الآيات الأربع الباقية

 

تحدّثنا في ف 12-13 عن ثلاث آيات: المرأة (12: 1-3)، التنين (12: 3- 16)، الحرب بين ميخائيل والتنّين (12: 7 ي). وبعد أن تعرّفنا إلى الوحشين الذين يعملان على الأرض عمل التنين أو الشيطان، نتوقّف عند الآيات الأربع الباقية. الآية الرابعة: الحمل على جبل صهيون (14: 1- 5) مع المئة وأربعة وأربعين ألفاً الذين ظهر إسمه واسم أبيه مكتوباً على جباههم. الآية الخامسة: إعلان الدينونة (14: 6- 13) يقوم به ثلاثة ملائكة. الآية السادسة: ابن الإنسان والمنجل في يده من أجل الحصاد والقطاف (14: 14- 20). الآية السابعة: "رأيت في السماء آية أخرى عظيمة وعجيبة" (15: 1). سندخل في رؤى كؤوس الغضب بواسطة سبعة ملائكة (15: 1-8). ولكن هذا سيكون موضوع الفصل التالي.

1- الحمل على جبل صهيون (14: 1-5)
يتحدّث رؤ عن المسيح، عن الحمل. ولكننا لا نرى المسيح إلاّ في البداية، في ف 5 وفي النهاية، في ف 19. وهنا في ف 14. هذه الرؤية مهمّة جداً. فهي تفتح قلوبنا على النور بعد الرؤى المأساوية في ف 13. بعد بلايا الختوم الستة، طرح سؤال: من يقوى على الثبات (6: 17)؟ فجاء الجواب في ف 7: أولئك المختومون بسمة الحمل، المئة والأربعة والأربعون الذين يسهر الله عليهم. وهنا يطرح السؤال عينه أمام سلطة الوحش التوليتارية. ماذا يحدث للذين لا يتراخون أمام الإغواء والتهديد، الذين يرفضون المشاركة في عبادة أوثان لا يفلت منها أحد في كل مدينة وفي الإمبراطورية كلها؟ وكان الجواب: سيكونون على جبل صهيون مع الحمل، في اتحاد لا يعكّره شيء حتى الموت.
أ- المئة وأربعة وأربعون ألفاً (14: 1)
نجد هنا للمرة الأولى في رؤ موقعاً محدّداً، هو جبل صهيون حيث بُني الهيكل في أيام سليمان. هنا نتذكّر 11: 19 حيث تحدّث الكاتب عن الهيكل وتابوت العهد. هناك نموذج سماوي لتابوت العهد (كما تقول نصوص الرابانيين، رج خر 25) الذي سيظهر من جديد في نهاية الأزمنة (2 مك 2: 8). وهكذا نكون أمام وحي كامل للعهد بدأ في سيناء مع موسى، وتبنّاه سليمان في أورشليم، وأتّمه يسوع مع المئة وأربعة وأربعين ألفاً.
قد ظهر الرقم 144.000 في 7: 4 ليدلّ على ملء شعب الله. وتضمّنت آ 2 كلمات قرأناها في رؤية البداية (1: 15: صوت مياه غزيرة). والسيناريو مع "النشيد الجديد" (آ 3) يذكّرنا بما في 5: 8-9 (مستحقّ أن تأخذ الكتاب). أما الذين لما يتدنّسوا بنساء، أي لم يزنوا، فهم الذين رفضوا عبادة الأوثان وخيانة المسيح. فالزنى يدلّ عند الأنبياء على تعدٍّ على الوصية الأولى: "أنا هو الرب إلهك، لا يكن لك إله غيري". 
ننطلق من المدلول المقدّس لجبل هيكل صهيون في أورشليم، فنصل إلى المعنى الرمزي، إلى السور المقدّس الذي يجتمع المؤمنون في داخله حول المسيح. فالمئة والأربعة والأربعون يمثّلون على الأرض كنيسة المختارين، يهوداً أو وثنيين. جُعلوا وسط عالم شيطاني، فوجدوا نفوسهم في موضع الإختيار المقدّس، وقد حماهم المسيح من هجمات إبليس.
وقف الحمل. لقد قام من الموت. إنه الحيّ. والمئة والأربعة والأربعون الذين معه هم واقفون مثله. ماتوا مثلما مات. وكما قام يقومون. هنا نقرأ يوء3: 5: 11: "كل من يدعو باسم الرب يخلص. ففي جبل صهيون يكون ناجون". فجبل صهيون هو موضع تجمّع المخلّصين والناجين في نهاية الأزمنة، رج عو 16-17. إن أع: 17-22 قد استعاد يوء 3: 5. قال رؤ: يسكن على جب صهيون أولئك الذين يدعون باسم الحمل أبيه، وقد كُتب الإسمان على جباههم. أمّا سكّان الأرض، فهم يحملون سمة إسم الوحش (13: 17). أما المئة والأربعة والأربعون فهم يحملون اسم الحمل وختمه (7: 3- 4).
ب- الليتورجيا السماوية (14: 2- 3)
"وسمعت صوتاً" (آ 2). لقد صارت الرؤية صوتاً يُسمع. تكدّست التشابيه فدلّت على أننا أمام حدث إحتفالي ومهيب. والشعور الذي نستخرجه هو مزيج من رعدة مقدّسة وحضور إلهي: الرعد، المياه الغزيرة، ثم صوت القيثارة بما فيه. من نعومة وتناسق. أنشد الملائكة، فرافقهم المئة وأربعة وأربعون ألفاً: فليتورجياتنا واحدة مع ليتورجية السماء.
"يرنّمون ترنيمة جديدة" (آ 3). تجاه ليتورجية الشيطان هناك الليتورجيا الإلهية. فشياطين الأزمنة الأخيرة سيُقهرون بالسيف (أي كلمة الله التي هي سيف له حدّان). هناك من يذهب إلى المنفى، وهناك من يذهب إلى الموت (13: 10). والسلاح الوحيد ضدّ عمل إبليس هو الصلاة (الترنيمة الجديدة) والعبادة التي تطلب مجد الله.
ما هي هذه الترنيمة الجديدة؟ ماذا تقول؟ هنا نتذكّر الليتورجيا في 5: 8-13 حيث تظهر أيضاً هذه الترنيمة الجديدة. نحن أمام العبادة نفسها وهي تضمّ السماء إلى الأرض وتستعمل القيثارات أيضاً. نحن أمام احتفال بالحمل وبالفداء الذي يحمله الحمل بآلامه وقيامته (5: 9- 10). دمه يفدي البشر ويجعل منهم لله ملوكاً وكهنة. والحالة أن المئة والأربعة والأربعين ألفاً هم المفديون في الأرض، الذين اقتناهم الله لنفسه (هم خاصته). لهذا، يستطيعون وحدهم أن يتعلّموا هذا النشيد. لقد انضمّوا إلى مملكة المسيح، فشكّل انضمامهم هذا خطراً لهم إذ حرمتهم الإمبراطورية حقوقهم المدنيّة وكأنها حكمت عليهم بالإعدام.
ترمز هذه الترنيمة إلى نعمة علوية خاصة بالمفديّين. فالكنيسة قد أفتُديت في الأرض بموت المسيح وذبحه. والترنيمة الجديدة هي القلق الذي تحوّل إلى نعمة فصار "قوّة الله وحكمة الله" (1 كور 1: 24).
ج- ملامح المئة وأربعة وأربعين ألفاً (13: 4- 5)
وتبرز أربعة ملامح في وجه المفديّين في شكل مديح:
* "لم يتدنّسوا بنساء، لأنهم أبكار". نفهم العبارة في المعنى الروحي. فـ144.000 يدلّون على كل شعب الله المؤلّف من رجال ونساء. إذن، لسنا أمام متنسّكين امتنعوا عن ممارسة الزواج. حينئذ نكون قد حصرنا عدد المخلّصين. وإن قلنا إنهم كلهم متنسّكون، فهذا يعني أن يوحنا يعتبر الزواج نجاسة! معاذ الله. نحن أمام بكورية (أو بتولية) في المعنى الواسع: هي أمانة وسلامة (لا عيب فيها) الكنيسة التي احتفظت من كل اتصال بالعالم وأوثانه. فالعهد القديم يرى أن الزنى هو عبادة الأوثان. وسفر الرؤيا أيضاً. (2: 14، 21، 22؛ 17: 4؛ 18: 23). هذه هي الكنيسة التي هي مقدّسة ولا عيب فيها. قال بولس الرسول في أف 5: 27: "كنيسة مجيدة لا عيب فيها ولا تجعّد ولا ما أشبه ذلك، بل مقدّسة لا عيب فيها". وفي 2 كور 11: 2: "خطبتكم (أنتم كنيسة كورنتوس) لرجل واحد وهو المسيح، لأقدّمكم إليه عذراء طاهرة". وفي رؤ 3: 4: "بعضْ الناس عندك ما دنّسوا ثيابهم، فهم أهل لأن يواكبوني بثياب بيضاء". وقد يكون هناك أيضاً تحذير من البغاء المكرّس في ظلّ المعابد الوثنية (أسلوب واقعي). كما نكون على المستوى الروحي أمام تكريس الكنيسة كلها من خلال. تكريس أبنائها الذين يخصّون الرب.
* "يتبعون الحمل أينما يذهب". يقال في رسالة شهداء ليون (في فرنسا) (سنة 177) ان فاتيوس الذي جاهر بإيمانه واستشهد: "لقد تبع الحمل أينما ذهب". إذن، نحن أمام تحديد للتلميذ الحقيقي. "من يحبني فليتبعني. وحيث كون أنا يكون هناك خادمي" (يو 12: 26). وفي يو 21: 18 كل شيء يتلخّص بالنسبة إلى بطرس في هذه الكلمة البسيطة: "أنت اتبعني"! وقد وردت هذه الكلمة في إطار استشهاده وموته. فالنصّ يقول: "قال هذا ليدلّ على أية ميتة كان بطرس مزمعاً أن يمجّد الله بها" (آ 19). مقابل هذا قرأنا في رؤ 13: 3 كيف أن الأرض كلها (لا السماء) تعجّبت "وتبعت (سارت وراء) الوحش". إذن، المئة والأربعة والأربعون ألفاً هم متضامنون مع الحمل. لماذا؟
* لأنهم "افتدوا من بين الناس كباكورة لله وللحمل". كانوا عبيداً، فحرّرهم فصاروا له. صاروا خاصته. هم باكورة. أي أول الثمار. هل هم أول المخلّصين؟ كلا. هل هم نخبة المسيحيين؟ كلا. فيوحنا يتوجّه عادة إلى جميع المسيحيين. لهذا نقول: هم حصّة الله والجزء المكرّس لله. إنهم موضوعون من أجل العبادة وخدمة الله كالبواكير التي تقدّم ذبيحة لله. إنهم أعزّاء على قلب الله كما نقرأ في إر 2: 2-3 عن أورشليم: "أذكر مودّتك (تعلّقك بي) في صباك، وحبك يوم خطبتك. سرت ورائي (تبعتني) في البرية، في أرض لا زرع فيها. إسرائيل مكرّسة (مقدّسة، مخصّصة. وحده الله يتصّرف بها) للرب، باكورة صارت له". هذا ما نقوله عن المفديين.
* ما وُجد في فمهم كذب: "إنهم لا عيب فيهم". هذا لا يعني أنّ "المفديّين" قالوا الحقيقة دوماً. فالكذب يدلّ أيضاً على عبادة الأوثان. يقول أشعيا عن صانع الصنم: "ضلّله قلبه المغرور، فلا ينقذ نفسه ولا يقول: هذا كذب (أي صنم كاذب) في يميني" (أش 44: 20؛ رج يو 8: 44- 45). الشرك هو تعلّق بالعدم، رجوع إلى العدم، إلى الباطل. والكذب هو ما يعارض مخطّط الله فلا يدوم. في رؤ 21: 27 يوضع الكذب على مستوى الرجس. "لا يدخلها (أي أورشليم) شيء نجس، ولا الذين يعملون القبائح ويفترون الكذب". وفي 22: 15 يستعيد الكاتب كل الرذائل التي لا يستطيع المسيح أن يتحمّلها: السحر، الفجور، القتل، عبادة الأوثان، الكذب. ولا ننسَ النبي الكاذب الذي يرتبط بإبليس أبي الكذب.
أما المؤمن فيرفض الكذب رفضاً قاطعاً. موقفه هو بساطة ونقاوة وبُعد عن كل "خلط". هو من "لا عيب فيه" وكأنه ذبيحة تقدّم إلى الرب. تحدّث بولس في أف 1: 4: "إختارنا قبل إنشاء العالم لنكون عنده قدّيسين بلا لوم في المحبة". وفي فل 2: 15: "حتى تكونوا أنقياء لا لوم عليكم وأبناء الله بلا عيب في جيل ضالّ فاسد". وفي كو 1: 22: "أسلمه (جسد المسيح) إلى الموت ليجعلكم في حضرته قديسين بلا عيب ولا لوم". ويتحدّث 1 بط 1: 19 عن الحمل الذي لا عيب فيه ولا لوم. فالمفديّون هم سلالة الحمل، ودمه يخلّصهم.

2- إعلان الدينونة (14: 6- 13)
تجاه انتصار الوحشين الظاهر، قدّم الكاتب جوابه فذكّرنا بأن المؤمنين هم منذ الآن مع الحمل. ويُطرح حالاً السؤال التالي: ما هو موضح المضطهِدين أمام الله؟ ماذا يكون عقابهم في الدينونة؟ أوضحت آ 12- 13 أن المؤمنين هم ما وراء الدينونة. مصيرهم تحدّد، فلم يعودوا عرضة للدينونة والهلاك. هذا ما نقرأه هنا وهناك: "لا يخافون الموت الثاني" (11:2؛ 6:20، 14؛ 8:21).
إن هذا المقطع يذكرنا بما في 8: 13. هناك حديث عن "ملاك آخر". بعد انتصار المثلّث الشيطاني، تعلن دينونة الله العظيمة والنهائية. فالإعلان والتنفيذ يتمّان في وقت واحد. في هذا المقطع يظهر للمرة الأولى إسم "بابل العظيمة التي سقت جميع الأمم من خمر غضب زناها" (آ 8).
إن موضوع (والفن الأدبي) إعلان الدينونة بيد الملاكين الثاني والثالث، قد أخذ من العهد القديم (أش 21: 9؛ 34: 10؛ 51: 17؛ إر 25: 15-29؛ حز 38: 22؛ دا 4: 27). وما يدهشنا هو أن سقوط بابل العظيمة قد أعلن وكأنه تحقق منذ الآن (آ 8)، مع العلم أن دينونة بابل الزانية لن يصوّر إلاّ في 17: 1 ي. ونشير أيضاً إلى التوازي بين آ 8 و 2:18-3.
لمّح الملاك الثاني إلى أمور ستتوضّح في الفصول اللاحقة (17: 1 ي). أما الملاك الثالث فأشار إلى أحداث ذكرت في ف 13. كلى من ملائكة الدينونة الثلاثة (آ 6، 8، 9) يحمل بلاغاً خاصاً. فالتعليم الإلهي غني جداً بحيث لا يستطيع ملاك واحد أن يحمل وحده بلاغين إثنين ويقوم بمهمتين. 
تتضمّن هذه الرؤية التي سميناها الآية الخامسة، ثلاثة أقسام. وفي كل قسم يأتي ملاك جديد فيطلق إعلانه. واحد يعلن الإنجيل الأبدي. وآخر، سقوط بابل. وثالث: الخيار الذي نتخذه. هل نسجد للوحش؟ كل هذا يدعونا إلى التأمّل، يدعونا إلى الثبات والإيمان.
أ- إنجيل أبدي (14: 6- 7)
طار الملاك الأول في وسط السماء لتسمعه الأرض كلها. هذا ما فعله النسر في 8: 13 قبل أن يعلن ويلاته. هناك إنجيل أبدي لا بدّ من إعلانه، "بشارة يبشّر بها". نحن أمام بلاغ يرسله الله كما في 10: 7. أمام إنجيل (بدون أل التعريف)، لا أمام الإنجيل أو الأناجيل الأربعة. وهو أبدي، أي اسكاتولوجي ونهائي. فمنذ انتصار المسيح قدّمت لنا الأمور الأخيرة "الأبدية" (رج يو 4: 14؛ 6: 51؛ 8: 51). في هذا المعنى نعلن أن البلاغ الذي يشير إلى الدينونة الأخيرة هو أبدي ونهائي. والإعلان يوجّه إلى "سكان الأرض"، أي إلى الأمم الوثنية. وهو إنجيل يُعلن في المسكونة كلها: كل أمّة وقبيلة ولسان وشعب.
فالبشارة التي لا يستطيع البشر أن يبدّلوها تعني البداية والنهاية، تعني الخلق والدينونة. فخلق السماء والأرض والبحر وينابيع المياه هو تجلّ (أبيفانيا) لقدرة الله وحبّه ورحمته. أما ساعة الدينونة فهي تجلّ لعدالته الإلهية. هذا الإعلان المزدوج نقدّمه للبشر بقوة وإلحاح ("بصوت عظيم") كمنادين يسبقون الملك: هكذا يدخل البشر في أزمة تدفعهم إلى قطع علاقاتهم بالعالم الذي يعيشون فيه، إلى القرار والإلتزام. فبلاغ الخلاص ليس إعلاماً دينياً بسيطاً، ولا تعليماً يدخل في الأذن ولا يؤثّر في الحياة. بلاغ الخلاص يهزّ القلوب ويطلب منا أدن نتخذ موقفاً.
"خافوا الله، إتّقوا الله ومجّدوه". نخاف الله حين نجعل له مكاناً في حياتنا. حين نحسب له حساباً في تصّرفاتنا. حين نخدمه. حين نقبل بأن نربط إرادتنا لإرادته (رج 11: 18). ونمجّد الله حين نقرّ به وبما هو: هو الأول والآخر. هذا هو هدف عبادة الكنيسة (4: 9- 11؛ 5: 12- 13؛ 19: 7). والخطأة يمجّدون الله حين يقرّون بخطيئتهم ويبزرون الله. حين يرتدّ البشر يقول رؤ: "مجّدوا الله" (11: 13؛ 16: 19).
إذن، أطلق الملاك نداء إلى التوبة: أتركوا السلطة الوطنية ولا تعبدوا إلاّ الله، لا تعبدوا إلاّ "صانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه". نحن هنا أمام موضوع نموذجي من الكرازة إلى الوثنيين. في أع 14: 15- 16 قال بولس لأهل لسترة: "نبشّركم بأن ترجعوا عن هذه الأباطيل إلى الله الحيّ، الذي صنع السماء والأرض والبحر وجميع ما فيها". وفي 17: 24- 25 إلى أهل أثينة: "إن الله الذي صنع العالم وجميع ما فيه، لا يسكن، إذ هو ربّ السماء والأرض، في هياكل صنعتها الأيدي... هو يعطي الجميع حياة ونفَساً وكل شيء".
إذا كان النداء ملحاً، فهذا يعني أن ساعة الدينونة قد حلّت.
ب- سقوط بابل (14: 8)
في الفكر اليهودي، بابل هي رمز العظمة المعادية لله. بابل، مدينة الخطيئة، تعارض أورشليم، المدينة المقدّسة. بابل هي رومة حسب ما يقول 1 بط 5: 13: "تسلّم عليكم الكنيسة المختارة التي في بابل"، حيث أقام بطرس، أي رومة. وتتكرّر كلمة سقطت لتدلّ على ما في هذه البشرى من يقين محرّر.
إذن، جاء الملاك الثاني وأوضح بلاغ سابقه: الدينونة هي في شكل محسوس سقوط بابل. "سقطت، سقطت بابل العظيمة". تعود هذه العبارة إلى أش 21: 9: "سقطت بابل، وتحطّمت إلى الأرض جميع أصنام الهتها". هكذا يستريح شعب الله المُداس كالحنطة على البيادر (آ 20). وبابل هي رومة، هي المقرّ العام للعداوة ضدّ الله. منذ الآن صارت بابل عدماً تجاه دينونة الله، وإن تأخّر خبر دمارها.
"سقت جميع الأمم". إن خمر زنى بابل يسكر الأمم. فهي الزانية العظيمة (17: 2) السكرى. وهي تشارك الأمم في ضلالها وعبادتها للأوثان. وقد نكون أيضاً أمام خمر غضب الله كما نقرأ في أش 51: 17 (شربت من يد الرب كأس غضبه، أي دينت)؛ إر 25: 15 (خذ كأس غضبي واسقها للأمم)، مز 75: 9 (بيد الرب كأس خمر معتّقة). فدينونة غضب الله تدرك في قساوتها التي لا ترحم كلّ عبّاد الوحش. أجل، ان خمر الزني وخمر غضب الله يلتقيان. فالسكر الذي تحمله عبادة الأوثان هو تعبير عن غضب الله الذي لا يرضى عن الشّر من أي جهة أتى.
ج- الخيار اللازم (14: 9- 13)
بعد نداء الله في بشرى يطلقها إلى البشر، وبعد الوضع الميؤوس منه الذي تعيش فيه بابل، جاءت الدعوة إلى أن نختار. سيحكم على عبّاد الوحش كامتداد لسيطرته الوقحة. أما حافظو وصايا الله فطوباهم: "سيستريحون من أتعابهم".
نحن هنا أمام الخاتمة الحقيقية للفصل الثالث عشر: ستصيب الدينونة عبّاد الوحش. وإذا كانت الأفعال في صيغة المضارع، فهذا لا يعني أن الدينونة قد تأخّرت إلى ما بعد، بل ان الوثنيين لن يفهموا هذا الوضع إلاّ شيئاً فشيئاً.
"وتبعهما ملاك آخر" (آ 9). كان قد أعلن أن الذي لا يسجد لصورة الوحش يُقتل. وان كل من لا يحمل سمة الوحش لا يستطيع أن يشتري ولا أن يبيع (13: 15، 17). فجاء ملاك ثالث يدلّ على مصير قاسٍ جداً يصيب من يسجد للوحش ويحمل سمته. إنه سيشرب غضب الله ويقاسي العذاب الأبدي في النار والكبريت. يتوجّه هذا التنبيه العنيف إلى الشعوب الوثنية كلها (آ 6). كما يتوجّه إلى أولئك المسيحيين الذين ينكرون إيمانهم خوفاً من الإضطهاد المقبل. فيوحنا سيقول في آ 13: طوبى للذين يموتون منذ الآن في الرب. هذا يعني أن هناك من قرّر أن يعيش بعيداً عن الربّ. 
إن عبدَ أحدٌ الوحش، إن ظلّ يسجد له رغم النداء إلى التوبة (آ 7)، أو لا سمح له، إن بدأ "مسيحي" يعبد الوحش بعد تنكّره لإيمانه، سيتحمّل غضب الله ورفضه لهذا الوضع. يصوّر غضب الله في العهد القديم بشكل جرعة من الخمر. نقرأ في أي 21: 20: "يرون هلاكهم بعيونهم ويتجرّعون غضب القدير". فالأمم التي يقدّم لها كأس غضب الله، "ستترنّح وتفقد صوابها... سيتقيّأون ويسقطون ولا يقومون" (إر 25: 16-27). إن غضب الله ليس جزءاً خارجياً من شريعة المجازاة اللاشخصية التي تبنى في الواقع، بل جواب الله البار على الإنسان الذي يرفض بشدّة نداء حبّه.
خمر غضب الله صرف لا مزيج فيه، لم يُخلط بماء لكي تخفّ قوّته. غضب الله لن ترافقه رحمة الله ولا نعمته.
وتمتزج صورتان عن هذا الغضب: عقاب سدوم وعمورة (تك 19: 24؛ حز 38: 22)، وصورة وادي هنوم، صورة جهنّم حيث كانوا يحرقون الأولاد ثم الجثث والقمامة. إن التعبير الرمزي لعقاب الله يتضمّن نقطتين هامّتين: جهنّم هي أبدية. وليست بعداً عن الله، بل فرضاً أن نتحمّل قرب الله الذي هو نار محرقة للخاطئين. فالطابع الذي لا يُحتمل والألم الذي يزداد، يكمنان في حضور الله المتواصل. لولا الله، لما كانت جهنّم جهنّم. نحن ننجذب في أعماق كياننا إلى الله، ومع ذلك نرفض. هذا هو التمزّق المؤلم.
"يقاسي العذاب أمام الملائكة وأمام الحمل". قالت يسوع في لو 12: 9: "من ينكرني قدّام الناس أنكره قدّام ملائكة الله". إن العذاب أمام "ضيوف" السماء يدلّ على قساوة الدينونة، كما يدلّ على ثقلها وفظاعتها. لقد تحمّل المسيحيون العار والهزء والمقاومة. وسيكون لمقاوميهم أن يتألّموا حين يرون سعادة الأبرار. تقول كتب الجليان اليهودي إن آلام الهالكين سوف تزداد حين يلقون نظرة على الأبرار.
إن الأقوياء في هذا العالم يتسلّطون بعين وقحة باسم الوحش. ولكنهم في نظر الرائي هالكون وذاهبون إلى العدم أمام نظر الحمل الذي يقف أمام الله مع المؤمنين.
"هنا صبر القديسين" (آ 12). كان الكاتب قد وجّه كلامه إلى القارىء مرتين داعياً إياه إلى التأمّل (13: 9- 10، 18). وها هو يدعوه للمرة الثالثة. أجل، حين نقرأ رؤ لا نظنّ أننا في عالم الخوارق والخفايا الهائلة، لسنا في عالم نسي الأرض وما يتعرّض له الإنسان. في رؤ، نحن أمام واقع الإنسان اليومي والملموس: ما الذي يتمّ الآن حولنا وفينا، وكيف يجب أن نتصّرف؟
إذا كان الأشرار قد حُكم عليهم (آ 9- 11)، فهذا يعني أن الوقت قد جاء للمسيحيين بأن يثبتوا، بأن يتحدّوا المحنة ويخاطروا بحياتهم على خطى المعلّم. فهو وحده يتيح لنا أن نعمل مشيئة الله ونخضع لشريعته. إن عبارة آ 12 تشكّل تضميناً مع 13: 10. إن ف 13 وف 14 يكوّنان وحدة متكاملة، فلا نفصل انتصار الأشرار عن فشلهم العميق وهلاكهم.
"ثم سمعت صوتاً" (آ 13). بعد أن تدخّل الرائي معلناً أن الآلام هي حظّ المؤمنين، سمع صوتاً من السماء يعلن: "طوبى للذين يموتون في الرب". كانت آ 12 تشجيعاً سلبياً، فجاءت آ 13 تشجيعاً إيجابياً. من هو هذا الصوت؟ هو الروح يعلن بسلطانه الإلهي كما في 10: 4، 8؛ 12:11.
تكلّم صاحب رؤ، فجاء صوت من السماء يدلّ على صدق كلامه ويكلّمه. فالنهاية هي في يد الله. وتأتي التطويبة الثانية. كانت الأولى في 1: 13. وستتبعها خمس تطويبات هي: 16: 15؛ 19: 9؛ 20: 7؛ 22: 14. وجاء الأمر بالكتابة يشدّد على آنية هذا الوحي.
والثبات المستعدّ لمواجهة الموت ليس حلاً بسيطاً من الإنتظار قبل أيام أفضل. بل الباب نفسه الذي يفتح على السعادة الموعود بها. الثبات هو الجوع على السعادة. هنا نتذكّر مت 5: 10- 11(طوبى للمضطهدين.. فإن لهم ملكوت السماوات). هذه الحقيقة تسري على الجميع، وتتحقّق بالدرجة الأولى في شخص الشهداء.
"منذ الآن". تعود هذه العبارة إلى الزمن الجديد الذي يدشّنه المسيح. منذ مات يسوع وقام، إنفتح "اليوم" الحاضر الذي فيه يُعطي الخلاص الآن. والذين يموتون تعطى لهم منذ الآن الحياة الأبدية. هم يشاركون في القيامة الأولى ولا يعنيهم الموت الثاني كما تقوله التطويبة الموازية في نهاية خبر الدينونة. "سعيد وقديس من له نصيب في القيامة الأولى: لا سلطان للموت الثاني عليهم" (20: 6).
الروح هو الذي يقول هذا الكلام. فهو في رؤ يحدّثنا دائماً عن الحاضر الذي نعيش فيه. هذا ما فهمناه حين قرأنا الرسائل السبع إلى الكنائس. وفي 22: 17 نقرأ: "فالروح والعروس يقولان: تعال! والسامع فليقل: تعال! والعطشان فليأت".
"إن أعمالهم تتبعهم". الأعمال هي كل ما يشكّل السلوك المسيحي: الأتعاب، الجهود، الثبات، الصبر، الإيمان، الخدمة (2: 2، 9). ليست الأعمال كنزاً من الإستحقاقات توضع مسبقاً في السماء، لتؤثّر على دينونة الله. إنّ النصّ يقول إن النظر لا يُعاد في ما قاموا به في حياتهم. والموت لا يهدّد الحياة الأبدية التي كانت علاماتها ظاهرة فيهم. كانوا غالبين وسيظلّون غالبين. صارت الدينونة وراءهم وقد تجاوزوها: إن أعمالهم تتبعهم.

3- الآية السادسة: حصاد الأرض وقطافها (14: 14- 20)
بعد رؤية 144.000 رفيق للحمل، بعد الإعلان المثلّث للدينونة التي أصابت بابل وعبّادها، ها نحن أمام رسم جديد للدينونة الأخيرة عبر صورتيَ الحصاد والقطاف.
في 19: 11 ي، سوف نجد تصويراً جديداً للدينونة يعود إلى صورة القطاف. لا نحسب أن هذين المقطعين يتعاقبان في الزمن. فلقد اعتاد الكاتب أن يعود مراراً إلى الموضوع عينه معطياً رنّة مختلفة لكل من التمثّلات المتوازية. إن ف 19- 20 هما انتصار المسيح الأخير على أعدائه الكبار: الشيطان، الوحش، النبي الكذاب. إنهما تنفيذ الدينونة في ما هو أساسي فيها. فالمشهد له أبعاد كونية.
يقول 14: 14- 20 إن اتحاد 144.000 مع الحمل (آ 1- 5) من جهة، وعقاب عبّاد الوحش من جهة أخرى (آ 6- 11) هما جزء لا يتجزّأ من الدينونة. إذن، تتحقّق الدينونة منذ الآن في الخبرة اليومية بالنسبة إلى المؤمنين كما بالنسبة إلى الكافرين. هذه الملاحظة تدعونا إلى تفسير آ 14-20 كخاتمة للفصل كله: تجاه 144.000 نجد الحصاد الذي يعني المؤمنين. تجاه عقاب عبّاد الوحش هناك القطاف الذي يعني عابدي الأوثان. وبنية كل من القسمين بسيطة: ابن إنسان (أو ملاك) يظهر مع منجل (آ 14-16). ثم ملاك آخر يؤمَر باستعمال هذا المنجل (آ 17- 20)، فينفّذ الأمر.
نعجب حين نرى "ابن الانسان" يتسلّم من الملاك أمراً بأن يلقي المنجل على الأرض. يبدو أن لفظة "منجل" هي مفتاح هذا النصّ. وهي ترد في جميع الآيات (14 مرتين، 15، 16، 17، 18، 19) ما عدا في آ 20. فهي تضمّ في نصّ واحد مرجعين كانا مستقلّين في البداية.
إن تصوير إعمال المنجل الثاني (آ 17- 20) يبدو كثر دراماتيكية، أكثر تفصيلاً وأكثر دموية. لماذا إعمال المنجل مرة ثانية بعد أن حصدت الأولى الأرض (آ 16)؟ هنا نعود إلى ما قلناه سابقاً حول الحصاد ودينونة شعب الله، والقطاف ودينونة الهالكين. فقد يكون القطاف يعني أيضاً المؤمنين الذين يعرفون الإضطهاد والموت.
أ- الحصاد (14: 14- 16)
"نظرت فرأيت سحابة بيضاء" (آ 14). السحابة تدلّ على حضور الله وسلطانه. والبياض علامة الغلبة. في خطب يسوع، تبدو لفظة "سحاب" جزءاً لا يتجزّأ من إعلان الدينونة (مر 13: 26؛ 14: 62؛ مت 24: 30؛ 26: 64؛ لو 21: 27). ونلاحظ في العهد الجديد أن السحابة ترتبط دوماً بالمسيح. لهذا فالجمع بين السحابة والمسيح له بُعد اسكاتولوجي.
يتحدّث رؤ مرتين عن شخص هو "شبه ابن إنسان". هو المسيح في إطار السحاب كما في دا 7: 13. نلاحظ أن هذا اللقب المسيحاني المتواتر في الأناجيل يبدو نادراً في رؤ. في الرؤية التدشينية (1: 13)، وهنا في آ 14، يبدو ان ابن الإنسان، رغم نشاطه كديّان، لا يتمتّع بميزات تختلف عن ميزات ملاك. إن كان هو الذي يحصد، فالملاك هو الذي يقطف. لا شكّ في أن الكاتب ما زال مرتبطاً بتقاليد جليانية يهودية. لهذا، حين يتكلّم عن يسوع المسيح، فهو يفضل بأن يعطيه إسماً خاصاً: ابن، حمل، عريس، ربّ. وهو يعترف له بالسلطان الإلهي. إن ابن الإنسان في هذا المقطع تحيط به هالة إلهية، وهو يجلس على سحابة بيضاء، وفوق رأسه تاج الملوك. يستلهم المشهد يوء4: 12-13: "أنا هناك جالس لأدين الأمم المجاورة. أعملوا المنجل فالحصيد نضج. تعالوا دوسوا فتمتلىء المعصرة وتفيض الخوابي".
"مثل ابن إنسان". نحن في العالم الجلياني وفي حديث عن المسيح في نهاية الأزمنة. إنه يبدو كملك منتصر (إكليل من ذهب) وديّان (المنجل). ابن الإنسان عبارة تدلّ على المسيح المرتفع في المجد.
"وخرج من الهيكل ملاك آخر" (آ 15). الملاك في الفكر اليهودي يدلّ على أمر الله وقد صار منظوراً. لقد تشخصنت وصية الله في الملاك. الآب وحده يحدّد ساعة الدينونة. ويعرف المسيح أنه خاضع للآب في الطاعة، وهو الذي طعامه يقوم بأن يعمل مشيئة من أرسله (يو 4: 34). قال يسوع: "لا يستطيع الإبن أن يفعل شيئاً ما لم يرَ الآب يعمله. لا أستطيع أن أصنع شيئاً من نفسي. أنا أدين حسب ما أسمع. دينونتي حقّ لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة ذلك الذي أرسلني" (يو 5: 19- 30).
حمل الملاكُ الأمرَ إلى المسيح. خرج من الهيكل ونقل إرادة الله. قال مر 13: 32: وهذه الساعة لا يعرفها أحد، لا الملائكة ولا الابن، بل الآب وحده". إذن، الله يعطي الإشارة لبدء الحصاد والقطاف. جاءت ساعة الحصاد، فحصاد الأرض قد يبس. إذن، نضج. لقد مدى "زمن قليل" (6: 11) فيه وجب على الشهداء بأن ينتظروا تحت المذبح.
في يوء4: 13، دلّ الحصاد والقطاف على دينونة الهالكين. أما هنا فالسياق يدعونا لكي نرى في الحصاد صورة عن تجمّع المؤمنين. فالأناجيل تستعمل صورة الحصاد لكي تعلن اجتماع المختارين في آخر الأزمنة (مت 3: 12؛ 9: 37؛ مر 4: 29؛ رج يو 4: 36-38). هذا ما يقابل رؤية 144.000 مع الحمل.
"وألقى منجله" (آ 16). هنا يعود النصّ أيضاً إلى يوء4: 13. لا حاجة إلى العنف. ما إن بدأ الحصاد حتى انتهى. هو وقت جمع الحنطة في الإهراء. فالدينونة الأخيرة لا "تعيد النظر" في حياة المسيحيين الجديدة (كأنها موضوع تساؤل)، بل تثبت انتماءهم إلى شعب المختارين.

ب- القطاف (دا 1: 17- 20)
تدلّ صورة القطاف على عقاب الهالكين. هنا نتذكّر الخمر (الدم) الذي يجري كما في أش 63: 2 ي.
"وخرج ملاك آخر" (آ 17). الملاك ينفّذ أعمال الله العظيمة. هو يخرج من الهيكل، من عند الله. إن التقارب بين 6: 9- 11 و 14: 18 يدلّ على أن صراخ "الذين ذبحوا من أجل كلمة الله والشهادة التي أدّوها" قد سُمع الآن. لهذا، جاء الملائكة يساعدون ابن الإنسان في عمل الدينونة. وسينفذ الحكم الإلهي بقساوة لا ترحم.
"وخرج من المذبح ملاك آخر" (آ 18). إن الملاك الذي يعطي الأمر بالقطاف يخرج من المذبح، من مذبح البخور، من أقدس موضع في الهيكل. هو ملاك النار.
يرى اليهود أن كل عنصر في الطبيعة يقع تحت مسؤولية ملاك خاص (نستطيع أن نتحدّث عن إله لكل شيء في العالم الوثني). في 7: 1 عرفنا ملائكة الرياح. والنار هي أداة العقاب. ولكنها ترتبط بشعائر العبادة لأنها تخرج من المذبح. ليست الدينونة انتقاماً وبغضاً، إنها الوجه الآخر للإنجيل، لرفض الإنجيل. يرفع القديسون الصلاة والمديح لله، فيدلّ العالم انه متمرّد ومحروق وضعيف ومخزي بسبب حضور الله المتجليّ (8: 5). لا توافق إطلاقاً بين الخطيئة والله. بقدر ما ينير الإنجيل العالم، بهذا القدر عينه يحُكم على الخطيئة وينكشف القناع عن وجوههم فيظهرون في واقعهم.
"فألقى الملاك منجله" (آ 19). إن العناقيد التي رُميت في معصرة غضب الله، تدلّ على "الذين عبدوا الوحش وحملوا سمة اسمه" (14: 11). هم يقاسون دينونة رهيبة، لأن الله لا يُستهزأ به. فنهاية التاريخ مطبوعة بتدخّل المسيح تدخّلاً مباشراً لا يقاوم. وحين ظن "المناوىء" (للمسيح) أن حصاده قد تأمّن، تصبح ساعة الحصاد ساعة الدينونة فينذهل ويتعجّب. ظنّ المناوىء أنه يستطيع أن يعجلّ نصره، فإذا هو يعجّل في نهاية التاريخ لهلاكه.
"ودِيست المعصرة في خارج المدينة" (آ 20). تمّ المشهد خارج المدينة. فالقاضي يجلس عند باب المدينة. وحسب يوء4: 12-16؛ زك 14: 22 تتمّ الدينونة قريباً جداً من أورشليم. فهي ملجأ من أجل المؤمنين بالمسيح وموضع الخلاص المقدّس. يرى اليهود أن دينونة الله ستتمّ في وادي يوشافاط (يوء4: 2- 12) أو على جبل الزيتون (زك 14: 2- 15). 
"فجرى منها دم". حسب أش 63: 3 (دستها وحدي أنا الرب) المسيح هو الذي يدوس المعصرة "بثوب مضّرج بدم" (19: 13). وهو الذي "يدوس في المعصرة خمر سخط غضب الله القدير" (19: 15). لجأ الكاتب إلى المراجع اليهودية اللابيبلية ليصوّر هذا النهر من الدم. مثلاً، نقرأ في سفر أخنوخ (100: 3): "غرق الحصان حتى صدره في دم الكافرين وغاصت المركبات".
الغلوة تساوي 192 متراً. قد يشير النصّ إلى فلسطين التي طولها من تخوم صور إلى حدود مصر 1600 غلوة تقريباً (بالضبط: 1664). وفي المعنى الرمزي، يدل على البشرية كلها التي تتلقّى طوفان الدمّ المدمّر. 4 (رقم العالم)× 4× 100 أو 40× 40= 1600. هذا يعني أن أبعاد الدينونة هي أبعاد الكون.

خاتمة
تتم الدينونة بأمر من الله الآب. فمن رفض اللقاء بالمسيح كالفادي الرحيم، سيُحكم عليه بأن يواجهه كالديّان.
إن كرستولوجيا رؤ تفترض كرستولوجية الكنيسة الأولى. كانوا يسمّون يسوع ابن الإنسان (يرد اللقب 69 مرة عند الإزائيين): يصوّرون الرب الممجّد "مثل ابن إنسان"، فيمسكون في عبارة واحدة سرّ التجسّد وسرّ الإرتفاع والتمجيد. إن يسوع يجتذبنا شيئاً فشيئاً قي مجال السرّ والعالم الذي لا يعبَّر عنه.
أعلن الملائكة ثلاث مرات مجيء يوم الدينونة الذي لا يفلت منه أحد. إن الوقوع في يد الله أمرٌ رهيب. لا نستطيع أن نتحدّث عن الله الرحيم بصدق، إن وضعنا جانباً صورة الله الديّان والعادل الذي يجازي كل إنسان حسب أعماله. فالسعادة الأبدية والهلاك الأبدي ليسا نتيجة قرار إعتباطي ومسبق يتخذه الله. إنهما يرتبطان بأعمال البشر (14: 13) شراً كانت أو خيراً. إن لحياتنا على الأرض نتائج هائلة على الآخرة. فمنذ الآن نحن نبدأ مع الله ببناء بيت لم تصنعه الأيدي بانتظار أن نترك خيمتنا على الأرض (2 كور 5: 1 ي).
نجد في ف 12- 14 شمولية دراما العالم. إنطلقنا من الصراع الأهلي بين التنين وابن المرأة، فوصلنا إلى الحلّ النهائي التاريخي، إلى الدينونة العامة. فتاريخ الكون هو موضع التسلّط البشع. ولكنه أيضاً موضع يسير فيه خلاص الله صاعداً، وليس من يقاومه. يبقى علينا أن نتحلّى بالحكمة والفطنة لنقرأ ما ترمي إليه الأبدية في ضيقنا الحاضر. قال 13: 18: "لا بدّ من الحكمة والذكاء". و 14: 12: "هي ساعة ثبات القديسين الذين يتمسّكون بوصايا الله والإيمان بيسوع"