الكؤوس السبع

 

إن نمطيّة سفر الخروج التي سبق واكتشفناها في 15: 1-8 قد تداخلت في رؤى كؤوس غضب الله. فالنكبات الأربع الأولى تضرب، شأنها شأن نكبات الأبواق الأربعة الأولى، أربع مناطق مختلفة في الكون. الأرض (8: 7؛ 16: 2). النهر (8: 8؛ 16: 3) . الأنهار (8: 10- 11؛ 16: 4- 7). الكواكب (الشمس) (8: 12؛ 16: 8- 9).
ولكن ضربَ كلٌ من الأبواق ثلث مناطق الكون. أما الآن فصارت الخليقة كلها خاضعة للدمار. كان الوضع دراماتيكياً فزاد. ثم نلاحظ تشابهات واضحة بين كؤوس الغصب وضربات مصر. في الكأس الأولى (16: 2) نجد القروح التي هي الضربة السادسة بين ضربات مصر (خر 9: 8- 12). في الكأس الثانية (16: 3-7) يتحوّل الماء إلى دم (خر 7: 14- 25) كما في الضربة الأولى. في الكأس الخامسة (16: 10- 11) تغطّي الظلمة الأرض كما في الضربة التاسعة من ضربات مصر (خر 10: 21-23). في الكأس السادسة (16: 12- 15) نرى الضفادع كما في الضربة الثانية (خر 8: 1-7). وفي الكأس السابعة (16: 17- 21) ينزل البرَد الكبير كما في الضربة السابعة (خر 9: 13- 35). في العهد القديم، إستعان الله بالطبيعة لكي يعود بفرعون إلى التوبة ويدعوه إلى الإعتراف بقدرة الله. وفي العهد الجديد، جاءت قوى الطبيعة تدلّ على دينونة الله. هل تاب الناس؟ كلا. مثلاً نقرأ في الكأس السابعة: "شتمَ الناسُ الله لنكبة البرَد" (16: 21).

1- الكؤوس الأربع الأولى (16: 1- 9)
"وسمعت صوتاً عظيماً من الهيكل" (آ 1). الصوت الذي يخرج من الهيكل هو صوت الله. نقرأ في أش 66: 6: "صوت جلبة من المدينة، صوت من الهيكل. هو صوت الربّ يعاقب أعداءه". نحن هنا أيضاً في جوّ الدينونة. والصوت يخرج باحتفال من المكان المقدّس. فالله هو الذي يأمر بالنكبات الأخيرة. إن كؤوس الله السبع ستصبّ على الكون. وفكرة الغضب الذي يصبّ، تذكّرنا بنصوص عديدة في العهد القديم. نقرأ في مز 69: 25: صبّ عليهم سخطك، وليدركهم وغر غضبك". وفي إر 10: 25: "أفرغ غضبك على الأمم الذين لم يعرفوك، وعلى العشائر الذين لم يدعوا باسمك". وفي صف 3: 8 يقول الرب: "أجمع الأمم وأحشد الممالك لأصبّ عليهم حنقي، كل اضطرام غضبي، لأن الأرض كلها ستؤكل بنار غيرتي".

أ- الكؤوس الأولى والثانية والثالثة (آ 2- 4)
إن الكأس الأولى، شأنها شأن البوق الأول (8: 7)؛ تضرب الأرض فتذكّرنا بضربة مصر السادسة (خر 9: 8 ي). الكارثة ليست قاتلة، ولكنها تضرب جميع البشر، أقلّه أولئك "الذين عليهم سمة الوحش ويسجدون لصورته". إن ما اعتبروه سمة حياة كشف عن واقعه وتحوّل إلى قروح. وهكذا جاءت الضربة في خطّ الزلة. والصورة التي عبدوها لا تستطيع أن تعينهم (آ 2).
والكأس الثانية (آ 3)، شأنها شأن البوق الثاني (8: 8)، تضرب البحر الذي يتحوّل إلى الدم. نتذكّر ضربة مصر الأولى (خر 7: 14- 21). الدم هو دم ميت، دم جثة هامدة. وهذا ما يجعله نجساً. وفعلت الضربة ولم تتوقّف عند حدّ: كلّ ما في البحر مات.
والكأس الثالثة (آ 4)، شأنها شأن البوق الثالث (8: 10- 11) تضرب المياه العذبة التي لا تتحوّل إلى أفسنتين، بل إلى دم كما في ضربة مصر الأولى (خر 7: 14- 21). قد نكون هنا في جوّ معارض لما حدث في البرية. كانت الماء مرّة، فألقى موسى ورق شجرة في الماء فصار عذباً (خر 15: 23- 25).
ب- نشيد الملاك (آ 5-7)
"ملاك الماء" (آ 5). بعد ملائكة الرياح (7: 1) وملاك النار (14: 18)، يظهر للمرة الثالثة ملاك مسؤول عن ظاهرة طبيعية، ملاك الماء. هذا الملاك يتدخّل في الوقت المناسب، لأن الكأس الثالثة ضربت منطقة نفوذه. إذن، كان عالماً بما يفعل حين أعلن الطابع الحقيقي للدينونة: هي دينونة الله العادلة. ترنيمته توازي ترنيمة الغالبين الواقفين على بحر البلّور. فبعد المؤمنين تأتي الخليقة نفسها فتقرّ أن تصرّف الله عادلة رغم الظواهر. الله هو "الكائن والذي كان" لا "ذاك الذي يأتي" كما في 1: 4-8؛ 4: 8، لأن الديّان هو الآن حاضر. وعمله يكشفه على أنه القدوس، ذاك الذي لا يستطيع تحمّل الشرّ (15: 4).
"سكبوا دم القديسين" (آ 6). إن تحوّل الماء إلى الدم ليس ضربة عادية. انه القصاص العادل للذين سفكوا دم القديسين والأنبياء (11: 18؛ مز 79: 3). إن النداء الذي أطلقه الشهداء المخفيّون تحت المذبح (6: 10) قد سُمع، فضرب الله المضطهِدين. وأنشد الملاك: نالوا ما يستحقون. لسنا هنا على مستوى الإنجيل وما فيه من مغفرة. بل أمام نظرة تنطلق من الواقع وما فيه من كارثة، فترى فيه عقاب الله.
"وسمعت صوتاً من المذبح" (آ 7). وبدأ المذبح يتكلّم. هو المذبح الذي حمل إلى الله كل صلاة القديسين (8: 3- 5؛ رج 9: 13؛ 14: 18). يمثّل صوتُه صوت القديسين والشهداء فيقابل صوت الملاك وما فيه من طلب انتقام. وهو يستعيد كلمات نشيد موسى ونشيد الحمل: 15: 3-4: "عظيمة عجيبة أعمالك...". نلاحظ أن المعنيّين الأولين، أي المسيحيين المعرّضين للإضطهاد والموت، لم يتوجّهوا إلى الله إلاّ لكي يمجّدوه: وهم يرون أن ثمرة الدينونة العظمى ليست في ما تحمل من انتقام، بل في ما به تتيح للأمم بأن يفتحوا عيونهم ويسجدوا لملك الملوك. 
إذن، الكلمة الأخيرة ليست كلمة الملاك الذي يبتهج بالإنتقام، بل كلمة المسيحيين الذين ينشدون لله فرحتهم لأنهم شالوا الخلاص (19: 2). 
خرج الوحش الأولى من البحر (13: 1). كان البحر ينبوع الشّر فصار مقبرة لجميع الأحياء بحيث لن يخرج وحش آخر يحمل الضرر. مع "وحش البحر" ماتت كل وحوش البحر، وذلك في الكأس الثانية. هنا تحوّل المدلولُ المرتبط بالدم. في العهد القديم كان دم الذبائح عربون التكفير والخلاص. وكذا نقول عن دم المسيح في العهد الجديد. أما هنا، فصار الدم علامة منظورة عن الهلاك. فمن رفض الخلاص والتقديس بدم المخلّص، سيجرّه دم آخر إلى هلاكه.
وما هو أساس الحياة، أي المياه الجارية، تحوّلَ إلى دم ينزّ من الموتى: حينئذ يصيب العقاب الناس والحيوان في وجودهم. فالإنسان الذي يرفض أن يشرب الدم الذي يعطي الحياة الأبدية (يو 6: 54) يحُكم عليه بالعطش ويُفرض عليه أن يشرب "دم الموت" في نهاية الأزمنة. تلك كانت الكأس الثالثة.
ج- الكأس الرابعة (آ 8- 9)
الكأس الرابعة تشبه البوق الرابع (8: 12)، وهي تعني الشمس. أما هنا فالضربة ليست تعتيماً ونشر ظلام، بل حرّاً شديداً يتنامى. في العهد القديم، رمزُ الشمس هو رمز إيجابي، أما إشعاعاته فمخيفة. والمرتّل يرى بركات الله في حماية من نيران الشمس. قال في مز 21: 6: "فلا تؤذيك شمس النهار، ولا يؤذيك القمر في الليل". ونقرأ في أش 4: 6: "يرسل الرب خيمة تظلّل أورشليم في النهار من الحرّ". وفي 49: 10: "لا يجوعون ولا يعطشون، ولا يضربهم حرّ الشمس" (رج ؤ 7: 16).
نجد أن ذات القوى التي تحمي المتّحد بالله، تدمّر ذاك الذي انقطع عنه. فالمريض يجد سماً في طعام الأصحاء. ودفعت الضربة الناس إلى التجديف لا إلى التوبة. عرفوا أن مصدر هذه النكبات هو الله، ولكنهم لم يدركوا نواياه ولا قصده. ولم يفهموا أن الله عادلة ورحيم معاً. يحمل الخلاص ويجازي كل واحد حسب أعماله. نحن هنا أمام قساوة القلب التي نلاحظها بعد كل ضربة من ضربات مصر.
خُلقت الشمس لكي "تنير الأرض" (تك 1: 5). كانت حسنة، كما يقول نشيد الخلق. ولكنها ستصير منفّذة أحكام الله (تك 1: 18). كان الناس قد حرموا من الماء، وها هي حرارة الشمس تحرقهم، أما حين نكون مع أناس أبرار، فالنار تتحوّل إلى برودة. هذا ما حدث لرفاق دانيال في أتون النار (دا 3: 66، 88).
في نهاية الأزمنة، تسبّب النار التي ترمز في العهد القديم إلى حضور الله (خر 3: 1- 16 والعليقة المحترقة) موت الجميع. فالخاطىء القاسي القلب الذي يقترب من الله، يدمّر باتصاله بالعدالة الإلهية. من يبتعد عن الله يدمّر أساس حياته. من يرذل الله، يرذله الله.

2- الكأسان الخامسة والسادسة
أ- الكأس الخامسة (آ 10- 11)
قد أصاب غضب الله عرش الوحش، أي عاصمة وحش البحر (رومة والسلطة السياسية) (13: 2). أصيب الناس بالعمى. وانخسفت مملكة الشرّ كما تنخسف الشمس. ويصوّر الكاتب بشكل مؤثّر مرارة عبّاد الوحش وسخطهم ويأسهم: فبعد آلامهم المتكاثرة والقروح الخبيثة التي أصابتهم، عليهم الآن أن يقرّوا بعجزهم: "كانوا يعضّون على ألسنتهم من الألم".
تذكرنا الكأس الخامسة بالبوق الخامس (9: 1- 12) رغم الإختلاف الظاهر. ففي الحالتين نحن أمام الظلمة والتعتيم، أمام ظلمة مملكة شيطانية مملوءة من عذابات البشر. غير أن النصّ يعود بشكل مباشر إلى ضربة مصر التاسعة (خر 10: 21- 23). في الكؤوس الأولى، قدّمت الخليقة للبشر مرآة خطاياهم. ولكن عنادهم ورفضهم فتحا الباب للقوى الشيطانية التي خرجت من "مخابئها" في الكؤوس الثلاث الأخيرة.
لقد ضُرب "عرش الوحش". ضُربت سلطة الإمبراطورية ومن خلالها سلطة التنين. فالمملكة التي افتخرت أنها تنير العالم (إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس)، تعيش في ظلام مفاجىء. وهكذا يذكّرنا الوضعُ بالجراح التي أصابت الوحش إصابات قاتلة (13: 3، 12، 14).
"عضّ الناس على ألسنتهم". نندهش من هذا الألم الذي يصيب البشر: فالظلمة في حدّ ذاتها ليست ظاهرة مؤلمة. ولكننا أمام أكثر من ظلمة طبيعية بسيطة. فتصوير الظلمة المصرية في حك 17 يفهمنا أن هذه الظلمة هي مرعبة لأنها تخرج من مملكة الموت (حك 17: 14: خرج عليهم من أعماق الجحيم المحتوم). إنها التعبير الكامل عن العقاب الذي يجُمل في ذاته سائر الضربات. وهذا ما نكتشف في النصّ الذي ندرس: فالظلمة ترافق وتجمع الضربات السابقة. لهذا ذُكرت القروح التي سببتها الكأس الأولى والأوجاع القوية التي سبّبتها الكؤوس التالية، فجعلت الناس يعضّون على ألسنتهم من الألم. قال حك 17: 20: "كانوا على نفوسهم حملاً أثقل من الظلمة". 
ومع ذلك، ظلّوا يجدّفون. عميت قلوبهم على مثال هذه الظلمة، وقست نواياهم، وما أرادوا أن يتوبوا في هذه الساعة اليائسة: أرادوا أن يدينوا إله السماء، ففعلوا غير ما فعل الناس في 11: 13 (مجّدوا إله السماء). إتهموا الله ولم يقرّوا بضلالهم.

ب- الكأس السادسة (آ 12)
"وسكب الملاك السادس" (آ 12). الفرات هو "النهر الكبير". وكان يشكّل سوراً طبيعياً يحمي الإمبراطورية الرومانية من الأعداء. والتلميح إلى الفراتيين (أو: البرتيين) (ملوك المشرق) الذين كانوا الخطر الأكبر على رومة في القسم الثاني من القرن الأول، يعني أنه حين يجفّ الفرات، لن يعود حاجز يمنع الفراتيين من الوصول إلى الإمبراطورية الرومانية وتدميرها. إنها عدوّة كنيسة الله وهي تستحق الدمار بسبب خطاياها.
غير أن هذا التلميح إلى حدث معاصر نفهمه في معنى رمزي: كما أنه لم يعد للمملكة الرومانية حدود طبيعية تحميها، هكذا لا يستطيع شيء أن يحمي مملكة الشيطان. فالقلاع التي أخّرت حتى الآن الحكم الإلهي قد زالت. ولم يبقَ لمملكة المناوىء (أنتيكرست) أمل بالوقوف أمام الهجمات المتعاقبة: لقد سلّمت إلى الكارثة.
إن الكأس السادسة قريبة من البوق السادس (9: 13 ي). وموضوع كليهما هو الفرات. يختلف المشهدان، ولكن في كلتا الحالتين، يقام الحاجز الذي يمنع اجتياح جيش كوني وشيطاني "للبلاد". نحن في المشهدين أمام حدث يفوق الطبيعة، وإن انطلق الكاتب من اجتياح الجيش الشرقي للإمبراطورية. جفّ الفرات كما جفّ الأردن في الماضي والبحر الأحمر، فانفتحت الطريق أمام "الجيوش". ولكن المعجزة لم تتمّ هذه المرّة لخلاص شعب إسرائيل، بل من أجل أعدائه.
ج- المثلّث الشيطاني (آ 13- 14)
إن الكأس السادسة (كأس الغضب) التي ترتبط بالخامسة (16: 10)، ترسم أمامنا المحاولة الأخيرة واليائسة التي يقوم بها المثلّث الشيطاني: يجترح المعجزات، ويسعى إلى أن يؤلّب ملوك كل الأرض لكي يقاتلوا الله. 
ويسمّى موضع القتال الكبير الاسكاتولوجي: هر مجدّون (16: 16). قدّمت تفاسير عديدة لكي تفسرّ هذا الإسم الذي يرد مرة واحدة في الكتاب المقدّس كله. هر أي جبل. هي جبال مجدو التي أنشدتها دبورة في قض 5: 19: "جاء الملوك وقاتلوا، ملوك كنعان حاربوا في تعنك عند مياه مجدو، وغنيمة فضّة لم يغنموا". في مجدو مات احزيا الملك بعد أن رماه رجال ياهو في المركبة، عند منحدر غور (2 مل 9: 27). وفي مجدو مات يوشيا الملك الشاب، حين أراد أن يعترض جيوش فرعون الزاحفة لمساعدة الأشوريين (2 مل 23: 29؛ 2 أخ 35: 22). وقد يعني هر مجدون: جبل الموعد أو جبل الإجتماع والجماعة (أش 14: 13).
مجدو هي قلعة هامة في الشمال، على منحدر جبل الكرمل، وهي تشرف على سهل يزرعيل التي كانت مسرح حروب هامة في العالم القديم. ولكن إن تحدّث العهد القديم عن مجدو فهو يجهل كلياً عبارة "جبل مجدو". 
نحن هنا أمام إشارة جغرافية، ولكننا نفهمها في المعنى الرمزي على أنها: "موضع تجمّع كل جيوش الحلف الشيطاني" (هناك اجتمعت جيوش مصر الوثنية). موضع تجمّع القوى المعادية لله. وهي تقابل صهيون، جبل الله (عب 12: 22 ي: دنوتم إلى صهيون، إلى جبل الله الحي، إلى أورشليم السماوية...). في هذا الوضع يكون أفضل تفسير هو ذاك الذي يجعل من هر مجدون رمزاً إلى الموضع المصيري الذي فيه يجتمع الوحش وملوك الأرض والجيوش (19: 19) ليُبادوا خلال الدينونة الشاملة (19: 21).
أجل، دخل المثلّث الشيطاني على المسرح: التنين الذي هو الشيطان (12: 3، 9). الوحش (13: 1). النبي الكذّاب الذي يقابل الوحش الثاني (13: 14؛ رج 19: 20: النبي الكذاب الذي عمل العجائب مثل الوحش الثاني).
نستغرب وجود أركان الحرب الشيطانية بمناسبة ضربة تبدو جزئية. ولكننا في الواقع أمام الكأس الأخيرة التي تدلّ على نهاية من النهايات (16: 17). بعد هذا، يعاقب الله بابل والمثلّث المذكور هنا. إذن، وصل التوتّر إلى الذروة، وهذا ما يدلّ عليه حضور الشيطان ومعاونيه.
قد ينتج عن هذا بعض التردّد في الإعلان: من جهة ملوك الشرق الذين أرسلهم الله ضدّ إمبراطورية الشيطان. ومن جهة ثانية الشيطان يجمع ملوك الأرض ضدّ المؤمنين بالله. ما الذي يبرّر عدم التماسك هذا؟ هناك تبريران لا يتعارضان، بل يقفان في موقفين مختلفين. الأول أدبي: يريد الكاتب أن يستبق سباعية الكؤوس فيربط الأحداث التي سيفصّلها فيما بعد، بدءاً بالصراع الأخير ضدّ الملوك (17: 14؛ 19: 19؛ 20: 8- 9). وهكذا تتضمّن الكؤوس التحقيق الكامل لغضب الله. والتبرير الثاني هو لاهوتي: إن غضب الله لا يتألف في ذاته من عقوبات يخلقها الله من العدم ويطلقها كحاجز في طريق البشر. إن غضب الله يقوم بأن يسمح بأن ينتشر منطق الدمار المستمر الذي يرتبط بموقف عبادة الأوثان (القروح ودم الكؤوس): حين يفيض الله غضبه، فهذا يعني انه لم يعد يصبر، انه خرج من تحفّظه وانتظاره وطول أناته، انه دلّ على استنكاره لسلوك البشر، انه فتح الصراع الذي يجعله تجاه الشيطان. لهذا يجب أن نربط بغضب الله التجمّع الأخير للقوى المعادية وهي: الشيطان، معاونوه، كل ملوك الأرض. لقد ظهرت العداوة ضدّ الله بشكل واضح جداً وبدأت التعبئة العامة.
خرج من فم الأشخاص الثلاثة (التنين، الوحش، النبي الكذاب) ضفادع. إن صورة الضفادع تذكّرنا بضربة من ضربات مصر (خر 8: 1 ي). كما أن جراد سفر الخروج كان نموذجاً لحشرات "فائقة الطبيعة" (رؤ 9: 1- 12)، كذلك رمزت الضفادع إلى الأرواح والشياطين، إلى عالم إبليس. هذا ما نقرأ في لو 4: 33 (رجل به روح شيطان نجس). أما لا 11: 10- 11(هو رجس) فيجعل الضفادع بين الحيوانات النجسة.
إن هذه الضفادع "تصنع المعجزات" مثل سحرة مصر في أيام موسى (خر 7: 11، 22) والنبي الكذاب في رؤ 13: 13- 15. وهي تخطب في "ملوك الأرض كلها لتجمعهم للحرب في اليوم العظيم، يوم الله القدير".
إن الفصل الأخير في هذه الدينونة التي تتحقّق الآن، سيكون القتال العظيم النهائي مع اندحار القوى المتحالفة للهجوم الأخير. هذا هو اليوم العظيم، يوم يهوه صباؤوت (رب الجنود)، يوم الإله الضابط الكل (8:1؛ 8:4؛ 11: 17؛ 15: 3؛ 16: 7؛ 19: 6، 15؛ 21: 22). هو يوم انتصار على كل عداوة موجّهة ضدّ الله، ضدّ مقاصده، ضدّ شعبه.
د- ها أنا آت (آ 15-16)
إن آ 15 تقطع التوسّع. ولكنها من تأليف الكاتب الذي أراد أدى يرتاح القارىء من هذه الصور. كما أراد أن يدعوه إلى التأمّل كما فعل في 13: 9 (من له أذنان) و 13: 18 (لا بدّ من الحكمة). أما الأفكار والصور فنجدها في أمكنة أخرى من رؤ. نقرأ في 3: 3: "إن كنت لا تسهر جئتك كاللصّ". وفي 18:3: "إشترِ ثياباً بيضاء تلبسها لتستر عريك المعيب". أجل، لقد أقحمت آ 15 كما أقحمت نصوص عن الكنيسة في 7: 10- 11، 14 بين العنصر السادس والعنصر السابع من السباعية، وكما أقحمت عبارات توجّهت إلى القارىء مثل 12:14-13.
إن انتظار المجيء الثاني كان حياً في الجماعات المسيحية في منتصف القرن الأول. ولكنه ضعف بعض الشيء مع الزمن. لهذا جاءت النصوص تذكّر المؤمنين أن النهاية ستأتي، ربما في زمن متأخر، ولكنها تأتي بشكل فجائي (مر 13: 16) دون أن ننتظرها. ستأتي كلصّ. فكل من لم يستعدّ لتقبّل الرب، يتعرّض بأن يجد نفسه "عرياناً" أي مهزوماً مثل آدم، فلا يحقّ له أن يرافق الغالبين المرتدين اللباس الأبيض.
نحن أمام مفتاح يتيح لنا أن نقرأ ف 16 بعينين جديدتين. الهدف واضح: يريد الكاتب أن يمنع القارىء من أن يحصر نفسه داخل عالم الخيال الجلياني، وأن يذكّره أن كل هذا يعني حياته اليومية. إمتزج المسيحيون مع الناس في الساعات المظلمة، ساعات يوم الله العظيم، فطلب منهم أن يكتشفوا معناه. عليهم أن يبتهجوا لأن هذا اليوم هو يوم المسيح، اليوم الذي يأتي فيه يسوع إلينا كاللصّ. ويشجّع يسوع كل منا على السهر لكي يكون مستعداً. السهر يعني أن نحفظ نفوسنا من كل ثقة مغالية بنفوسنا، وأن نثابر على عمل الخير على ما قال 1 بط 4: 19: "ليستودعوا نفوسهم الخالق الأمين، وهم يصنعون الخير". السهر يعني أن نحفظ ثيابنا. إن كلمة حفظ ترتبط بالوصايا (14: 12: من أحبّني حفظ وصاياي، يو 4: 23). ويعني اللباسُ الأعمالَ الصالحة (19: 8) التي تتبعنا في يوم الدين (14: 13)، وإلاّ نكون عراة.
والكوارث الهائلة التي توسّع فيها ف 15-16 جاءت في إطار من التعليمات المعطاة للمسيحي حول السلوك الذي يجب أن يسلكه. عليه أولاً أن يمجّد الله من أجل تدخلاته. هذا هو نشيد 15: 3- 4 الذي يعود في 16: 7. وهذا ما تقوم به الكنيسة في ليتورجيتها. وعليه ثانياً أن يسهر. نحن أمام التطويبة الثالثة في رؤ الذي يتضمن سبع تطويبات (1: 3؛ 14: 13؛ 16: 15، 19: 9؛ 20: 6؛ 22: 7، 14). يتلفّظ بها المسيح أو ملاك أو صوت سماوي. وهذا يعني أننا لا نفهمها إلا في الإيمان.
السهر والتمجيد هما الموقف الذي ينصح به الملاك في 14: 7: "خافوا الله ومجّدوه، لأن ساعة الدينونة جاءت" (رج 15: 4).

3- الكأس السابعة (16: 17- 21)
سُكبت الكأس الثالثة في الجوّ. الجوّ هو موطن الأرواح الشريرة، والموضع الذي منه تنطلق لتقاتل البشر (أف 2: 2). إن تدخّل الله الأخير يتوجّه ضدّ القوى الشيطانية، وهذا ما سوف نعرفه فيما بعد.
إن مضمون الكأس السابعة لا ينحصر في آ 18- 21، شأنه شأن مضمون الختم السابع أو البوق السابع، بل يضمّ كل ما تبقّى من الكتاب. إن آ 18- 21 تشكل مقدّمة للتوسّع اللاحق الذي ليس بسباعي بل هو التكملة الأخيرة للدينونة: فصل تام بين المدينتين: بابل العظيمة التي ستدمّر (ف 17-18) وأورشليم السماوية التي ستتجلّى (ف 21- 22) بعد زوال كل قوى الشرّ. ونقدّم اللوحة التالية:
الختم السابع البوق السابع الكأس السابعة
الانطلاق 8: 1 11: 15 أ 16: 17 أ
حدث ليتورجي في الماء 8: 2- 4 11: 15 ب-18
15: 2-4
فتح الهيكل 8: 5 أ 11: 19 أ 16: 17 ب
علامات تيوفانية 8: 5 ب 19:11 ب 18:16-21
15: 7 (دخان)
نستنتج من هذه اللوحة الملاحظات التالية:
* أولاً: تتكرّر عناصر البوق السابع. وهذا يعود إلى وجود نواة مركزية في رؤ هي ف 12-14. فبعد ف 12-14، يجب أن نستعيد في 15: 1-8 المسيرة التي انقطعت في 11: 15-19 (أي بعد 11: 19 نصل إلى 15: 1-8). نجد هنا معنى الدخان (15: 7): إنه عنصر تيوفاني على مثال الأصوات والرعود والبروق.
* ثانياً: لا نجد في الكأس السابعة حدثاً ليتورجياً. فصلاة القديسين تعجّل في مسيرة الأحداث. في هذا الوضع إنتهى كل شيء، ووصل انتظار القديسين إلى محطته الأخيرة. قالي الصوت: "لقد قُضي الأمر".
* ثالثاً: تشكّل الكأس الثالثة الذروة في هذه المسيرة المتدرّجة. في 11: 19، فُتح الهيكل وظهر تابوت العهد. في 15: 6-7، فُتح الهيكل وخرج الملائكة السبعة بضرباتهم السبع. في 16: 17، جاء صوت قوي من العرش فعرفنا أننا صرنا في النهاية. "قضي الأمر".
إن عبارة "قُضي الأمر" تختتم السباعيات. وتختتم الكؤوس السبع في تضمين مع 15: 6: نحن أمام تتمة نكبات الملائكة السبعة، إنتهى وقت كان يمنع فيه الدخول إلى الهيكل. فقد صار مفتوحاً للجميع. كما تبدأ هذه العبارة ما يلي مباشرة، أي دمار بابل (يصوّر الملاك بالتفصيل هذا الدمار في ف 17-18).
وترد هذه العبارة (قضي الأمر) مرة ثانية في 21: 6، فتختتم ظهور أورشليم السماوية (نزورها مع ملاك آخر من ملائكة الكؤوس، 21: 9- 22: 5). فغضب الله ليس الكلمة الأخيرة المشرفة على التاريخ. الكلمة الأخيرة هي أورشليم السماوية.
والعناصر التيوفانية من بروق وأصوات ورعود وزلزال وبرَد تصل إلى ذروة لا يمكن تجاوزها. والزلزال هو من العنف بحيث "لم تشاهد الأرض مثله منذ وُجد الإنسان على الأرض" (لا ننسى أن الزلزال يدلّ على حضور الله). نجد هنا عبارة تعود ثلاث مرات في نهاية ضربات مصر. بالنسبة إلى الضربة السابعة في خر 9: 18، 24 (لم يكن مثله في مصر منذ أُسّست). بالنسبة إلى الضربة التاسعة في خر 10: 14 (لم يكن قبله ولن يكون بعده). وبالنسبة إلى الضربة العاشرة في خر 11: 6 (لم يكن مثله ولن يكون مثله). ونجد العبارة عينها في دا 12: 1 (لم يكن منذ كانت أمّة) ومر 13: 19 (لم يكن مثله منذ بدء الخليقة).
والبرَد يبدو بشكل غير طبيعي: بحجم بدرة (40 كلغ تقريباً)، هذا هو وزن الكرة التي أطلقها الرومان بالمنجنيق في حصار أورشليم سنة 70 ب. م. وأعلن حك 5: 22 الدينونة الأخيرة بهذه الكلمات: "وسخطه يرجمهم ببرد ضخم". إذن، هذه العلامات التيوفانية ترمز إلى غضب الله وتدلّ على الحضور الإلهي الذي ما زال ممكناً في هذا العالم بما فيه من شرور.
* رابعاً: تقول لنا آ 19 ب سبب حضور الله هذا: "ذُكرت بابل العظيمة أمام الله". يبدو الله بعض المرات وكأنه يترك الأمور تجري مجراها. ولكن أمانته تتذكّر، فتبدأ محاكمة العالم. ويتجلّى حضور الله ليكشف الهوّة التي بينه وبين تقلّب المدينة الشريرة.
المدينة العظيمة هي بابل العظيمة. هي رومة وما ترمز إليه الإمبراطورية. هي تحفة التنين والوحشين. هي التي تتلقّى الإصابة الأولى. صارت عرضة لغضب الله بعد أن انقطعت عن الله. هي تواجه شجبه وتشرب كأس غضبه.
"تحطّمت المدينة فصارت ثلاثة أقسام، وانهارت مدن الأمم". وبعد هذا، أصاب الكون ما أصابه. فغضبُ الله أثر على ما بدا ثابتاً ومتيناً في هذا العالم: الجبال (إر 4: 24؛ حز 38: 20؛ حب 3: 6؛ رؤ 6: 14)، الجزر التي هي بشكل جبال في البحر (حز 26: 15-18). أجل، سيزول العالم الحاضر كله (21: 1) فيها الله قريباً من الناس بشكل مباشر في عالم جديد (21: 3).
ولكن أمام الله نفسه يقف الناس الذين يواجهون العدم، فيجدّفون على الله بنكبة البرَد هذه. إنهم يستعيدون موقف فرعون ويتحمّلون الكارثة دون أن يكتشفوا معناها ولا موقعها في تاريخ الخلاص. هذا هو سرّ العمى والكفر والكبرياء.

خاتمة
إن الرؤى السبع لكؤوس الغضب تبيّن أن المحن الكبرى التي أرسلها الله تقدّم للخطأة إمكانية التوبة الأخيرة. فالله لا يريد موت الخاطىء، بل أن يعود عن ضلاله ويحيا. فالله يقوم بكل المحاولات ويستنفد كل الإمكانات ليسهّل طريق العودة للخاطىء، ولكن رفض الإنسان يجعل قدرة الله عاجزة بعد أن قيّدها الله وكبّلها. إن الله يحترم الحرية التي وهبها للإنسان، حتى وإن استعمل الإنسان هذه الحرية ليحارب الله.
ويكمن سرّ الشرّ في عناد الخاطىء المتمادي وبغضه لله. قيل مرّتين عن البشر أنهم "رفضوا أن يتوبوا" (16: 9، 11). وقيل مرّتين أيضاً أنهم "جدّفوا على اسم الله" (16: 9، 21). ما يسبّب العمى للخاطىء هو أنه يرى في المحن التي تصيبه، لا دعوة إلى التوبة والإرتداد، بل آلاماً مشينة يسومه إياها إله لا محبّة عنده. لو عرف الإنسان خطيئته وأقبل إلى التوبة! حينئذ تتبدّل الأمور على ما في 11: 10: إنه سيخاف ويمجّد إله السماء