق وأن يسوع مرسل الآب: "يا أبت البار، إن العالم لم يعرفك أما أنا فقد عرفتك وعرف هؤلاء أنك أرسلتني" (17: 25).
نستنتج أخيرًا أن مهمة التلميذ تكمن في أن يكشف للعالم ولظهر له حقيقة يسوع المسيح بعد أن يكون قد عاش باتحاد وثيق أو الأحرى بلغ كمال الوحدة مع الرب يسوع.

3- غاية وهدف إرسال يسوع
بعد أن ألقينا نظرة سريعة على الآيات والأفعال التي لها علاقة مباشرة في إرسال يسوع، لا بدّ لنا أن نتوقف قليلاً ونتكلم عن هدف وغاية الإرسال.
إن فكرة المسيح الآتي والمرسل إلى العالم. يكتب تايلور، هي "المحور الذي حوله تدور كل التأكيدات والإعلانات العقائدية في إنجيل يوحنا". يسوع يحدّد ذاته أمام اليهود بأنه "هو الذي قدّسه الله وأرسله إلى العالم" (10: 36).
"إن كل كيان يسوع، يكتب جوزف راتسنغر، يكمن في أن يكون مرسلاً". "وأن يكون مرسلاً، يضيف مالدونا، هذا لا يعني شيئًا آخر سوى أن يصير يسوع إنسانًا". وندرك أهمية هذا الموضوع عندما نتحقّق من أن فكرة التجسّد، "والكلمة صار بشرًا"، هي القاعدة التي يبني عليها يوحنا إنجيله.
ولكن إعلان يسوع كمرسل، هذا الإعلان بحد ذاته، لا يؤكد لنا الوهيته ولا يعطينا البعد الحقيقي لفحوى رسالته. فإن هناك أنبياء كثرًا في العهد القديم أطلق عليهم صفة "مرسلين" كموسى (خروج 3: 10)؛ وأشعيا (6: 8)؛ وإرميا (1: 5-7)؛ وحزقيال (2: 3). وحتى يوحنا المعمدان يقول عنه الإنجيلي يوحنا إنه: "كان إنسانًا مرسلاً من الله اسمه يوحنا" (1: 6). إنما نجد هناك اختلافًا كلّيًا بين هؤلاء المرسلين ويسوع كمرسل الآب.
إن الأنبياء يعيشون كسائر الناس إلى وقت تتوجّه اليهم كلمة الرب وتدعوهم لرسالة محددّة (خروج 3: 1- 4؛ اشعيا 6: 1- 12؛ ارميا 1: 1- 10؛ حزقيال 2: 1-9؛ لو 3: 1-3). وعندما يعي النبي كبر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه فإنه يشكو حالته وصعوبته أمام الرب. فمثلاً موسى يشكو عدم قدرته على التكلم (خروج 3: 11؛ 4: 10) وأشعيا نجاسة شفتيه (أشعيا 6: 5) وإرميا عدم خبرته (إرميا 1: 6) والمعمدان نفسه مقتنع بدوره كسابق يهيّئ الطريق للذي سيأتي بعده: "إني لست مستحقًا أن أحل رباط حذائه" (يوحنا 1: 27).
وعلى الرغم من الصعوبات، هؤلاء الأشخاص هم مرسلون بقوة الرب (خروج 3: 12؛ اشعيا 17:6؛ ارميا 1: 7-8؛ حزقيال 2: 1-9؛ لو 1: 22) لكي يحملوا رسالة الرب (خروج 3: 15-16؛ أشعيا 6: 9-10؛ ارميا 1: 9؛ حزقيال 2: 7؛ لو 3: 3-6).
أما الاختلاف والفرق بين رسالة يسوع ورسالة الأنبياء فيكمن في أن يسوع ليس لديه وقت محدّد كالأنبياء تبدأ فيه رسالته. إنما على العكس فرسالة يسوع كمرسل الآب تتحدّد بذاته نفسها؛ إن يسوع لا يعي في وقت ما كالأنبياء فحوى رسالته لأن ذاته هو الرسالة، رسالة الآب إلى العالم. لذا عند ظهوره لاسرائيل كان على الشعب أن يعي رسالته ولأجل هذا جاء يوحنا معمدًا بالماء (يو 1: 31). وبما أن شخص يسوع هو فحوى رسالة الآب إلى العالم أصبح من الضروري قبوله والإيمان به: "إن عمل الله أن تؤمنوا بمن أرسل" (6: 29). أجل، إن عمل الله الأساسي يكمن بأنه ارسل إبنه إلى هذا العالم ومن يريد أن يشارك في هذا العمل الإلهي ما عليه الاّ أن يتقبل رسالته بالإيمان.
أخيرًا لا يمكننا أن نفهم حقيقة يسوع كمرسل الاّ من هذا المنظار: هو مرسل بقدر ما يعطي الناس سلطانًا ليصبحوا أبناء الله (1: 12) بالإيمان باسمه ويجعل الآخرين، في شخصه، يدخلون في سر المحبة، المحبة التي فيها الآب أحب الإبن منذ قبل إنشاء العالم (26:17).
إن هدف الإرسال إذًا هو إظهار الله في شخص يسوع المتأنس. وبكلام آخر إن يسوع هو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يكشف لنا عن طبيعة الله وجوهره. إن ما يفترض هذه الرؤية اللاهوتية هو أن الله لم يره أحد قط (1: 18). "الابن الوحيد الذي في حضن الآب" هو القادر أن يخبرنا عن ماهية الآب. هذا الإبن أرسله الآب إلى العالم لنكون في شركة معه وليهبنا الحياة الأبدية. إن يسوع مرسل الآب "أتى لتكون لنا الحياة ولتكون بوفرة" (10: 10).

خلاصة راعوية
من خلال ما تقدم نستنتج أن رسالة يسوع كمرسل الآب تكمن في الكشف عن هوية الآب وعن مشيئته وعن سر حبّه للعالم. وما يميّز هذه الرسالة أن يسوع يحيا في وحدة تامة وتناغم مستمر مع الآب لذا يقدر يسوع أن يقول لفيلبس: "من رآني فقد رأى الآب" (9:14). ولم يكن يسوع فقط متناغمًا مع الآب بل كان أيضًا في علاقة حميمة مع تلاميذه: "إني أطلعتكم على كل ما سمعته من أبي... إخترتكم وأقمتكم لتذهبوا فتثمروا ويبقى ثمركم" (يو 15: 15، 16). وتظهر هذه العلاقة الحميمة مع تلاميذه عندما أرسلهم ليكمِّلوا الرسالة التي بدأها: "كما أرسلتني إلى العالم فكذلك أنا أرسلتهم إلى العالم" (18:17). كل شيء ينحدر من الآب، فالآب يرسل الابن، والابن يرسل التلاميذ، فرسالتهم بين الناس تنطلق من الوحدة بين الثلاثة (الآب والابن والتلاميذ) وقد تكرّسوا لهذه الرسالة كما تكرّس يسوع نفسه. ليس هذا فحسب. فيسوع أيضًا.. كرّس نفسه من أجلهم (17: 19).
إنطلاقًا من هذا الواقع، ماذا يمكننا أن نتعلم كوننا مرسلين في هذا العالم؟ وما هي العبرة التي يمكن أن نأخذها لحياة الجماعة المسيحية والكنيسة؟ هناك ثلاث نقاط أساسية:
* أولاً، على مثال يسوع مرسل الآب، نتعلّم أن الأولوية في حياتنا المسيحية هي معرفة مشيئة الرب واتمامها على أكمل وجه. "طعامي أن أعمل مشيئة من أرسلني" (4: 34). والرسول أيضًا هو الذي يعمل مشيئة من يرسله. "لتكن مشيئتك" هكذا علّم يسوع تلاميذه أن يصلّوا.
* ثانيًا، نتعلم كيف على التلميذ أن يكون في اتحاد وتناغم مع الرب. فعليه أن يميّز صوته من بين سائر الأصوات؟ ولكن خاصة أن يكون تعليمه مطابقًا لتعاليم المعلّم: "ليس تعليمي من عندي بل من عند الآب الذي أرسلني" (7: 16).
* وأخيرًا ضرورة عيش الوحدة في قلب الجماعة المسيحية بين مختلف افرادها لتكون العلامة المميّزة لحضور الرب القائم والحيّ إلى الأبد: "ليكونوا واحدًا كما نحن واحد. أنا فيهم وأنت فيّ ليبلغوا كمال الوحدة ويعرف العالم أنك أنت أرسلتني" (17: 22-23). هذه كانت أمنية وصلاة يسوع قبل أن يغادر العالم. ويا ليتها تكون أمنيتنا جميعًا ليتمجد بذلك اشمه ويبقى ممجَّدًا إلى الأبد.