الآية السابعة

 

مع ف 15- 16 نجد نفوسنا من جديد أمام سلاسل السباعيات التي عرفناها في الختوم (ف 6) والأبواق (ف 8- 9). فبعد جمالات ف 10- 11 و 12- 14، يبدو ف 15- 16 باهتين ومليئين بالكليشهات المعروفة. ومع ذلك، نجد فيهما صوراً لا تنسى وسوف نحاول أن نتوقّف عندها. 

1- آية رائعة عجيبة (15: 1)
"ثم رأيت في السماء". أية رؤية عجيبة تلك التي تقدّم سبعة ملائكة وسبع نكبات! كيف نفهم هذه المفارقة؟
أ- وحدة ف 15- 16
يبدأ ف 15 مع الملائكة السبعة الذين يمسكون النكبات السبع (آ 1، 6، 8)، وقد أعطوا سبع كؤوس ذهبية مليئة بغضب الله (آ 7). إنهم سيصبّون هذه الكؤوس على الكون (16: 1، 2، 3، 4، 8، 10، 12، 17).
وهكذا ترتبط هذه "الآية" بسباعية الكؤوس. وحسب طريقة التداخل التي عرفناها في رؤ والتي فيها يتضمّن العنصر الأخير من السلسلة السابقة كلّ السلسلة اللاحقة، تكون هذه الآية الثالثة (12: 1: الآية الأولى؛ 12: 3: الآية الثانية، 15: 1: الآية الثالثة) مشتملة على الكؤوس السبع، بل على كل ما سوف يحدث حتى نهاية الكتاب، كما أن النكبة الثالثة (11: 14) تشمل البوق السابع، وكل ما يليه.
ب- قرابة مع سباعية الأبواق.
بدا ف 15- 16 وحدة متماسكة. وهما يبدوان قريبين من سباعية الأبواق في ف 8- 9.
أولاً: على مستوى النموذج
كانت سباعية الأبواق النموذج لسباعية الكؤوس. ففي السلسلتين تُذكر على التوالي الأمور عينها: الأرض (8: 7؛ 16: 2)، البحر (8: 8؛ 16: 3)، الأنهار والينابيع (8: 10؛ 16: 4)، الشمس (الكواكب) (12:8؛ 8:16).
ثم يُذكر الظلام في ارتباطه مع ملكوت الشيطان (9: 2 ي؛ 16: 10). وفي الموقع السادس (البوق السادس في 9: 14- 17، والكأس السادس في 16: 12، 14) يُذكر الفرات واجتياح العدوّ للبلاد. أخيراً تبدو السماء (أو الهواء) معنية في الضربة السابعة التي تتضمّن الرعود والأصوات والبروق والبرَد.
ثانياً: على مستوى التعليم
تستعيد الكؤوس تعليم الأبواق، مبرزة أهميته. فالكوارث التي لم تكن تصيب سوى ثلث الأشخاص والأشياء (البوق الأول والثاني والثالث والرابع والسادس)، أو التي بدت عابرة (5 أشهر في البوق الخامس، 9: 5، 10)، قد اتخذت الآن وجهاً دراماتيكياً. فأصابت جميع البشر وأسماك النهر وبدت أنها خطرة جداً.
نحن حقاً أمام النكبات الأخيرة التي فيها يتمّ غضب الله ورفضه لعالم الشرّ.
ثالثاً: ضربات مصر
إن الكؤوس شأنها شأن الأبواق، تلمّح إلى ضربات مصر وإن لم تكن التلميحات هى هي، وإن كان الناس هم الذين يُصابون في الكؤوس بشكل واضح. مثلاً، "احترف الناس بحرّ شديد، وما تابوا ليمجّدوا الله" (8:16).
في الكؤوس بدت التلميحات إلى سفر الخروج مقصودة، متعمّدة، وأكثر مما في الأبواق.
فاللفظة "ضربة/ نكبة" تترجم اليونانية "بلاغي". إنها تتوزّع في ف 15 -16 (1:15، 6-8؛ 9:16، 21).
- إن الغالبين يقفون على البحر (مركز الشر. يدوسونه. هم واقفون أي منتصرون. وقفة القيامة بعد العبور في الموت) وينشدون نشيد موسى: لقد خرجوا من مصر، من العبودية والنار.
- إن وضع الغالبين في الضيقات التي تحاصرهم، يذكّرنا بالتمييز الذي قام به الله بين العبرانيين والمصريين. في خر 8: 19 (أميّز بين شعبي وشعبك، يا فرعون)؛ 9: 7 (لم تمت مواشي بني إسرائيل كما ماتت مواشي المصريين)؛ 9: 19- 21؛ 10: 23 (ما كان الواحد يبصر الآخر. أما بنو إسرائيل فكان لهم نور في مساكنهم). رج رؤ 7: 1- 8؛ 11: 1- 2، 6؛ 6:12، 14؛14: 1- 5.
- ذكر النصّ ثلاث مرات تجديف البشر ورفضهم للإرتداد. في 16: 9، 11، 21: "ولكنهم ما تابوا من أعمالهم، بل جدّفوا على إله السماء". هذا ما يقابل تقسية قلب فرعون بعد كل ضربة من الضربات. مثلاً، في خر 8: 11: "فلمّا رأى فرعون أن الفرج جاءه، قسّى قلبه، ولم يسمع لهما" (لموسى وهارون). وبعد الضربة الرابعة: "قسّى فرعون قلبه هذه المرّة أيضاً، فلم يطلق الشعب من أرض مصر" (خر 8: 28؛ رج 7:9).
- إن لفظة "عجيبة" تمتلك معنى قوياً، فلا توازيَ فقط "رائعة" (15: 1، 3). يستعملها العهد القديم ليدلّ على ما عمله الله من أجل خلاص شعبه.

رابعاً: مشهد ليتورجي
إن إدراج الكؤوس والأبواق يقطعه مشهد ليتورجي يُدخل صلاة القديسين ويتيح للسباعية بأن تنطلق. في 8: 1 نقرأ: ولما فضّ الختم السابع ساد السماء سكوت نحو نصف ساعة. وفي 15: 1ب: "هي الأخيرة بها يتم غضب الله". ق 8: 2- 4 و 15: 2- 4؛ 8: 5- 6 و15: 5- 16: 1. ففي الحالتين، هناك علاقة بين شعائر العبادة المسيحية وآيات الدينونة الأخيرة.
ج- إستنتاجات
ماذا نستنتج من هذه المقابلة بين الكؤوس والأبواق وبين ضربات مصر؟ هناك ثلاثة إستنتاجات.
الأول: لن نبحث مهما كلّف الأمر عفا يقابل هذه النكبة أو تلك على المستوى التاريخي. فالكتاب لا يريد أن يتحدّث عن التاريخ المعاصر. حديثه هو حديث لاهوتي. إنه يريد أن يصوّر لنا الخلاص الذي يتمّ الآن، فيستعمل علامات اصطلح على استعمالها في دينونة الله. كل خلاص هو على مثال الخروج من مصر.
الثاني: حين يلقي سفر الخروج الضوء على هذه الضربات، نفهم أنها لا تصدر عن إرادة الله بالتدمير. فدينونته لا تطلب موت الإنسان. ما يريده الله بكل بساطة هو أن يُعرف كما هو، كالإله الواحد، كالرب والمخلّص. وعدد الضربات (أو: النكبات) هو علامة بأن الله يريد (ويصرّ) أن يعود بفرعون (في سفر الخروج) وبالبشرية (في سفر الرؤيا) إلى التوبة. وحين يرفض الإنسان نداء الله، يحكم على نفسه ويحسّ بأن مبادرات الله هي أعمال غضب وانتقام. لهذا نقرأ في سفر الخروج أن الله قوى قلب فرعون. بينما الواقع هو أن فرعون قسّى قلبه حين رأى ما رأى من تصرّفات الله. وهذا ما نقوله عن "سكّان الأرض" (أو العالم في زمن كتابة رؤ). أرادوا أن يدينوا الله بدل أن يقرّوا بأنهم صاروا غرباء عنه وعن ذواتهم. ودلّ تجديفهم إلى أي حدّ هم بعيدون عن الله. فالإنسان هو الذي يقرّر هلاكه وموته النهائي. أما الله فلا يريد موت الخاطىء، بل أن يعود عن ضلاله ويحيا.
الثالث: إن ف 15- 16 لا يكرّران ببساطة ما قيل في ف 8- 9. فبعد ف 8- 9، جاء إنتصار النبيين الشاهدين (ف 11) وقراءة آية المرأة وآية التنين مع الوحشين (ف 12- 14) فأفهما المسيحيين أن الدينونة بدأت تتمّ منذ الآن. وأن الشيطان قد غُلب وانتهى أمره. وأنهم الغالبون رغم الظواهر المقلقة. لقد اختبروا أنهم خُتموا بختم الله، أنهم وُضعوا جانباً لأنهم يخصّون الله. وهم ينتظرون بإيمان مستقبل الله. لقد خرجوا من أرض العبودية، فكانت ضربات مصر البوتقة التي تقود إلى الحرية: لهذا أنشدوا نشيد موسى والحمل.
وفي النهاية اقتنعوا أن الدينونة هي وجهة من النعمة، فأعطوا لنكبات الكؤوس معناها الحقيقي: هي آخر محطّة في تاريخ الخلاص، وليست سلسلة من الانهيارات. حين يعيشون السرّ الفصحي ويقبلون مع الحمل بأن يفضّلوا حبّ الله على حياتهم، يدلّون على أنهم قطعوا كل علاقة بالعالم الخاطىء، انهم منذ الآن "في السماء"، أنهم تجاوزوا الدينونة ويملكون مع الحمل: لهذا ينشدون نشيد موسى والحمل.
لهذا، نستطيع أن نفهم حقاً، ومهما كان في فهمنا من مفارقة، أن النكبات التي تحلّ بالعالم هي في نظرهم "آية عظيمة وعجيبة". فآية التنين كانت آية وحسب (12: 3). وآية المرأة آية عظيمة (12: 1). لقد أتاحت الآيتان الأوليان للمؤمنين أن يفهموا فهماً عميقاً ما يحدث خلف ظواهر التاريخ. أما الآية الثالثة، آية الملائكة السبعة (بنكباتهم السبع) الذين سينفّذون دينونة الله، فهي أعظم من الآيتين الأولى والثانية: هي "آية عظيمة وعجيبة". هكذا نصل إلى الرجاء الذي يعلّمنا إياه الإيمان، ونرى الآن أن الأمور تتحرّك وتسير إلى الأمام. فالماضي بما فيه من ضيق هو طريق خلاص وحاسبة نشيد. "أيها الأحبّاء، لا تستغربوا أن تكونوا في حريق المحنة (أي: الاضطهادات)، كأنما هو أمر غريب عرض لكم. إفرحوا بالحري بمقدار ما تشتركون (لا نقتدي فقط بآلام المسيح، بل نشارك فيها) في آلام المسيح حتى تفرحوا أيضاً وتبتهجوا (رج تطويبة المضطهدين في مت 5: 11- 12) في تجلّي مجده" (1 بط 4: 12-13). هذا هو معنى حياة الكنيسة!

2- الملائكة السبعة (15: 2- 4)
أ- لقد تمّ
يقف ف 15 كلّه في عالم "التتمة". فاللفظة تحيط بالرؤية في بدايتها (آ 1: يتمّ غضب الله) وفي نهايتها (آ 8: تتمّ النكبات السبع). ونجد ما يقابل هذا حين تصبّ الكأس السابعة ويهتف الصوت: "قُضي الأمر" (إنتهى كل شيء. تمّ كل شيء) (16: 17). تمّ يعني كمل وانتهى ووصل إلى الغاية. هكذا كان الوضع بالنسبة إلى يسوع حين قال من على صليبه: "تمّ كل شيء" (يو 19: 30). لقد أتمّ يسوع رسالته وهو يمجّد الآن. وعلى مثاله ستكون الكنيسة بعد أن تمرّ في المحنة والاضطهاد.
ما تمّ هو غضب الله. واللفظة تحيط أيضاً بالرؤية في بدايتها (آ 1: غضب الله) وقبل نهايتها (آ 7: غضب الله الحي). إن غضب الله ليس عاطفة ذاتية متقلّبة الأطوار. بل هو دلالة وضعية للمسافة بينه وبين الخطيئة، لعدم التوافق بينه وبين الشّر، بين كثافة كيانه الأبدي وبطلان عبادة الأوثان بما فيها من فناء وتلاشي. ظهر غضب الله حين حملَ عملُ الإنسان البعيد عن الله ثمارَ الموت. هذه هي الدينونة. إنها استسلام الإنسان إلى نتائج ما فعلت يداه (روم 1: 18- 32؛ أف 2: 1- 3). 
إذن، هذه الضربات هي الأخيرة. هي التنبيه الأخير والمحنة الأخيرة قبل الخلاص. لا شك في أن هذه الدينونة قد أعلن عنها فيما قبل وكأنها قد تمت: قُهر الشيطان. هذا ما عرفه المؤمنون بشكل كرازة موجّهة إلى الكنيسة (11: 18: جاءت ساعة غضبك ودينونة الأموات)، بشكل مديح لله (12: 10- 12: اليوم تمّ النصر) عبر إنجيل أبدي (14: 6- 12: بشارة يبشّر بها سكان الأرض) وصورة مسبقة (14: 14- 20: سحابة جلس عليها مثل ابن إنسان للدينونة). هذا ما يعرفه المؤمنون ويعيشون منه في الإيمان. ولكن حان الوقت ليعلنوا هذا الوحي جهاراً ويدلّون على أنه بدأ يتحقّق. أخذت الكأس تفيض، وجاءت الأزمة الأخيرة التي بعدها يتمّ كل شيء. هذه هي الدينونة الأخيرة.
ولكن يقول قائل: بعد الكؤوس السبع هناك أحداث أخرى أيضاً: دمار بابل (ف 17- 18). التسوية الأخيرة والنهاية (ف 20). لا شكّ في ذلك. ولكن كل هذا هو تفسير مفصّل للكأس السابعة، لأن دور الملائكة السبعة بضرباتهم السبع يضمّ نهاية الكتاب كلها: فهم يقدّمون الوضع الأخير الذي نتج عن النكبات الأخيرة. واحد منهم يدلّ الرائي على دينونة الزانية العظيمة (17: 1)، وآخر يكشف له عن مجد عروس الحمل (21: 9).
ب- نشيد الظافرين (15: 2- 3 أ)
"ورأيت" (آ 2). نحن أمام رؤية جديدة مع أشخاص جدد. وستكون رؤية ثالثة في آ 5 (وبعد ذلك رأيت) يظهر فيها الملائكة السبعة بشكل أكثر تفصيلاً.
إذن، إن آ 2- 4 تقطع تقديم السبعة الملائكة بضرباتهم السبع لغاية في قلب الكاتب. لقد تعرّفنا إلى هذا الوضع في 8: 3- 5 ساعة تقديم الملائكة السبعة بأبواقهم (8: 1- 6).
حين يُدخل الكاتب المديح في قلب تقديم النكبات، فهو يبيّن أن على المسيحيين في احتفالاتهم الليتورجية أن يعلنوا برّ الله، والمدلول الإيجابي لقرارات يتّخذها الله المحرّر. حينئذ تبدو آيات الدينونة كما هي حقاً، لا بشكل كوارث عمياء. تبدو أجزاء مكوّنة لتاريخ الخلاص كما كان الوضع بالنسبة إلى ضربات مصر. وهذا المديح يعجّل في مجيء النهاية، ويدلّ على أن الملكوت والدينونة حاضران منذ الآن، ويقيم على الأرض واحة يبرز فيها العالم النهائي، ويكشف بطلان وعرضية الشرك الذي يرفض الله. إن حياة الكنيسة تعجّل في المواجهة الأخيرة.
"بحر من البلور المختلط بالنار". يُذكر هذا البحر البلوري في 4: 6 (بحر شفّاف مثل البلور): هي المياه السماوية التي تحيط بالعرش. من أين تأتي النار التي تمتزج بالبحر؟ نار البروق؟ نار غضب الله (8: 5)؟ إن إطار النصر ونشيد موسى يذكّراننا بالبحر الأحمر والخروج من مصر. والنار التي تمتزج بالماء هي تلميح إلى المحنة التي يُجبر المخلّصون على المرور فيها. هنا نفكّر بنصوص مثل مت 3: 1 (يعمّدكم بالروح والنار) أو 1 كور 3: 15 (خلاص كما عبر النار) أو حك 19: 20 حيث نقرأ: "والنار اشتعلت في الماء والماء لم يعد يُطفىء" (رج حك 16: 17- 23 ووجود البرَد).
"رأيت الذين غلبوا الوحش واقفين". هنا نعود إلى ف 13 وإنتصارات الوحش على القديسين (13: 7: يحارب القديسين ويغلبهم)؛ وعبادة شاملة يؤدّيها أولئك الذين أسماؤهم غير مكتوبة في سفر الحياة، في سفر الحمل (13: 8)؛ والموت الذي يصيب كل الذين لا يسجدون لصورة الوحش (13: 15)؛ والعدد الذي يميّز بين المؤمنين وسكّان الأرض، ويهمّش المقاومين (13: 17). الغالبون هم المسيحيون الذين رفضوا أن يدخلوا في منطق عبادة الأوثان مخاطرين بحياتهم ليسوا فقط الشهداء، بل كل الذين يفضّلون الطاعة للمسيح ولله على الاهتمام بنفوسهم.
"كانوا واقفين على البحر". لم يعبروا بعد. إذن، لم ينتصروا بعد الانتصار الكامل. لقد بدأوا ينتصرون. هذا ما يدلّ عليه اسم الفاعل. رج 1 كور 1: 18: الذين يخلّصون الآن. هم يسيرون على المياه مثل بطرس في مت 14: 29، مثل أموات أحياء. هم ما زالوا في قلب المحنة، ولكنهم قد قاموا وهم الآن واقفون. نحن هنا أمام تلميح إلى المعمّد الذي يعيش موت المسيح وقيامته (2 كور 4: 11: نسلّم إلى الموت لأجل يسوع، لتظهر حياة يسوع في جسدنا المائت). بحر المحنة هو بالنسبة إليهم البحر السماوي الأكيد الذي يقود إلى عرش الله. إن موقع إنتصارهم هو منذ الآن في السماء حيث يشاركون في شعائر العبادة كما يصوّرها ف 4- 5.
"القيثارة" محفوظة للموسيقى السماوية (5: 8؛ 14: 2). هيئ "قيثارات الله"، لأدوات موسيقى دنيويّة. إنها عطايا نعمة من أجل موسيقى ملهمة.
"ويرتلون نشيد موسى، عبد الله، ونشيد الحمل" (آ 3). يشير النصّ إلى النشيد الذي ترنّم به العبرانيون بعد أن عبروا البحر الأحمر (خر 15): "أنشد للرب جلّ جلاله. الخيل وفرسانها رماهم في البحر. الرب عزّتي وتسبيحي. جاء فخلّصني" (آ 1- 2). كما رأى موسى في المحنة الحاملة الموت (في البحر) دينونة الله وتدخُله الفدائي، كذلك رأى الغالبون في النكبات التي ضربت العالم علامات خلاص للمؤمنين وحكماً عادلاً على سكّان الأرض.
هذا النشيد هو أيضاً نشيد الحمل. لا نتخيّل نشيدين مختلفين. فالخلاص القديم من مصر هو رمز لنجاه تامة حقّقها الحمل الذي افتدانا من الخطيئة حين اجتذبنا عبر موته إلى انتصار قيامته. إذن، يطبّق الكاتب على الحمل نشيد موسى. هكذا استعادت مريم نشيد حنة أم صموئيل (1 صم 2: 1) ولكنها وضعت فيه نفحة جديدة على ضوء الخلاص الذي يحمله إبنها يسوع.
ذُكر موسى. هي المرة الوحيدة التي فيها يذكر رؤ بوضوح شخصاً من أشخاص العهد القديم. هذا يعني أن نشيد شكر العهد القديم انضمّ إلى نشيد شكر العهد الجديد (24 شيخاً، أي 12 من العهد القديم و12 من العهد الجديد) ليؤلّفا نشيداً واحداً. فالنصر الكامل والأخير، نصر الحمل، يستعيد في ذاته كل التدخلات الخلاصية في العهدين.
لقد انتُزع شعب العهد القديم وشعب العهد الجديد من خطر كبير جدا"، فكانت لهما النجاة من أعدائهما. ساعة بدا كل شيء ميؤوساً منه، امتدت ذراع الله بقوّة: "يمينك يا رب قديرة. يمينك يا رب تحطّم العدّو" (خر 15: 6). والعودة إلى "الحمل" قد تشير إلى حمل الفصح الذي يرشّ دمُه على "جانبي الباب وعتبته العليا" (خر 12: 7، 22). فتحرير شعب الله لا يتمّ إلاّ بدم الحمل. "إن المسيح فصحنا قد ذبح" (1 كور 5: 7). وفي عب 9: 12- 14: "إن كان دم الثيران يُرشّ على المنجَّسين... فكم بالأحرى دم المسيح الذي بروح أزلي قرّب لله نفسه بلا عيب، يطهّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحي" (رج عب 9: 20- 23؛ 10: 19؛ 12: 24؛ 13: 12- 20).
ج- ترنيمة الظافرين (15: 3 ب- 4)
ولكن ماذا تقول ترنيمة موسى والحمل؟ لا نجد فيها عبارة واحدة مأخوذة من خر 15. غير أنها مبنيّة بجمل مأخوذة من العهد القديم ولا سيّما المزامير.
"عظيمة وعجيبة أعمالك" (آ 3). رج مز 111: 2: "أعمال الرب عظيمة ودرس لكل من يسرّ بها"؛ 139: 14: "عجيبة هي أعمالك، وأنا أعرف هذا كل المعرفة" (رج خر 15: 11).
"أيها الرب الإله القدير". رج عا 4: 13: "فالذي يصوّر الجبال ويخلق الريح... اسمه الرب الإله القدير"؛ رؤ 1: 8: "وهو الإله القدير". 
"طرقك عدل وحق". رج تث 32: 4: "صوّر الكائنات وعمله كامل، وكل طرقه عدل"؛ مز 145: 17: "الرب عادل في كل طرقه، ورحيم في جميع أعماله".
"يا ملك الأمم، من لا يهاب (يخاف) اسمك" (آ 4). رج إر 10: 6- 7: "من لا يهابك يا ملك الأمم، فمهابتك تليق بك... وفي الممالك كلها لا نظير لك"؛ مز 86: 9: "جميع الأمم الذين صنعتهم، يجيئون ويسجدون أمامك، ويمجّدون اسمك يا ربّ".
"فأنت وحدك قدوس". رج مز 145: 1: "أعظّمك يا إلهي الملك، وأبارك اسمك إلى الأبد".
"جميع الأمم ستأتي". رج ملا 1: 11: "فمن مشرق الشمس إلى مغربها اسمي عظيم في الأمم"؛ رج مز 86: 9- 10.
هذا "المزمور" هو نشيد إعجاب أمام الله. وهو يتوزّع كالموسيقى حول عبارة هي الذروة فيه: "من لا يخافك؟ من لا يمجّد اسمك"؟ فالمخافة والتمجيد بحيلاننا إلى النداء الذي سمعناه في 14: 7: "خافوا الله ومجّدوه". إنه ملّخص الموقف الحقيقي أمام الله. فالغالبون يؤكّدون أن كل ما يحدث في العالم يدفعهم إلى الإقرار بحضور الله الناشط والتجنّد له. كل ما صنعه الله يدفعنا إلى عرفان الجميل والتوبة. كل ما يفعله الله ليس علامة موت، بل علامة حياة.
ماذا نلاحظ في هذه الترنيمة؟ إن تدخّلات الله تدلّ على وجهه الحقيقي. تدخّلاته هي عظيمة وعجيبة مثل آية 15: 1 (رأيت في السماء آية عظيمة، عجيبة). وهي تدلّ عليه في بهائه. إنه سيّد الكون. تدخّلاته هي عدل وحقّ لأنها ثابتة ومتينة وتتكيّف مع الأوضاع. فهي تدلّ عليه بأنه وحده يعرف أن يقود البشر، بأنه ملك الأمم. وهذه التدخلات تصبح بواعث تدعونا إلى المخافة والتمجيد. فأنت وحدك قدوس. لا ترضى عن الشّر والخطيئة.
وبمختصر الكلام، لا ينشد الغالبون نصرهم الخاص. فالغلبة هي غلبة الله والحمل، ويُدهش المؤمنون حين يشاركون فيها. ويعلنون يقيناً يقول إن كل ما صنعه الله يكشف عن إرادته بأن يخلّص، وندائه بأن نؤمن به. ويدعو المؤمنون كل الأمم لكي ينضمّوا إلى هذا اليقين فيعرفوا أن يقرأوا في التاريخ أعمال الله العادلة كما تتجلّى في العالم. لسنا هنا أمام صلاة متشيّعة وطالبة الإنتقام. ويبرز على هذه الخلفية بشاعةُ التجديف المثلّث ورفضُ البشر بأن يفهموا ويتوبوا (16: 9- 11، 21). هذه هي الدراما التي يشير إليها الإنجيل مراراً (مر 13: 11- 15؛ لو 13: 34- 35؛ 19: 41- 44؛ يو 9: 38- 41؛ 12: 37- 43). يرى "الناس" في الصليب إنتقام الله وجهالة يتحمّلونها. وكان الصليب هو في الواقع طريق حياة وحكمة إلهية (1 كور 1: 18).
إن هذه الترنيمة التي تحتفل بالله المتجلّي بأحكامه في التاريخ، تشكّل مقدّمة هامة للكؤوس السبع.

3- كؤوس الذهب السبع (15: 5- 8)
"وبعد ذلك رأيت" (آ 5). بعد الانقطاع عما نجد من شرح في آ 2- 4، نستعيد رؤية "هيكل خيمة الشهادة". عبارة لم نعتد عليها. فالهيكل قد حلّ محل الخيمة التي كانت ترافق العبرانيين في الصحراء: تُنصب مع سائر الخيم، فيتوقّف الشعب عن الترّحال. وتُرفع ساعة يرشح ساب الرب (علامة حضوره) فترفع مع سائر الخيم. ثم إن الهيكل السماوي هو النموذج الأول لخيمة الشهادة ولهيكل أورشليم معاً.
"فُتح الهيكل". عبر المعترضة في ف 12- 14، نستعيد ما قلنا في 11: 19 (وانفتح هيكل الله في السماء). ولكن في 11: 19، كشف فتح الهيكل عن العهد مع الله والاتحاد به. أما هنا، فالفتح يتوخّى إطلاق تطواف الملائكة السبعة والدلالة على أن النكبات التي تضرب الأرض تأتي من الله نفسه. هذا السيناريو وجدناه في 14: 15، 17 (خرج ملاك من الهيكل).
"خرج الملائكة السبعة" (آ 6). يستلهم المشهد حز 9- 10 (عقاب المدينة والهيكل) (إن رؤ 8: 5 عاد إلى حز 10: 2: أمسك المبخرة وملأها من نار المذبح)، ولا سيما حز 9: 2 (يلبس كتاناً) حيث نرى الملائكة الذين سيعاقبون أورشليم خارجين من رواق الهيكل.
إن لباس هؤلاء الملائكة يدلّ على طابعهم السماوي: كتان نقي برّاق (رج 19: 14 وأجواق الملائكة و19: 8 والمسيحيين "السماويين"؛ رج 3: 5؛ 6: 11): هو ثياب الكهنة. ويدلّ على كرامتهم السامية: حول صدورهم أحزمة من ذهب مثل ابن الإنسان في 1: 13. إذن، هم "ملوك".
"فأعطى أحد الكائنات..." (آ 7). في حز 10: 7، سلّم أحد الكروبيم نار الدينونة. أما هنا فأحد الكائنات التي تحمل عرش الله. وهكذا يدلّ النصّ على أن تحقيق الدينونة يحرّك كل مراتب السماء حتى أعلاها.
"سبع كؤوس من ذهب". الكأس هي التي يقدّمها صاحب الوليمة للحاضرين. وهي تدلّ على المصير الذي يصيب شخصاً من الناس. مثلاً، الكأس التي سيشربها يسوع في جتسيماني هي كأس مرّة. والكلمة المستعملة هنا "فيالي" تدلّ على كأس تستخدم في الليتورجيا: إن هذه الكؤوس تمثّل صلاة القديسين (5: 8؛ 8: 3- 3). وهذه الصلاة تعجّل بمجيء الدينونة الأخيرة التي بها يمجّد الله تمجيداً كاملاً. وهناك تفصيل آخر يبرز المناخ العبادي في هذا المشهد: عبارة "غضب الله الحيّ إلى أبد الدهور". في آ 7، تبدو كالصلاة النهائية في شعائر العبادة والسجود.
ليس من حدث دنيوي محض. فكل ما يحصل إنما يحصل لكي يتجلّى مجد الله. ففي الليتورجيا وبالليتورجيا يحصل في الحقيقة ما يجب أن يكون. في الليتورجيا وبالليتورجيا تتمّ دينونة الله، ودينونته من أجل النعمة والحياة.
"وامتلأ الهيكل دخاناً بسبب مجد الله وقدرته" (آ 8). هذا المشهد يعود إلى خر 40: 34 (غطّى السحاب خيمة الاجتماع وملأ مجدُ الرب المسكن) وحز 10: 4 (إرتفع مجد الرب فوق الكروبيم نحو عتبة البيت. فامتلأ البيت من السحاب والدار من ضياء مجد الرب) وأش 6: 4 (إمتلأ البيت دخاناً). فالنور والنار والدخان تدلّ دوماً في العهد القديم على حضور الله القدير والمهيب. ففي ساعة الدينونة هذه، لا نستطيع الوصول إلى الله (ما استطاع أحد أن يدخل الهيكل). فما لم يصعد حتى الآن إلى الله بشكل تكفير وصلاة، لن. يستطيع أن يصعد فيما بعد. الآن، كل صلاة صارت باطلة، وتأخّرت ساعة التوبة (العذارى العشر في مت 25: 1 ي). جاءت الساعة التي فيها لا يستطيع الإنسان أن يعمل (يو 9: 4).
"ما استطاع أحد أن يدخل الهيكل". إن ساعة النكبات الأخيرة هي ساعة قدرة الله وعظمة حضوره. فالسحاب والدخان يدلاّن على حضور الله، وفي الوقت ذاته يخفيان هذا الحضور.
حين دُشنت خيمة الاجتماع مع موسى (خر 40: 23- 35) والهيكل مع سليمان (1 مل 8: 10- 11)، ملأ السحاب المكان فدلّ على الحضور الإلهي، وعلى رضى الله. فالسحابة تخفّف ما في قدرة الله من تدمير، كما تخفي السرّ الأخير لعمله. فوقت الدينونة، شأنه شأن اللحظة الأولى للقيامة، يبقى خفياً علينا إلى الأبد. هنا نتذكّر ثلاث ساعات الظلمة التي أحاطت بدينونة العالم التي هي موت يسوع على الصليب. إنها الساعة السرّية التي فيها يتّحد الناسوت باللاهوت بشكل نهائي. لم يستطع أحد أن يكون شاهداً لما حدث. ولكن حين لفظ يسوع النفس الأخير، وتكرّس الهيكل الجديد (جسد يسوع)، شاهد قائد المئة "ابن الله" من خلال هذا المصلوب (مر 15: 39). أما لماذا لا يستطيع أحد أن يدخل إلى الهيكل قبل نهاية الضربات؟ فلأن الكون يصبح واسعاً وسع الكون. وتظهر الخليقة الجديدة بعد أن تتمّ الدينونة ويمرّ جميع البشر في النار. حينئذٍ وحينئذٍ فقط تنزل المدينة المقدسة من السماء وتتطابق الخليقة والهيكل (تصبح الخليقة كلها هيكل الله) فيتقرّب جميع الناس من الله الحاضر وسط أخصّائه (21: 22، 37؛ 22: 3- 5).