سقوط بابل

 

هذا هو الإعلان الثاني لدينونة بابل. الآن نعرف حقاً (14: 8؛ 18: 2) من هي بابل: إنها القوة العظيمة التي تناوىء المسيح (أنتيكرست). مع بابل (ورومة) ستُصاب كل القوى المعادية لله. بما أن غناها وعباداتها المخزية كانت سراباً شيطانياً، فقد صارت المدينة العظيمة "مسكناً للشياطين ومأوى لجميع الأرواح النجسة" (آ 2). لقد جاءت الساعة الإحتفالية التي فيها تُنزع الأقنعة. فعلى بابل أن تكشف عن وجهها الذي يحمل على القرف بسبب سماته الشيطانية.

1- قراءة إجمالية
إنطلق ف 17 من رؤية تظهر بهاءً عكراً، فأعلن دينونة بابل، وبشكل جذري فشل الوحش أمام الحمل فشلاً تاماً. أما ف 18، فيرينا العقاب نفسه، بشكل ملموس، وإن غير مباشر، عبر النتائج التي يسبّبها. إنه يلقي الضوء على الأسباب العميقة لما يحدث ليبرز أساسه. نجد أداة "لأن" في آ 3، 5، 7، 8، 20، 23، 24. يستلهم ف 18 مرثية حزقيال على صور (ف 27-28). وهو يتبعها بشكل قريب، بحيث تبرز في ضوء جديد المقاطع التي فيها يبتعد عن نموذجه.
أما التصميم فيبدو بسيطاً. يحيط بالنصّ في بدايته ونهايته ظهور ملاك (آ 1-3 ثم آ 21-24). وفي الحالتين نحسن بشعور يملأ العينين. في آ 1، ينير الملك القدير بمجده الأرض كلها. في آ 21 أ، ينفّذ الملاك الثاني عملاً رمزياً لافتاً: يرمي في البحر حجراً عظيماً. وبعد هذا حالاً، تعود المياه هادئة مالسة. هذا هو سقوط بابل.
ويتوازى البلاغان اللذان يحملهما الملاكان. لن يبقى شيء من هذه الكبرياء الوقحة. فبعد صور الخراب في آ 2، نجد الفراغ والصمت في آ 22- 23 أ. وأسباب هذه الدينونة (آ 3، 23 ب- 24) تذكّر التجّار وملوك الأرض وجميع الأمم بما فعلوا معها.
أما القسم المتوسط (آ 4- 20) فيتألّف من خطبة يلقيها صوت آتٍ من السماء. ونجد في قلب هذه الخطبة ثلاث مرثيات تصوّر أمام عيوننا وبشكل دراماتيكي الإنهيار المفاجىء للمدينة الغنيّة. وهكذا يأتي على التوالي ملوك الأرض (آ 9- 10) وتجّار الأرض (آ 11- 17 أ) وأهل البحر (آ 17 ب-19). كلهم يبكون وينتحبون (آ 9، 11، 19). يقفون عن بُعد خوفاً من عذابها (آ 10، 15، 17 ب). ويطلقون رثاءهم كما في جنازة: ويل... ويل... المدينة العظيمة... ساعة واحدة كانت كافية (آ 10 ب، 16، 19 ب).
ويحيط بهذه المرثيات الثلاث ثلاثة تحريضات ترد في صيغة الأمر حول السلوك الواجب إتخاذه تجاه المدينة التي حُكم عليها. وكل تحريض يرافقه تبرير. إثنان منهما يتوجهان إلى المسيحيين. الأول: السلوك الواجب اتخاذه قبل الدمار (آ 4- 5): أخرجوا من هذه المدينة يا شعبي لأن خطاياها تكاثرت. الثاني: السلوك الواجب اتخاذه بعد الدمار (آ 20): الفرح والتسبيح لأن الله أنصفكم وعاقبها. والتحريض الثالث لا يتوجّه إلى شخص محدّد. هنا نفكّر بالملائكة الموكّلين بتنفيذ العذاب الإلهي (حز 9: 1، 5، 6)، أو بالوسطاء البشريّين الذي يحرّكونهم (ملوك الأرض في 17: 16). وهنا نجد أيضاً تبريراً (آ 7 ب-8) يتبع الترتيب الذي نجده في آ 5-7 أ.
وهناك ملاحظة حول صيغة الأفعال: فالماضي والمضارع يمتزجان على مدّ هذا الفصل. أجل، إن الكلمات البشرية محدودة حين تحاول أن تعبّر عن اليقين الأساسي الذي يبلبل المقولات الزمنية: فنصر المسيح قد سبق له وتمّ، ولكنه لم يتمّ بعد. فحاضر حياتنا هو منذ الآن مستقبل الإسكاتولوجيا النهائي. ولا يختبره إلا الذي يعيش في شركة مع الحمل الذي أسلم إلى الموت ولكنه قام وجلس عن يمين الله.
وهكذا يجعلنا ف 18 ندرك سقوط بابل كشيء ينتمي إلى الأزمنة الأخيرة، وفي الوقت عينه يحصل أمام عيوننا. نحن نعيش دراما بابل وعظمتها وزوالها وكأننا حاضرون. ونتسلّم التعليمات التي نسير بموجبها قبل الحدث وبعده. ونشاهد مرارة وخيبة أمل المستفيدين، ونفهم السبب العميق لما يحدث: دم الأنبياء والقديسين وجميع الذي سقطوا قتلى في الأرض.

2- قراءة تفصيلية
بابل هي واقع أرضي تجسّد تاريخياً في رومة القرن الأول، رومة التي هي صورة عابرة عن مدن أخرى. زوالها هو الفصل الأخير في هذه السباعية التي تدلّ على بداية تاريخ محدّد، وعلى بداية التاريخ. ومصير سائر القوى المادية المجملة في الوحش والتنين سنراه فيما بعد، حين نتجاوز حدود الزمان والمكان لنصل إلى أورشليم الجديدة.
يعلن ملاك سقوط بابل (آ 1-3) فيقابله ملاك آخر يصوّر غرق المدينة (آ 21- 24). الأول يتمتع بقدرة عظيمة، والثاني يمتلك رحى عظيمة. ويُذكر التجار في نهاية كل من المشهدين. ويحمل دمار المدينة نتائج متضاربة للمسيحيين وللمستفيدين من بابل. دُعي شعب الله إلى الخروج من المدينة قبل أن تسقط (آ 4-8)، ثم إلى الفرح حين يكمل الحريقُ عمله (آ 20). وتُذكر دينونة الله هنا وهناك. وأخيراً، في وسط اللوحة تفعل النار فعلها فتحرّك ثلاث مرثيات يطلقها الملوك (آ 9-10) والتجّار (آ 11-17 أ) وأهل البحر (آ 17 ب-19).
نلاحظ في هذا التصميم شيئين هامين. الأول، إن القسم المتوسّط (آ 9-19) هو مرثاة طويلة على دمار بابل وحريقها. فالمدينة ليست عادة للدمار والحريق، بل لتكون موضع السكن. ولهذا يتأسّف الناس على هذه المدينة الذاهبة إلى الزوال. الثاني، تتمّ المرثاة في ثلاث لوحات، واللوحة الوسطى تنقل إلينا صدى بكاء التجّار الحزانى بسبب ضياع كل هذا الغنى. فالمال والرفاه والترف هي قِيم كاذبة وغير دائمة. وموضوع القوة والسلطة السياسية يختفي أمام موضوع الغنى.
أ- الإعلان الملائكي (18: 1- 3)
"الملاك الآخر" الذي يدخل الآن على المسرح، هو الملاك السابع عشر في هذه السباعية، وقبل الأخير (رج آ 21). هو ينزل من السماء كذاك الذي حمل الإنجيل (10: 1؛ رج 20: 1). إذن، هو يحمل خبراً طيباً. مُنح القدرة على مثال ملاك القطاف (14: 18). ولكن قدرته كبيرة، مطلقة. ظهوره يجعل الأرض تستنير (فوتيزو، رج 21: 23؛ 22: 5). وهذا ما يشير إلى تيوفانيا وظهور إلهي مخفي، لأن المجد هو صفة خاصة بالله وحده وبالحمل (17 مرّة في رؤ). لهذا، من الأفضل أن نتحدّث عن ظهور المسيح (كرستوفانيا)، لأن مختلف العناصر التصويرية (ينزل من السماء، يضيء، هو مجيد) لا تلتقي إلا في شخص المسيح. إذن، يعلن المسيح الحكم كأمر قد تمّ وتحقّق حسب اللاهوت التقليدي الذي يجعل الدينونة في يد المسيح، قائم مقام الله. فأحد اكبر أشكال العداوة على الله سوف يزول: يبقى على الإبن أن "ينصف" الآب حين يدين المدينة التي تهين الله وتعتبر نفسها مزاحمة لله.
نلاحظ أن موضوع العمل الذي يصوّر هنا هو بابل المدينة. فسكانها وملوكها وتجّارها لا يصابون بالدمار مثلها. فهي وحدها ستنقلب، فيسكن فيها بعد الآن الشياطين والأرواح النجسة الذين لا يحقّ لهم الدخول إلى الملكوت. وتسكن أيضاً الطيور النجسة والبغيضة التي تبحث عن الجثث وتأكلها (لا 11: 13- 19)، فلا يحقّ لها الدخول إلاّ إلى عالم الموت. ومن اللافت أن المدينة المدمّرة لم تصبح ممراً وسهلاً واسعاً، بل سجناً ومأوى لهذه الكائنات الشريرة. فبابل هي موضع يسجن ويغلق على الناس، يخنق الأحياء ويستضيف الموتى.
ويعود الكاتب إلى اللغة الإصطلاحية فيقدّم ثلاثة أسباب لدمار المدينة: بسبب الدور الذي لعبته تجاه البشر فجاءت بهم إلى عبادة الأوثان، وتجاه ملوك الأرض الذين أشركتهم في شّرها، وتجاه التجّار الذين اغتنوا بترفها. عبادات وثنية وممارسات الفجور، وسلطان مغالٍ وغنى فاحش، هذا ما حكم على بابل بالدمار.
ب- خطبة آتية من السماء (18: 4- 20)
في هذا المقطع نقرأ تحريضاً أول للمسيحيين (آ 4-8) ثم رثاء الملوك لبابل (آ 9- 10) والتجار (آ 11-17 أ) وأهل البحر (آ 17 ب-19). وأخيراً تحريضاً ثانياً للمسيحيين (آ 20).

أولاً: تحريض أول للمسيحيين (آ 4- 8)
هو صوت آخر يتكلّم دون أن يكون تبدّل في الشخص الحاضر على المسرح. نحن أمام بلاغ آخر، وإن يكن حامله هو هو، هو المسيح الذي يتوجّه إلى شعبه. إلا إذا كان الصوت صوت الله الذي يتكلّم عن المسيح. 
النداء للخروج من المدينة هو أمرٌ ملحّ كما في أش 48: 20 (أخرجوا من بابل، أهربوا)؛ 52: 11 (إنصرفوا، إنصرفوا، أخرجوا من هناك)؛ إر 50: 18 (إرتحلوا من وسط بابل ومن أرض الكلدانيين أخرجوا)؛ 51: 6، 45 (أهربوا من وسط بابل، وانجوا كل واحد بنفسه). ففي المدينة يسكن معاً الشيطان وتبّاعه، والإنجيل ومؤمنوه (2: 13). كيف يقيمون معاً؟ لا مجال للمساومة. فشعب الله قد عاش دوماً هذا الوضع من الصراع قبل أن يقوم بالخيار الحاسم. خرج لوط من سدوم التي جاوزت خطاياها كل حدّ (تك 19: 12-14) فدلّ على العبرانيين الذين تركوا أرض مصر، أرض عبادة الأوثان. إن شظف العيش في مسيرة الخروج يتعارض مع غنى المدينة وطمأنينة الحياة فيها. ولكن هذا ما يُفرض على المؤمنين ساعة تهدّد خطيئةُ المدينة صراحة الإنجيل. فعلى الشعب أن يخرج لئلا يبادل اتحاده مع الله باتحاده مع الخطيئة. عليه أن يختار الكأس التي يشربها، وهذا الخيار يفرض عليه أن يقطع كل اتصال بعبادة الأصنام وسراباتها التي هي السلطان والمال والحضارة. فمنذ البداية أرادت بابل أن تجعل رأسها في السماء (تك 11: 4). ولكن خطيئتها هي التي بلغت إلى السماء كما قالت إر 51: 9. وهذه الخطيئة ليست فكرة عامة أو مجرّدة، بل هي مثال يترجم في الواقع الملموس. هذا ما قاله البيت الأول (آ 4- 5). 
وإذا انتقلنا إلى البيت الثاني (آ 6- 7) نجد أربعة أفعال في صيغة الأمر، وهي تبدو قاسية جداً. لتعامَل بابل كما عاملت الآخرين. حينئذ يصيبها ما أصاب إيزابيل في تياتيرة (2: 23)، تنفيذاً لشريعة المِثل (سنّ بسنّ، عين بعين). ولكن سيحكم عليها شعب الله أن تدفع الضعف عن خيرات اقتنتها بالظلم (خر 22: 8). قال داود إن الغني الذي سلب الفقير، يدفع له أربعة أضعاف (2 صم 12: 6). وهكذا قرّر زكّا أن يفعل بعد أن لامسته نعمة المسيح (لو 19: 8). أما بابل فلا تدفع إلا نصف أربعة أضعاف. إذن، تبقى مرحومة. أما عذابها فهو النار التي تحرقها (آ 7، 10، 15؛ رج 14: 11)، وعقابها يناسب أعمالها. نلاحظ أن صورة الكأس هي مركزية في هذا البيت، لأننا ما زلنا أمام شر المشاركة أو اللامشاركة: إن كأسيَ الله تقابلان كأسيَ بابل (14: 10؛ 16: 19؛ ق آ 6؛ 4:17).
إن الأوامر الأربعة المعطاة هنا هي في خطّ العبارة الأولى: "أخرجوا، يا شعبي"! حين لا يعود المسيحيون يتضامنون مع بابل، ينفّذون هذه الأوامر. يتركون المدينة ويتخلّون عن فسادها الذي لا يحمل ذرّة من قداسة ولا شيئاً من حضور الله. يتركونها فتبدأ عمليّة الخراب.
نجد في قلب البيت الثالث (آ 7 ب-8: قالت في قلبها) موضوع السرعة: "في يوم واحد": نحتاج إلى سنوات لكي نصل إلى ذروة. ويوم واحد يكفي لكي نسقط إلى الحضيض. الكبرياء هي سبب الخراب. ظنّت المدينة "في قلبها" أنها متينة، صامدة (أجلس)، وحلفاؤها لن يتخلّوا عنها. قالت: "لن أكون أرملة" في خط أش 47: 8 (لن أقعد أرملة ولن أعرف الثكل). نجد في خلفيّة هذا المقطع شخص إيزابيل (2: 22-23). في الواقع، بابل هي سريعة العطب. وحين يتركها المسيحيون، سينتظرها الموت والجوع والوباء، هذا المثلّث الذي يذكّرنا "بالهدايا" التي حملها الفارس الأحمر والأسود والأخضر (6: 3- 8) الذين يسبقهم الفارس الأبيض. كل ذلك يصبح ملموساً في حريق هائل (يتذكّر النصّ حريق نيرون سنة 64) سيجعل دخانه عيونَ الناظرين تدمع.
وأخيراً، ينتهي التحريض بكلام تعزية: "قوي هو الربّ القدير". وهو يدلّ على قدرته في قساوة دينونته وعدالتها، وهذا ما يدلّ عليه فعل "كرينو" كما نقرأه في آ 20 بشكل تضمين يتوازى مع نهاية هذا التحريض الأول.
ثانياً: رثاء مثلّث (آ 9-19)
* رثاء الملوك على بابل التي تحترق (آ 9- 10)
إن دخان الحريق (آ 9 ج) يسبّب بكاء الملوك، كما سيسبّب بكاء البحّارة في اللوحة الموازية (آ 18 أ). فالملوك المذكورون هنا هم الذين "تزوّجوا" بابل (زنوا بها) أي ارتبطوا بها لينعموا بترفها: نحن دوماً أمام الغنى أكثر منه أمام السلطان. حين رأى الملوك الدمار بكوا كما سيبكي التجّار (آ 11، 15) والبحّارة (آ 19)، ولطموا الصدور. هذا يعني أنهم لبسوا الحداد (1: 7؛ رج لو 8: 32؛ 23: 27؛ أع 8: 2). أما البحّارة فيدلون على حدادهم حين يلقون التراب على رؤوسهم (آ 19) كما أمام ميت (يش 7: 6). كانت الملكة جالسة بتشامخ، فإذا هي تسقط. والتي ظنّت أنها لن تكون أرملة، لم تجد عوناً لدى عشاقها الذين وقفوا بعيداً لئلا تصل إليهم النار، لئلا يصل إليهم عذابها. لهذا فكّروا بنفوسهم لا بسيّدتهم حين صرخوا مرّتين: آه، آه (أو الويل). صرخوا، لا لأن المدينة دمّرت، بل لأنها لم تنبّههم في الوقت المناسب: ففي ساعة واحدة حُكم عليها ونُفّذ الحكم. الأفعال هنا هي في صيغة المضارع. ستكون في صيغة الحاضر في مرثية التجار وستكون في الماضي مع بكاء البحّارة: أجل، نحن أمام مشهد يتحدّى الزمن وإن تجذّر في تاريخ معيّن، وإن تجذّر في التاريخ.
* رثاء التجّار (آ 11-17 أ)
يبدأ الرثاء بعبارة لاذعة: خسروا أكثر زبائنهم غنى. فالأنانية تسود في بابل. فحين ينظر الله وأخصاؤه بحنين إلى المدينة الجميلة التي صارت إلى الخراب، سيملي عليهم المشهد عواطف أخرى (آ 21- 24). إذن، بكى التجّار وتألمّوا (كما في حداد، آ 11، 15، 19) لأن بضاعتهم لم تجد من يشتريها. قد تكون بضائع آتية في البحر، أم قوافل آتية من الشرق إلى رومة.
ويورد النصّ أسماء 29 بضاعة آتية من آسية، وهذا ما يدلّ على ترف رومة. هناك أربعة أنواع من الحلى، أربعة أقمشة، ستّة أنواع من الأثاث والأواني، خمسة أنواع من التوابل والعطور، أربع مواد غذائية. ثم سوق الحيوان حيث نجد الغنم والخيل... ولكن رومة ستخسر كل هذا فلا يبقى لها شيء تلبسه أو تتزيّن به. وهناك أيضاً العبيد الذين يشُترون على أنهم "جسد" للعمل. وهناك الأحرار الذين يعملون في رومة، شأنهم شأن العبيد (بعد أن اشترتهم رومة) كمعلّمين وفنّانين...
في آ 14، يتوجّه التجّار إلى رومة: "الثمر الذي اشتهته نفسكِ". كل هذا قد زال. هكذا تزول أمور الأرض ولا تعود.
ويقف التجار بعيداً كما وقف الملوك. بكى هؤلاء على قدرتهم التي زالت (آ 10). أما التجّار فعلى زبائن خسروهم، وعلى بضائع جميلة أكلتها النيران.
* رثاء البحّارة (آ 17 ب-19)
يُذكر هنا كل أهل البحر، من القبطان حتى آخر عامل على السفينة. تعود هذه اللوحة إلى حز 27: 8- 9، 27-29 يا رثائه لصور. وردّة الفعل الأولى لدى البحّارة: "أية مدينة تشبه المدينة العظيمة" (نتذكّر ميخائيل: من مثل الله؟). كان عبّاد الوحش قد قالوا: "من مثل الوحش" (13: 4)؟ وهكذا يكون التقارب واضحاً بين المدينة والوحش على مستوى الكبرياء والتعالي للتشبّه بالله.
وهكذا يتوسّع المثلّث (الملوك، التجار، أهل البحر) في مرثية عرفها العالم القديم، فلم تحمل جديداً. بل شدّدت على موضوع الغنى السريع تجاه الفقر الذي يمتدحه المسيح في كنيسة سميرنة (2: 9) وفيلادلفية (3: 8). 
ثالثا: تحريض للمسيحيين (آ 20)
وتتبدّل اللهجة تبدّلاً تاماً مع عودة التحريض إلى المسيحيين. إن هذا النداء يتعارض تعارضاً كلياً مع البكاء والنحيب السابقين، وهو يدعو إلى الفرح وربما إلى الشماتة (رج 11: 10؛ 12: 12). يتوجّه هذا النداء إلى جميع المسيحيين، إلى الذين ماتوا فصاروا في "السماء"، وإلى الذين ما زالوا على الأرض. القديسون، أي المعمّدون والرسل أي المرسلون (رج 2: 2 و21: 14 حيث تحصر اللفظة بالإثني عشر). والأنبياء أي الرعاة الذين يجعل يوحنا نفسه منهم (22: 9). إن سبب هذا النداء إلى الفرح هو الوجه الآخر لما جعل الملوك والتجّار والبحّارة يبكون: هؤلاء لبسوا الحداد بعد أن خسروا ما أحبّوا واختاروا. وأولئك ابتهجوا لزوال هذه القيم المزيّفة.
"الله قضى قضاءكم منها". عاقبها على ما فعلت بكم. تلك التي قتلت القديسين ها هي تموت أو بالأحرى تذهب إلى المنفى. لقد أنصف شعب الله الذي يستطيع أن يعود إلى دعوته الطبيعية، دعوة الفرح والقلب المطمئن. لا شكّ في أن الباعث سلبي الآن، لأننا فقط أمام زوال العدوّ. ولكن حين تظهر النتائج الإيجابية لهذا الوضع الجديد، حينئذ ستكون البهجة الطافحة والفرح الكامل: فنفهم أننا بحاجة إلى ليتورجيا لكي نعبّر عن هذا الحالة (19: 7): "الملك للرب إلهنا القدير! لنفرح ونبتهج".
ج- هكذا تُرمى بابل (18: 21- 24)
تورد آ 21 عملاً رمزياً يستلهم إر 51: 63 (إربط به حجراً وألقه في وسط الفرات) ويتوسّع فيه. بابل (رومة) تشبه حجراً (رحى) كبيراً جدا. الرحى هي جزء من الحياة. لهذا فلا تؤخذ رهينة (تث 24: 6: كمن يرتهن قوت النفس). ولكن الرحى هي أيضاً أداة تسحق الحَبّ، ولهذا فهي مخيفة. كان بإمكان رومة أن تكون المرأة القديرة التي تهتمّ بأولادها (أم 31: 15)، فلم تكن إلا قوة عمياء تسحق الشعوب. وبما أنها "كبيرة" فهي تحتاج إلى ملاك "جبّار" لكي يزيحها ويرميها في البحر الذي هو موضع الشرّ وكل تهديد بالموت. هناك تكون حيث يجب أن تكون ولا تشكّل خطراً على أحد. "لن توجد من بعد أبداً".
ويبدأ رثاء غير رثاء الملوك والتجّار والبحّارة. يتذكّر الكاتب خمسة أمور مأخوذة من قيم المدينة الحقيقية: يبكي يوحنا بفم الملاك، بل بفم السماء: صمتت الموسيقى ولم يعد من مكان لصنعة صانع. صمت صوت الطاحون الذي يطحن الحَبّ لإطعام الناس. وانطفأ الحُب في ظلمة ليل بهيم فلم يعد يُسمع صوت عريس وعروس. سكوت الموت والحزن والوحشة. ولكن الحنين لم يزل هنا. مدينة جميلة من كل الوجوه بناها الناس من أجل الموسيقى والحُب والحياة اليومية، من أجل الفنّ والنور. كل هذا جُعل في خدمة سلطة أنانية وغاشمة. ولكن الحكم على رومة والدعوة إلى الخروج من المدينة ليسا هرباً إلى "فردوس" مفقود، ولا إحياء لمثال عرفه الريكابيون في أيام إرميا فرفضوا شراب الخمر والأطعمة الخاصة (إر 35). فصاحب الرؤيا هو إبن مدينة. وهو يطلب مدينة جديدة لا فردوساً يعيش في عالم الخيال.
كان لا بدّ من هذا الدمار بعد الفوضى التي عرفتها الإمبراطورية: قواعد البيع والشراء صارت النواميس الأساسية للحياة! كيف نعيش حياة مسيحية، بل حياة إنسانية، في عالمٍ يسيطر عليه المال والربح والمصلحة؟ هل يستطيع الإنسان فيه أن يتفتّح ويحقق شخصيته؟ أول ضحاياه هم القديسون (المعمّدون) والأنبياء (المسؤولون) (6: 9). ولكن ساكني الأرض يُذبحون (6: 4) فيشاركون الحمل في ذبيحته (5: 6، 9، 12؛ 13: 8). وغرقت رومة في هذه الدماء التي سفكتها، ودُمّرت بعد أن دمّرت الشعوب والممالك. دُعيت فخانت دعوتها!
خاتمة
يصوّر لنا سقوط بابل في مشهد مهيب: نحن لا نرى الكارثة، بل نسمعها من خلال الأصوات والأخبار.
بابل الزانية هي رمز إلى كل قوة أعداء الله وخصوم المسيح. هي في نظر المسيحيين الأولين سلطة رومة السياسية. ولكن بابل هي كثر من رومة لأنها ما زالت حيّة بعد دمار رومة. فما دام التاريخ البشري موجوداً، تبقى بابل التي هي مدينة أو شخص أو قوة سياسية أو إيديولوجيا...
وحياتنا في بابل هي مخاطرة بحياتنا متقوّين بنعمة الله. إنّ المسيحيين يعيشون في بابل، ولهم دور يلعبونه وسط هذا العالم الشرير. هم لا يهربون منه خوفاً وجبانة. ولكن قد تأتي ساعة يفرض فيها عليهم بأن يذهبوا. "أخرج منها، يا شعبي"! هناك حدّ فاصل بين المسيحيين والعالم (الذي يعارض الله). هم في العالم، ولكنهم ليسوا من العالم. فلا يحزنوا إن هم أُجبروا على تركه. ولا يلتفتوا إلى الوراء كما فعلت إمرأة لوط. هم في العالم ولكنهم منذ الآن في الأبدية، منذ الآن هم أبناء الله وإن لم ينكشف بعد ماذا سيكونون