الزانية العظيمة

 

ها قد وصلنا في قراءتنا لسفر الرؤيا إلى مرحلة التتمة والنهاية، المرحلة التي فيها يظهر جلياً أن لا توافق بين الله وعبادة الأوثان، المرحلة التي فيها ستعيد الدينونةُ الشرّ إلى الهاوية، والأرض إلى الله.

1- بنية هذه الفصول
نبدأ مع 16: 17 ونصل إلى 22: 5. كل هذا تشرف عليه الكأس السابعة، ويتألّف من ثلاث لوحات.
أولاً: اللوحة الوسطى (19: 11- 20: 15). نرى فيها المسيح وأخصّاءه بعد أدى انتصروا على الشيطان وأعوانه. نرى في نور اليقين المجيد ما أوردته ف 12- 14 في النور النبويّ، في نور الإيمان. في البداية قُهر وحشا ف 13 ثم التنين في مرحلتين، كما في ف 12: طُرح على الأرض من علياء قوته، ثم قام لفترة من الزمن. ثم أزيل بشكل نهائي. من هنا يبدو سيناريو الدينونة الأخيرة على الشكل التالي:
- 19: 11- 21: مجيء المسيح الملك وجيوشه: نهاية الوحشين.
- 20: 1- 6: ملك المسيح على الأرض مدّة ألف سنة (من مجيئه الأول إلى مجيئه الثاني): قيّد التنين خلال زمن محدّد: القيامة الأولى.
- 20: 7- 15: أطلق التنين من أجل القتال الأخير، ثم طُرح في الهاوية: نهاية العالم ودينونة الموتى الأخيرة.
ثانياً: اللوحتان الأولى (16: 17- 18: 24) والثالثة (21: 1- 22: 5). هما تتعارضان بشكل موازٍ كنتيجتين متضاربتين في الدينونة التي صوّرتها اللوحة الوسطى. فتجاه دمار الزانية، أي المدينة التي حملها الوحش، نجد عروس الحمل التي تقيم لدى الله.
والموازاة بين هاتين اللوحتين واضحة جداً.
* الكأس السابعة (16: 17) تنهي كل شيء وتحمل
الدمار لعابدي الاصنام والخلاص للقدين
16: 17- 21 21: 1- 8
أ- تفي الأمر (آ 17) أأ- قضي الأمر (آ 6)
ب- سقوط بابل، مدينة الوحش ب ب- مجيء أورشليم الجديدة من
(آ 19) عند الله (آ 2-5)
ج- نهاية العالم القديم مجيء العالم الجديد
* بعد ذلك نجد رؤية هنا ورؤية هناك يفتحهما أحد الملائكة الحاملين الكؤوس السبع
- 17: 1- 3: وحدثني أحد الملائكة -21: 9- 10: وقال لي أحد الملائكة
السبعة. وقال: "تعال فأريك الزانية السبعة: "تعال فأريك العروس، إمرأة
العظيمة". حينئذ حملني بالروح الحمل". فحملني بالروح إلى جبل
إلى الصحراء عظيم شاهق
أ- 17: 3- 18: رؤية الزانية الجالسة أأ- 21: 10- 27: رؤية أورشليم السماوية
على الوحش (آ 3-6). تفسير التي تتمّ النرءات وترسّخ في
الرؤية (آ 7- 18). كنيسة الاثني عشر رسولاً.
ب- 18: 1- 24: رؤية سقوط بابل. ب ب- رؤية أورشليم السماوية. إنها
"لن توجد من بعد" (آ 14، 21) كفردوس جديد بقيم الله فيه.

ثالثاً: وتأتي أكثر مجدلات رؤ إحتفالاً (19؛ 1- 10: هللويا! لإلهنا الخلاص والمجد)، فتختتم اللوحة الأولى (16: 17- 18: 24) وتعلن اللوحة الثالثة (21: 1- 22: 5). هذه المجدلة تشبه سابقاتها (4: 8، 11؛ 5: 9 ي). هي لا تجعل "العمل المسرحي" يتقدّم. بل هي تبرز الأوقات الهامة (مثل الجوقة في المآسي اليونانية، والخطبة في أعمال الرسل)، وتبرز مدلولها على ضوء الإيمان، وتعيد كل شيء إلى هدفه 
بالإضافة إلى ذلك، فهي تقرّب بين اللوحتين الأولى والثانية من خلال اللوحة الوسطى، فتؤمّن اللحمة داخل المجموعة التي ندرس، أي 16: 17- 22: 5.
- 19: 1- 5: مديح لله بسبب سقوط بابل (عودة إلى ف 17- 18).
- 19: 6- 8: مديح لله من أجد أعراس الحمل (إعلان عن ف 21- 22).
وقد نزيد على هذه اللوحات ثلاثة تأكيدات احتفالية: بعد سقوط بابل نسمع: "هذه هي أقوال الله الصادقة" (19: 9). بعد النصر العظيم نسمع: "هذا الكلام صدق وحق" (21: 5). وبعد تصوير أورشليم السماوية نسمع أيضاً: "هذا الكلام صدق وحق" (22: 6).
ونبدأ بقراءة اللوحة الأولى، فنميّز فيها ثلاثة فصول: رؤية الزانية العظيمة (17: 1- 18). دينونة بابل (18: 1- 24). نشيد الغلبة في السماء (19: 1- 10). ونتوقّف عند الفصل الأول والزانية العظيمة.


2- رؤية الزانية العظيمة (17: 1- 18)
أ- المدخل
هذا الفصل هو بداية قسم يحمل خبراً مصوّراً كُتب في أسلوب جلياني باطني. هو يتحدّث عن بابل، ولكنه يعني في الواقع رومة، القوة السياسية المعادية للكنيسة. إن كاتب سفر دانيال (167- 163 ق. م.، خلال المرحلة المكابية، 1 مك 2: 59- 60) إستعمل الأسلوب نفسه كي يتحدّث عن نبوكدنصر (نبوكدنصرّ الثاني، 605- 562)، ملك بابل. ولكنه في الواقع كان يشير إلى أنطيوخس الرابع أبيفانيوس (175- 162)، ملك أنطاكية، الذي جعل منه نموذج المستبدّ الكافر.
هناك من يتحدّث عن سبع رؤى. الأولى: بابل الزانية (17: 1- 18). الثانية: إعلان سقوط بابل (18: 1- 3). الثالثة: دعوة شعب الله إلى الهرب (18: 4- 8). الرؤية الرابعة: رثاء مثلّث (18: 9- 19). الخامسة: فرح في السماء (18: 20). السادسة: تنفيذ الدينونة (18: 21 - 24). السابعة: نشيد انتصار في السماء (19: 1- 5). تعود هذه النصوص مراراً إلى العهد القديم. إن 18: 2- 10 و 21- 24 يعودان إلى أش 13: 21؛ 21: 9؛ 47: 5، 8، 9 وإر 16: 18؛ 50: 15، 29، 32؛ 51: 9، 45 وخصوصاً حز 26: 12 ي؛ 27: 1- 30؛ 28: 18. وتكون التلميحات التاريخية عديدة إلى الأباطرة، إلى رومة المدينة المبنيّة على سبع تلال، في 17: 7- 18.
وهناك من يتحدّث عن سبعة أصوات. الصوت الأول: 17: 1- 8 (كلّمني)؛ الثاني: 18: 1- 3؛ الثالث: 18: 4- 24؛ الرابع: 19: 1- 4؛ الصوت الخامس: 19: 5؛ السادس: 19: 6- 8؛ السابع: 19: 9- 10. 
وإذ نعود إلى ف 17، نجد فيه ثلاثة مقاطع. الأول: دعوة الملاك (آ 1- 2): "تعال فأريك عقاب الزانية العظيمة". الثاني: رؤية الزانية العظيمة (آ 3- 6): "فرأيت امرأة تجلس على وحش قرمزي". الثالث: تفسير عناصر الرؤية (آ 7- 18): "سأكشف لك سر المرأة والوحش الذي يحملها".
قد يكتفي التفسير بما في آ 8 (الوحش) وآ 18 (المرأة). أما آ 9- 17 فتبدو "زيادة" لها مقدمتها في آ 9 أ (وهنا لا بدّ من الحكمة. دعوة إلى القارىء)، ولا تعود تتكلّم عن الوحش ولا عن الزانية، عكس ما أعلن في آ 1. هناك حديث طويل عن سبعة رؤوس (آ 9- 11) وعشرة قرون (آ 12- 14، 16- 17). وتبدو آ 15 (مع المياه) كأنها معزولة. لن نقول كما قال بعض الشرّاح إن كاتباً غير كاتب رؤ أقحم هذه الآيات في هذا الموضع. لماذا نريد أن نفرض منطقنا على نص يتحدّى المنطق ويقدّم تعليماً من خلال الصور والتشابيه.

ب- دعوة الملاك (17: 1- 2)
"وجاءني أحد الملائكة السبعة" (آ 1). إن حضور هذا الملاك (يدلّ على حضور الله) يعني أن دينونة الزانية جزء لا ينفصل عن الدينونة التي أشارت إليها الكؤوس السبع، على ما عرفنا في 16: 19 وذكر دمار المدينة العظيمة.
"الزانية العظيمة". ترد اللفظة مراراً في العهد القديم فترمز إلى أمة أو مدينة تخون الإله الحقيقي. نقرأ مثلاً في أش 1: 21: "صارت المدينة الأمينة زانية". هذا هو وضع أورشليم (حز 16: 15 ي؛ 23: 1 ي). وصور هي زانية كما نقرأ في أش 23: 16 ي: "خذي الكنّارة وطوفي في المدينة أيتها الزانية المنسيّة". أما الزانية هنا فهي بابل (آ 5) التي تدلىّ على رومة (رج 14: 8). إذ صوّر الكاتب دينونة بابل، تابع خطوة خطوة ما في إر 51 وقوله النبوي على بابل.
تحدّث إر 51: 13 عن بابل "الساكنة على المياه الغزيرة"، فدلّ على الفرات ومختلف القنوات التي تمرّ في المدينة: ليس الوضع هكذا بالنسبة إلى رومة ونهر التيبر. هنا نكتشف أسلوب كاتب رؤ: فهو يريد أن نرى في نصّه النبوءات القديمة التي تمنح سلطة لأقواله. كما يريد لنصّه أن يصوّر الوقت الحاضر لكي يكتشف القارىء أن هذه النبوءات قد تمّت اليوم. لهذا تبع إرميا فتحدّث عن بابل التي على شاطىء المياه. وفي آ 15، فسرّ هذه المياه تفسيراً رمزياً على أنها "شعوب وأجناس وأمم وألسنة". هكذا نستطيع أن نقرأ بسهولة مصير رومة في هذه الصورة. وسوف نجد أمثالاً أخرى في ف 18 الذي يتبع حز 26. رومة هي النموذج الكامل، وبابل كانت رسمة له. لهذا سمّيت: الزانية العظيمة. 
"بها زنى ملوك الأرض" (آ 2). هذه الزانية قد زارها جميع ملوك الأرض. وقد جذبتهم في تمرّدها على الله فصاروا زناة مثلها. نقرأ في إر 51: 7: "بابل كأس ذهب بيد الرب تُسكر كلّ الأرض. من خمرها شربت الأمم فتمايلت". وفي أش 23: 17 عن صور: "تزني مع جميع ممالك المسكونة على وجه الأرض". إن الامبراطورية قد استمالت إليها كل صاحب سلطة في هذا العالم، فلا يفلت أحد.
ج- رؤية الزانية (17: 3- 6)
"فحملني بالروح" (آ 3). هنا نتذكّر 1: 10 وبداية رؤ: "إختطفني الروح في يوم الرب". و 4: 2 والليتورجيا الأولى: "وفي الحال اختطفني الروح وإذا عرش في السماء".
أعطى الملاك يوحنا نظرة جديدة، هي نظرة الإيمان، تتيح له أن يرى عبر الظواهر المباشرة. وجد نفسه في الصحراء. ففي الصحراء ستظهر المدينة التي لن تكون بعد وقت قليل إلاّ صحراء وخراباً (إر 51: 26، 29، 43)، قفراً ومدينة مستوحشة. أما أورشليم الجديدة فتكون على جبل عالٍ ، قرب الله (21: 10).
وتميّزت المرأة بثلاثة أمور: جلست على الوحش. لباسها غني. هي سكرى من الدمّ.
"رأيت امرأة تجلس على وحش قرمزي". الوحش هو ذاك الذي رأيناه في ف 13 مع رؤوسه السبعة وقرونه العشرة. إنه يمثل السلطة الشيطانية المجسّدة في الامبراطورية التوتاليتارية التي ترفض كل خضوع لله. غير أن النظرة إلى الأشياء أدقّ مما في ف 13. فالمرأة تتميّز عن الوحش. وامبراطورية رومة ليست الوحش. إنها تجسده بشكل موقت. في آ 16- 17 سوف نرى الوحش يعادي رومة. لا حبّ عند الشيطان. ليس عنده إلاّ علاقات قوة وسلطان ومصالح.
الوحش يدلّ على الشرّ. والمرأة على شعب وأمة. واللون الأحمر يشير إلى الدم الذي سفكته. ثوب الوحش قرمزي وهو يدلّ على الغنى والترف اللذين يرافقان الكبرياء والخطيئة (أش 1: 18). ويقابل هذا اللون اللونُ الأبيض (رؤ 19: 14). أما "أسماء التجديف" فهي الألقاب الإلهية التي أعطاها الشعب لأباطرتهم في شعائر العبادة.
"وكانت المرأة تلبس الأرجوان" (آ 4). لباسها مثل لباس الوحش. فهي تقتدي به. ويستلهم الكاتب صورة المرأة الغاوية ليصوّر المرأة: الذهب، الحجارة الكريمة، واللآلىء. بيدها كأس من ذهب لتسقي زبائنها (رج 14: 8؛ 18: 6). في 16: 19 الله هو الذي يسقي بابل من خمر غضبه فتسكر وتسقط. هي كأس مذهّبة في الخارج فتجذب الناس. أما في الداخل فهي مليئة بالأرجاس والنجاسة (رج مت 23: 25). الأرجاس هي الأصنام وشعائر عبادتها وسلوك الذين يتعبّدون لها. والنجاسة هي كل ما يميل بالإنسان عن عبادة الإله الحقيقي.
"وعلى جبينها اسم" (آ 5). الإسم على الجبين يدلّ على حقيقة الشخص وعمق كيانه. هناك اسم الله الذي ينقش في هيكل الله (3: 12؛ رج 7: 3؛ 9: 4). هناك اسم الحمل واسم أبيه مكتوب على الجباه (14: 1؛ رج 22: 4). وتجاه ذلك نجد سمة الوحش (14: 9؛ رج 13: 16؛ 20: 4). اسم المرأة هو سرّ. هذا يعني أننا نحتاج إلى التمييز والإيمان لكي ندركه. ولكن من تحلّى بالإيمان تجاوز الظواهر التي تفتخر بها رومة (الغنى، النفوذ، السلطان) ليرى "الزانية" وراء هذا الوجه الخادع. مجدها ليس بشيء. إنها عابدة الأصنام.
"ورأيت المرأة سكرى من دم القديسين" (آ 6). ها نحن أمام سكر آخر. لا سكر غضب الله (16: 19) ولا سكر الزنى (17: 2)، بل سكر دم الشهداء (أش 34: 5- 7؛ إر 46: 10). يشير النصّ إلى الذين ماتوا في أيام نيرون (رج عب 10: 32- 40). وفي أيام دوميسيانس وغيرهما. 
د- تفسير عناصر الرؤية (17: 7- 18)
أولاً: سر المرأة والوحش (آ 7- 11)
"سأكشف لك سر المرأة" (آ 7). إذن، سيوضح الملاك للرائي معنى ما رأى: المرأة والوحش صاحب السبعة الرؤوس (يرى، يعقل) والعشرة القرون (قوة واسعة). نحن هنا أمام "سرّ" واحد هو سرّ الشرّ الذي يعارض كنيسة المسيح. وحين تأمّل الملاك مجدهما الوقح اكتشف المؤشرات السابقة لدمارهما النهائي.
"والوحش الذي رأيته" (آ 8). لا بدّ من نزع القناع أولاً عن الوحش. فهو يسبق المرأة في التراتبية الشيطانية، ويكوّن لها عرشاً وسنداً. ويشدّد النصّ على خاصية شديدة تحيط بالآية 8: صعد بعد قليل من الهاوية ومضى إلى الهلاك. كان، وما عاد كائناً، وسيظهر ثانية.
نقابل هذه العبارة مع تلك التي تورد لقب الله: كان، الكائن، يأتي (1: 4- 8؛ 4: 8). الوحش هو حقاً مناوىء لله. والمراحل الثلاث في مصيره تشير إلى الخبر الذي رواه 13: 3 (جُرح فشفي من جرحه) بكلمات مغلفة فحدّثنا عن رأس مجروح حتى الموت. ولكنه عاد إلى الحياة. نحن هنا أمام تلميح إلى موت نيرون الذي مات، ولكن الناس انتظروا سنوات عديدة عودته "العجائبية". في المقطع الذي ندرس، عاد الكاتب إلى هذه المعتقدات الشعبية، فقدّم نيرون كصورة كاملة عن الامبراطورية التي تثير إعجاب الذين لم تكتب أسماؤهم في كتاب الحياة. 
"كان". دلّ حكمه على طبعه الشيطاني. إنه الوحش. "ما عاد كائناً". لقد مات. ومع ذلك فالجماهير الموسوسة تنتظر عودته في مجد "إلهي". أجاب يوحنا: أجل سيعود ليلقى الدمار الذي يحتفظ به الله القدير للمتمرّدين. سيعود في شخص أباطرة يخلفونه. سيعود في سلطات توتاليتارية آخرتها الدمار. هذا ما قيل عن التنين في ف 12: كان، طُرح فوصل إلى الأرض. ولكنه لا يدوم طويلاً.
"وهنا لا بدّ من الحكمة والفهم." نحتاج إلى عقل تنيره الحكمة الإلهية. هنا نتذكّر 13: 18 (لا بدّ من الحكمة) لنحسب عدد اسم الوحش. نحن نحتاج إلى موهبة روحية لنفهم موضع الأشخاص والأشياء في مخطّط الله في العالم.
الرؤوس السبعة هي التلال السبع التي بُنيت عليها مدينة رومة (أي: المرأة تجلس عليها). والرؤوس السبعة هي سبعة ملوك كما في 13: 3. يعني النصّ الأباطرة الرومان. ولكن أين نبدأ العدّ لكي نصل إلى الرقم 7؟ يرى كاتب رؤ أن قلب تاريخ العالم هو الفصح، هو موت المسيح وقيامته في أيام طيباريوس قيصر. في ذلك الوقت، طُرد الشيطان من السماء وجاء على الأرض يحرّك الوحش، يحرّك عداء الامبراطورية على المسيح (ف 12- 13). إذن، نبدأ العدّ بعد طيباريوس: كاليغولا (1). ثم كلوديوس (2) ونيرون (3). ثم فسباسيانس (4) وتيطس (5). دوميسيان هو السادس وهو الامبراطور ساعة دوّن رؤ: "واحد لا يزال يملك". والذي "ما جاء بعد" هو نرفا (96- 98). والثامن الذي هو الوحش هو ترايانس (98- 117). في هذه الفرضية، يُجعل أوغسطس ونيرون اللذان ذكرهما الإنجيل (لو 2: 1؛ 3: 1) خارج اللائحة. ويبدأ المناوىء للمسيح مع كاليغولا. وهناك فرضية ثانية تبدأ مع أوغسطس وتنتهي مع دوميسيانس الذي في عهده دوّن رؤ بشكل نهائي. حينئذٍ يكون "المالك" فسباسيانس. والآخر تيطس، والوحش دوميسيانس.
"أما الوحش الذي كان وما عاد كائناً" (آ 11). قد يكون الحديث عن عودة نيرون. "سيقوم" فيكون الملك الثامن. إنه يبدأ سلسلة جديدة. إنه يجسّد الوحش أفضل تجسيد. هو امبراطور مات ولكنه عاد إلى الحياة.
"إنه من السبعة. إنه رمز إلى الامبراطورية التي تولد من الرماد كالنار. نحسبها ماتت فإذا هي تبدأ من جديد في نهاية آ 11كما في آ 8 مع الوحش الذي كان وما عاد وسيظهر. ولكن نعرف في هذه المرة كيف سيعود الوحش الذي يرمز إلى الامبراطورية بالذات: إنه الانتيكرست الحقيقي مع قيامته الكاذبة.
يبقى أن نفسّر كيف يذهب إلى الهلاك (آ 8، 11). هنا تتدخّل القرون العشرة.
ثانياً: القرون (آ 12- 17) والمرأة (آ 18)
إن تفسير القرون العشرة يتضمّن درفتين (آ 12- 14، 16- 17) تفصل بينهما المياه (آ 15) التي تدلّ على الشعوب والأمم. كانت الرؤوس السبعة سبعة ملوك. والقرون العشرة هي عشرة ملوك أيضاً. ولكن هؤلاء لا يُمزجون مع السبعة الأولين الذين يقابلون أباطرة رومة السبعة. والذين نتحدّث عنهم الآن هم بدون ملك. إنهم يستعدّون أن يتسلموا الملك ويمارسوه لوقت قصير جداً (ساعة من الوقت) برفقة الوحش الذي هو الامبراطورية الرومانية. يبدو أنهم مشتّتون في العالم كله. هم عشرة وهذا الرقم يدل على الكون كله (الحروف الأربعة الأولى). ملوك غير معروفين وغير محدّدين، يعيشون على حدود المملكة فتخور قوتهم شيئاً فشيئاً. هل هؤلاء الملوك هم خاضعون لرومة أم مزاحمون لها؟ هذا أمر ثانوي بالنسبة إلى مشاريعهم التي تتحقّق في ثلاثة أوقات، ونحن نجدها على التوالي في آ 13، 14، 16.
* الوقت الأول: معاهدة مع أقدر القديرين. يتخلّى الملك عن جزء من سلطته، مهما كانت صغيرة، ويسلّمها إلى من هو أقوى منه فيعتبر أنه يشاركه في سلطانه وينعم بقوته. إذن، في تيار أول جاء ملوك بعيدون تمارس عليهم رومة سحرها، يطلبون حمايتها. هذا ما فعله المكابيون حين أرسلوا وفداً إلى رومة سنة 161 ق. م. ليبرموا معاهدة معها (1 مك 8: 17- 1 3). وستجدّد هذه المعاهدة خطياً سنة 142 ق. م. (1 مك 14: 24؛ 15: 15- 24) دون كبير فائدة. ومرة أخرى تبدو المفارقة صحيحة: مهما كان الوحش فظيعاً بشعاً، فهو يمارس سحره على ضعفاء يظنّون أنهم صاروا أقوياء به حين يتخلّون عن حريتهم.
* الوقت الثاني: من كان للوحش كان بشكل آلي ضد إنجيل الحمل. فعلى الكنائس المعذّبة أن لا تنتظر أية مساعدة من هذا الجانب، بل اضطهاداً متزايداً. فليست مملكة أفضل من مملكة. والكنيسة لن تحصل على السلام حين تلجأ إلى أقوياء هذا العالم. فالتأكيد بالنصر يعطيه الحمل بشكل مجاني وبدون شروح فيما يخصّ طريقة الحصول عليه أو زمن الإحتفال به. هو ينتصر، ويشاركه المعقدون في فرحته. يسمّى المؤمنون بأربعة أسماء: أولاً: "الذين معه". يقابلهم الملوك الذين هم مع الوحش (آ 10). ثانياً: المدعوّون. ثالثاً: المختارون. رابعاً: المؤمنون. هذا اللقب الأخير يطبّق على المسيحيين في الرسالة إلى سميرنة (2: 10: كن أميناً حتى الموت) والرسالة إلى برغامس (2: 13: أنتيباس شاهدي الأمين) في سياق يتحدّث عن الموت. وانتصار الحمل وأخصّائه هو إنتصار على الموت بالقيامة. ليس إنتصاراً مادياً ووقتياً نحصل عليه بالسلاح. بما أن يسوع هو رب الأرباب وملك الملوك، فهو يخرج منتصراً من هذه المعركة. وهذا اللقب النادر في العهد القديم (تث 10: 17: الرب إلهكم هو إله الآلهة ورب الأرباب؛ مز 136: 2- 3؛ رج 2 مك 13: 4) قد كُتب علي رداء وفخذ الفارس الأبيض (المنتصر) الذي يسمّى "الأمين" فيوقّت هجومه في ليلة الفصح (رؤ 19: 16). فعلى المسيحي، هذا "الغالب" في الرسائل السبع، أن لا يخاف حين يسمع بالرعود المزمجرة: سيكون مصيره مصير الحمل. وان كان أميناً لن يعرف الموت الثاني (2: 11).
* في الوقت الثالث سيتحالف الملوك العشرة على الزانية مع الوحش. سنعود إلى ذلك في آ 16.
الملوك العشرة (ملوك الأرض) قد اجتمعوا (16: 14) من أجل قتال اليوم العظيم، يوم الله القدير، وستُروى هزيمتهم في 19: 19 ي. هؤلاء سيملكون في الظاهر مع الوحش. ماذا سوف يعملون؟ هدفهم واحد (آ 13): أن يجعلوا سلطانهم وقدرتهم في خدمة الوحش. سيقاتلون الحمل فيغلبهم الحمل (آ 14). حتى الآن، كان الوحش يهاجم القديسين فقط ويغلبهم (13: 7)، أقلّه في الظاهر (14: 1- 5). وللمرّة الأولى والأخيرة، سيهاجم الوحش الحمل بواسطة الملوك المتحالفين. ولكن الحمل سيخرج منتصراً هو والذين ربطوا مصيرهم بمصيره (7: 14- 17؛ 14: 1-5).
أما الزانية العظيمة (آ 15) الجالسة على الوحش بألوانها القرمزية فهي في الوقت عينه في البرية، على سبع تلال، وعلى المياه العظيمة. الصحراء تدل على عزلتها وعقمها بسبب غياب الله عنها. الجبال هي الأمكنة العالية التي عليها تؤلّه وتعبد. والمياه هي الشعوب العديدة التي تسيطر عليها بدرجات متفاوتة. هذه الشعوب تسمّى بحسب الرباعية المعهودة: قبيلة، لسان، شعب، أمّة (5: 9؛ 7: 9؛ 11: 9؛ 13: 7؛ 14: 6، رج 10: 11). ولكن هنا حلّ محلّ "القبائل" "الجموع". فالجموع تدلّ على أجواق الليتورجيات السماوية (7: 9؛ 19، 6). هذا يعني أن البشرية كلها مدعوّة لأن تكون الجماعة التي تنشد مدائح الله. 
عرف الأنبياء صورة المياه الغزيرة، ولكنهم استعملوها في سياق النزاعات والحروب والاجتياحات. فمياه النيل والفرات هي الجيوش المصرية أو الأشورية (أش 8: 7؛ 17: 2؛ إر 46: 7- 8، 47: 2) الفكرة هي هي (أش 5: 30؛ دا 11: 10). فالملوك العشرة يرئسون جماعة الشعوب. وباسمهم يخضعون لرومة ويجعلون فيها خلاصهم حتى ولو حاربوا الإنجيل. ولكن بعد وقت قليل ستنغمر رومة بهذه الجموع التي افتخرت بها فتنال المذلّة.
"وتلك القرون العشرة" (آ 16). نعود إلى القرون العشرة والوحش الذي ترتبط به. ليس الوحش هو الذي قرّر دمار رومة مع أنه فرح بهذا الدمار، ولكنه أجبر على مشاهدة هذا الدمار مدفوعاً من الملوك الذين نفخوا جسده فصار ثقيلاً وما عاد يستطيع أن يضبط القوى (القرون) التي لصقت به.
تجذّر سلب رومة في عاطفة البغض (2: 6؛ 18: 2). ما الذي حرّك مثل هذا الغيظ؟ ما قيل عن الزانية التي استاء ملوك الأقاليم من غناها وترفها الذي ما عاد يُطاق. لا بدّ من وضع حدّ لهذا الرخاء الذي يجعل الشعوب يتذمّرون. وهذا ما حدث في أربعة مشاهد رمزية لن يكون بُعدها الدقيق دوماً شفّافاً.
* أولاً: ستكون رومة قفراً كما تقول مرثاة 18: 17- 19. لا ننسَ أن المرأة الزانية تمثّل مدينة، المدينة المدينة (التي ما بعدها مدينة)، تمثّل أكبر تجمّع سكاني من الرجال والنساء العائشين في موضع واحد. إن صورة القفر وتحويل المدينة إلى صحراء يعود إلى تقليد الأنبياء منذ هو 2: 5 الذي طبّقه على إسرائيل الزانية (10؛ 4) والوقحة بغناها (2: 10؛ 10: 1). واستعاد حزقيال الصورة في قصيدة مجازية يستلهم هوشع بشكل متحرّر (حز 23: 25- 29؛ رج 16: 1 ي). ولكن القساوة هنا تتعدّى كل حدود. فلسنا أمام أرض أو بلد صار قفراً، بل أمام أكثر المدن سكاناً في العالم. فبقدر ما تقود هذه المساكن إلى الخطيئة، إلى الغنى الفاحش وعبادة الأوثان (رج 2: 11- 17 وما قيل عن برغامس)، يجب أن تزول مثل هذه المدن، أقلّه روحياً، كما زالت بابل أولى مدن بابلونية (تك 11: 8). فلا توافق إطلاقاً بين هذه المدينة وأورشليم السماوية، بحيث يجب أن تزول واحدة من الاثنتين. أما المسيحيون فعليهم أن يختاروا: هل يكونون مواطنين لرومة أم لأورشليم؟ 
* ثانياً: وفي خط قرأناه عند هوشع وحزقيال، نجد الصورة الثانية بتعرّي المرأة كما عرّيت أورشليم عقاباً لها عن ضلالاتها (مرا 1: 8). فالعري لا يجرّ فقط العار (الذي لا يُذكر هنا. الموضوعان يرتبطان عادة. رج 3: 17- 18؛ 16: 15)، بل يدلّ أيضاً على سقوط القناع، على كشف حقيقة الشخص (رج عب 4: 13). جُرّدت من القرمز والأرجوان، من حلي الذهب والحجارة الكريمة، ماذا بقي لبابل التي هي رومة؟ بعد ساعة (18: 10، 17، 19) سوف نرى أن لا شيء وراء هذه الواجهة يمكن أن نتأسّف عليه. سيعود الفصل التالي إلى هذا الوضع ليزيد التفاصيل الضرورية.
* ثالثاً: الصورة الثالثة تجعلنا على مستوى الوحوش الكاسرة: "يكلون لحومها" (في الجمع. ست مرات، رج 19: 18- 21). الإستعارة معروفة. فالبار الذي يضطهده الأشرار، يتهم هؤلاء بأنهم يريدون أن يأكلوا لحمه (مز 27: 20). آل ألأنبياء فثاروا على ظلامات القضاة الذين يرتشون، لأنهم "أكلوا لحم شعبي" (مي 3: 3). نحن هنا قريبون من فكر يع 5: 3: "ذهبكم وفضتكم قد صدئا، وصدأهما سيشهد عليكم ويأكل لحومكم كالنار". اللحم هو الجزء الذي يجتذب الإنسان (أي 33: 25؛ رج 2 مل 5: 14). ولحم رومة هو غناها الذي سيتغذى منه آخرون.
* رابعاً: ستُحرق المدينة العظيمة كما يقول 18: 18- 19. إذن، ستعرف المصير الذي حفظ لمدينة أخرى عظيمة وشهيرة هي نينوى (نا 3: 15). تنقية تامة ودمار كامل سوف يلتقيان هنا في الإجراء الأخير. الذي يتخذه الملوك ضد الزانية. ضمّ الوحش هذه القرون (الملوك) إلى سلطانه، فحكم على نفسه بأن يشاهد عاجزاً زوال تلك التي افتخر في الماضي بأنه يحملها على ظهره.
كل هذا السيناريو يتوافق مع مخطّط الله (أو: رأيه. هنا في آ 17 وفي آ 13 بشكل تضمين). تلك هي مسيرة (لاهوتية) الأشياء والتاريخ: يتحالف هؤلاء الملوك العشرة مع الوحش لكي يدمّروه في أعظم ما يرمز إليه، في العاصمة التي يقيم فيها ومنها يطلق أوامره. الوحش يحمل الظلم والدمار لكل القيم الأساسية في الإنسان. فمن انضمّ إليه شارك في مشروعه الموجّه قبل كل شيء على الحمل والمعمّدين (17: 14). إذا كان الوحش والملوك لا يستطيعون أن يخرجوا منتصرين، فقوة الدمار عندهم باقية. وإن لم يجدوا هدفاً لقتالهم يدمّرون أنفسهم بأنفسهم.
هذا مشهد يستطيع المؤمنون أن يروه "إلى أن تتمّ أقوال الله" (آ 17). "أقوال" الله هي في الجمع مثل 19: 9 الذي يرتبط بتطويبة (هنيئاً للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل). ان عمل التدمير الذي تقوم به الامبراطورية ضد نفسها، يمتدّ إمتداد حياة الكنيسة، أي 42 شهراً (13: 5). وهذا ما يدلّ على مهلة تفصلنا عن الدخول إلى السماوات الجديدة والأرض الجديدة التي هي موضوع "كلمات هذه النبوءة".
"والمرأة التي رأيتها" (آ 18). آية فيها الكثير من السخرية والتضخيم. سخرية لأنها تشدّد على مملكة تحمل الموت في ذاتها. وتضخيم بسبب تكرار أل التعريف ثلاث مرات: المدينة، العظيمة، المتسلّطة. المرأة هي المدينة، ونحن لا نتعجب من هذه المماثلة. وُضع الوحش والمرأة في البداية والنهاية بشكل تضمين، جُمعت الدولة (السلطة السياسية)، والمدينة (رومة)، ولكن الواحدة ابتعدت بالموقع عن الأخرى. وسبب إنفصالهما هو الملوك العشرة الذين وقفوا بينهما.

خاتمة
إنزرعت كنائس آسية المسيحية في مدن متوسّطة أو هامة ظلّت فيها شهرة رومة عظيمة ومتألّقة. فمن هذه العاصمة اتخذ القرار باضطهادات تضرب وتهدّد. هل رجلاها هما من نحاس أم من فخّار؟ وها هو يوحنا يقدّم جواباً لقلق قطيعه.
قال: نهاية الامبراطورية هي الدمار. ولكننا لا نكتشف هذا الدمار في تعاقب الأباطرة. قد نحسّ أن سقوط رومة صار قريباً، ولكنه شعور وحسب. فبعد سبعة قياصرة، سيقوم ثامن يحمل المشعل ويبدأ سلسلة جديدة (17: 8- 11). جوهر الأمور ليس هنا. إنه يكمن في هذه الشعوب العديدة العائشة على هامش رومة. فملوكهم سينضمّون إلى رومة التي تلقي عليهم بسحرها من بعيد. خضعوا لمن هو أكبر منهم، فتوهّموا أنهم صاروا كباراً. وأخذوا يقاتلون الإنجيل مع رومة. ولكن الحمل غلب الموت، ولهذا فهو سيغلبهم. سقطت رومة كقصر من التراب. ولكن القتال سوف يدوم "إلى أن تتمّ أقوال الله". فليحافظ المسيحيون، هؤلاء الغالبون، على الإيمان والرجاء، وليعتبروا الإلاهة رومة بحكمة وفطنة: هي ملكة محتضرة تحكم على الذين باشروا في هدمها