نشيد النصر ومجيء المسيح

 

 

"هلّلويا"! لإلهنا الخلاص والمجد والقدرة"! إن صراخ النصر (هلّلويا) يرد اربع مرات في العهد الجديد، ولا يرد إلاّ في رؤ 19: 1، 3، 4، 6. نجده في بداية المزامير ونهايتها (104- 106؛ 111- 113؛ 115-117)، وهو يرتبط باسم الله. ونجد 126 لفظة "آمين" في العهد الجديد (31 في مت، 13 في مر، 6 في لو، 50 في يو. يسبق كلمات يسوع: آمين، أقول لكم، الحق أقول لكم). نتلفّظ بكلمة "آمين" في الليتورجيا (1 كور 14: 16) فنعلن أن مواعيد الله قد تمّت. وبما أن يسوع هو الذي أتمها، لهذا يسمّى "آمين" (3: 14؛ رج 1: 7؛ 5: 14؛ 7: 12؛ 11: 15؛ 19: 4؛ 22: 20).
نتوقّف في هذا الفصل عند قسمين كبيرين. الأول: نشيد الظفر في السماء (19: 1-10). والثاني: إنتصار المسيح (19: 11- 21) في إطار الحرب الأخيرة والدينونة العامة.

1- نشيد النصر في السماء (19: 1- 10)
بعد دينونة بابل التي أعلن عنها 18: 20، جاءت هذه المجدلة الأخيرة وأبرزت البُعد الحقيقي للحدث. نحن لا نستطيع أن نرى الأمور على حقيقتها إلاّ في الصلاة. وهكذا تكتشف الكنيسة عمل الله وتنشده باحتفال. سمع يوحنا مرتين "صوت جمهور كبير" في آ 1-6. إذن، نحن أمام صلاتين، أمام مقطعين صغيرين. الأول يتوجّه إلى الماضي فيحتفل بدينونة الزانية (آ 1-4). هي صلاة بشكل حوار في جوقتين (آ 1- 3) يشارك فيها الشيوخ 24 والكائنات الحية بسجودهم (آ 4). والثاني يتوجّه إلى المستقبل. هناك احتفال بأعراس الحمل القريبة (آ 5-8). نسمع النداء السماوي (آ 5)، ثم الصلاة بحصر المعنى (آ 6-8): "الملك للرب إلهنا". بعد هذا تأتي التطويبة الرابعة (آ 9- 10).
أ- الصلاة الأولى (19: 1- 4)
أولاً: دان الزانية العظيمة (آ 1-3)
"سمعت صوت جمهور" (آ 1). من هو هذا الجمهور الكبير؟ إنه يتألّف من الملائكة (5؛ 11؛ 7: 11! ومن المسيحيين الذين يكوّنون أيضاً جمهوراً سماوياً (7: 9)، فلا تختلف هتافاتهم عن هتافات الملائكة (10:7؛ 10:12).
أولى كلمات الصلاة هي: هلّلويا. هي المرة الأولى التي نجدها في رؤ. وسوف تتكرّر ثلاث مرات في آ 1- 4. نحن أمام لافظة ترتبط بشعائر العبادة. هلّلوا: أنشدوا، سبّحوا. وليرافق نشيدكم الفرح. يا أو يَه: تصغير يهوه أي الرب. هلّلوا للرب. تجذّرت هذه اللفظة تجذّراً عميقاً في الليتورجيا اليهودية، فصارت نداء إلى المديح وعبّرت في ذاتها عن المديح الذي نرفعه إلى الله. قال طو 13: 18: "في يوم بناء أورشليم تنشد كل البيوت: هلّلويا، مبارك إله إسرائيل"!
عادة، تتبع "هلّلويا" جملة تفضل الباعث على المديح. وهي تتجذّر هنا في رؤية دينونة بابل. فالسماويون يرون بعين الإيمان ما وراء الظواهر، ويشاهدون في هذه الدينونة الخلاص الذي تحقّق، وعلامة حضور مجد الله وقدرته، ولا يكتفون بالحديث عن كارثة حصلت صدفة واتفاقاً. إنهم يستطيعون أن يعلنوا أن أحكام (دينونة) الله هي عدل وحقّ (15: 3؛ 16: 7). هي متينة وقد تكيّفت مع الأوضاع الجديدة ووُجّهت كما يجب أن تُوجّه.
"دان الزانية العظيمة" (آ 2). لقد أعاد الله سلطة الشرك التي تعارض الله وتفسد الأرض، إلى موضعها. لم تحترم المخطّط الإلهي، وشوّهت العلاقات بين الأشخاص والأشياء، وجعلت نفسها مكان الله. وهكذا أنصف عباده وشهوده. فالدم الذي أُريق ظلماً والذي بدا أن الله غير مهتمّ به، قد انتُقم له الآن (6: 10؛ 16: 16؛ 18: 20، 24). عادت العدالة الإلهية وفرضت نفسها من جديد بعد أن شكّ فيها البشر. كان المؤمنون على حقّ، والإيمان لم يخيّب آمالهم.
"وقالوا ثانية" (آ 3). واستعادت المجموعة نفسها المديح. غير أنها شدّدت على وجهة أخرى هي: الدينونة النهائية. "دخانها يتصاعد أبد الدهور" (رج 14: 11). كذا كان الدخان مع سدوم وعمورة في تك 19: 28 أو مع أدوم في أش 34: 9- 10 (لا تنطفىء ليلاً ولا نهاراً، ودخانها يصعد مدى الدهر)؛ رج رؤ 18: 9، 18.
ثانياً: الموافقة على الصلاة (آ 4)
"فركع الشيوخ الأربعة والعشرون" (آ 4). نجد هنا كما في الليتورجيا السماوية العظمى (ف 4- 5) الأربعة والعشرين شيخاً (أي الكنيسة) والكائنات الحيّة الأربعة (أي الخليقة كلها). إنهم يمثّلون على التوالي شخصيات العهد القديم والعهد الجديد، كما يمثّلون العالم ومخلوقاته. لقد دلّوا، على مدّ رؤ، على تضامنهم مع المسيحيين فشاركوهم في صلاتهم وانضمّوا إلى اعتراف إيمانهم. في 7: 11 قالوا: "آمين! لإلهنا الحمد والمجد". في 11: 16 قالوا: "نشكرك أيها الرب... لأنك أظهرت جبروتك". وفي 14: 3 رنّموا "ترنيمة جديدة أمام العرش". أما هنا، فهم يوافقون بشكل احتفالي على نشيد الجمهور الذي يعلن أن قد تحقّق خلاص الله ودينونته. فالخلق وتاريخ الخلاص يقرّان بأن المسيحيين ولجوا إلى عمق مخطّط الله. كل شيء حسن، كما في البداية. فليس لنا أن نزيد شيئاً إلاّ: آمين. هلّلويا!
ب- الصلاة الثانية (19: 5- 8)
أولاً: النداء السماوي (آ 5)
"وخرج من العرش صوت" (آ 5). رج 16: 17 (صوت عظيم من العرش في الهيكل). هو صوت الله. أو حامل كلمته: ربنا وإلهنا يسوع المسيح. هو يدعو إلى مديح جديد يردّد فيه كلمات مز 135: 1، 20 (أو 115: 13): "هلّلويا! سبّحوا اسم الرب. سبّحوا يا عبيد الرب... أيها المتّقون للرب باركوا الرب".
"يا جميع عباده، والذين يخافونه". نحن أمام مجموعة المؤمنين. إذن، الشعب كله مدعوّ إلى أن يستعيد المديح الذي بدأ في 19: 1- 2. إن الشعب قد أنشد حتى الآن، الله الذي دان بابل وعاقبها. ولكن هذا هو الوجه الآخر للإنجيل. فعدالة الله لا تستنفد إمكانياتها في العقاب. لا بدّ من استعادة المديح لكي ننشد الله المخلّص.
ثانياً: الملك للرب إلهنا (آ 6- 8)
"ثم سمعت ما يشبه صوت جمهور" (آ 6). هنا تبدأ الصلاة الثانية بحصر المعنى في جوقة هائلة تشبه المياه الغزيرة والرعود الشديدة (14: 2). لا ننسَ أننا في حضرة الله. والمجتمعون هم الأمناء للحمل الذين لا حدّ لأمانتهم. هم ينشدون نشيداً يلخص تجسد المسيح وكرازته وفصحه أي موته وقيامته. هلّلويا. وبعد هذا يأتي السبب الذي دفعنا إلى النشيد: "لأن إلهنا القدير قد ملك". الفعل في صيغة الماضي، يدلّ علي عمل بدأ في الماضي وانتهى الآن. أجل، إن ملك الله سيزول ليحلّ محلّه الحمل وأعراسه. فالسباعية الخامسة التي بدأت هنا ستكون سباعية الزواج والحبّ، سباعية الحياة الحميمة والثقة التامة. لقد دخلنا في مناخ الإنجيل الرابع: "لا أدعوكم بعد عبيداً، لأن العبد لا يعلم ما يصنع سيّده. بل دعوتكم أحبّاء" (يو 15: 15). حين تبدأ أعراس الحمل، يتخذ الملك وجهاً نهائياً. لا شك في أن الملك هو ملك الله الضابط الكلّ، وأن الأعراس هي أعراس الحمل إبنه مع المدينة الجديدة. ولكن المواطنية التي وُعد بها المختارون ليست مواطنية العبيد بل مواطنية الإبن في ملكوت الحبّ.
هلّلويا. "لنفرح ونبتهج" (آ 7). إن بهجة الله تملأ قلب الإنسان الذي التزم في طاعة لا حدود لها ولا تحفّظ فيها. بعد اللهجة الباردة في الأناشيد السابقة التي تعلن بشكل لا شخصيّ حقائق الإيمان الكبرى، نجد نفوسنا أمام لغة حارة وقريبة من الحياة وكثر شخصية. نحن لا نكتفي بالملاحظة، بل نتحدّث في صيغة المتكلّم: لنفرح ونبتهج. الرب أظهر ملكه.
مع الفرح والبهجة نحن في جوّ اسكاتولوجي تتحدّث عنه تطويبة مت 5: 12. فالذين يعيشون مع المسيح هم في الفرح حتى في وسط الإضطهادات، لأنهم يعرفون أنّ ملكوت الله هو منذ الآن لهم. ويتغذّى الفرح بيقين يعلن أن وقت الإتحاد النهائي مع الحمل قد جاء، ان وقت أعراس الحمل قد حلّ. سوف يستعيد الكاتب هذا الموضوع في ف 21. أما هنا، فنحن أمام بداية تجعلنا ننتظر النهاية.
تعود صورة الأعراس إلى العهد القديم الذي يصوّر بشكل زواج العهد الإحتفالي الذي به ارتبط الله بشعبه في سيناء (أش 54: 6؛ هو 2: 1 ي؛ حز 7: 6 ي). واستعادت المسيحية الصورة وأعطتها لوناً خاصاً فتحدّثت عن أعراس المسيح مع العروس التي اختارها (الكنيسة).
وهذا العيد سيكون محفوظاً لأزمنة مجيء الملكوت. كان الرابانيون قد ربطوا نشيد العرس في مز 45 بأعراس الملك المسيح المقبلة مع إسرائيل في آخر الأزمنة. ونحن نجد الصورة مراراً في العهد الجديد (مت 25: 1؛ يو 3: 29؛ 2 كور 11: 2؛ أف 5: 24، 32).
هناك أوقات تنتقل الأعراس إلى المستوى الثاني، فيحتفظ النصّ بوليمة العرس، ويشدّد على الدعوة إلى المشاركة فيها (مت 22: 1- 14؛ مر 2: 19-؛ 20). ونجد الوجهتين في نص رؤ هذا. في آ 7: أعراس الحمل. في آ 9: وليمة أعراس الحمل.
لقد استعدّت العروس، تزيّنت. وهكذا يشدّد الكاتب على المسؤولية الناشطة للمسيحيين في هذه التهيئة. ويؤكّد أن أمانتهم الملموسة تتيح لهم أن يقرّوا بأنّ ملكوت الله هو حاضرٌ الآن وفاعل. مثلاً في إعلان 11: 15-18 (صار ملك العالم لربنا) الذي يلي خبر الشاهدين (3:11-14).
"وأعطيت أن تلبس الكتّان" (آ 8). التهيئة يعني تهيئة ثوب العيد. لئلا نوجد عراة (16: 15) والكتّان (لباس الكهنة) المتألّق الناصع يقابل زينة المرأة الزانية (18: 16) بألوانها الفاقعة. الكتّان هو أعمال القديسين. هو الطاعة اليومية لوصايا الله استعداداً لعيد الله العظيم.
ونلاحظ في الوقت عينه أنّ كل هذا هو عطيّة من الله. لا تعارض بين العطية ومسؤولية الإنسان الحرّ. فالله لا يعطينا اللباس "محاكاً". بل يعطينا أن نصنع اللباس. فالناس لا يتقبّلون هذا الثوب كغرباء عنه (رج أف 2: 10). هذا ما يلقي الضوء على مت 22: 11-12 حيث نتشكّك حين يُطرد الذي لا يملك ثوب العرس. كان باستطاعته أن يهيّىء له ثوباً (مت 7: 22-23) فلم يفعل.
ج- التطويبة الرابعة (19: 9- 10)
وعدت التطويبة الثانية بالراحة للذين ماتوا في المسيح (14: 13). وتحدّثت. الثالثة عن الذي يحرس ثيابه فلا يمشي عرياناً (16: 15). هنا نخطو خطوة إلى الأمام: ننتقل من مفهوم الراحة إلى مفهوم الوليمة الذي يتضمّن اقتناء ثوب العيد. "طوبى للمدعوّين إلى وليمة عرس الحمل". هنا نتذكّر لو 14: 15: "طوبى لمن يشارك في الوليمة في ملكوت الله". ولكننا في رؤ لا نميّز بين المدعوّين وبين المختارين. فالمدعوّون الذين نتحدّث عنهم هنا هم الذين تجاوبوا مع النداء الموجّه إليهم (قالوا: نعم)، هم المختارون، هم المؤمنون.
"هذه الكلمات هي كلمات الله حقاً". يدلّ الملاك على صدق التطويبة، بل على صدق كل ما سبق. فتبدو هذه العبارة بشكل خاتمة سنجدها في 22: 6 (رج 21: 5). كما أن التطويبة في 19: 9 تتلاقى والتطويبة في 22: 7: "هنيئاً لمن يعمل بالأقوال النبوية في هذا الكتاب". 
"فارتميت على قدميه لأسجد" (آ 10). كيف نفسّر مشهدَي محاولة السجود الذي يرفضه الملاك، هنا وفي 22: 8- 9؟ تحدّث الشرّاح مراراً عن تحذير من ضلال يرتبط بعبادة الملائكة. غير أن هذه العبادة كانت نادرة جداً فلم تكوّن مشكلة. ثم، كيف نتخيّل أن يكون يوحنا محتاجاً إلى مثل هذا التحذير وهو المهتمّ بعبادة الله وحده؟
هنا. نعود إلى طو 12: 18: "لا نضل لي، بل الفضل لله الذي أرسلني. فاحمداه إلى الأبد". أراد طوبيت وابنه طوبيا أن يسجدا أمام الملاك رفائيل، فدعاهما الملاك إلى أن يباركا الله ويباركاه وحده. في هذا الخطّ نفهم نصّ رؤ: فمن خلال الوسطاء، يجب أن نتعرّف إلى الله الذي يكشف عن ذاته: فمن خلاله ما يقوله الملائكة في رؤ، يجب أن نكتشف وحي يسوع. ونقول الشيء عينه عن الظهورات بعد القيامة. الشخص الأهم هو يسوع القائم من الموت. أما الملائكة فهم هنا لكي يدلّوا على حضوره.
لا يتوخّى رؤ أن يرضي فضول البشر الباحثين عن أسرار السماء والتاريخ. بل هو يريد أن يشهد للحمل المذبوح الذي مات وقام من أجلنا (5: 9؛ 10). فمن طلب غير ذلك، من بحث عن "تنبّؤات" نطلب معناها لكي نعرف المستقبل، يكون قد ضلّ حول الطبيعة الحقيقية لهذا السفر، يكون قد مزج بين كلمة الملاك وكلمة الله، يكون قد توقّف عند الشكل والمبنى وأهمل المعنى. يكون قد سمع الملاك وسجد له، ولم يسمع لله ويسجد له لتكون له الحياة.
ليس رؤ كتاباً باطنياً يحمل "أسرار" الكون. إنه تعليم نبوي. وكل نبوءة حقيقية تقود إلى شهادة يسوع: "شهادة يسوع هي روح النبوءة". يعني: حين يتكلّم النبي فيسوع هو الذي يشهد.
ينتج من كل هذا أنه إن لم يُؤدَّ السجود للملاك، فالنبي يجب أن لا يُهمل أو يُحتقر. فكلمته التي هي في النهاية شهادة يسوع، تُحترم كما تُحترم كلمة الملاك. النبي هو رفيق الملائكة في خدمتهم. قال الملاك ليوحنا: "أنا في الخدمة رفيق لك ولإخوتك الذين لهم شهادة يسوع". ففي الملاك كما في النبي يتكلّم الروح لكي تتجلّى شهادة يسوع والدلالة على انتصاره الفصحي. وما يقولانه هو "حقاً كلمات الله".
سقطت بابل وسقطت معها النظم البشرية، لأنها عمل الوحش. وقد بُنيت لكي تتحدّى الله مثل برج بابل. ولكن البشر لا "يسقطون". يُعزلون ويُعرّون (17: 16)، ولكنهم ما زالوا مدعوّين لكي يتّخذوا قرارهم بالنسبة إلى الله ما داموا على قيد الحياة. وحدها دينونة الأموات ستكون نهائية (12:20-15).
تسقط بابل كل يوم أمام عيوننا، ولكن سقوطها لا يغلق أمام سكان الأرض طريق التوبة. بل هو يجعل القديسين يشعرون بسعادتهم لأنهم مدعوون إلى وليمة عرس الحمل (19: 9).

2- إنتصار المسيح (19: 11- 21)
هنا تبدأ الرؤى السبع. في الأولى نجد فرساً أبيض والراكب عليه هو المسيح (19: 11-16). في الثانية (آ 17-18) نرى ملاكاً واقفاً في الشمس. في الثالثة (آ 19- 21) نشاهد الوحش وملؤك الأرض وجنودهم مجتمعين. في الرؤية الرابعة نجد ملاكاً نازلاً من السماء (20: 1-3). في الخامسة نرى العروش للقضاء (آ 4- 10). في السادسة (آ 11- 15)، نشاهد عرشاً عظيماً أبيض يدلّ على انتصار الله النهائي. وفي الرؤية السابعة (21: 1 ي) تطلّ علينا السماء الجديدة والأرض الجديدة.
فبين زوال العالم القديم الذي يرمز إليه دمار بابل وفناؤها (ف 17-18)، وبين المجيء النهائي للعالم الجديد الذي يدلّ عليه ظهور مشعّ لأورشليم السماوية التي زال منها كل قتال، كل دمعة، كل موت (21: 1-22- 5). بين هذين القطبين، يرينا الكاتب التدخّل النهائي الذي فيه جعل الله كل "شخص" في "مكانه" في مجيء المسيح وانتصاره الشامل.
أمام وجه هذا المسيح الذي يرافقه أخصّاؤه (19: 11- 16) سيزول الشرّ حتى أعمق جذوره (19: 17- 20: 15). أولاً: يقتل "سكّان الأرض" (19: 17- 20: 15). ثانياً: يُلقي في مستنقع النار الوحش والنبي الكذاب اللذين دفعا الناس إلى القتال (19: 20). وأخيراً، ينضمّ إليهما التنين المحرّك الأخير للثورة (21: 10) بعد حكم يصدر على دفعتين (20: 1- 15). في الدفعة الأولى: يُقيَّد لألف سنة (20: 1-3) ساعة يملك المسيح مع أخصائه لدينونة أولى (20: 4-6) حيث يعود الشهداء وحدهم إلى الحياة (القيامة الأولى) ليملكوا معه في حياة أبدية لا تخاف الموت الثاني. في الدفعة الثانية، يُرمى في مستنقع النار بعد محاولة تمرّد قصيرة (20: 7-10) ساعة تتمّ دينونة مجمل الموتى (20: 11- 15) ويزول الموت نفسه بعد أن يلقى في مستنقع النار: هذا هو الموت الثاني (21: 14؛ رج 20: 6).
أ- تقديم المسيح (19: 11- 16)
نجد هنا قسمين رئيسيين في نهاية ف 19. في آ 11-16: تقديم المسيح. في آ 17- 21: المعركة الأخيرة. ولكن المشهدين يكوّنان وحدة متكاملة: فالقتال الأخير يجعل وجهاً لوجه الفارس وجيشه (آ 11- 14) وملوك الأرض وتبّاعهم (آ 18: 19) الذين هم الأمم (آ 15). والسلاح المستعمل هو "سيف مسنون" (آ 15، 21). إن المشهد كله يبرز المسيح كديّان قوى العالم والمنتصر عليها. لا نجد من جهة ديّان الكنيسة (آ 11-16) ومن جهة ثانية ديّان الأمم (آ 17- 21) كما يقوله بعض الشرّاح.
حينئذ رأيت السماء مفتوحة" (آ 11). حتى الآن كانت الإيحاءات السماوية محدودة. في 4: 1 فُتح بابٌ فقط ليسمح للرائي بأن يرى الليتورجيا السماوية. في 11: 19 وفي 15: 5، فُتح الهيكل فكشف عن نيّة الله العميقة بأن يقيم وسط البشر. وهنا، فُتحت السماء نفسها. نحن أمام تطوّر جذري في الوحي. فُتحت السماء، فظهر أمام عيون الجميع أن التاريخ البشري والتاريخ السماوي هما تاريخ واحد.
إن عبارة "سماء مفتوحة" تذكّرنا بنصّ يو 1: 51: "سترون السماء مفتوحة، وملائكة الله صاعدين ونازلين فوق ابن الإنسان". أي: تفهمون أن الله يأتي حقاً على الأرض في شخص يسوع. ونجد العبارة عينها في أخبار عماد يسوع (مر 1: 10؛ مت 3: 16؛ لو 3: 21). هذا ما تريد أن تبيّنه هذه الرؤية: في شاخص المسيح تمارَس دينونة الله نفسها.
إنّ أولى اهتمامات هذه الآيات هي أن تحدّد إسم الفارس، أن تحيط بكيانه ووظيفته (آ 11، 12، 13، 16). إن الأسماء التي يحملها،. ينسبها الأنبياء إلى الله نفسه. وعمل المسيح قريب جداً من عمل الله. فهو الله الذي يدين ويقاتل، ولكن لدينونته وقتاله إسماً هو يسوع المسيح (يو 5: 22: إن الآب لا يدين أحداً بل سلّم الحكم كله إلى الإبن. أما سائر صفات الفارس فمأخوذة من النبوءات المسيحانية، وهي تدلّ على أنه يتمّ كل ما انتظر الشعب من مسيحه. هو يتمّ ما هيّأه الله منذ الأزل أي الإنتصار على ما يحسبه العالُم لا يُقهر.
"وإذا فرس أبيض". الفارس هو المسيح. ولكن صورة المسيح الفارس ليست تقليدية في العالم اليهودي ولا في العالم المسيحي. بل نجد في رؤ: الحمل، أسد يهوذا. ولكن هناك تقارباً قد يلقي الضوء على هذه الصورة: فالفارس الأول في رؤ 6: 2 هو أبيض أيضاً ومعه إكليل. إنه يجسّد أحكام الله. وهنا يوضح النصّ أن وظيفة المسيح الرئيسية هي في أن يدين ويحارب. في بداية الكتاب، نرى مجيء المسيح عبر سلسلة من الأحداث تدلّ على الدينونة وتؤوّنها. وفي نهاية الوحي نرى بوضوح أن الديّان هو المسيح نفسه.
"راكبه يُدعى الأمين والصادق" (أو: الحق). إنه يُوصف بما تُوصف به كلمات الله (22: 6؛ رج 18: 9). وسيسمّى بعد قليل "كلمة الله" (19: 13). الأمين والصادق يقابلان في العبرية: آمين. أمونة أي أمانة. إمت أي الحق. إنه آمين، والشاهد الأمين والحقيقي (3: 14). ذاك الذي شهادته ثابتة ومتينة مثل أعمال الله.
"يحكم ويقاتل بالعدل". إن فعل "حكم" (أو: دان) لا يجعلنا في مناخ الحكمة كما في 20: 4، 11. بل يعني: أعاد الحق من أجل المظلومين (كذا في العهد القديم، لا سيّما في سفر القضاة). هكذا كان المسيح في أش 11: 4 (يقضي للفقراء بالعدل وينصف المظلومين ويميت الأشرار). هذا ما يتوافق مع تدخّل يعاقب ظالمي شعبه (مز 9: 9؛ 96: 13؛ 98: 9). ويرى المؤمنون في العقوبات التي تدعو الكافرين إلى التوبة، "طرق الله العادلة والحقة" (15: 3-4). إن الخلاص لا ينفصل عن الحكم المعلن ضدّ كل من يقاوم مخطّط الله. فالله لا يخلّصنا مظهراً أنه لا يبالي بالشّر أو ينساه. الخلاص هو دوماً رفض للشّر وحكم عليه، وإعادة العلاقات الصحيحة بين الله والخلائق، وفي داخل الخليقة. فالمخلّص هو أيضاً الديان. يرد الفعلان (يحكم، يقاتل) في الحاضر فيدلاّن على شيء حاضر حضوراً تنكشف علاماته لمن يعرف أن يرى الواقع من خلال الظواهر. 
"وعيناه كشهاب نار" (آ 12). مثل عيني ابن الإنسان في الرؤية التدشينية (1: 14). في الحالتين نحن أمام المسيح، وهو ينفذ إلى نوايا البشر الخفية (2: 18 ي).
"تيجان عدة". التاج يدلّ على السلطان الملكي (آ 16: ملك الملوك). هو شريط يربط حول الجبهة. لهذا يتحدّث النصّ عن "تيجان عدة". هنا تأخذ الصورة كامل قوّتها حين نقابلها مع تيجان والتنين السبعة (12: 3) وتيجان الوحش العشرة (13: 1). إن المسيح يضع حداً لكل استيلاء على السلطة بالقوة.
"كُتب عليه إسم لا يعرفه أحد سواه". سيُعلن الإسم في آ 16. نحن هنا خارج المنطق ولن نتوقّف عند هذا الوضع، بل نحاول ما يعني هذا الإسم.
في 2: 17 أعطي إسم جديد للغالب لا يعرفه أحد سواه. وحسب 3: 12، إنه إسم الله، إسم أورشليم، إسم المسيح. إذن، نحن أمام إسم يترجم العلاقة الحقيقية بين الغالب وبين المسيح والأمور السماوية. ونحن لا نكتشف هذه العلاقة إلاّ بالإيمان الذي نعيشه. حين يرى المؤمن ربّه في يسوع، ينطبع باسم معلّمه.
"يلبس ثوباً مغموساً بالدم" (آ 13). هذه الصورة، شأنها شأن صورة القطاف الذي يدوس العنب في المعصرة (آ 15) تعود إلى أش 63: 1- 6 الذي يعلن عقاب أدوم برمز دائس العنب الذي تلطّخت ثيابه بالعصير أي بالدم. إنّ الذي ينزل العقاب هو الله نفسه. أما أصالة رؤ فتقوم في قراءة كرستولوجية للنبوءة. دائس العنب هو المسيح. قد تأثّرت هذه القراءة بتقارب مع تك 49: 8-12 حيث نرى المسيح يصل ليدوس ثوبه في دم العنب. المسيح هو مقاتل يمارس باسم الله دينونته وانتقامه: الدم هو دم الأعداء المقهورين.
مقابل هذا، يرى شرّاح آخرون (ونحن منهم) في هذا الدم دمَ الحمل المذبوح. في هذا القتال سفك يسوع دمه من أجل العالم: هكذا أحبّ الله العالم...
"واسمه كلمة الله". إن كلمة الله فاعلة. "قال فكان كل شيء، وأمر فصار كل موجود" (مز 33: 9). وقال الله في إر 5: 14: "أجعل كلماتي في فمك ناراً وهذا الشعب حطباً فتأكلهم". وفي 23: 29: "كلمتي كالنار، وكالمطرقة التي تحطّم الصخر". ونقرأ في هو 6: 5: "ضربتُ بالأنبياء، وقتلتُ بكلام فمي". كلامه هو نعمة وحكم معاً. كل هذا يرتبط بصورة السيف المسنون الذي به يضرب الرب الأمم (آ 15، 21؛ رج 1: 16؛ 2: 12، 16).
وهناك ثلاثة مقاطع بيبلية تلقي ضوءاً خاصاً على تسمية المسيح هذه. الأول: مطلع الإنجيل الرابع. "في البدء كان الكلمة... والكلمة صار بشراً". في يو وفي رؤ، هو لقب واحد يدلّ على يسوع المسيح. الثاني: حك 18: 15 ي: في لوحة ذات أبعاد كونية، يتحدّث المقطع عن تدخّل الله الذي ساعد على الخروج من مصر في ليلة الفصح: "هجمت كلمتك القديرة من السماء، من العروش الملكية، على أرض الخراب كمبارز مخيف وسيف صارم يمضي قضاءك المحتوم". الثالث: عب 4: 12: "حية كلمة الله وفاعلة، وأمضى من كل سيف ذي حدّين، ونافذة حتى تفصل النفس عن الروح والأوصال عن المخاخ، ومميّزة نيات القلب وأفكاره. وما من خليقة خافية أمامها: بل كل شيء أمام عينيها عارٍ مكشوف لعينيها. ولها سنؤدّي حساباً).
"وكانت تتبعه خيل بيض" (آ 14). ما هي هذه الخيول التي تؤلّف جيوش السماء؟ جواب أول: الملائكة. فالنصوص اليهودية والمسيحية القديمة تتحدّث عن حضور الفرق الملائكية بجانب المسيح في مجيئه والدينونة الأخيرة (مت 25: 31؛ مر 8: 38 وز؛ مر 13: 27 وز؛ 2 تس 1: 7). حسب مت 26: 53، هناك جيوش سماوية تأتمر بأمر يسوع منذ رسالته على الأرض.
ولكن يجب أن نبحث في خط آخر. فثوب الكتّان النقي الذي هو ثوب الملائكة (15: 6) ينسبه رؤ بالأحرى إلى المسيحيين الأمناء. إنه يرمز إلى الخلاص الذي ينعمون بواقعه الأبدي منذ الآن. إنه يرمز إلى الغلبة والإنتصار (3: 4، 5، 18؛ 4: 4؛ 6: 11؛ 7: 9، 13).
وفي 17: 14 الذي يوازي هذا المقطع، حين يحارب الحمل الأعداء أنفسهم، فهو يجتذب في انتصاره المدعوين والمختارين والمؤمنين. وفي 19: 15، يقود المسيح جيشه ليتمّ نبوءة مز 2: 9: "يرعى الأمم بعصا من حديد". وفي 2: 27، يُوعد الغالب بأن يشارك في تتمة هذه النبوءة عينها: "يرعاهم بعصا من حديد". إذن، هذا الجيش هو جوقة المسيحيين الذين حافظوا على الأمانة، هؤلاء المنتصرين الذين هم سماويون منذ الآن لأنهم يعيشون الحياة الأبدية. وسوف نجدهم مشاركين في دينونة الأمم في 20: 4.
تبعت جيوش السماء الفارس الأبيض. هذا يعني أن المسيح يأتي، يتحرّك فلا يبقى في مكان واحد. هم كهنة مثله بثوب الكتّان. وهم منتصرون بانتصاره.
"ويخرج من فمه سيف مسنون" (آ 15). إن صورة السيف المسنون تذكرنا بالرؤية التدشينية في 1: 16. وفي 2: 12-16 يدلّ السيف على حكم يصدر على الكنيسة. أما هنا، فهو صورة القرار الذي تتلفّظ به كلمة الله ضدّ أعدائها. فنحن كما في آ 11 أ، نجد في خلفية النصّ أش 11: 3- 4: "يدين الفقراء بالإنصاف. وبكلمته يضرب البلاد كما بعصا". وقال يو 12: 48: "من رذلني ولم يقبل كلمتي فله من يدينه: الكلمة التي أسمعتها هي التي تدينه في اليوم الأخير".
"يرعاهم بعصا من حديد". رج مز 2: 9 الذي طُبّق على الطفل المسيح في 12: 5 وعلى الغالب في 2: 27.
"يدوس في معصرة". سبق وظهرت الصورة في 14: 10، 19، 20. ولكن نجد هنا تحديداً خاصاً: المسيح هو الدائس الإسكاتولوجي باسم الله. 
"إسم مكتوب على ردائه وعلى فخذه" (آ 16). المهمّ هو اللقب: "ملك الملوك وربّ الأرباب". هذه ذروة آ 11- 16، وخاتمة تقود إليها كل المقاربات السابقة. هذا اللقب الذي وجدناه في 17: 14 يرتبط بالله ارتباطاً مباشراً. وهكذا نشدّد مرة أخرى على الطابع الإلهي للمسيح الديّان.
ب- القتال الأخير (19: 17- 21)
هي المرة الثالثة التي فيها يلمّح رؤ إلى قتال ضدّ الملوك. في 16: 14- 15؛ في 17: 14؛ في 19: 17- 21. وسوف نعود إلى هذا الموضوع في 20: 7-10. نذكّر هنا مرّة أخرى أننا لسنا أمام تعاقب كرونولوجي (تسلسل أحداث)، بل أما تصوير نستعيده فنزيد عليه ونلقي أضواء مختلفة على صوره.
"ورأيت ملاكاً واقفاً في الشمس". وقف هناك ليستطيع أن يوجّه كلامه، كما من على منبر، إلى "جميع الطيور التي تطير في وسط السماء" (رج مت 24: 28: حيثما تكون الجثة، هناك تجتمع النسور). طيور هي من نسل النسر الذي أعلن "الويل" المثلّث في 8: 13. أما التفاصيل المرعبة فتعود إلى حز 38-39 عن القتال النهائي العظيم ضدّ جوج، ملك ماجوج. فالنبوءة التي أعلنت نهاية كل تمرّد بشريّ تمّت في هذا اليوم. فكلمات الملاك تستعيد حرفياً قول النبي ضدّ جوج كما في حز 39: 17-20: "إجتمعي وتعالي احتشدي من كل جهة... تأكلين لحم الجبابرة وتشربين دم رؤساء الأرض... تشبعين على مائدتي من الخيل وراكبيها والجبابرة وكل مقاتل". ولكن صاحب رؤ يبذل نصّ حزقيال بشكل لافت.
فما كان وليمة ذبائحية عند حزقيال صار "وليمة الله العظيمة" (نجد الكلمة عينها في 19: 9: "وليمة عرس الحمل"). وإن الوليمتين تتعارضان تعارضاً تاماً كما تتعارض الزانية وعروس الحمل. إن الخلاص والعقاب هما وجهتان في عمل الله الواحد. وحيث تحدّث حزقيال عن الجبابرة والرؤساء، وسّع رؤ التعداد فامتدّ امتداد البشرية: "جميع الناس، أحراراً وعبيداً، صغاراً وكباراً" (رج 11: 18؛ 13: 16؛ 19: 5؛ 20: 2). لسنا أمام تاريخ بعض الملوك وجيوشهم: هي معارضة تامة تجعل البشرية ضدّ الله، ولكنها ستتراجع أمام انتصار المسيح.
ورأيت الوحش" (آ 19). في 17: 16، كان الوحش قد حرّك ملوك الأرض ضدّ عاصمة الإمبراطورية. وهكذا بدأت دينونة الله تنفّذ. سقطت بابل، ولكن الوحش وحلفاءه ما زالوا حاضرين وهم يستعدّون لقتال الفارس وجيشه.
"فوقع الوحش في الأسر" (آ 20). في الواقع، لا معركة تذكر. بل هزيمة وعقاب. فكما في ف 12، صار النصر من الماضي ولا يمكن أن يكون موضوع تساؤل (5: 5). فالفارس لم يأتِ ليقاتل، بل لينشر نتائج القتال.
إن رؤساء الجيش الجهنّمي (الوحش، النبي الكذاب) هم أول الضحايا الذي تُذكر ذنوبهم للمرّة الأخيرة (13: 16؛ 14: 9؛ 16: 2؛ 20: 4). أعلنت نهايتهم فلم تكن الكلمات كافية لكي تعبّر عن واقع يتعدّى الإدراك البشري. ولقد تردّد الكاتب بين عدّة تصوّرات للآخرة. فصورة مثوى الأموات بدت ضعيفة أو هي لم تبدُ نهائية. وزوال الأعداء لم يدخل في نظرته، لهذا اختار بحيرة النار ليدلّ على موضوع العذاب الأبدي، على عكس الحياة الأبدية.
"وهناك الباقون" (آ 21). إختلف مصير الجيش عن مصير رؤسائه. فالموت بسيف الكلمة ليس مخيفاً وليس نهائياً مثل بحيرة النور. وسوف ننتظر 20: 15 وبعد آخر فعل من أفعال الدينونة، حتى نرى أناساً يرمون في بحيرة النار. هل نحن أمام نصر روحي على أعداء دفعوا إلى الإرتداد بواسطة كلمة سمعوها؟ دُفعوا إلى التخلّي عن "جسد" الإنسان العتيق؟ ربما. ولكن يبدو عذابهم حقيقياً