الألف سنة والدينونة الأخيرة

 

- ملاحظات أولية
أ- نمطان من التفسير
في قلب هذا الكتاب الصعب الذي هو رؤ، يطرح ف 20 أصعب المشاكل وأعقدها. ونستطيع القول إن هناك طريقتين لفهم هذا المقطع ولا سيّما الألف سنة.
أولاً: الألف سنة المقبلة
هناك تفسير حرفي، تطلّعي، ألفاني.
* قد يُفهم المستقبل في أنه نهية الزمن. هذا هو التفسير الأقدم والأكثر حرفية. ستكون هناك حقبة مقبلة في التاريخ توضع في ظلّ يسوع المسيح. فالله يظهر على الأرض كل البركات التي هيّأها للإنسان منذ البدايات. ستكون تتمة أرضية لنبوءات العهد القديم، تتمة للتاريخ في التاريخ. ويتضمّن تاريخنا زمناً فيه يقرّ الكون كله بسيادة الله.
* وقد يُفهم المستقبل بالنسبة إلى زمن تدوين رؤ. فالصعوبات والأخطار التي لاقاها المسيحيون حتى الآن، ليست بشيء إذا ما قُوبلت بالزمن الذي فيه ينتصر الإيمان. ماذا هي ثلاث سنوات ونصف السنة مقابل ألف سنة (مع العلم أن 1000 يدل على كمية كبيرة جدًّا. أو هو رقم الخلود)؟ هذا النمط من التفسير يسيطر على التأويل البروتستنتي.
ثانياً: رمز إلى الحقبة الحاضرة
الألف سنة هي رمز إلى الحقبة الحاضرة. هذا هو التأويل الرمزي والروحي والكنسي والمرتبط بالحاضر. ونلاحظ أن كل ما قيل لنا عن هذه الحقبة نجده في أماكن أخرى من العهد الجديد (وفي رؤ) عن الحقبة التي دشّنها موت المسيح وقيامته. إذن نحن بالأحرى أمام تاريخ الكنيسة، لا أمام الحقبة الأخيرة أو ما قبل الأخيرة للتاريخ العالمي. اختيرت الألف سنة بالنظر إلى إقامة الإنسان في الفردوس. ألف سنة هي طول يوم إلهي قطعه الإنسان بسقطته: وعمل المسيح جاء يصحّح هذه السقطة وهذا الفشل. هذا النمط من التفسير نجده بصورة خاصة عند الكاثوليك.
ب- رؤ 20 وما يوازيها من نصوص (ف 11، 12، 13، 17)
أولاً: نعتبر ف 20 وحدة لا تتجزأ. لا نؤخذ بالألف سنة وننسَ الدينونة الأخيرة. ما يؤمّن وحدة هذا الفصل هو إرتباطه مع ما سبقه، هو نهاية الشيطان. فبعد بابل والوحشين، ها هو العقاب الأخير لعدوّ البدايات الأول، وهو الحية الجهنمية أي الشيطان.
ثانياً: إن قصة الشيطان المروية هنا تبرز نقاطاً مشتركة مع قصة التنين والوحشين كما نجدها في ف 12، 13، 17. هو مصير واحد يمرّ في ذات المراحل: سلطة سابقة، هزيمة، نهوض، نهاية.
* في 20: 2- 3: هزيمة الشيطان وهي تعلن نهايته. في 12: 12، سقط التنين على الأرض وعرف أنه لم يبقَ له وقت طويل. في 17: 7- 8، كان الوحش، ولم يعد موجوداً الآن. سيعود ليذهب إلى الهلاك.
* ترتبط هذه الهزيمة بمصير المسيح. في ف 20 قيّد الشيطان ساعة يملك المسيح. في ف 12، كانت ولادة المسيح السبب في نفي التنين. في ف 13، بدا جرح الوحش مثل جرح الحمل. في ف 17، كان الوحش ولم يعد موجوداً تجاه الله الكائن والذي كان والذي سيأتي.
* تُوصف حقبة الذلّ بمقياس زمني في ف 11، 12، 13: 1260 يوماً. 42 شهراً. ثلاث سنوات ونصف السنة. راجع "بعض الوقت" (12: 12؛ 20: 3). نحن أمام أرقام رمزية. وستكون الألف سنة أيضاً رمزية. بالنسبة إلى المؤمنين، هو زمن الاضطهاد (11: 1- 7؛ 12: 12- 17؛ 13: 1 ي؛ 17: 6؛ 20: 9). وتتوقّف المحنة بتدخل من الله (11: 1-12؛ 6:12، 14، 16؛ 17: 14؛ 9:20). حينئذ يحسّ المؤمنون المرتبطون بالمسيح بواقع الخلاص.
* ونتوقف عند 11: 11- 12؛ قام الشاهدان من الموت كما قام معلّمهما. وفي 12: 10- 11، إنتصر الإخوة كما إنتصر المسيح. وفي 20: 4، 6 هم يمارسون الدينونة والملك والكهنوت مثل يسوع. كل هذا ليس وليد الصدفة. فلقد "عرف" الكاتب أن لظهورات الشيطان في هذا العالم نقاطاً مشتركة ترتبط بالحدث الفصحي. إذن، لا نقرأ هذه الصور المتوازية وكأنها صور متعاقبة، بل كإيحاءات تحمل النور الأساسي عينه (وإن اختلفت وجهات النظر) الذي ينير البشر. وهذا النور هو انتصار يسوع الفصحي.
ج- رؤ 20 على ضوء الفصول الموازية
نعرف في ف 20، أنه خلال الألف سنة التي يكون فيها الشيطان مقيّداً، يمارس المؤمنون القضاء (آ 4)، يعيشون و"يملكون" مع المسيح (آ 4، 6)، يكونون كهنة الله (آ 6). هذه هي "القيامة الأولى" (آ 5).
ماذا تعني هذه التأكيدات؟ هل نحن أمام وقائع جديدة ومجهولة في العالم الحاضر، وبالتالي محفوظة لحقبة مقبلة؟ مثل: الدينونة، الملك، الكهنوت.
مع أن النصّ لا يفرض ذلك إطلاقاً. يبدو أن القضاة (في آ 4) الجالسين على العروش هم الشهداء، الذين قطعت رؤوسهم. هم المعترفون، الذين لم يسجدوا للوحش. في 19: 14، حين جاء الفارس المسيح رافقه أخصّاؤه يوم جاء للقضاء وليدلّ على أنه ملك. فلا نعجب إن وجدنا هؤلاء الرفاق أنفسهم على العروش معه. ولكن حين يتحدّث مت 19؛ 28؛ لو 22: 30؛ 1 كور 6: 2-3 عن جمع المسيحيين مع المسيح للقضاء، فهم يتحدّثون عن هذا الوضع في صيغة المضارع، ويجعلونه في آخر الأزمنة.
هناك تماهٍ شبه تام بين ملكوت الله وقضائه. حين يصمد الشاهدان في موقفهما حتى الموت، نستطيع أن ننشد في السماء أن ملك الله قد بدأ، وأن زمن قضائه قد حلّ (11: 15- 18). والمسيحيون يشاركون الله في ملكه وعدالته، فيجعلونهما ظاهرين لكل إنسان. هم ملوك وقضاة. وهم أيضاً كهنة. يعيشون هكذا فيؤدون لله العبادة والطاعة اللتين تليقان به. وحسب 1: 5- 6 و5: 9- 10 هذه الأمور هي منذ الآن جزء من حياة المسيحي. وقد قال يوحنا نفسه (1: 9) إنه يشارك قرّاءه في المحنة والملك والثبات. إذن، لسنا أمام مواعيد محفوظة لمستقبل بعيد: أن نكون ملوكاً وقضاة وكهنة، فهذه ميزة حياة المسيحيين الحاضرة.
ويقول معترض: كل هذه المجموعة (الملك، القضاء، ممارسة الكهنوت) يسميها 20: 5 القيامة الأولى. أما يفترض هذا أن أناساً مرّوا في موت الجسد. وهذا ما يحيلنا إلى منتهى الأزمنة لألف سنة؟ وإلاّ، فما هي هذه القيامة الأولى؟
ويأتي الجواب. إن رؤ يعرف الموت الثاني (12: 11؛ 20: 26) فيدلّ به على العقاب الأخير، على الهلاك. الموت الأول هو موت الجسد. قد نرافق عدداً من آباء الكنيسة فنتحدّث عن قيامة في مرحلتين بعد موت الجسد: موت المؤمنين أولاً (آ 4). ثم القيامة العامة (آ 12- 13).
غير أن رؤ لا يربط أبداً موت الجسد بالقيامة الأولى، كما أنّه يجهل واقع القيامة الثانية والتعبير عنها. فالكاتب يرى أن المؤمنين ينالون منذ هذه الحياة الخلاص الأبدي. إنهم ما وراء الدينونة، ولم يعد لهم أن يخافوا الموت الثاني (2: 11؛ 20: 6). إنهم منذ هذه الأرض وقبل موتهم في الجسد، يعيشون حياة جديدة ومنبعثة، تجعل منهم أناساً سماويين (7: 9- 17؛ 12: 10- 12؛ 14: 1- 5؛ 15: 3- 4). هذه هي القيامة الأولى ولا قيامة غيرها في نظر صاحب رؤ. غير أنها لم تظهر كل نتائجها وتظلّ مهدّدة قبل موت الجسد. هذا ما يقوله الإنجيل الرابع: من يحيا ويؤمن بي فلن يموت أبداً (5: 25- 26).
ويقول قائل: خلال الألف سنة، الشيطان هو مقيّد ومسجون في الهاوية لئلا يسحر الأمم (آ 2- 3): فهذا لا يعنى زمننا الحاضر حيث الشيطان حرّ طليق.
ويأتي الجواب. إن قلنا هكذا نسينا المثل الإنجيلي عن الرجل القويّ (الشيطان) الذي ربطه المسيح وسلبه كل ممتلكاته (مت 12: 29 وز). إن هذا المثل يعني رسالة يسوع الحاضرة. ونتذكّر لو 10: 17- 19 حيث يرى ْيسوع الشيطان ساقطاً من السماء خلال مهمة رسله. ونذكر يو 12: 31: "الآن يطرح أركون هذا العالم خارجاً". منذ ساعة إنتصار يسوع، قيّد الشيطان وما عاد يفتن الناس كما في البداية. حطّم سلطانه، فما عاد ملكاً، وتفلّت أناس عديدون من قبضته. لقد ربطه المسيح لكي يمنعه من الإساءة إلى البشر. قد يؤذيهم، قد يضطهدهم، ولكنه لا يستطيع أن ينتزعهم من يد المسيح ويد أبيه. قال يسوع الراعي الصالح عن خرافه: "أنا أوتيها حياة أبدية فلا تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي. إن ما أعطاني أبي هو أثمن من كل شيء، ولا أحد يستطيع أن يختطفه من الآب" (يو 10: 28- 29).
ويُطرح سؤال: هل هذه الألف سنة هي مهلة محدّدة بوضوح؟ أم تدلّ على حقبة من حقبات المستقبل نستطيع أن نتعرّف إليها؟
والجواب. إن الألف سنة تشبه الحقبة التي جعلها الكاتب 1260 يوماً و 42 شهراً. ثلاث سنوات ونصف السنة. هي أوقات رمزية تدلّ على زمن المحنة. وهي أرقام تدلّ على مهلة محدودة. إذن، نحن مدعوون لنبحث في الألف سنة عن مدلول رمزي لا كرونولونجي (حسب تسلسل الأزمنة). ولكن ما هو هذا المضمون؟
عاد التقليد اليهودي والتقليد المسيحي إلى أش 65: 17- 25 (أخلق سماوات جديدة وأرضاً جديدة فلا تذكر السالفة ولا تخطر على البال...)، فظنّا أن المملكة المسيحانية تقوم في إعادة الحقبة الفردوسية التي قطعتها السقطة الأولى. كان على آدم أن يموت يوم يخطأ (تك 2: 17). إذن، هو لم يكمل يوم الله في الفردوس. في الواقع، مات وهو بعمر 930 سنة (تك 5: 5)، إذن قبل نهاية يوم الله. فألف سنة في عين الله كيوم أمس الذي عبر (مز 90: 4). هذا هو المعنى الرمزي الذي نسيناه.
حين نقول إن المسيح يملك ألف سنة، هذا يعني أنه، وهو آدم الجديد، يُلغي نتائج السقطة ويتيح للإنسان أن يستعيد ظروف القرب من الله، كما كان الأمر في الفردوس. هذا ما حدث في رؤ: تقيّد حية البدايات فلا تستطيع أن تطغي الإنسان من بعد (12: 9؛ 20: 3). تقدّم ثمار شجرة الحياة إلى الذين رافقوا المسيح وانتصروا معه على الشيطان (2: 7؛ 22: 14، 19). هؤلاء المؤمنون يستطيعون أن يحيوا في جنّة الله ولا يخافوا الموت الأول ولا الموت الثاني، لا الاستشهاد (12: 11) ولا الهلاك (2: 11: 20: 6). إنهم يملكون مع المسيح.
نحن في الأزمنة الأخيرة. ولكن هذه الأزمنة الأخيرة قد بدأت مع موت المسيح وقيامته. وهكذا يحيلنا رؤ 20 إلى الحقبة الحاضرة، الحقبة التي نعيشها اليوم. والألف سنة تدلّ على الزمن الممتدّ بين مجيء يسوع الأول (إنتهى بالموت والقيامة) ومجيئه الثاني.
د- نظرة الفصول الموازية (11، 12، 13، 17) بالنسبة إلى رؤ 20
إن الحديث عن الزمن الحاضر موجود في الفصول الموازية. وكل فصل قدّمه من وجهته الخاصة.
* في ف 11، 42 شهراً (آ 2) أو 1260 يوماً (آ 3) هي زمن الشهادة بما فيها من مخاطرة. فالشاهد يسلّم إلى أيدي الوثنيين، ولكن قدرة الله تحميه. إن هذا الزمن يتسلّم من الخارج نوراً يكشف طبيعته. فبعد 1260 يوماً، يقيم الله الشاهدين (آ 11).
* في ف 12، تبدو 1260 يوماً (آ 6) أو 3 سنوات ونصف (آ 14) كالزمن الذي دشّنه موت المسيح وقيامته (آ 5). ألقي الشيطان من السماء (آ 7- 10)، فلا يستطيع أن يهلك البشر وصارت أيامه معدودة (آ 12). الله يعين أخصّاءه (آ 6، 14) فيكونون منتصرين وإن حُكم عليهم بالموت (آ 11).
* يحدّد ف 13 الزمن الحاضر من زاوية الاستعمال اليومي. إذا بقينا على سطحية الأمور، لا نرى سلطان الشيطان الشامل الكامل. والمؤمنون المؤسّسون في المسيح يقاومون، ولكنهم شبه مرذولين من الحياة الاجتماعية (آ 17). غير أنهم يعرفون أن يروا في هذا التسلّط ظاهرة بشرية وحسب (آ 9- 10، 18؛ رج 14: 12- 13). إنهم منذ الآن مع الحمل (14: 1-5).
* ويحدّثنا ف 17 عن الزمن الحاضر كزمن فيه بدأت دينونة الله تتمّ. فالوحش الذي حاكى المسيح هزءاً، كانت آخرته الدمار. فالذي يعرف أن يرى الآيات، يجد أن دينونة الله بدأت عملها في تاريخ العالم والبشر عبر دمار الممالك.
* وفي ف 20، تدلّ الألف سنة على الزمن الحاضر والحقبة التي فيها يقيّد المسيح الشيطان ويمنعه من ممارسة نشاطه الهدّام. فالمؤمنون يملكون ويشاركون لا دينونة العالم، وهم كهنة الله. ومن خارج الألف سنة يأتي الوحي النهائي الذي يكشف المعنى الحقيقي لهذه الحقبة. فبعد الألف سنة، يُطلق الشيطان لحظة قبل أن يزول زوالاً نهائياً. ما عدا ذلك، فالحقبة الأخيرة وحقبة الألف سنة حقبتان متماسكتان: دينونة واحدة (آ 4- 11- 12)، بُعد واحد لقرار الحياة الأبدية (آ 6) أو لقرار الهلاك.

2- ملك الألف سنة (20: 1- 6)
أ- مدخل
لم يبقَ من المثلّث الشيطاني (التنين، 12: 3؛ وحش البحر، 13: 1؛ وحش الأرض= النبي الكذاب، 13: 11؛ 19: 20) إلاّ التنين الذي هو الحية الجهنمية والشيطان. ولكن ها قد جاءت ساعة الدينونة لذلك الذي كان حاضراً في التاريخ منذ السقطة الأصلية (تك 3: 1 ي). قيّد الملاك الشيطان بأمر الله وقدرته (جاء من السماء) وجعل له سلسلة حول عنقه. فتحدّدت إمكانياته في الزمان والمكان حسب إرادة الله وسماحه.
ويتحدّث النصّ عن ألف سنة (آ 2، 3). هناك فكرة سابقة للمسيحية تقول إن التاريخ البشري تكوّن حسب نموذج الستة أيام. هناك "أسبوع العالم" حيث يتبع الستة آلاف سنة السبتُ العظيم الأبدي. وبين أسبوعي العالم الخامس والسادس (= الزمن المسيحاني) تدخل فسحة يقيّد فيها الشيطان بشكل موقت. وهذه الفسحة التي قدّرتها النصوص بأشكال متعدّدة (40، 4000، 1000، 2000 سنة) نجدها في الرؤى اللابيبلية (4 عزرا 7: 28- 29؛ أخنوخ 91: 12- 19؛ 93؛ رؤيا باروك 40: 3). 
كيف بدا التاريخ العام لا النظرة اليهودية خلال القرن الأول المسيحي؟ إذا عدنا إلى أسبوع الخلق كما في سفر التكوين، وإلى مز 90: 4 (رج 2 بط 3: 8)، نرى في تاريخ الكون أسبوعاً عظيماً شاملاً.
- اليومان الأول والثاني في العالم: 2600 سنة من دون شريعة (قبل إبراهيم).
- اليومان الثالث والرابع في العالم: 2000 سنة تحت الشريعة. منذ سنة إبراهيم الثانية والخمسين إلى سنة 240 بعد المسيح.
- اليومان الخامس والسادس في العالم:
اليوم الخامس: ألف سنة. في نهاية هذه الحقبة يقيّد الشيطان وتتمّ القيامة الأولى.
اليوم السادس: ألف سنة. الزمن المسيحاني. في نهاية هذه الحقبة: سقوط الشيطان، القيامة العامّة، دينونة الأمم.
- اليوم السابع الأبدي: السبت العظيم: سماء جديدة. أرض جديدة. أورشليم الجديدة.
إن الحقبة السادسة في هذا الأسبوع العظيم الكوني، هي الزمن المسيحاني الذي يمتدّ ألف سنة. إن فكرة حكم يتوسّط حكمين، حكم مسيحاني ينهي تاريخ إسرائيل ويسبق القيامة العامة ودينونة الأمم والتتمة الأخيرة، يستلهم دا 7: 9 ي؛ 12: 1؛ 14: 1 ي.
ب- الرؤية الرابعة: تقييد التنين (20: 1- 3)
كانت الرؤية الأولى: الفارس الأبيض (19: 11- 16) والثانية: الدعوة إلى القتال (19: 17- 18). والثالثة: إنتصار الفارس الأبيض. وبعد. هذه الرؤية الرابعة، سيصوّر الموت والقيامة ونهاية الأرض والسماء وموت الموت الذي "تجسّد" وصار شخصاً حياً.
"ثم رأيت ملاكاً" (آ 1). إن الدينونة تصيب أعداء الله في ترتيب معاكس لدخولهم على مسرح الأحداث. فبعد رومة (ف 17، 18) والوحشين (ف 19)، ها قد جاء دور الشيطان. لقد ظهر من جديد الإسم ذاته. أعطي له حين قدّم للقارىء في 12: 9: "الحيّة القديمة، أي إبليس والشيطان". كل هذا يبرز فكرة تقول إن ف 12- 20 تشكّل وحدة نجد هنا خاتمتها. لقد تبيّنا المواضيع الكبرى التي توحدّ هذه الفصول، ولا سيما الموازاة بين ف 12 وف 20. وها نحن نقدّم إشارة أخرى. في ف 12، كان تدخّل المسيح السبب في هزيمة الشيطان (آ 5، 10). أما ميخائيل فاكتفى بتنفيذ الحكم (آ 7، 9). وكذا نقول عن ف20. جاء المسيح يدلّ على انتصاره (19: 11- 21) واكتفى الملاك بأن يستغلّ النتائج: قيّد الشيطان، رماه في الهاوية.
"مفتاح الهاوية". نميّز الهاوية عن بحيرة النار. في نظر الكاتب، الهاوية هي الموضع الذي يعاقَب فيه الشيطان أو لا يعاقب (9: 1). إنه أشبه بسجن تقيم فيه القوات الشيطانية ومنه تنطلق في هجومها على الأرض (9: 2، 11؛ 17: 8). والله يراقب مخارج الهاوية بواسطة ملاك الشر (9: 1) أو ملاك الخير (20: 1). يسجن الشيطان في الهاوية فلا يعود حراً كل الحرّية في تحرّكاته. وتذكر ألقابه ويعلن أن نتائج الخطيئة الأصلية قد ألغيت.
"وقيّده لألف سنة (آ 2). إن موضوع سجن أعداء الله بشكل نهائي هو موضوع تقليدي في العالم اليهودي (أش 24: 21- 22: يجمعون كما لمجمع الأسرى في الجبّ ويغلق عليهم في السجن) (1 أخنوخ 10: 4- 6). ولكن في الرؤى اليهودية، يشكّل هذا المشهد جزءاً من المتتالية الأخيرة في التاريخ. أما هنا فالكاتب يتحدّث عن الحقبة الحاضرة. فهو يرى، كما يرى مت 12: 29 ولو 10: 18 أن الشيطان قيّد منذ جاء "الأقوى" وسيطر عليه خلال إنتصاره الفصحي.
"ألف سنة". هو زمن الإقامة في الفردوس، الزمن الذي فيه الغيت نتائج السقطة الأولى. هو مرحلة موقتة تنتهي بنعمة الله في ملء الأبدية. الرقم مهمّ جدًّا، ولهذا يتكرّر أربع مرات.
"ورماه في الهاوية" (آ 3) . الفعل "بلانان" يعني: أضلّ، غشّ، أغوى. وهو يميّز عمل الشيطان (12: 9؛ 20: 3، 8، 10) وتبّاعه (13: 14؛ 19: 20) ورومة (18: 23) والنبية إيزابيل (2: 20). وهو يتصل بعبادة الأوثان التي يعرضها أو يفرضها رؤساءُ مخيّم الشيطان، كما يقطع الإنسان عن الإله الحقيقي ويرسله إلى الموت. ولكن الشيطان لا يستطيع بعد الآن أن يجعل مصير الإنسان الأبدي موضوع تساؤل. فالخلاص هو أقوى من السقطة والخطيئة والموت والشيطان.
إذن، إن آ 1- 3 لا تتحدّث عن عذاب الشيطان، بل عن هزيمته. لا ننسَ أنه سقط (ألقي) كما يقول 12: 9، 10، 13.
"ولا بدّ من إطلاقه بعد ذلك لوقت قليل". هكذا يصوّر نشاط الشيطان في 12: 12. لم يبقَ له إلاّ "وقت قليل". والتقارب بين النصين مهمّ جداً: فالزمن الحاضر الذي فيه يُلقى الشيطان من السماء إلى الأرض (هكذا يقهر الإنسان، حين يسقط على الأرض)، لا يختلف عن الزمن الذي فيه يُقهر الشيطان فيدلّ مرة أخيرة على عداوته. إن ف 20 يحدّد بعبارات التعاقب (بعد هذا) وقتاً يحدّده ف 12 بعبارات التزامن. كلها مقاربات. والكاتب ليس عبداً للرموز التي يستعملها كي يقترب من الحقيقة الإلهية التي لا تُدرك. في الحالتين، هو يتكلّم عن الزمن الواحد. ذاك الذي يبدأ في الفصح.
إذن، لا نأخذ أداة "بعد" بمعنى دقيق على مستوى التعاقب الكرونولوجي. فالكاتب يريد أن يبيّن بظرف الزمان هذا، أن الخلاص الذي تدشّن على الأرض بانتصار المسيح، يبقى عرضة للظروف، يبقى مهدّداً بالظلمة والشرّ. هناك شيء يفلت منا بعد. والله أراد أن يكون الأمر هكذا (يجب، لا بدّ) ليجتب المسيحيين تجربة التهرّب والأحلام، ليفهمهم أنهم لن يحصلوا على الخلاص من دون سهر ومشاركة مع النعمة وثقة تامّة بالله. حُصرت قوة الشيطان، ولكنها ما زالت هنا.
ج- تصوّرات الدينونة (20: 4- 6)
هنا تبدأ الرؤية الخامسة مع العروش والجالسين على العروش من أجل القضاء والدينونة.
"ورأيت عروشاً". في آ 4- 6 و11- 15، تستلهم تمثّلات الدينونة دا 7: رؤية القديم (الذي هو الله) وابن الإنسان اللذين يدينان ويملكان. والتوازي بين النصين يتيح لنا أن نفسرّ بعض التفاصيل الغامضة في رؤ 20. في دا 7، نال القديسون الملك (آ 18، 22) ومارسوا القضاء (آ 22). هذا ما يفسر رؤ 20: 4: "رأيت عروشاً جلس عليها". فالقضاة يقاسمون المسيح ملكه وسلطانه.
هم أولاً في الدرجة الأولى الشهداء الذين ضحّوا بحياتهم في شهادة أدّوها ليسوع ولكلمة الله (1: 9؛ 12: 17؛ 19: 10). عاد الكاتب إلى أناس نفّذ فيهم حكم الإعدام، وتذكّروا شهداء تحدّث التقليد عن استشهادهم. ولكن هؤلاء الشهداء في الماضي ليسوا أفضل من الذين يموتون اليوم: إنهم المؤمنون الذين يعارضون إهتمام الامبراطورية بعبادة الأصنام فيلقون المصير عينه (13: 15- 17؛ 15: 2).
ها هم القضاة. ولكن لا متهمين ولا حكم في 20: 4. فالمسيحيون المنتصرون بانتصار المسيح هم في هذا العالم آية حاضرة عن دينونة الله. فهم يدلّون بحياتهم وفرحهم أن الله تدخّل من أجل الخلاص وأن العالم سيخزى. فالملك والدينونة هما شيء واحد، لهذا يحدّثنا النصّ عن قضاة وإن لم يوجد متهمون.
"عاشوا، عادوا أحياء، عادوا إلى الحياة". فالمؤمنون الذين يمارسون القضاء ليسوا كفهم شهداء، فالكاتب يشدّد على الحياة (الحياة الحقيقية، الجديدة، الأبدية) التي لا يعرفها، قبل أن يشدّد على قيامة الموتى. هذه الحياة بدأت منذ الآن. هذه الحياة هي إتحاد بحياة يسوع (يو 5: 24؛ 11: 25- 26).
"أما بقية الأموات فلا يعيشون" (لا يعودون إلى الحياة) (آ 5). من هم هؤلاء الموتى الباقون الذين ستنتظر قيامتهم نهاية الألف سنة؟ هذا يرتبط بالمعنى الذين نعطيه للقيامة الأولى. قلنا إنها القيامة (لا قيامة غيرها). إنها الدخول في الحياة الجديدة التي لا تخاف من الموت الثاني. والباقون يكونون أولئك الذين لم يسمعوا صوت ابن الله ولم يتقبّلوه خلال مسيرة الكنيسة الطويلة على الأرض.
"سعيد وقديس من كان له نصيب في القيامة الأولى" (آ 6). هذه هي التطويبة الخامسة. تتوخّى التطويبات في رؤ مساعدة القارىء على ربط ما يُعرض في الكتاب مع ما يعيشه هو. وهي تحاول أن تجعلنا ندخل التعليم في حياتنا. الشخصية. كانت التطويبات الأربع في 1: 3؛ 14: 13؛ 16: 5؛ 19: 9). وزادت هذه التطويبة القداسة على السعادة. هذا تلميح أول إلى الطابع الكهنوتي الذي يتمتّع به المختارون.
نجا المسيحيون من العبودية، شأنهم شأن الشعب العبراني، فكوّنوا شعباً مقدّساً، شعباً كهنوتياً (خر 19؛ 6؛ 1 بط 2: 9؛ روم 12: 1 ي؛ عب 13: 15). أي الشعب الذي ينشد الله كما يليق، الذي يكرّس له حياته في تقدمة تامة ونقيّة. لا نخلط بين كهنوت المؤمنين العام الذي ينتج من اتحاد بالمسيح بواسطة المعمودية، والخدمة الكهنوتية التي تسعى إلى توثيق الرباط بين الشعب المسيحي والمسيح، فيحيا هذا الشعب كل يوم بشكل أفضل دعوته كشعب كهنوتي.
أعلن الكهنوت والملك هنا في صيغة المضارع (رج 1: 6؛ 5: 10: في الماضي أو الحاضر): فالكهنوت والملك لا ينحصران في الحقبة الحاضرة. إنهما خيران سماويان، شأنهما شأن الحياة المعطاة في القيامة الأولى. لا سلطان للموت الثاني عليهما.

3- يوم الدينونة (20: 7- 15)
بعد أن قيّد الشيطان ألف سنة توافق حكم المسيح الألفي، أعطي (في صيغة المجهول. الله سمع له) الشيطان مأذونية أخيرة. أعطي الدقائق الأخيرة قبل الدينونة الأخيرة. وتوصّل إلى محاصرة "معسكر القديسين والمدينة المحبوبة" (آ 9، أورشليم عاصمة الملك المسيحاني تقع في قلب العالم)، وإلى تهديد الكنيسة بخطر الموت. ولكن الله تدخل. بعد القتال الأخير (آ 7- 10) نتوقّف عند الدينونة الأخيرة (آ 11- 15).
أ- القتال الأخير (20: 7- 10)
"ومتى تمّت الألف سنة، يطلق الشيطان من سجنه". هذا يعني أن الزمن الحالي (الألف سنة) لا يمكن أن يكون نهاية كل شيء، كما أنها لا تحمل تفسيرها في ذاتها، بل تجسّد معناها في الله. وإعلان إزالة الشيطان إزالة نهائية يعطي الحقبة الحالية معناها. ليست زمناً متواصلاً تتوزّعه التهديدات والحروب، بل العلامة الحاضرة لواقع تام يعلن عن نفسه فيها: السماء على الأرض. ما نعيشه اليوم بشكل مهدّد يؤول إلى إنتصار نهائي على الشيطان. غير أن المبادرة وتحقيق هذا النصر يعودان إلى نعمة الله وحدها. "بعد ذلك".
"يخرج ليضلّ الأمم التي في زوايا الأرض الأربع" (آ 8). هذا ما فعل في زمن آدم وحواء. ولكن حقل عمله ضاق، ولا يستطيع بعد اليوم أن يصيب الغالبين ورفاق الحمل.
"يجمع جوج وماجوج للقتال". في رنّة الإسمين سّر رهيب. لقد أنبأ حز 38- 39 باجتياح أمير آتٍ من الشمال هو جوج ملك ماجوج (في القديم كان ماجوج إسم رجل أو إسم شعب، تك 10: 2). سيهاجم إسرائيل في نهاية الأزمنة، ولكن إسرائيل سيدافع عن نفسه ويردّ المهاجمين بشكل عجائبي. وهكذا يكون "جوج" شخصاً نموذجياً يدلّ على ملوك الأرض وجيوشهم. فلا نبحث عنه في هذا الشخص أو في هذا الشعب خلال التاريخ. ما يريد رؤ أن يلاحظ هو أن تمرّد الإنسان هو عمل الشيطان، وأنه لا يمكن أن يكون واقعاً أبدياً، أساسياً، سماوياً. بل ظاهرة أرضية وعابرة.
"فصعدوا على وجه الأرض" (آ 9). توجّه القتال على شعب الله الذي عسكر في البرية، شأنه شأن العبرانيين (عد 2: 2 ي)، وأقام مع الله في مدينته المحبوبة (مز 78: 68؛ 87: 2). إن الصورتين تحيلاننا إلى الواقع الواحد. فصاحب رؤ لا يصوّر لنا متتالية تاريخية، بل يفهمنا حقائق دينية. فكما في نبوءة حز 38: 22؛ 39: 6، جاءت نار من السماء ودمّرت المهاجمين. نحن هنا أمام كليشاهات تصوّر تدخل الله (لا ننسَ أن النار تدلّ على الله) (رؤ 11: 6؛ 2 مل 1: 10- 12).
"وألقى إبليس" (آ 10). يجب على إبليس أن يلاقي "قواده" (الوحش، النبي الكذّاب) في بحيرة النار. وهذا ما يدلّ على النصر الكامل الذي أحرزه المسيح عليه. لقد أبعد الشيطان نهائياً من العالم. خرج من التاريخ. صار على هامش الأبدية. هو لا يموت كما مات المسيح. لهذا فهو لا يعرف القيامة. ستكون أبديته بدون قيامة.
ب- الدينونة الأخيرة (20: 11- 15)
سبق وصوّرت الدينونة الأخيرة في أوجه مختلفة. في 14: 10؛ 14: 19- 20؛ 20: 4. ولكننا نشدّد هنا على طابعها النهائي. ولهذا السبب، فالله نفسه هو الديان الوحيد (الجالس، 4: 2، 3، 9؛ 5: 1، 7، 13؛ 7: 10، 15؛ 19: 4؛ 21: 5). كلمته هي الكلمة الأخيرة والنهائية. لسنا هنا في تناقض مع ف 19 الذي تحدّث عن المسيح الديّان. فنحن نجد عند القديس بولس هذين التأكيدين مجتمعين في عبارة واحدة: "الله يدين في يسوع المسيح" (روم 2: 16).
"هربت من أمام وجهه الأرض والسماء". كل شيء يتحرّك، كل شيء يرتجف أمام الديّان. إن صورة عالم يزول هي صورة تقليدية نقرأها في مز 102: 26- 27: "في البدء أسّست الأرض، والسماوات هي صنع يديك. هي تزول وأنت تبقى، ولكنها تبلى كالثوب وتطويها كالرداء فتتغيّر". (رج مز 104: 29-30). ونقرأ في أش 51: 6: "إن السماوات كالدخان تضمحلّ، والأرض كالثوب تبلى، وسكانها يموتون كذلك" (رج مر 13: 31؛ 2 بط 3: 10).
ولكن مع هذا، فليس كل شيء بواضح: كل شيء يزول، ومع ذلك فالبحر يبقى (كما في آ 13) لأنه يُطلب منه أن يقذف بأمواته. نحن من جديد أمام عجز اللسان البشري عن إعطاء فكرة واضحة عن الأمور الجديدة. يزول العالم حين يدين الله، لأنه لا يستطيع أن يكون موضوع الحياة الجديدة. يجب أن يتجدّد تجددّاً كلّياً (21: 1). ولكن هذا العالم موجود منذ القدم. فكيف يستطيع المنطق البشري أن يوفّق بين تقليدين تسلّمهما من الوحي؟ الأول: العالم يزولا، يختفي. ومع ذلك فالإطار العادي ما زال هنا. الثاني: عالم جديد هو منذ الآن هنا، ومع ذلك لا نراه بعيوننا.
حين قال الكاتب إن زوال السماء والأرض يترك وراءه مادية عناصرهما (البحر!)، دعانا لكي نفهم أن التبدّل هو من نوع آخر. فما هو في العالم علامة على الثورة الخاطئة يزول. ولكن ما هو دلالة على تجديد محيي وخلاصي، يحتلّ المكان كله. إن تبدل المبدأين الملهمين يجعلنا نحسّ أننا أمام عالمين لا شيء يجمع بينهما.
"ورأيت الأموات كباراً وصغاراً". إن القيامة العامة تعني أيضاً المؤمنين (في آ 15: بعض هؤلاء كتب اسمهم في سفر الحياة): إذن، أشخاص عرفوا القيامة الأولى ويعيشون منذ الآن الحياة الأبدية. إذن نستنتج. إما أن يكون كاتب رؤ تأثّر بالكتّاب اليهود الذين يتحدّثون عن القيامة العامة. وإما أن يكون تجنّب الحديث عن القيامة: قدّم الأموات أمام منبر الديّان، ولكن هذا التقديم لا يُمكن أن يُقابل في حياده مع الحياة الأبدية التي تمنحها القيامة.
"وفُتحت كتب". إن سجلاّت الدينونة هي جزء من الأثاث العادي المستعمل في أسفار الرؤى اليهودية. فيها تسجّل كل أعمال البشر. وفي الدينونة يحدّد مضمونها الحكم. وقد يكون سجلّ للأعمال الحسنة وآخر للأعمال الرديئة. ورث رؤ هذا الاعتقاد ولكنه حوّله تحويلاً جذرياً فميّز من هذه الكتب "كتاب الحياة" الذي يتضمّن أسماء المختارين (خر 32: 32؛ مز 69: 29؛ دا 12: 1؛ لو 10: 20؛ فل 4: 3؛ عب 12: 23).
كتاب الحياة هو كتاب الحمل المذبوح (3: 5؛ 13: 8؛ 17: 8؛ 20: 15؛ 21: 27). وليس سجلّ "قضاء" الله الأعمى. فهو يحوي أسماء الذين قبلوا أن يسلّموا مصيرهم إلى المسيح.
إذن، يبدو أن هناك معيارين للدينونة: الأعمال والإيمان بالمسيح. لا يختار الكاتب بين الاثنين وكأن الواحد يلغي الآخر. بل يستعيد سمات ثابتة في العهد الجديد: فدينونة النعمة لا تعارض الدينونة حسب الأعمال، لأن الذي كُتب في سفر الحياة يُفرض عليه سلوك يتوافق وهذا الاسم الجديد الذي نلناه في العماد. وإن لم يكن له مثل هذا السلوك، يمحى اسمه من سفر الحياة (3: 5). ولكن الطابع الأخير ليس الأخلاقية (هي نتيجة) بل علاقة الإيمان بيسوع الذي بسببه وحده تكون أعمالنا صالحة.
"وقذف البحر الأموات" (آ 13). إن العالم المعاصر لسفر الرؤيا يهتمّ إهتماماً عظيماً بدفن الموتى، وهو يتساءل عن مصير الموتى الذين لم يُدفنوا (كالغرقى). فالله سيهتمّ حتى بهؤلاء. فالله يعرفهم وسوف يطلب جثثهم من البحر.
"ودين كل واحد". الدينونة تصل إلى كل فرد. لا شك في أن هنا تضامناً في الشرّ، كما أن هناك تضامناً جمع المسيح بعد أن صرنا جسد المسيح. ولكن لا عذر لأحد: كل يدان حسب أعماله، حسب الخيارات التي اتخذها.
والموت (ومرادفه: الشيول أو مثوى الأموات) ليس فقط موضعاً يستقبل الموتى بعد حياتهم على الأرض. إنه قوة شّريرة وناشطة في خدمة عالم الظلمة. إنه نفي للحياة الحقيقية الذي يريد الله أن يعطيها منذ الآن وإلى الأبد. وهكذا نفهم أن انتصار الله يتضمّن إزالة الموت الذي سيكون مصيره مصير الشيطان (رج أش 25: 8؛ هو 13: 14؛ 1 كور 15: 26، 54): "آخر عدوّ يدمّر هو الموت". وهكذا تزول الوجهة المظلمة للخليقة (21: 4). هذه هي نتيجة تجلّي ملك الله في يسوع المسيح. "فهو الذي أباد الموت، وأبان الحياة والخلود بواسطة الإنجيل" (2 تم 1: 10). إن الدينونة الأخيرة ليست هنا إلاّ تفتح حقيقة يستطيع المؤمنون أن يعيشوا منها في واقعهم الحالي.
"وألقي الموت والجحيم" (هاديس أو مثوى الأموات) في بحيرة النار حيث سبقهم إلى العذاب الوحش، النبي الكذاب، والشيطان. الموت هو آخر عدّو يدمّره الله. جمعَ الموت مع الجحيم فرمز إلى نتائج الخطيئة والشرّ الذي دخل إلى العالم مع خطيئة الإنسان الأول (روم 5: 12).
"وكل من كان اسمه" (آ 15). معيار الدينونة هو سفر الحياة. والمهم هو أن الإرسال إلى الهلاك قد عبّر عنه بصيغة النفي (لم يكن مكتوباً) كما في مت 25: 31 ي. الحياة الأبدية هي الطريق العادي الذي يقدّم إلى الجميع، الذي هو في متناول الجميع. يكفي أن نقبل يسوع المسيح. والموت الأبدي هو نفي للحياة الأبدية، هو شواذ، هو ثمرة رفض الإنسان لله. 
هنيئاً لمن سجّل اسمه منذ اليوم في كتاب الحياة، كتاب الحمل. سعيد وقديس من شارك في القيامة الأولى. فلا سلطة للموت الثاني عليه.

خاتمة
هنا نقدم ثلاث ملاحظات
الأولى: مع "نار السماء" (آ 9) نجد خبراً غريباً ذات طابع ميتولوجي، خبر جوج ملك ماجوج الذي نجده في حزقيال. جوج هو اسم شخص. أما ماجوج فهو تارة إسم شخص (1 أخ 5: 4) وطوراً اسم بلد أو اسم شعب (تك 10: 2؛ 1 أخ 1: 5؛ 38: 1؛ 39: 6). إن موضوع جوج وماجوج ينتمي إلى أساس مشترك في العالم اليهودي المتأخّر. يقرّب "جوج" من ملك ليدية (في آسية الصغرى) (جوجو، أو جوجاس) حوالي 607 ق. م. أو من كلمة سومرية (جوج) تعني العتمة والظلام اللذين يحكمهما جوج أمير الظلام. أما "ماجوج" فيعود إلى "مات جوج": بلاد جوج، أو بلاد الظلمة. هكذا نجد الصراع بين النور والظلمة كما تحدّث عنه الإنجيل الرابع مراراً.
الثانية: إن تقييد الشيطان "لألف سنة" (آ 1- 3)، وملك المسيح ألف سنة قبل القيامة ودينونة الأمم (آ 4- 6)، وحملة جوج وماجوج، وسقوط الشيطان النهائي (آ 7- 10)، هي مواضيع معروفة في عالم الجليان اليهودي المتأخّر. فماذا تعني؟ إن نهاية الأزمنة تعرف فترات هدوء وطمأنينة كما تعرف فترات قلق عميق وإضطراب. وفي النهاية، يبدو أن الكنيسة تدافع عن مواقع خسرتها، وأنها سلّمت إلى قدرة العدو الذي يحاصر "معسكر القديسين والمدينة المقدسة" (آ 9). ولكن تدخّل الله وحده (نار من السماء) يخلّص جماعة المختارين.
الثالثة: إن الحكم الذي يصيب أعداء الله في نهاية الأزمنة، لا يصل بهم إلى العدم، بل إلى الهلاك الأبدي (آ 10: أبد الدهور). فالله يقود إبليس وتباعه "بعصا من حديد" (19: 15). وجهنم التي تصوّرها عبارة "بحيرة النار" (كما في تفسير حبقوق)، هي حال الهلاك الأبدي المرعبة التي سيعرفها الإنسان نفساً وجسداً (كل حي، 19: 20).