الشاهدان

 

يشكّل هذا الفصل مفتاح رؤ. كان ف 10 قد أعلن مهمّة نبوية دُعي إليها الكاتب دعوة خاصة. والحال أن الشاهدين اللذين يتحدّث عنهما ف 11 سوف يتنبّأان (آ 3). ويتحدّث النصّ عن نبوءتهما (آ 6). ويقول إنهما "نبيان" (آ 10). فالنداء إلى تنبّؤ على شعوب وأمم وألسنة وملوك (10: 11) يتمّ في تعداد الأشخاص الذين عذّبهم عمل الشاهدين: شعوب، قبائل، ألسن، أمم (11: 9). وهكذا يكون 11: 1-13 صورة عمّا أعلن في ف 10 وتحقيقاً له. وهو يدلّنا بشكل ملموس على ما تقوم النبوءة في عالم أعطي مهلة من الوقت لكي يتوب.

1- نظرة إجمالية
نحن هنا أمام فاصل (يبدأ في 10: 1 مع الكتاب الصغير) أقحم بين الرؤية السادسة والرؤية السابعة فوصل بالتوتّر إلى ذروته. لأنه بعد البوق السابع والأخير، لن يعود هناك من مهلة، وسرّ الله يتمّ (10: 6-7). هذا الفاصل ينقسم قسمين من جهة النصّ والمواضيع. جمُعا انطلاقاً من أخبار مختلفة كانت في الأصل مستقلّة فانتمت إلى التقليد الجلياني اليهودي. كان القسم الأول (10: 1- 11): الدعوة ورؤية الكتاب. وقد تحدّثنا عنه. والقسم الثاني (11: 1- 14) هو رؤية الهيكل والشاهدين.
إذا قابلنا هذا الفاصل مع فصول أخرى من رؤ نجد بعض الأخبار المتوازية. الدعوة كما رآها الرائي (1: 19- 20: اكتب؛ 4: 1ي: إصعد). صورة ابن الإنسان والملاك الجبّار (1: 13 ي؛ 10: 1). الكتاب الصغير المفتوح (10: 2) والكتاب المختوم (5: 1 ي). وحش الهاوية (7:11 ي؛ 13: 1 ي).
ونصّ 11: 3-13 قد يكون وجد مواده في التقاليد الجليانية للعالم اليهودي المتأخر (رؤيا إيليا، أخبار موسى)، فوضع عليها لمساته المسيحية. فرؤيا إيليا (التي وصلت إلينا في القبطية) تبدو قريبة جداً من رؤية الشاهدين. ولا سيما في النهاية حيث ينسب موت المناوىء للمسيح لا إلى إيليا القائم من الموت، بل إلى الله نفسه.
لن نتوقف عند ما قيل عن علاقة هذا النصّ بوثيقة قديمة عاصرت إضطهاد نيرون للمسيحيين (حوالي سنة 56) أو دمار أورشليم سنة 70. يكفينا أن ننظر إلى النصّ في بنيته الحالية. فنرى فيه أربعة أحداث: قياس الهيكل (آ 1- 2). شخص وعمل الشاهدين (آ 3-6). إنتصار وحش الهاوية على الشاهدين (آ 7-10). قيامة وتمجيد الشاهدين والنتائج التي تلت هذا الوضع الجديد (آ 11-13). وهكذا تكون آ 14 لحمة بين الأحداث التي حرّكها البوق السادس، فانتهت هنا، وبين دخول البوق السابع على المسرح.

2- قياس الهيكل (11: 1- 2)
للوهلة الأولى، يبدو المشهد غريباً حقاً وبدون علاقة مع المهمة النبوية. ومع ذلك، فهو يستلهم أش 40: 3 ي: قاس ملاك الهيكل المقبل... قاس الطول وقاس العرض. وقاس كل عتبة. ونشير إلى كلام زك 2: 5: "أنا أكون لها، يقول الرب، سور نار من حولها ومجداً من داخلها". لا شكّ في أن الكاتب عرف "هيكل هيرودس" الذي بدأ العمل فيه سنة 20 ق. م، وانتهى سنة 64 وسوف تدوسه أقدام الجيوش الرومانية (الوثنية) سنة 70 بقيادة تيطس وفسباسيانس.
ولكن في الواقع لسنا أمام بناء أو دمار مقبل، بل أمام اجراء حماية وحفظ. ما يُقاس يُحفظ (لا يمسّ بأذى). والباقي يسلّم إلى الوثنيين. إن صورة القياسات تعود إلى تصميم الله. ففي 1 أخنوخ 61: 1- 5، يحمل الملائكة إلى الأبرار قياسات المسكن المهيّأ لهم.
ونلاحظ التشابه بين هذا النص و 7: 2-8. فبين الختم السادس والختم السابع، ساعة يهتزّ العالم تحت وطأة الدينونة، يطبع 144.000 بختم فيصبحون ملكاً لسيّدهم لا يجوز لأحد التصرف به، ولا ينتقل إلى آخر. وهنا أيضاً بين البوق السادس والبوق السابع، أعلن أن بعض الناس سيحفظون، سيخلصون: هم العابدون في الهيكل وأمام المذبح.
ويختلف هذا النصّ إختلافاً لافتاً عن النصوص التي أخذها نموذجاً له. ليس الملاك هو الذي يقيس، بل يوحنا نفسه. ومن قاس حفظ (خلّص من الدمار) أو بالأحرى دلّ على أن مخطّط الله الخلاصي أكيد حقاً. وحين يقوم إنسان بهذا العمل في كتاب ينطلق فيه كل شيء من السماء، فهذا يفترض أنه تلقّى نداء واضحاً من السماء: هو الأمر الذي جعله نبياً في 10: 11: يجب أن تتنبّأ. إذن، أول شيء يقوم به النبي هو أن يدلّ على الطابع المزدوج لأمور الأرض، لأمور هذه الدنيا. فأقدس شيء فيها، كالهيكل والمدينة المقدّسة، أو الكنيسة، تُحفظ حفظاً لا شكّ فيه، وفي الوقت عينه تُسلم إلى الأمم.
"قس هيكل الله" (آ 1). نحن هنا أمام صورة. فالهيكل والمذبح والمدينة لا تدلّ على واقع مادي وحسب (المدينة تدلّ على موضع وعلى سكان يقيمون في هذا الموضع. وكذا نقول عن الكنيسة)، بل أيضاً على مجموعة بشرية. فالقديس بولس يتحدّث عن الكنيسة على أنها هيكل (1 كور 3: 16؛ 2 كور 6: 16؛ أف 2: 21؛ رج 1 بط 2: 5). والغالب في رؤ 3: 12 سيصير عموداً في هيكل إلهي. وهكذا نفهم لماذا ننتقل بدون تمهيد في آ 1 من قياس الأبنية إلى إحصاء الساجدين. نحن أمام أمر واحد هو عملية حفظ وتخليص. حيت تنجو الأبنية ينجو القائمون فيها، وحين تدمّر يدمّر القائمون فيها.
إذا كان الهيكل يدلّ على جماعة، أيكون يوحنا قد فكّر بالجماعة اليهودية. أي: إن اليهود الذين صاروا مسيحيين أقاموا داخل الهيكل. واليهود الذين رفضوا الإيمان المسيحي رذلوا وجعلوا في الخارج، في الرواق الخارجي. هنا نتذكّر عبارة "مجمع الشيطان" (2: 9؛ 3: 9). أو ما قاله مت 8: 12: "من كان لهم الملكوت يُطرحون خارجاً في الظلمة". أو لو 13: 28: "ترون إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت الله وأنتم في الخارج مطرودون" (رج يو 15: 6: الأغصان اليابسة). ولكن رأينا حين قرأنا عن 144.000 بأن رؤ لا يقيم تمييزاً وسط شعب القديسين. فهمّه هو مجمل المسيحيين تجاه العالم. وبما أن القسم الأول يُعنى بالعالم اليهودي، فالكاتب يشير إلى دمار العالم اليهودي من خلال دمار أورشليم سنة 70 وبالتالي دمار شعب العهد الأول، وحفظ شعب العهد الثاني. نحن هنا في خطّ سفر الخروج حيث كان يحفظ العبرانيون ويُعاقَب المصريون (رج خر 9: 26: غير أن أرض جاسان، حيث أقام العبرانيون، لم يكن فيها برد). وفي خطّ سفر الحكمة الذي يتحدّث عن الظلمة "لأعداء الله"، نقرأ: أما قديسوك فكان عندهم نور عظيم (حك 18: 1). كل هذا رمز إلى الحماية الحقة التي يؤمّنها الله لعباده، ودعوة إلى الآخرين لكي يلجأوا إلى حمى الرب المتجليّ هنا في شخص يسوع المسيح.
ونتابع بحثنا لكي نتعرّف إلى جماعة الهيكل هذه.
"رواق الهيكل الخارجي. أتركه ولا تقسه" (آ 2). إذا كان الهيكل والمذبح (أو المعبد والرواق الداخلي) يدلاّن على الجماعة، فهذا يعني أن الرواق الخارجي يدلّ على جماعة أخرى، والكل يشكّل كتلة هندسية واحدة. ولكن إن كان القسم الداخلي يمثل عبّاداً محفوظين، فالآخرون قد رموا خارجاً. وهكذا لا ينعم جزء من شعب الله بالحماية التي يحتفظ بها الله لمؤمنيه: لقد أسلم إلى الوثنيين. فهم سيدوسون المدينة المقدّسة. هذا ما نقرأه في أش 63: 8 1 (داسوا مقدسك)؛ دا 8: 10- 13 (يُداس القدس)؛ ولو 21: 24: "يدوس الوثنيون أورشليم". لقد داس العدو المدينة المقدّسة، وداس في الوقت عينه الساكنين فيها.
"مدة 42 شهراً". إذا حسبنا أن الشهر القمري يعدّ 30 يومأ، تكون هذه المدة 1260 يوماً (آ 3؛ 12: 6) أو ثلاث سنوات ونصف السنة (12: 14). إن هذه الأرقام ترجع إلى دا 7: 25؛ 12: 7 (إستعمل في رؤ 10: 5). هذه هي الفترة الحقيقية التي فيها ظلّ الهيكل منجساً بيد أنطيوخس الرابع أبيفانيوس. دوّر دانيال الرقم فجعله ثلاث سنوات ونصف السنة أو نصف الأسبوع الأخير للسنوات التي تقود إلى النهاية (دا 9: 24- 27). إذن، هو زمن خطّط له الله، فأعطاه مكاناً صغيراً ومحدوداً في تاريخ العالم. فحقبة الإضطهاد ليست وقتاً فيه ينسى الله شعبه. إن 42 شهراً هو الوقت الذي فيه تُسلّم المدينة المقدسة إلى الوثنيين. وهو أيضاً زمن النبيين اللذين لبسا قدرة الله، ولكنهما سُلّما إلى المضطهدين.
وهكذا قِيس كل شيء: مدى الهيكل الذي اجتاحه الوثنيون، وزمن التاريخ الذي أعطي لهم. فعلى الشعب المقدّس، وعلى كل واحد في هذا الشعب أن يعرف أنه لن يُغمر بشكل كامل في الزمان وفي المكان فيغرق "في الأمواج". إنه الآن وسيبقى دوماً في يد الله حتى ساعة يبدو وكأن العالم غلبه.
والآن، يبدو المعنى على الشكل التالي: الهيكل (والمدينة المقدسة) هو الكنيسة في وضعها الحالي. هي في الوقت عينه محميّة ومسلّمة إلى الأمم. ترتبط في الوقت عينه بعالم السماء و الملائكة كما بعالم سكّان الأرض. هناك وجهتان في الكنيسة: هي موضع المجد والأمان إن نظرنا إليها على ضوء مخطّط الله. وهي مذلولة ومتألمة. وفي خطر قتال غير متكافىء إن تطلّعنا فقط إلى ظروف حياتها الحاضرة. ويقول لنا الكاتب: الكنيسة هي هنا وهناك. هي الكنيسة عينها. وهذه الإزدواجية التي تصلبها هي جزء مكمّل وضروري لكيانها في زمن النبوءة هذا. هذا هو وضعها الحالي.
هذه اللوحة هي الخلفية التي عليها نستطيع أن نفهم خبر الشاهدين.

3- شخص وعمل الشاهدين (11: 3- 6)
أ- عودة إلى الوراء
إنّ هذا التلميح إلى دمار المدينة المقدسة (= أورشليم) يعود إلى حملة أسرة فلافيان، إلى المرحلة الأخيرة في الحرب اليهودية كما دوّنها المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس. دامت هذه الحرب ثلاث سنوات ونصف (وهكذا ينطلق الكاتب من الواقع الحاضر، ويعود إلى الماضي ولا سيما دانيال مع ثلاث سنوات ونصف السنة، ويتطلّع إلى المستقبل ليقول لنا إن هذا الإضطهاد سيكون محدوداً في الزمان)، وفي نهايتها. دمّرت أورشليم والهيكل. ومرّ وقت ظلّ فيه اليهود يقدّمون الذبائح في الهيكل، ساعة كان الرواق الخارجي ينجّس.
إنطلق الكاتب من هيكل هيرودس. وعاد إلى هيكل سليمان (1 مل 6- 7) مع غرفه، وهيكل المحرقات، وبحر النحاس. والباقي هو القصر الملكي وبيت أرز لبنان، وقد بني في الخارج، في الرواق. حمى الله بسلطانه المقام المقدّس والساكنين فيه وتخلّى عن الباقي. إهتم بشعبه من الوجهة الدينية، وترك جانباً الناحية السياسية. فالمسيح ليس ملكاً زمنياً. من الحاضر إلى الماضي، ثم إلى المستقبل. إلى الكنيسة، جسد المسيح. دمّر هيكل أورشليم بعد أن تخلّى عنه الله. وحلّ محله جسد يسوع المسيح الذي مات وقام، الذي يقيم فيه الله كما في هيكل لم تصنعه الأيدي. ويشكّل المعمّدون حجارة حية في هذا المعبد الجديد الذي لا يفنى.

ب- ملاحظات إجمالية
يتحدّث النص عن حياة الشاهدين في أربع آيات (آ 3- 6). أما الأحداث المتعلّقة بموتهما وقيامتهما فتمتدّ على سبع آيات (آ 7- 13). هذا ما يدلّ على أهمية آ 7-013 إن لم نتحدّث عن موت الشاهدين وقيامتهما، نكون وكأننا لم نقل شيئاً عنهما.
كل ما يحدث يعود إلى العالم الوثني، إلى سكان الأرض. فهم الذين يشاهدون وينظرون (آ 9، 11). ونلاحظ لوحتين متعارضتين سواء عمل روح الله أو الوحش. قُتل الشاهدان، قام الشاهدان فعمّ الخوف الأرض. نظرت الشعوب إلى الجسدين المعروضين (بعد الموت) فعمّها الفرح، وتأمّل الأعداء الشاهدين صاعدَيْن إلى السماء، فمات من مات وارتعب الباقون وارتدوا: "أخذوا يمجّدون إله السماء" (آ 13).
إذن، يتّضح أن هذين الشاهدين (والنبيين) يتجاوبان مع الدعوة التي عبّر عنها 10: 11، التي أرسلت إليهما بأن يتوجّها إلى شعوب وأمم وألسن وملوك. ويحدّثنا الكاتب مراراً عن توازٍ بين "شاهد، شهادة" (آ 3، 7)، وبين "تنبأ، نبي، نبوءة" (آ 3، 6، 10). وهكذا يعلن أن النبوءة التي يتحدّث عنها لا تختلف عن الشهادة. "شهادة يسوع هي روح النبوءة" (19: 10؛ ق 22: 9؛ 19: 10). فالنبوءة هي يسوع المسيح متحدثاً عن نفسه.
والسؤال الذي يُطرح: ماذا يعمل النبي المسيحي؟ تنبأ يعني سار في الطريق التي رسمها الروح. إكتشف أن النبوءات القديمة دلّت على المسيح. أعلن بالصوت العالي شهادة يسوع هذه.
وإن آ 3-13 هي صورة عن هذا التحديد: سوف نرى الشاهدين يستعيدان عمل الأنبياء الكبار في الماضي (آ 4-6) ويتمّانه باسم يسوع. وفي الوقت عينه، هما شاهدان ليسوع: مصيرهما مصيره، وسيموتان حيث صُلب ربهّما (آ 8)، ويعرفان مثله القيامة والصعود (آ 11- 12). فالنبي (الشهيد) يقوم في شكل من الأشكال مقام المسيح. وهو يشهد بكلامه وأعماله على ذبح الحمل، فيصبح هكذا علامة ارتعاب أو خلاص. فالدينونة تجد استباقها فيه، فيكون الناس معه أو ضدّه.
تلك هي مهمّة الكنيسة في الأزمنة الأخيرة. والبوق السابع لن ينفخ فيه قبل أن تتمّ هذه المهمّة (مر 13: 9-10؛ مت 10: 17-20). وها نحن نعود إلى التفاصيل.
ج- الشاهدان
ينغمس هذا المقطع كله في مناخ غريب. لأن الكاتب يعتبر الشاهدين (مع أل التعريف) معروفين. ولكننا لا نعرفهما. فهل عرفتهما الكنيسة الأولى؟ لهذا قدّمت شروح مختلفة ومتعارضة، وقد يكون الكاتب لجأ إلى صور عديدة لكي يعبّر عن فكرة الكنيسة الشاهدة، والتي تبدو شهادتها امتداداً لشهادة ربّها.
هذان الشخصان هما: إيليا وأخنوخ، موسى وإيليا (تحويل الماء إلى دم، إغلاق السماء)، حنّان ويشوع (ذبحهما الأدوميون ولم تُدفن. جثتاهما)، بطرس وبولس (طُرحا في ساحة المدينة العظمى على أيام نيرون)، يشوع وزربابل (زك 4: 1-10). قد يكون في الأساس تقليد من العالم اليهودي المتأخر، قد أُعيد كتابته بقلم مسيحي.
إذا عدنا إلى رؤيا إيليا، وجدنا سمات تعطي صورة سابقة للمسيحية عن ألم سابقي المسيح، وتدلّ على ما في رؤيا يوحنا (إستشهاد، تدنيس الجثتين خلال ثلاثة أيام ونصف يوم، القيامة، الصعود). وفي العقيدة اليهودية (2 مل 2: 11؛ سي 48: 9، 12؛ ملا 3: 23؛ رج مر 9: 4 ي) خلال القرنين الأخيرين السابقين للمسيحية، ضمّت صورة موسى وإيليا (اللذين تركا هذا العالم بشكل سرّي) إلى إعلان الخلاص الإسكاتولوجي والحرب ضدّ المناوىء للمسيح. والعهد الجديد نفسه يعطي أهمية كبرى لشخص موسى الذي يُذكر فيه 80 مرة، وشخص إيليا الذي يُذكر 29 مرة (يُذكر إبراهيم 73 مرة، وداود 59 مرة).
"أرسل شاهديّ". هو المسيح يتكلّم. أو الله، إذا كان الشاهد هو المسيح. يتحدّث عنهما الرائي وكأنهما معروفان. مثل الملاكين (9: 14) والرعود السبعة (10: 3). في الواقع، هما في فكر الله ومشروعه منذ إنشاء العالم (أف 1: 4).
من هما هذان الشاهدان؟ هما شخصان محدّدان وغير محدّدان. هما شخصان رمزيان، شخصان جماعيان. يرى يوحنا نفسه فيهما، وفيهما يرى أيضاً كل الأنبياء المسيحيين. لا يتميّز الأنبياء عن القديسين الذين يُذكرون دوماً في معيّتهما (11: 18: الأنبياء والقديسين؛ 16: 6؛ 18: 20، 24). إنهما المسيحيون الذين بذلوا حياتهم أمانة لله والحمل. إنهما الغالبون الذين هم مع يوحنا (1: 9) شركاء في محنة يسوع وملكه وثباته. إذن، يرمزان إلى كل المسيحيين الذين يتجاوبون مع المهمة النبوية المحدّدة على الشكل التالي: شهادة حتى الموت لواقع مشروع الله.
لن نتوقّف عند هذا الشخص أو ذاك لنجد هذين الشاهدين. فهذه الصور الرمزية تكوّنت من ملامح أشخاص مهمين في حياة الكنيسة، في الكتاب المقدّس. وعلى كل حال، يبقى يسوع الشاهد المثالي.
لقد انتظر العالم اليهودي مجيء السابقين للمسيح بشكل عودة نبي (موسى، حسب تث 18: 18؛ إيليا حسب ملا 3: 23) أو نبيين معاً كما في التجلي (مت 17: 3). ومعجزتا الشاهدين (إيقاف المطر، تحويل الماء إلى دم) هما صدى لما حقّقه إيليا وموسى. وهكذا، حين مارس الشاهدان المهمة النبوية التي مارسها موسى وإيليا، فهما يشهدان في العالم لحياة المسيح وقيامته.
"عليهما المسوح". ليس المِسحُ هو اللباس الذي يميّز النبي بل المعطف (1 مل 11: 29؛ 2 مل 2: 14؛ 3: 4). إنه لباس الحزن والتوبة. فمهمة الشاهدين ليست مهمة مجيدة، هما فقيران ومعوزان. يتبعان سيّدهما على طريق الجلجلة. وحضورهما يدعو العالم إلى التوبة لزمن محدّد هو 1260 يوماً.
د- الزيتونتان والمنارتان
تستلهم هذه العبارة زك 4: 1- 14. تدلّ الزيتونتان على رئيسَيْ إسرائيل: يسوع الكاهن الأعظم، وزربابل الأمير الملكي. هما يسهران على المنارة (الهيكل الذي أُعيد بناؤه. أو الشعب الملتئم في جماعة مقدّسة). لقد رأى العالم اليهودي في هذا النصّ نبوءة عن مجيء المسيح (الملك) وعظيم الكهنة في الأزمنة الأخيرة. ولكن يوحنا كان حراً في إعادة قراءته للنصّ. فصار أمامنا منارتان. كانت السرج السبعة في المنارة (4: 5؛ 5: 6) أرواح الله السبعة أو روح الله المسبّع المواهب. وإذ ذكر يوحنا منارتين، أراد أن يدلّ على هذين الشاهدين (لا تصحّ الدعوى إلاّ بشهادة شاهدين). وإذ ماثل بين الشاهدين والمنارتين، أراد أن يبرز غنى المسحة الروحية التي تقبّلاها (أش 61: 1: نالا مواهب الروح).
"يقفان أمام ربّ الأرض". قد تغشّ الظواهر. ولكن المسيحيين الذين يشهدون ليسوع في هذا العالم، يعيشون بقرب الله الذي يلهمهما.
"إذا حاول أحد أن يؤذيهما" (آ 5). ستتمّ مهمتهما رغم الحواجز بعد أن أعطاهما الله المناعة. النار السماوية تدلّ على غضب الله ودينونته (لو 9: 45). في 2 مل 1: 10 ي، أنزل إيليا النار على جنود جاؤوا يطلبونه. فترجم سي 48: 1 هذا النصّ فقال: "حينئذ قام النبي إيليا كالنار، وتوقّد كلامه كالمشعل". إن النار ترمز إلى قوة الكلمة النبوية (إر 5: 41؛ هو 6: 5).
مسحهما الرب (الزيتونة) فصارا نوراً للعالم. لهذا لن يستطيع أحد أن يوقف مسيرة كلمتهما ولا مسيرة كلمة الكنيسة. فمن حاول أن يعارض شهادتهما، حاربتهما النار الخارجة من فمهما، حاربتهما كلمة الله التي هي سيف ذو حدّين. قال الله لإرميا: "جعلتُ كلامي ناراً في فمك" (إر 5: 14). وقال يسوع: "جئت ألقي على الأرض ناراً" (لو 12: 49). تتردّد في آ 5 وآ 6 لفظة "أراد" (حاول) ثلاث مرات. ولكن تعليم المسيح هو أقوى من كان إرادات البشر.
"لهما سلطان" (آ 6). إن الأنبياء المسيحيين يتمّون رسالة إيليا فيغلقون السماء ويمنعون المطر (1 مل 17: 21؛ سي 48: 3). ويقول لو 4: 25 (رج يع 5: 17): ثلاث سنوات ونصف السنة. ويستعيد المسيحيون عمل موسى فيحوّلون الماء إلى دم. بل يعملون أعظم منهما: يضربون الأرض بأنواع البلايا كلما أراد. هنا نتذكّر يو 15: 7: "إذا ثبتّم فيّ، تطلبون ما تريدون فيكون لكم".

4- إنتصار الوحش على الشاهدين (11: 7- 10)
"الوحش الصاعد من الهاوية" (آ 7). تسبّق هذه الآية على 13: 1 (رأيت وحشاً خارجاً من البحر)، فتتحدّث للمرة الأولى عن "الأنتيكرست" (المناوىء للمسيح) الذي يقتل الواعظَين "السمجين" اللذين يدعوان الناس إلى التوبة. هذا الأنتيكرست هو "الوحش الخارج من الهاوية" (حك 19: 13-17). هذا الوحش الجهنمي (الشيطاني، لأنه تابع للشيطان) الذي نتحدّث عنه في ف 13، 17 هو في أصل عداء العالم للشاهدين. إنه يذكّرنا بالحيوان الرابع عند دانيال: صعد من البحر وحارب القديسين وتغلّب عليهم (دا 7: 2). ولكن كم تدوم غلبته؟!
"ما إن يتمّا شهادتهما". لا يصوّر النصّ هذه الشهادة، بل ما يبرز سلطة الشاهدين. قد لا تكون هذه الشهادة استشهاداً، وقد تكون. نحسّ أن المهم بالنسبة إلى الشاهد هو الإقتداء بيسوع في موته وقيامته. نشهد ليسوع، نتنبّأ حين نضع في هذا العالم وفي أجسادنا علامات عن دينونة الله ونعمته. هذا هو معنى الكتاب الصغير الحلو كالعسل والمرّ كالعلقم.
"وتبقى جثتاهما مطروحتين" (آ 8). ظل جسدا الشهيدين بدون دفن: علامة احتقار (مز 79: 2-3؛ طو 1: 8؛ 2: 3-43)، أو عقاب نموذجي (إر 8: 2). هذا هو الواقع الذي عاشته الكنيسة منذ أيام نيرون. 
"المدينة العظيمة" هي بابل (= رومة) في 16: 19؛ 17: 18؛ 18: 10. هناك مات بطرس وبولس. وجاء تحديد يقول: "حيث صُلب ربهما". فصارت بابل: أورشليم. يجب أن لا نخاف من قلة التماسك، فنحن لسنا أمام الجغرافيا، بل أمام اللاهوت. لقد أراد الكاتب أن يبيّن أن العالم الذي فيه تشهد الكنيسة هو أفضل عالم وأسوأ عالم. فأورشليم المدينة المقدّسة حيث يريد أن يتّحد الله بأخصّائه هي أيضاً مكان مسلّم إلى الشيطان (آ 2). في العهد القديم، أورشليم هي في الوقت عينه موضع مكروه ومسكن العلّي. ولا بدّ من الدينونة لكي لا تكون أورشليم إلاّ أورشليم السماوية. لهذا تسمّى بابل (= أورشليم) هذه وبإلهام نبوي: سدوم ومصر. سدوم التي عرفت بفسقها وزناها. ومصر التي اشتهرت بتعبّدها للأوثان. كلتاهما صارتا نموذج العداوة ضدّ الله. لا يجد فيهما رجال الله إلاّ الحقد والبغض.
قال أش 1: 9- 10: "لو لم يترك ربّ الجنود لنا بقية يسيرة، لصرنا مثل سدوم وأشبهنا عمورة. إسمعوا كلمة الرب، يا حكّام سدوم. أصغوا إلى شريعة إلهنا، يا شعب عمورة). هكذا تحدّث أشعيا إلى أورشليم فعاد إلى تك 19 ليشير إلى ما ستصير إليه المدينة. وهكذا عاد يوحنا إلى "بابل" فرأى فيها الموضع الذي فيه صُلب يسوع (أورشليم) والمدينة التي فيها مات بطرس وبولس (رومة): صورة المضطهد اليهودي للكنيسة، صورة المضطهد الوثني. ثم لا ننسى أن الزنى هو رمز إلى عبادة الأوثان (رج إر 23: 14؛ مت 11:24).
"وينظر الناس" (آ 9). الشعوب والقبائل... تمثّل أهل العالم كله، وقد جاؤوا لكي يتحققوا من موت الشهيدين. وهذا أمر معقول في مدينة ترمز إلى العالم. وعُرضت الجثة ثلاثة أيام ونصف يوم. دامت الرسالة ثلاث سنوات ونصف السنة. وهكذا يكون كل يوم مقابل سنة. نسبة ضئيلة. ولكنها كافية لكي تدلّ حقاً على موتهما بانتظار قيامتهما. هذه المدة هي نصف أسبوع وقد حدّدها الله ليمجّد عبديه فيما بعد.
"ويشمت سكّان الأرض" (آ 10). سكّان الأرض هم الذين يرفضون الله (3: 10؛ 6: 10؛ 8: 13). ويصوّر فرحهم بشكل تقليدي جداً: يأكلون، يشربون، يرسلون بعضهم لبعض الهدايا (الحلوى وغيرها) (أس 9: 19؛ نح 8: 10- 12). وهذا الفرح يدلّ على ارتياحهم؛ لم يعودوا يحتملون هذين النبيين. فحضورهما وحده كان يشير إلى الدينونة، إلى نظرة الله إلى العالم، إلى الحقيقة. كل واقع العالم بدا واقعاً كاذباً وظاهرة مزيّفة. 
إذا كان في خلفية هذا النص نح 8: 10، 12، فنحن في اليوم الأول من تشرين أي في رأس السنة الخريفية. وهكذا يدلّ رؤ على أن موت الشاهدين دشّن لسكان الأرض سنة جديدة وحقبة جديدة تمحو القلق الذي بعثه فيهم كلام النبيين. بدأت الخليقة فارتعبت أمام مجيء الله، بسبب الشاهدين. ولكن وحش الهاوية قتلهما وعاد كل شيء إلى ما كان عليه في السابق.

5- قيامة الشاهدين ومجدهما (11: 11- 14)
ظلّت جثتا الشاهدين ثلاثة أيام ونصف يوم من دون دفن، معرّضتين لاحتقار العابرين (هذا ما حدث ليسوع: يا هادم الهيكل وبانيه... خلّص نفسك). يعتبر اليهود أننا أمام شّرين يُقترفان تجاه الموتى. فمن لا يُدفن يُستبعد من القيامة والحياة الأبدية. ثم إن كل من لا يُدفن قبل ثلاثة أيام لن يعود إلى الحياة، لأن النفس تبقى فقط لا الجسد ثلاثة أيام بعد الموت. فحين تركوا هاتين الجثتين من دون دفن أكثر من ثلاثة أيام، تحرّروا في الزمن وفي الأبدية من هذين الواعظين المزعجين.
"بعد ثلاثة أيام... دخلت روح حياة" (آ 11). لا نكتفي فقط بتلميح إلى صعود إيليا (2 مل 2: 11). فرغم السمات المشتركة، ليس الشاهدان فقط موسى وإيليا. إنهما يرمزان إلى المسيحيين. وإن كانا قد ماتا على مثال ربّهما المصلوب، فنحن ننتظر لهما قيامة وصعوداً تشبه قيامته وصعوده. ونبوءة حز 37: 11 التي كانت نموذج آ 11، جعلتنا نستشفّ القيامة: إن روح الرب أعاد الحياة إلى العظام اليابسة. أجل، الرب هو سيّد الحياة والموت، وهو سيقيم كنيسته.
"وسمعتُ صوتاً عظيماً... إصعدا إلى هنا" (آ 12). وصعد الشاهدان إلى السماء في السحابة ذاتها التي فيها صعد يسوع (أع 1: 9). جاء صوت من الله (آ 11 أ). جاء صوت من السماء (آ 12 أ). إن حياة الشاهدين اتخذت كامل معناها من عند الله. انتهت تلك الحياة في فشل ظاهر. ولكن الرب بيّن أن مهمتهما لم تفشل، إنهما ليسا مغلوبين بل غالبين.
الشاهد الأول هو يسوع. ثم الكنيسة التي يمثلها بطرس وبولس. وسيكون الرسل شهود يسوع. بل العالم كله سيشاهد هذه القيامة ويتأمّل الأعداء في هذا الصعود. إذن، ظهر خلاص الله بشكل علني، فاختبره أناس رأوا أن الحياة الأبدية هي أكثر واقعية من الموت، وبرهنوا عنه بواضح البرهان (12: 11: غلبوه بدم الحمل وما أحبّوا حياتهم حتى في وجه الموت). أعلنوا بحياتهم زوال العالم، وها هم بموتهم وقيامتهم يكرزون بالحقيقة الحقّة وأساسها في الله.
"وفي تلك الساعة حدث زلزال عنيف" (آ 13). إن ظهور المعنى العميق لموت الشاهدين وقيامتهما، هو علامة النهاية (مثل الأبواق). وهذا ما نعبّر عنه بالزلزال. لقد دخل عمل النبيين في عمل الله. وبشهادة القديسين خسر العالم ثباته بقدرة الله الذي يهزّ المدينة العظيمة فيسبّب الموت الروحي لعدد كبير جداً من الأشخاص: 7000 (7= عدد الكمال. 1000= عدد كبير جداً).
إن الضربات التي تلت الأبواق الستة الأولى قسّت قلوب الناس (9: 20- 21: ما تابوا). أما هنا، وللمرة الأولى، فقد سيطرت على البشر رعدة مقدّسة. فارتدّوا ومجّدوا إله السماء. هذا يعني أنهم أقرّوا بخطيئتهم كما أقرّوا بحقّ الله المطلق (يو 9: 24؛ يش 7: 19؛ 1 صم 6: 5؛ إر 16:13).
كانت شهادة الشاهدين (وشهادة الكنيسة) علامة عن النهاية وعن انتصار الله القريب. فسبّبت زلزالاً ودلّت في الوقت عينه على الدينونة التي تحكم، وعلى النعمة التي تعيد الحياة إلى الموت. هذه الشهادة هي علامة معارضة، وقد وُضعت لسقوط وقيام كثيرين (لو 2: 34).
"مضى الويل الثاني" (آ 14). إنطبق "الويل الأول" (8: 13؛ 9: 12) على رؤية البوق الخامس. وتحقّق الويل الثاني (9: 12؛ 11: 14) في البوق السادس. والآن، جاء "الويل الثالث" (11: 14) الذي يتمّ في البوق السابع.

خاتمة
قدّمت رؤى الأبواق (8: 7- 11: 18) مواضيع مختلفة تطرّقنا إلى بعضها فيما سبق. ونودّ هنا أن نبدي ثلاث ملاحظات:
- إن الفاصل بين البوق السادس والبوق السابع (10: 1- 11: 14)، الذي يصوّر موت الشاهدين وقيامتهما وصعودهما (11: 13)، يذكّر الجماعات الأولى بالمصير المظلم الذي ينتظرها، بأن الله سوف "يتخلّى" عنها. فالمناوىء (أنتيكرست). سوف ينتصر على كنيسة المسيح (الوحش الطالع من الهاوية، 11: 7). وحين تنظر الجماعة إلى الشاهدين كصورة نموذجية، سوف ترى رسمة عن وجهها قد صوّرت بمواضيع مأخوذة من العهد القديم.
- إن الجماعة المسيحية تشارك في آلام المسيح وتمجيده. هي تشهد لإيمانها بالمسيح حين تُدعى لكي تحمل عبر التاريخ التعليم عن آلام يسوع وموته. وتتضمّن دعوة الكنيسة نداء لكي تسير في طريق الصليب: "إن كانوا اضطهدوني، فسوف يضطهدونكم أيضاً" (يو 15 : 20). إنّ آلام يسوع المسيح تمتد الآن في الزمن في استشهاد الكنيسة. فحاضر يسوع المسيح الإله الإنسان يتأوّن في تاريخ الكنيسة: هذا ما تذكّرنا به النصوص الليتورجية. وبما أن "المسيح يسبقنا (في قيامته وتمجيده) كالباكورة" (1 كور 15: 23). وبما أنه "دخل من أجلنا سابقاً لنا" (عب 6: 20)، فإن كنيسة الرب تشاركه أيضاً في قيامته وصعوده. هذا ما عاشه الشهيدان.
- حين أراق أعداء المسيح دم الشهداء، كمّلوا عدد المخلّصين (6: 11) وعجّلوا في نهاية. التاريخ. فدم الشهداء ليس قفط بذار المسيحيين، كما قال ترتليانس. إنه أيضاً بذار دينونة العالم.