السماء الجديدة والأرض الجديدة

 

وظهرت في نهاية الكتاب السماء الجديدة والأرض الجديدة. ظهرت أورشليم الجديدة التي تقابل بابل الزانية التي دمّرت. كلتاهما وجهتان لعمل الفارس المسيح الذي جاء يزيل الشّر والموت، ويحوّل وجه العالم فينقّيه من كل جرثومة تمرّد ضدّ الله.
نحن معاصرون لهذا العمل، عمل الحمل المنتصر. ونحن ندركه بقدر ما تنفتح عيوننا على الإيمان. أجل، منذ الآن تداعت مدينة هذا العالم على أساساتها، وجاءت المدينة النهائية من العلاء.
إذ جعلنا يوحنا نشاهد هاتين المسيرتين وقد وصلتا إلى النهاية، أراد أن يشجّعنا، أن يثبتنا في الإعتقاد بأن لا شيء يوقف دينامية الملكوت وانتصار الحمل. لا تتوخّى رؤية أورشليم الجديدة أن تعطينا معلومات نظرية عن الآخرة، بل أن تكشف لنا الدينامية التي دخلت فيها البشرية والتي لن تتوقف حتى نصل إلى السماء الجديدة والأرض الجديدة.

1- نظرة إجمالية
تتألّف هذه المجموعة (21: 1- 22: 5) من ثلاث رؤى: العالم الجديد (21: 1- 8). مجد أورشليم (آ 9- 27). الفردوس (22: 1- 5).
إن ف 21 يتألّف من رؤيتين (آ 1-8؛ آ 9-27) تتشابهان وتختلفان. في المقطعين نجد حديثاً عن "أورشليم المدينة المقدسة التي تنزل من السماء، من عند الله" (آ 2، آ 9-10). وينتهي التصويران بجملة تحذيرية تحكم على الخطأة (آ 8، آ 27). وما تختلفان في أمور كثيرة.
وهناك مقطع آخر (22: 1- 5) يتميّز عن الأولين وإن توازى معهما (ولا سيما مع الثاني). نجد الماء الحيّ في 21: 6 و 22: 1. تذكر ساحة المدينة في 21: 21 و 22: 1. النور في 21: 23 و 22: 5 يشعّ على هذه المدينة ولا يجيء من الشمس ولا من القمر.
وهكذا نكون أعام ثلاث رؤى مختلفة تتركّز على موضوع واحد وتتضمّن نقاطاً مشتركة. كل مقطع يبدأ بعبارة جليانية: ثم رأيت" (21: 1). "وأراني الملاك" (21: 9-10). "ثم أراني" (22: 1).
أ- الرؤية الأولى: العالم الجديد (21: 1- 8)
يُقسم هذا المقطع إلى شقّين. في الشقّ الأول (آ 1-16): كشف وإعلان للعالم الجديد مع آ 5 ب-6 أ كشهادة تصديق وتوقيع على البلاغ: "اكتب: هذا الكلام صدق وحق". في الشقّ الثاني (آ 6 ب-8): نداء وتحذير. الشقّ الأول (آ 1- 6 أ) هو الذي يحدّد الموضوع.
أولاً: الموضوع المسيطر هو العالم الجديد
* التوازي:
- سماء جديدة وأرض جديدة (آ 1 أ)= كل شيء جديد (آ 5 أ).
- السماء الأولى والأرض الأولى زالتا (آ 1 ب)= الأشياء القديمة زالت (آ 4 ج).
- ما بقي للبحر وجود (كل يهدّد: البحر) (آ 1 ج)= الموت وما يرافقه (آ 14 ب).
* ودلّت الكلمات والعبارات على أن الرؤية تستلهم نبوءات العهد القديم:
- أش 65: 17: سماوات جديدة وأرض جديدة. لا يعودون يتذكّرون الأولى.
- أش 65: 18: أخلق أورشليم فتكون إبتهاجاً وشعبها سروراً.
- أش 25: 8: يزيل الموت ويمسح كل دمعة عن الوجوه.
- أش 65: 19: لا يسمع صوت بكاء ولا صوت صراخ.
- أش 65: 16: المضايق الأولى قد نُسيت (جعلنا الرب ننساها).
ثانياً: جديد هذا العالم
إن القسم المتوسط يبيّن بما يقوم جديدُ هذا العالم: الله يسكن (يجعل خيمته) بينهم (بين البشر). هو العالم الذي تجدّد بالميثاق الجديد. وهذا التعبير عن الميثاق الجديد يعود أيضاً إلى النبوءات القديمة، خصوصاً لا 26: 11- 12: "أجعل مسكني فيما بينكم... كون لكم إلهاً وأنتم تكونون لي شعباً".
نجد في رؤ تشديداً على الشمولية. الله هو "مع البشر" وليس فقط "مع شعبه". لا يكونون فقط شعبه (في صيغة المفرد)، بل شعوبه (في صيغة الجمع).
إن موضوع مسكن الله وسط البشر مع النتائج التابعة، قد ذُكر في ْ7: 5- 17 مع تعابير مماثلة: صورة المياه الحيّة والدموع الممسوحة (7: 17؛ 21: 4، 6). ولكن ما كان في ف 7 إمتيازاً للمختارين اللابسين الثياب البيض، صار الآن وعداً لجميع البشر. وهكذا يكون كاتب رؤ يستلهم على دفعتين تقليداً يستند إلى نبوءات تتحدّث عن حضور الله. وسيبقى هذا التقليد أمام عينيه حين يدوّن الرؤية الثالثة (22: 1- 5) في الفصل الذي ندرس الآن: العبادة، الطعام، الشمس (7: 15- 16؛ 22: 2، 3، 5). ونلاحظ أن هذه الرؤية الأولى تتحدث فقط عن الله الذي هو في أصل هذا العالم الجديد. وسيظهر فيما بعد دور الحمل بشكل واضح.
ثالثاً: مكانة أورشليم
ونلاحظ في هذا النصّ (21: 1-8) كما في ينبوعه الرئيسي (أش 65: 16- 19) أن أورشليم تحتلّ فقط مكانة ثانوية وهامشية. أما تقليد ف 7 فلا يتكلّم عنها البتّة. وإن 21: 2 يبلبل بعض الشيء الترتيب الإجمالي. ثم إن صورة المدينة المقدّسة لا تتكيّف تكيّفاً كاملاً مع المخطّط الكوني للمجموعة التي تحدّثنا عن العالم الجديد الذي يسكن فيه الله مع البشر. ويلعب الكاتب بالصورة فيماثل بين هذا العالم الجديد وأورشليم الجديدة التي هي بحصر المعنى موضعاً محدّداً في العالم. سنرى فيما بعد أدن ذكر أورشليم يتوخّى تقوية الوحدة بين الصور الثلاث (العالم الجديد، مجد أورشليم، الفردوس).
وإذا أردنا أن نختصر كلامنا حول هذه الرؤية الأولى نقول إن الكاتب يعلن في كلمات تقليدية العالم الجديد الذي يماثله مع أورشليم السماوية. 
ب- الرؤية الثانية: مجد أورشليم (21: 9- 27)
نجد قسمين في هذه الرؤية: تصوير مجد أورشليم (آ 11-23)، شروط الدخول إليها (آ 24- 27). ونبدأ بنظرة إجمالية إلى القسم الأول. 
أولاً: مجد أورشليم
* الموضوع:
- إن الموضوع المسيطر هو موضوع المجد والنور (آ 11، 23 ب)، موضوع النور الذي يقود الأمم (آ 24). كل مجد الأمم يُزاد على ذاك الذي تملكه المدينة من قبل (آ 24-25). وهذا المجد المنير تبرزه أيضاً صور الحجارة الكريمة المتميّزة بتنوّعها وشفافيّتها.
- نحن نعلم أن مجد الله هو تجلّي قداسته الخفية، ولا سيما في الهيكل. أما النصّ الذي ندرس فيحدّد أن هذا المجد المضيء والثمين مرجعه حضور الله المباشر وحضور الحمل. وهذان الحضوران يحلاّن محل الهيكل (آ 22-23). نلاحظ هنا أهمية الحمل المسيحاني (آ 9، 14، 22، 23، 27) الذي اختفى بعض الشيء في 21: 1-8.
- والموضوع الرئيسي في هذا المقطع هو موضوع حضور الله في مدينته المقدسة في نهاية الأزمنة. نحن قريبون جداً من موضوع الميثاق: الله معهم (كما في المقطع السابق). نلاحظ تكديس الأعداد 12 وضربها، وهذا ما يدلّ على شعب الله.
* نصوص الأنبياء:
- أش 54: 11- 12: يعلن أورشليم مقبلة حيث الشُرَف والأبواب والجدران هي حجارة ثمينة: "أجعل شرفك ياقوتاً، وأبوابك حجارة بهرمان، وجميع جدرانك حجاراً أنيقة".
- حز 48: 30- 35: قياسات المدينة المربّعة (علامة الكمال). جعلت فيها ثلاثة أبواب في كل جهة. "ثلاثة أبواب نحو الشمال...". أما محيطه فهو 18.000 ذراع (4500 في كل جهة).
- أش 60: 19: "لا تكون الشمس من بعدُ نوراً لكِ نهاراً، ولا ينيرك القمر بضيائه ليلاً، بل الرب يكون لك نوراً أبدياً، وإلهك يكون بهاءك" (أو: مجدك) (= رؤ 21: 23).
- أش 60: 11- 13: الملوك يأتونك. "مجد لبنان يأتي إليك" (= رؤ 21: 24).
- أش 60: 3: "تسير الأمم في نورك، والملوك في ضياء إشراقك" (= رؤ 21: 24).
- أش 60: 11: "تنفتح أبوابك دائماً. لا تغلق نهاراً ولا ليلاً" (= رؤ 21: 25).
- أش 60: 5، 13: "يأتيك غنى الأمم" (= رؤ 21: 26). إن أش 60 يعلن الدور العجيب الذي ستلعبه أورشليم. فالمدينة المقدّسة في فلسطين ستصبح المدينة المقدّسة في العالم، ونقطة التلاقي بين الشعوب.
ثانياً: شروط الدخول إلى أورشليم
* إرتباط النصّ بالسياق:
- إرتباط مع 21: 1-8. تستعيد آ 10 ألفاظ 21: 2: "المدينة المقدسة، أورشليم النازلة من السماء من عند الله . ثم إن الإستبعادات في آ 27 قريبة مما في 21: 8: يعملون القبائح، يفترون الكذب. وهكذا يُبرز الكاتب هوية هذه المدينة العالمية، مدينة النور التي أعلنها أش 54- 60: إنها أورشليم تتمة العالم الجديد الذي تحدّث عنه فيما قبل.
- في المقطع التالي (22: 1- 5) لن يعود هناك من ليل 211: 25 ب = 22: 5). ولا من حاجه إلى الشمس (21: 23= 22: 5). وتُذكر ساحة المدينة (21: 21= 22: 2).
- وارتباط مع صورة الزانية العظيمة. إن مقدمة الرؤية في آ 9- 10 تستعيد بشكل شبه حرفي مقدمة رؤية الزانية العظيمة. "جاءني أحد الملائكة السبعة الذين بيدهم الكؤوس السبع" (17: 1 ي:= 22: 9- 10). "تعال فأريك دينونة الزانية العظيمة"= "عروس الحمل". "حملني بالروح إلى الصحراء"= "حملني بالروح إلى جبل عظيم". تُدان الزانية التي هي رمز عن عاصمة الشرك في العالم. وتجاه ذلك، نرى مجد العروس التي هي رمز عن عاصمة العالم الجديد الذي يريده الله.
- ونلاحظ أخيراً أنه إن جاءت الصور من النبوءات التوراتية، فالكاتب يزيد غليها تفصيلاً هاماً: إن أُسس المدينة تحمل إسم إثني عشر رسولاً هم رسل الحمل (21: 14). فعاصمة العالم الجديد، وارثة النبوءات المتعلّقة بأورشليم، تتأصّل في الكنيسة شأنها شأن الشعب المسيحي. وهي تمتدّ لتضمّ البشر من العالم كله شرط أن يرتدّوا إلى الله ويتنقّوا: فلا شيء نجس يدخل إلى هذا المكان.
ج- الرؤية الثالثة: الفردوس (22: 1- 5)
أولاً: بنية النصّ
ليست البنية واضحة. ولكننا نستطيع أن نميّز قسمين:
- آ 1- 2: ما يتعلّق بالنهر وبشجرة الحياة: الله يُحيي ويشفي.
- آ 3- 5: ما يتعلّق بالعبادة ووجه الله المضيء: الله ينير ويدفع المؤمن إلى العمل. فالحياة ترتبط، شأنها شأن العبادة، بحضور عرش الله والحمل في قلب المدينة (آ 321).
والعبارة "لا لعنَ بعد اليوم" هي في قلب المقطع. إنها في الوقت عينه ثمرة الشفاء وطريق الدخول إلى العبادة. وهي تفسّر غياب التحذير من الكذّابين كما في 21: 8 و 21: 27.
ثانياً: إرتباط الرؤية مع حز 47 وزك 14: 6 ي
* حز 47: 1 ي:
- آ 1: نبوءة الهيكل الجديد الذي يخرج منه نهر: "مياه تخرج من تحت عتبة البيت" (الهيكل). رج رؤ 22: 1: "أراني نهر الحياة صافياً".
- آ 7، 12: على شاطىء النهر أشجار كثيرة... فيكون ثمره للطعام وورقه للشفاء. رج رؤ 22: 2: "على ضفّتيه شجرة الحياة".
- آ 12: "لا ينقطع ثمره، بل كل شهر يؤتي بواكير". رج رؤ 22: 2: "تثمر إثنتي عشرة مرة، كل شهر مرة، وتشفي بورقها الأمم". يرى الشّراح أن نبوءة حزقيال هي إسهاب في تك 2: فالفردوس هو جنّة مرويّة تنبت فيها شجرة الحياة وسط نبات وافر النموّ. عاد رؤ إلى هذا المرجع ذاكراً شجرة الحياة، مشدّداً على أنه لن يكون لعن بعد اليوم (هذا ما لا نشاهده في عدن).
* مع زك 14: 6 ي:
شدّد حزقيال على نهر المياه. وزكريا على ملك الله النهائي.
- آ 8: تخرج مياه حيّة من أورشليم. رج رؤ 22: 1.
- آ 11: ليس من لعن هناك. رج رؤ 22: 3.
- آ 6-7: لم يعد من تعاقب بين الليل والنهار، بل سيكون يوم واحد. رج رؤ 23: 5.
ولكن يبقى شك. فالمياه الحيّة قد تعود إلى رؤ 21: 6 أكثر منه إلى زك 14: 8. ورؤ 22: 5 ب هي أقرب إلى 21: 23 منة إلى حز 14: 6-7. ونلاحظ إهتمام الكاتب بأن يبرز الوحدة الداخلية بين المقاطع الثلاثة (21: 1- 8؛ 21: 9- 27؛ 22: 1- 5). ونحن نجد إشارة إضافية إلى ذلك في آ 2: يرى رؤ أن الفردوس يروي شجرة الحياة الوحيدة. إنه يختلف عن حزقيال فيدلّ على نهر يجري قرب شجرة الحياة من هنا وهناك. ولكن بما أن الفردوس لا يتميّز عن أورشليم السماوية، يزيد الكاتب أن النهر يجري في وسط ساحة المدينة. لن نتوقّف عند غرابة هذه الصورة (المياه تدلّ على البركة). فسفر الرؤيا لا يتوقف عند الصورة الواقعية بل عند مدلولها الرمزي. فالمهم هو أن يفهمنا أن لا فرق بين العالم الجديد، وأورشليم السماوية، وفردوس نهاية الأزمنة.
د- خاتمة: ثلاث رؤى وتعليم واحد
مهما كانت النبوءات التي نستند إليها والتقاليد التي توضحها، فالتعاليم التي تبدو في الظاهر مختلفة، تحيلنا إلى وعد واحد يدلّ دوماً على هذه المدينة. إنها كعروس المسيح يسكنها مؤمنوه الذين يزداد عددهم ويتّسع إتساع البشرية. إذن نحفظ نفوسنا من فهم خاطىء نبّهنا إليه الكاتب: فالرؤى الثلاث لا تصوّر ثلاث مراحل متعاقبة، ولا ثلاثة أمور مميّزة، بل ثلاث وجهات للنهاية، ثلاث نبوءات تلقي ضوءاً على النهاية. هذا ما يدلّ عليه مجهود الكاتب لكي ينسّق بين الرؤى الثلاث فيجعلها تدلّ على واقع واحد هو أورشليم الجديدة أو العالم الجديد.

2- نظرة تفصيلية
أ- العالم الجديد (21: 1- 8)
إن 21: 1-8 يؤمّن الرباط بين درفتَي السباعية الخامسة. فالدرفة الأولى صوّرت بشكل خاص النتائج المدمّرة لذبيحة الصليب (إزالة التنين وتباعه المتشيّعين له، الشيول والموت). أما الدرفة الثانية فتبرز الوجهات الإيجابية التي تشير إلى الميثاق الجديد. فالآيات الثماني التي نقرأها هنا (21: 1-8) هي خاتمة ف 19- 20 ومقدمة منيرة لما في 21: 9-22: 5. وهي تتألّف من بيتين (آ 1-4، آ 5-8). يبدأ البيت الأول وينتهي بعبارة "زال" يقوّيها: "لا يكون من بعد". ويشدّد البيت الثاني على التقابل بين الأشياء الجديدة. التي صنعها الله (آ 5) واقتلاع كل شّر من هذه الخليقة الجديدة (آ 8). أما الرباط بين البيتين فيتمّ عبر لفظة "جديد" التي ترد أربع مرات هنا، ولا تعود ترد أبداً في السباعية. وهناك أداة "ها أنا" (ترد 26 مرة في رؤ) الحاضرة في البيتين. وهناك تجاوب بين آ 3 و آ 7 مع جمل مماثلة تقريباً: "يكونون له شعوباً ويكون لهم إلهاً" (آ 3). "أكون له إلهاً ويكون لي إبناً" (آ 7).
أولاً: وصول العالم الجديد (آ 1- 16)
"رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة" (آ 1). يعود الموضوع إلى أش 56: 17؛ 66: 22. وهو معروف في العالم اليهودي المعاصر لسفر الرؤيا. ما يلفت النظر هو إيجاز النصّ (بالمقابلة مع الرؤى اليهودية). لا يقول الكاتب كلمة عن كوارث وأوضاع تنقلب. هو لا يهتمّ بالتصوير، بل بالمعنى الذي تشير إليه الصور. والإنقلاب هو روحي وخفيّ أكثر منه طبيعي ومنظور. قد تزول العناصر من العالم (20: 11) ويوجد بحر من دون أرض ولا سماء (20: 13). المهمّ أن يقول إن تدخّل الله في العالم لا يمكن إلا أن يقلب كل المعطيات قلباً جذرياً. كل ما طُبع بطابع الخطيئة يُزال. فالله سيخلق من جديد. هذا هو إعلان طريقة حياة جديدة وعالم جديد وإطار مجدّد لأناس يعيشون حياة جديدة، يحملون إسماً جديدا (2: 17؛ 3: 12)، يمارسون عبادة جديدة (5: 9؛ 14: 3)، يتمتّعون بمواطنية جديدة (3: 12؛ 21: 2؛ رج 2 كور 5: 17: إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. فالقديم قد اضمحلّ، وكل شيء قد تجدّد). "
"والبحر لا يكون من بعده. نحن أمام رمز هام. البحر هو العنصر الرهيب في الخليفة، وهو الذي ارتبط مع الغمر الأولاني، الذي فيه ترى كل السطر العدوّ الأكبر للإله الخالق، الذي يرمز إلى الشّر وفيه يقيم الشّر. إن البحر قد زال من الوجود وزال الشّر الذي يمثّله.
"رأيت المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة" (آ 2). بعد تجديد العالم، ها هي عاصمة العالم الجديد. كان الموضوع قد ظهر بخفر في النبوءة التي كانت نموذجاً لسفر الرؤيا (أش 65: 17).
هي رؤية ديناميكية: فالمدينة تخرج الآن من قلب الله. وهي مدينة لا صحراء. لا عودة إلى فردوس أرضي قد خسرناه. المدينة هي صنع الإنسان ومجموعة حضارته واختراعاته وتاريخه. فالله يتابع مخطّطه في تاريخ البشر ومع البشر. فتاريخ البشرية ليس أمراً باطلاً وكأنه لم يكن، وكأن مجهوداتنا وآمالنا هي لا شيء: كلا. فالله يجمع كل شيء ويحوّله إلى العالم الجديد. 
كانت المدينة أداة الثورة على الله وتجسيداً متكبرّاً لقدرة الإنسان. ولكن الله سيجعل منها موضع الإتصال بين البشر وتجمّعهم في المحبّة. فبين مجهود البشر ليبنوا المدينة والتتمة، هناك انقطاع وتوقّف. فمبادرة الله (ونعمته) وحدها تصل بالبشرية إلى كمالها الحقيقي. ومع ذلك، هذه الخليقة الجديدة هي تتمة واسم المدينة الجديدة هو أورشليم.
ما علاقة أورشليم هذه مع كنيسة اليوم؟ أولاً، إن الأبدية حاضرة منذ الآن في زمن البشر، والمسيحي يعيش منذ الآن في السماء. المسيحي هو منذ الآن مواطن أورشليم السماوية (3: 12). وهذا ما يقوله بولس أيضاً في غل 4: 26-27: "أما أورشليم العليا فهي حرّة، وهي أمنا". وفي فل 3: 20: "أما نحن فموطننا في السماوات التي منها ننتظر مخلّصنا، الرب يسوع المسيح". ونقرأ في عب 12: 22: "دنوتم إلى صهيون، إلى جبل الله الحيّ، إلى أورشليم السماوية".
ولكن أورشليم لا تتماهى بكل بساطة مع الكنيسة الحالية. إنها تكشف فقط طبيعتها الحالية وإن ظلّت مخفية. فالكنيسة لا تعتبر نفسها الآن الملكوت، كما أنها لا ترضى بالنقص الذي فيها. عليها أن تبحث دوماً في أن تكون علامة هذا الواقع النهائي.
"كعروس تزيّنت واستعدّت للقاء عريسها". وننتقل من صورة المدينة إلى صورة المرأة، وهي معروفة في التقليد النبوي (المرأة تدلّ على الشعب وسكان المدينة. بنت أورشليم أي شعب أورشليم). إستعمل حز 16: 11-13 صورة المرأة المزيّنة بالحلى ليدلّ على المجد الذي يلبس به الله أورشليم. وهذه الزينة، وهذا الثوب المتألّق هما، بحسب 19: 8، أعمال القديسين التي أعطاهم الله أن يعملوها. فكل تاريخ البشرية على الأرض، وكل تاريخ الكنيسة، هما تهيئة للباس العرس. نحن هنا على تعارض تام مع الزانية التي تحاول أن تعلن مجدها الخاص بحلاها (17: 4؛ 17: 7 ي).
وتشير صورة الأعراس إلى عهد الحبّ. إذن أورشليم هي علامة تجديد العهد في حبّ تام وكامل. نقرأ في أش 54: 4-5: "الذي صنعك هو زوجك الذي ربّ الأكوان إسمه، وفاديك هو قدّوس إسرائيل الذي يُدعى إله الأرض كلها". "في غضبي ضربتك (يا أورشليم) وفي رضاي رحمتك" (أش 60: 10): "لا يُقال لك من بعد: "مهجورة". ولأرضك لا يُقال من بعد: "خربة"، بل تدعين تلك التي أسّر بها. وأرضك تُدعى: "العروس" لأن الرب يسّر بك ويتزوّج أرضك (يتّحد بها. يكون قريباً منها). فكما أن شاباً يتزوّج بكراً، كذلك بانيك يتزوّجك، وكسرور العريس بالعروس يسرّ بك إلهك" (أ 62: 4- 5).
"ها هو مسكن الله مع البشر... يكونون شعوبه وهو يكون الله معهم " (آ 3). الصوت الذي يتكلّم ليس صوت الله، لأنه يتكلّم في صيغة الغائب. أما الله فسوف يتكلّم في آ 5 (قال الجالس على العرش). هذا الصوت هو صدى النبوءات (حز 37: 27: "يكون مسكني معهم وأكون لهم إلهاً ويكونون لي شعباً"؛ رج زك 8: 8؛ لا 26: 11- 12) التي يجمع، موضوعَي السكن والإنتماء المتبادل بين الله والشعب (يكونون لي شعباً، وأكون لهم إلهاً، زك 8: 8).
يكونون "شعوبه" لا "شعبه . إن الميثاق ينفتح على الشمولية. فالأمم (الوثنية) نفسها ستصبح شعوب الله. كل واحد يستطيع أن يحافظ على هويته ويكون جزءاً من الميثاق الوحيد.
"وهو يكون الله معهم". أو: "وهو الله معهم، يكون إلههم". إن العلاقة الجديدة بين الله والبشر تُتمّ نبوءة عمانوئيل في أش 7: 14 (تدعو إسمه عمانوئيل أي إلهنا معنا).
"ها هو مسكن الله". حرفياً: خيمة الله. ولكننا لم نعد أمام مخيّم موقت بل أمام مقام ثابت ومستمرّ (7: 15؛ 12: 12؛ 13: 6؛ 15: 5). ولكن كلمة خيمة "سكاني" تجعلنا نفكر بلفظة "شكينة" التي تدلّ على الله محافِظةً على تساميه المطلق. نقول "شكينة" (إقامة) فنعني الله. هنا نتذكّر يو 1: 14: الكلمة حلّ بيننا. أقام بيننا. نصب خيمته. صار "شكينة" أي حضور الله بيننا. وهكذا نكون في رؤ أمام حضور مباشر لله وسط البشر.
"لا دموع، لا موت، لا ألم" (آ 4؛ رج 7: 17). هذا الموضوع مأخوذ من الأنبياء (أش 25: 8؛ 35: 10؛ 65: 16- 19). لقد تجاوزنا الحكم الذي أعلن بعد الخطيئة الأصلية (موتاً تموت، تك 3).
"الأشياء القديمة زالت": أش 43: 18؛ 65: 17؛ 2 كور 5: 17 (إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة)؛ رج رؤ 21: 5 أ (ها كل شيء جديد). ما يقوله بولس عن الإنسان الفرد، يقوله رؤ عن العالم. فالخليقة الجديدة تضمّ الكون كله (روم 8: 23 ي).
"ها أنا أجعل كل شيء جديداً" (آ 5 أ). تستلهم العبارة أش 43: 18-19، الذي يتحدّث عن عمل التجديد الذي بدأ. "لا تتذكّروا من بعدُ الأحداث الأولى ولا تتأمّلوا في الأمور القديمة. فها أنا آتي بالجديد وهو يبرعم الآن. أفلا تعرفونه"؟
وفي آ 5 ب-6 أ نجد التوقيع والشهادة التي تدلّ على صدق الوثيقة.
"ثم قال: أكتب". حتى الآن أعطي الأمر بالكتابة بواسطة المسيح، بواسطة الملائكة أو أصوات سماوية لا نعرف إسمها (1: 11، 9؛ 14: 13؛ 19: 9). أما الآن وقد وصلنا إلى الخاتمة، فالله نفسه يتدخّل ليأمر الرائي بأن يكتب الإيحاءات التي تسلّمها. نلاحظ أن اللفظتين اللتين استُعملتا لتضعا كلمات الله في رؤ، قد قيلت في كلمة الله الذي هو المسيح (14:3؛ 11:19).
"تمّ كل شيء" (أو: قضي الأمر). فالأحداث التي بدأت مع الكأس السابعة قد وصلت إلى نهايتها. في 16: 17 دلّت العبارة (قضي الأمر) على هجمة العقارب. وفي ظرف آخر (في 21: 6) دلّت على أن الخليقة الجديدة قد تحقّقت الآن. وفي الواقع، إن وجود أناس هم منذ الآن كائنات جدد ومواطنو أورشليم السماوية وسكان الفردوس، يدلّ على هذا الواقع الجديد. فإن كان الإيمان وحده يدرك هذه الشهادة، فمضمونها يبقى صادقاً.
"أنا الألف والياء، البداية والنهاية". هذا هو توقيع الله وقد وُضع قرب وعوده. إذا كان كل شيء قد وصل إلى تمامه، فلأن الله هو سبب وأصل وهدف كل شيء. إنه يقود بحسب هدفه العالم الذي خلقه. وفكرة الله الأولى والأخيرة موجودة مثلاً في أش 44: 6 (أنا الأول والآخر، ولا إله غيري). الألف والياء. هذا اللقب ينطبق على الله (1: 8) كما ينطبق على المسيح (22: 3). هذا ما يدلّ مرة أخرى على وحدة الآب والإبن. 
ثانياً: نداء وتحذير (آ 6 ب-8)
وتنتهي الرؤية بنداء إلى المشاركة في هذا العالم الجديد. وهذا النداء هو أيضاً تنبيه يدعو القارىء إلى أن يختار. يتوجّه النداء إلى الجميع، ولكن الجميع لا يدخلون (مت 22: 14: المدعوّون كثيرون والمختارون قليلون). في هذا الوقت الحاضر تتقرّر الدينونة ومصير البشر.
ونرى في آ 6 ب-7 كيف يقدّم الله عطاياه بسخاء.
"أعطي من ينبوع الماء الحيّ". الماء الذي يعطي الحياة. هو هبة مجانية. هنا نتذكّر أش 55: 1: "أيها العطاش، هلمّوا جميعاً إلى المياه. وحتى الذين لا فضة لهم هلمّوا". إن المياه النادرة والثمينة في هذه البرّية القاحلة هي صورة عن عطية الله الكاملة (يو 4: 10، 14؛ 7: 37-39؛ 19: 34؛ رج رؤ 7: 16؛ 22: 17).
"من غلب يرث". لسنا أمام حق تكفله الشريعة للوارثين. فالعهد القديم يتكلّم عن الميراث مشدّداً على الطابع المجاني للعطاء. والنموذج الكامل للميراث الذي هو نعمة، هو أرض الميعاد. عند المسيحيين، توجّهنا الصورة إلى الخلاص، إلى الحياة الأبدية، إلى الملكوت. وهنا يُجمل الميراثُ كل المواعيد المذكورة منذ 21: 1 والمتعلّقة بالعالم الجديد.
وعبر الصور الخاصة، ما يقدّمه الله هو الميثاق الجديد، لا بشكل عام كما في آ 3، بل كما يتوجّه إلى كل شخص بمفرده: "أكون إلهه ويكون إبني". نجد جذور هذا الوعد في العهد القديم. ولكن الشعب المختار وحده كشخص جماعي يعتبر إبن إله هو أبوه (خر 4: 22-23). وقد يكون للملك (أو بالأحرى لبعض الملوك) وحده وعد بأن يرتبط مع الله رباط الإبن بأبيه (2 صم 7: 14؛ مز 89: 27 ي). وظهر إتجاه في العالم اليهودي المتأخر بأن يسمّى البارّ إبن الله (حك 2: 6-18: إعتبر أن الله أبوه؛ سي 23: 1: أيها الرب، أب حياتي وسيّدها). شدّد المسيحيون الأولون على هذا اليقين فقالوا: الروح يجعلنا نقول: أبّا، أيها الآب (غل 4: 6؛ روم 8: 15؛ 2 كور 6: 16-18). نحن هنا قريبون جداً من نصّ رؤ.
غير أن رؤ يتميّز في نقطة جوهرية. فبدل أن يتكلّم عن علاقة الإبن بالآب (كما عند بولس)، فهو يتكلّم عن علاقة الإبن بالله. هذا ما يجعلنا نلتقي بالإنجيل الرابع حيث الله يسمّى فقط "أب يسوع". وسوف ننتظر يو 20: 17 لنسمع "أبي وأبيكم".
والوعد يُعطى في المستقبل: "أكون إلهه". و. لكن العالم الجديد هو منذ الآن حقيقة وواقع. وقد أعلن الله: قد تمّ. قُضي الأمر. إنتهى كل شيء. ولكن لا ننسَ وضعنا البشري. نحن أبناء الله (روم 8: 15-17) ونحن ننتظر التبنّي (روم 8: 23). نحن نعيش منذ الآن واقعاً لا نسيطر عليه، بل نتقبّله يوماً بعد يوم. هذا ما نقوله عن عروس رؤ: جاءت الأعراس (19: 7). الله والحمل هما في المدينة (21: 23؛ 22: 1). ومع ذلك فهي تصليّ: "تعال، أيها الربّ يسوع" (22: 17، 20).
إلى من يتوجّه هذا الوعد؟ إلى العطشان، إلى الغالب. وكلاهما واحد. إلى المسيحيين الذين شهدوا للمسيح الذي مات وقام، فدعوا إلى أمانة قد تكلّفهم حياتهم.
في هذه الآيات تحيلنا الصور والعبارات إلى حالة العماد: الماء، النعمة، الغلبة، الميراث، البنوّة، لائحة الرذائل.
"أما الجبناء والأوغاد..." (آ 8). هذا الميثاق الجديد هو المعمودية. وسيقدّم بولس الرسول لائحة بالرذائل (1 كور 6: 9- 11؛ غل 5: 19-23) في قرائن تتحدّث عن العماد: إنها ترسم الحدّ الذي بعده لا نعيش حياة يُلهمها الإيمان المسيحي. هنا نتذكّر عب 6: 4-8 و10: 26-27. نحن أمام الخطيئة التي تقود إلى الموت كما قال 1 يو 16:5-17.
لا يكتفي رؤ بأن يجعلنا نعيش في "حلم" العالم الجديد. بل يذكّرنا أن الدخول إليه يفرض أمانة وطاعة هما قبل كل شيء رفضاً للشرك الذي يهدّد وينتقل مثل العدوى. هذا ما تعبّر عنه لائحة الرذائل هذه. إنها تتألف من سبع مفردات. والثامنة تجمل الرذائل السبع.
"الجبناء". حسب سي 2: 2، الجبان هو الذي يمشي في طريقين. ذاك الذي لا يقدر أن يقرّر ما يختار بوضوح: الأمانة دله أو التشبّه بالعالم الخاطىء.. ذاك الذي لا يتجرّأ على الإلتزام حتى العذاب والموت. قال القديس بولس: "لم يعطنا الله روح جبانة، بل روح قوة ومحبة وامتلاك نفس" (2 تم 1: 7). الجبان هو المتردّد. هو الفاتر (3: 15-16). لا حارّ هو ولا بارد. إنه عكس الغالب.
"الكفّار". هم الذين لا يحفظون إيمانهم.
"الأوغاد". هناك معنى أخلاقي. ولكن المعنى الأساسي: عبّاد الأوثان. فالوثن هو الرجس عينه (17: 4- 5).
- "القتلة، الفجّار، السحرة". رج 9: 21؛ 22: 5 حيث نجد هذه الصفات في ترتيب مختلف. والقاتل قد يكون ذاك الذي يجرح المحبة الأخوية. "كل من يبغض أخاه فهو قاتل. وتعلمون أن كل قاتل ليست له الحياة الأبدية ثابتة فيه" (يو 3: 15). والفجور أو الزنى يعيدنا إلى عبادة الأوثان (2: 20- 22؛ 17: 1- 5). والسحر يدلّ على ما في العالم الوثني من غواية وضلال (9: 21؛ 18: 23؛ رج 13: 13- 14؛ 19: 20). 
"عابدو الأوثان". هذه الصفة تقول بوضوح ما قالته الصفات السابقة ضمناً.
"الكذّابون جميعاً". إنهم أعداء الحقّ. رج 22: 15: "كل محبّ للكذب وصانع له". نحن هنا أمام إشارة خاصة بيوحنا: فإبليس هو كذّاب وأبو الكذب (يو 8: 44 ي). وزاد يسوع: لأني أقول الحق لا تصدّقون. هنا نتذكّر صفة "الحق" التي تنسب إلى المسيح (3: 7؛ 19: 11). كما نتذكر مديح المؤمنين السائرين وراء الحمل: "لم يُوجد كذب في فمهم".
ب- مجد أورشليم (21: 9- 27)
نبدأ فنرى المدينة والمرأة (آ 9- 13)، أورشليم والعروس إمرأة الحمل. بعد هذا تظهر الأسوار والأبواب الإثنا عشر (آ 14- 21). غاب المعبد بعد أن صار الله والحمل المعبد (آ 22). وبدت المدينة كمنارة تحجّ إليها الأمم (آ 23- 26) ولا يدخلها إلا الذين كُتبت أسماؤهم في سفر الحياة (آ 27). 
أولاً: المدينة والمرأة (آ 9- 11)
نزلت أورشليم من السماء فدلّت على نزول الله الثالث والإحتفالي في العالم المخلوق. النزول الأول كان مع الخلق. "كان الله يتمشّى في الجنّة" (تك 3: 8). النزول الثاني في تجسّد الإبن: "والكلمة صار بشراً وسكن بيننا" (يو 1: 14). والنزول الثالث هو أعراس السماء الجديدة والأرض الجديدة مع الله. "رأيت أورشليم الجديدة نازلة مت السماء، من عند الله" (رؤ 21: 2). ولكن جاءت الخطيئة ففصلت السماء عن الأرض والله عن الخليفة. ولهذا لن تبدأ أعراس الحمل قبل أن يطهّر الكون تطهيراً كاملاً. حينئذ يعلن الله: "أكون إلهه ويكون إبني" (آ 7).
"وجاءني أحد الملائكة السبعة" (آ 9). أخذت هذه العبارة من 17: 1 لتدلّ على التقابل بين الزانية والعروس. لا نجد ملائكة مخصّصين بالعقاب. فالإنجيل الذي يخدمونه هو دينونة أو نعمة حسب الشخص الذي يرفضه أو يتقبّله.
"أريك العروس، إمرأة الحمل". يستعيد النصّ هنا موضوعاً عالجه في 19: 7 و21: 2. ولكنه لا يعود يتكلّم عنه في آ 9-27 المكرّسة للحديث عن أورشليم السماوية. إنه يدلّ على التعارض مع بابل الزانية، ويشدّد على الوحدة مع 21: 1- 8. فالعالم الجديد يشبه أورشليم السماوية، لأن ذات صورة العروس تمثّلهما. ويعتبر الزواج وكأنه قد تمّ. فأورشليم ليست فقط العروس. إنها زوجة الحمل. صار الإتحاد كاملاً. نجد هنا الرنّة الإسكاتولوجية التي وجدناها في 19: 7 (رج 2 كور 11: 2؛ أف 5: 25).
"حملني بالروح إلى جبل عظيم شاهق" (آ 10). في 17: 3، بدت بابل كصحراء. أما أورشليم فبدت جبلاً عالياً. هذا ما يعود إلى حز 40: 2 في بداية تصويره لأورشليم في نهاية الأزمنة. فالجبل هو الموضع التقليدي للتيوفانيات. واللغة تكون عمداً رمزية. إن رؤية ف 17 في البرية كشفت طابع الشرك والعقم في الإمبراطورية الرومانية. أما هذه الرؤية على الجبل فتدلّ على الطابع الحقيقي للكنيسة: إنها مدينة الله المقدّسة والسماوية مع العلم أن السماء تبدأ هنا.
"لها مجد الله. وألقُها أشبه بحجر كريم نادر" (آ 11). الشعور الأول هو شعور بالإنبهار. هنا نتذكّر المرأة الملتحفة بالشمس (12: 1). إن قلب هذا النور هو مجد الله (آ 11، 23)، والتجلّي المنظور لحضوره وقداسته: المدينة المقدّسة. في أش 60: 1 نقرأ: "مجد الرب أشرق عليك" (رج أش 19:60). ويشبّه بهاء هذا المجد بحجر كريم، بحجر يشب. هذا ما قرأناه في 4: 3 في تصوير الله على عرشه. وسنجد الحجر عينه في السور (آ 18) والأُسس (آ 19). إن بهاء المدينة يذكرنا بالهالة الإلهية نفسها. قال بولس عن المسيحيين إنهم يعكسون مجد الله (2 كور 3: 18).
وقف الكاتب أولاً خارج المدينة. وهو سيدخل إليها بنظره في آ 21 ب. فيصوّر على التوالي: عناصر البناء (الأسوار، الأبواب، أُسس السور، آ 12- 14). ثم قياسات المدينة (آ 15- 17). المواد التي تؤلّف العناصر (آ 18- 21). وفي النهاية يتوقّف عند الهيكل الذي هو ينبوع كل نور (آ 22- 23). وينتهي كل هذا مع آ 24- 27 بتصوير الذين يدخلون والذين لا يستطيعون الدخول (رج 21: 6 ب- 8).
ثانيا: البنية والقياسات والمواد (آ 12- 21)
* البناء (آ 12-14):
بني المقطع كله في إطار الرقم 12 ومركبّيه (3 و 4) اللذين هما رقما شعب الله والعالم.
"سور عظيم عالٍ" (آ 12). لا يتوقّف الكاتب عند هذه الصورة، إذ لا يُعقل وجود مدينة من دون سور. قد يشير النصّ إلى حماية الله للمدينة من كل شّر (أش 26: 1- 2).
"لها إثنا عشر باباً". ثلاثة أبواب لكل جهة من جهات الكون الأربع. هذا ما يدلّ على الشمولية: تستطيع المدينة أن تستقبل الناس الآتين من كل جهة وفي أية ساعة. وأسماء الأسباط الإثني عشر تذكّرنا أن هذه المدينة هي عاصمة المملكة. كان إسرائيل النموذج النبوي. والشعب الذي يدخل إليها هو شعب الله. على كل باب ملاك (كما اللاوي في الهيكل) ليمنع "الأرجاس" من الدخول (كما في جنة عدن، تك 3: 24).
"وكان سور المدينة قائماً على اثني عشر أساساً" (آ 14). بين الأبواب الإثني عشر، هناك أجزاء من السور يستند كل منها إلى أساس مكوّن من حجر واحد كريم. هناك 12 أساساً. وتحمل الأُسس أسماء الرسل الأثني عشر، رسل الحمل. هكذا يبرز الطابع الجديد للشعب الذي عاصمته أورشليم. هذا الشعب هو إسرائيل الإثني عشر سبطاً أو رسولاً. هو إسرائيل الجديد، إسرائيل نهاية الأزمنة. ذاك الذي يدعوه الحمل فيكوّنه الإثنا عشر رسولاً. هكذا ضمّ مت 19: 28 الإثني عشر رسولاً مع الإثني عشر سبطاً. والصورة تشير إلى مت 16: 18: "أنت صخر (حجر) وعلى هذا الصخر أبني كنيستي". وهناك أف 2: 20 حيث تبدو الكنيسة بناء أساسه الرسل والأنبياء والمسيح حجر الغلقة (عب 11: 10، 16). والإثنا عثر يحملون معاً المدينة المقدّسة.
* القياسات (آ 15- 17):
"وكان الملاك يمسك قصبة" (آ 15). كما في حز 40: 3 ي، إهتم ملاك بالقياسات. في رؤ 11: أ-2، دلّ قياس جزء من الهيكل أن الله يحميه لأنه يخصّه. أما هنا، فيدلّ على المخطّط الذي حدّد اللأ قياساته: تناسق، عظمة، قداسة.
"والمدينة مربّعة" (آ 16). هذا هو الوضع في حز 48: 30 ي الذي هو نموذج لهذه الصورة. ولكن المحيط كان في حزقيال 18.000 ذراع أي 8 كلم تقريباً. أما في رؤ، فهو 2400 ذراع تقريباً (12.000 غلوة). هنا نتذكر أف 4: 18 وطول وعرض وعمق... ويحدّثنا النصّ عن الإرتفاع، فيصبح الهيكل لا مربّعاً وحسب، بل مكعّباً.
هذا ما يذكّرنا بقدس الأقداس (أش 6: 20). لا فصل بين موضع دنيوي (للوثنيين) ومكان مقدّس للذبائح، ومكان مقدّس كل التقديس لحضور الله. فالمدينة صارت كلها هيكلاً، بل أقدس ما في الهيكل.
"ثم قاس سورها" (آ 17). إرتفاع السور لا يناسب الأبعاد الهائلة للمدينة. لا شك في أن 144 (12×12) يدلّ على كمال لا يضاهيه كمال. "بطول ذراع الإنسان كما استعمله الملاك". المدينة هي في الوقت عينه بشريّة وإلهية. ثم إن القياس البشري يُفهم في معنى روحي.
* مواد البناء (آ 18- 21):
"وكان السور مبنيّاً باليشب" (آ 18). نحن في تضمين مع آ 11.
"والمدينة بالذهب الخالص كأنه الزجاج النقي". نحن أمام صورة تدلّ على الغنى وعلى الجمال، وهي تبدو بشكل تضمين مع آ 21 ج.
"وكانت أساسات سور المدينة" (آ 19). نجد هنا لائحة بالحجارة الكريمة. يستلهم التعداد ببعض حرية لائحة من الحجارة الكريمة نجدها على ثلاث دفعات في الجهد القديم: مرتين في تصوير صدرية الكاهن الأعظم (28: 17- 20؛ 39: 10- 12). ومرة في الترجمة اليونانية لنصّ حز 28: 13 ضدّ ملك صور. إن الكاتب يتوسّع في النبوءات (أش 54: 11- 12؛ طو 13: 17) التي تعلن أن أورشليم المقبلة ستتلألأ بالحجارة الثمينة. ويُغني تصويره عائداً إلى لائحة تقليدية واضحة مؤلّفة من 12 حجراً. وقد توخّى من ذلك أن يشدّد على عظمة ومجد المدينة المقدّسة التي تشعّ بأنوار تعليم الرسل الذين هم أساساتها.
"وكانت الأبواب إثنتي عشرة لؤلؤة. كل باب منها لؤلؤة" (آ 21). إن العهد القديم لم يعرف اللؤلؤة التي ظهرت في زمن الإسكندر الكبير ثم اشتهرت فاعتبرت الحلية العظمى (مت 13: 45-46؛ 1 تم 2: 9؛ رؤ 17: 4؛ 18: 6، 12، 15؛ رج مت 7: 6). يورد مقال من التلمود شرحاً لما في أش 54: 12: كل باب في أورشليم المقبلة يتألّف من لؤلؤة عظيمة جداً حفر فيها ممرّ.
"كانت ساحة المدينةُ من ذهب". في آ 18، عرفنا أن المدينة بنيت بالذهب الخالص. والساحة تشبه المدينة. هنا نتذكّر الهيكل الذي بناه سليمان والذهب الذي كان فيه. هذا يعني أن المدينة كلها، بل العالم كله، صارت هيكلاً لله.
ثالثاً: الهيكل والدخلون إليه (آ 22- 27)
* الهيكل (آ 22-23):
"وما رأيت هيكلاً فيها" (في المدينة) (آ 22). يختلف الكاتب هنا عن كل الذين تحدّثوا عن آمال العالم اليهودي. فالله (حضوره، شكينه) يكون حاضراً بشكل مباشر، فلا يحتاج إلى معبد يرمز إلى نيته بأن يلتقي بالبشر. "أتت الساعة، وهي الآن، حيث العابدون الحقيقيون يعبدون الآب بالروح" (يو 4: 23).
"فالرب هيكلها". يُذكر الحمل على قدم المساواة مع الله. هذا ما يجعلنا في مناخ يوحنّاوي. "أنا والآب واحد" (يو 10: 31). فالحمل هو الوجه المنظور للآب. "من رآني رأى الآب" (يو 14: 9). جسد المسيح هو الهيكل الجديد. "كان يتكلّم عن هيكل جسده" (يو 2: 19- 21). أجل، لا حاجة بعد إلى وساطة "معبد" يدلّ على حضور الله. هنا لا نعارض هذا النصّ مع مقاطع سابقة تفترض وجود الهيكل السماوي (3: 12؛ 7: 15؛ 11: 1- 2، 19؛ 14: 15، 17؛ 15: 5، 8؛ 16: 1، 17). إن صور رؤ ليست عناصر من مجموعة متماسكة، بل مقاربات نحاول فيها أن نعبّر بلسان البشر عن أمور الله. فحضور الله الأزلي وحضور الحمل يتمّان نبوءة تتضمّن فكرة الهيكل. وهو الموضع الذي فيه نلتقي الله، الموضع الذي منه تشعّ قداسته.
"المدينة لا تحتاج إلى نور" (أش 60: 19). شمسها هي مجد الله. سراجها، مصباحها هو المسيح. بدلّ الكاتب اللفظة لأنه لا يريد أن يستعمل رمز القمر لكي يدلّ على المسيح. وإن آ 23 تحمل تضميناً مع آ 11: المجد المنير الذي يُرى من الخارج فينعكس في الحجارة الكريمة ويكشف عن ينبوعه هو حضور الله والحمل في قلب المدينة.
* من يدخل إلى الهيكل (آ 24-27):
"ستمشي الأمم" (آ 24). هنا يبدأ حجّ الأمم الوثنية إلى أورشليم. أما عبارة آ 24 فتعود إلى أش 60: 3، 5، 7 حيث يصعد الوثنيون إلى المدينة المقدسة. الآية هي في صيغة المضارع، ولكن ما يُعلن يبدأ في الوقت الحاضر ويمتدّ إلى المستقبل. ما هو منذ الآن واقع حاضر لا بدّ أن يتمّ يوم يعود الرب.
نجد في الصفحة الأخيرة من العهد الجديد كما في الصفحة الأولى، صعود الوثنيين إلى أورشليم (أو بيت لحم) لعبادة الرب. هذا ما فعله المجوس (مت 2: 1- 12) فكانوا الباكورة. وها نحن نرى علامات تتمّة هذا الصعود إلى جبل الرب.
"لا تُغلق أبوابها" (آ 25). هنا نعود أيضاً إلى أش 60: 11: لا تغلق نهاراً ولا ليلاً. كانت تغلق أبواب المدينة في الليل (وإذا دهم العدو). أما هنا، فليس من ليل. إذن، لماذا الخوف والرب يحمي مدينته.
إن آ 26 تستعيد آ 24 فتجعل الفكرة المركزية في آ 25: "لا تُغلق أبوابها". كان غنى الأمم يأتي إلى رومة، فما الذي يمنع وصول الغنى إلى أورشليم مركز عبادة الله الواحد.
"لا يدخلها شيء نجس" (آ 27). تستلهم هذه الآية أش 52: 1. فتحذّر المسيحيين اليوم من المخاطر التي تهدّدهم (رج 21: 8). وهكذا تشدّد على البعد الحاضر لتصوير أورشليم السماوية. نحن لا نحلم. بل ننتظر النهاية ونحن متأكّدون أنها تؤثر على الحياة اليومية. نحن لا ننتظر النهاية بشكل سلبي، وهذا ما ذكّرتنا به المجدلات والتحريضات التي نجدها على مدّ الكتاب (13: 10، 18؛ 14: 12-13؛ 15: 15؛ 18: 20؛ 19: 9؛ 20: 6؛ 21: 6-8). نحن لسنا متفرّجين بل عاملون.
وتتحدّد النجاسة التي لا تدخل إلى المدينة بكلمتين: الرجاسة والكذب اللذين تحدّثنا عنهما في 21: 8. نحن أمام سلوك يتشوّه حين نساوم مع عبادة الأوثان. هذا ما نحسّ به حين نقرأ الرسائل الموجّهة إلى الكنائس السبع.
"الذين أسماؤهم مكتوبة في كتاب الحياة، كتاب الحمل" (13: 8؛ رج 3: 5؛ 20: 15). ترتبط لائحة المخلّصين بالحمل أي بنعمة الله قبل أن ترتبط بالأعمال الصالحة. ولكن العبارة تبدو أيضاً كتحذير: إنها تذكّر المسيحيين أن عليهم أن يكونوا متّحدين بالحمل لكي تسجّل أسماؤهم في سفر الحياة. فإنجيل نعمة الله لا نعرفه فقط، بل نعيشه.

ج- الفردوس (22: 1- 5)
إن 22: 1- 5 هي الرؤية الثالثة قي الختام. فبعد موضوع العالم الجديد وأورشليم السماوية، ها هو موضوع الفردوس. يقدّم هذه الرؤية الملاكُ عينه الذي قدم السابقة (21: 9). وهذه الرؤية تستلهم نصّين من التوراة. الأول: حز 47: 1- 2. من هيكل نهاية الأزمنة تخرج مياه حيّة تروي الصحراء، وتصلح البحر الميت (تصبح مياهه عذبة)، وتجعل الأشجار العجيبة تنبت. رج يوء3: 18؛ زك 14: 8- 9؛ مز 46. والنصّ الثاني هو تك 2: 8- 10: يروي جنّةَ عدن نهر له أربعة فروع. وهناك أيضاً شجرة الحياة. لا يعلن الكاتب فقط عودة الفردوس الأصلي. وإن هو تحدّث عن الفردوس، فهذا الفردوس غني بتتمّة كل النبوءات التي قيلت على مدّ تاريخ الخلاص. 
"ثم أراني نهر الماء الحيّ" (آ 1). ترد صورة الماء الحيّ مراراً العهد القديم. أما صورة "نهر الماء الحي" فلا نجدها إلاّ في يو 7: 37-39: "تجري من صدره أنهار مياه حيّة... أن يدلّ هكذا على الروح الذي يقبله المؤمنون به". إن مرمى الرمز ليس في المعادلة بين الماء والروح، بل في لفظة "النهر": الذين يؤمنون به وينالون الروح يصيرون قنوات فيها تمرّ كل قوى الحياة التي يقدّمها للبشر، وهي تتوزّع في العالم. وهذا ما يعنيه نصّ رؤ أيضاً: فحضور الله والحمل يجعل الحياة تفيض أمواجاً. إنه نهر ينبوعه قريب وهو لا ينضب أبداً. إنه يدلّ على المعمودية ويدلّ على أكثر من المعمودية. يدلّ على مجمل الحياة الروحية.
"ويجري في وسط ساحة المدينة" (آ 2). نحن أمام مزيج بين تقليد تك 2 وحز 47، وهو يقدّم لنا صورة غريبة. قال تك 2: 9: "وكانت شجرة الحياة في وسط الفردوس". أما هنا فنقرأ: "في وسط ساحة المدينة... شجرة حياة". ولكن تأثرت آ 2 بما في حز 47: 12 حيث الأشجار تقع على جانبَي النهر، فقالت: "في وسط ساحة المدينة وعلى النهر من هنا وهناك شجرة حياة". حينئذ نتساءل: ما الذي هو من هنا وهناك؟ النهر أو شجرة الحياة؟ ونحاول أن نتصوّر الأمور. إذا أخذنا "شجرة الحياة" بمعنى الجمع (شجر حياة)، نكون أمام جادة تحيط بها الأشجار ويمرّ في وسطها النهر. وإلاّ، صارت الساحة بالأحرى جزيرة يحيط بها فرعا النهر مع شجرة حياة وحيدة في الوسط. المهمّ أن نفهم مرمى النص: أن يبيّن أن هذا الفردوس ليس عودة إلى البدايات، بل تتمة تاريخ الخلاص.
"تثمر كل شهر وتشفي بورقها الأمم". الشفاء هو الإرتداد (أش 6: 10) أو الخلاص (أش 53: 5). ولكن الشفاء يفترض المرض. فهل بقي شّر في العالم؟ لنحذر منطقنا الزمني: فرؤى النهاية ليست فقط من أجل مستقبل بعيد. إن الكاتب يرى أن كل هذا قد بدأ في وضع الكنيسة الحاضر وفي وضع المسيحيين اليوم.
منذ الآن وصل المسيحيون إلى شجرة الحياة (2: 7؛ 22: 14). إنهم يعلنون مسبقاً ويصوّرون قرب الإنسان من الله كما في جنّة عدن. إنهم صورة حيّة عن شفاء يقدّم الآن إلى جميع الأمم.
ونستطيع أن نقول أيضاً: الإنسان يبقى خليقة حتى الفردوس. ولن يكون يوماً ينبوع حياته الخاصة (الله هو الينبوع). فلو توقّفت عطية الحياة، لا سمح الله، يكون الإنسان قد انتهى، ولكن عطية الحياة لن تنتهي: هناك 12 غلة في السنة. والشفاء المعطى للبشر هو الذي يفهمهم محدوديّتهم. إن الإنسان يحسّ دوماً أنه مهدّد في محدوديّته، فيُشفى دوماً من أجل الأبدية. 
"لا لعن بعد اليوم" (آ 3) (كاتاثيما). هذه الآية هي صدى زك 14: 11: لا يكون حرم أو استبعاد. نحن هنا على نقيض من تك 3: 16-22 الذي يتحدّث عن الحكم ضدّ آدم وحوّاء واستبعادهما من الفردوس. فالفردوس الذي نتحدّث عنه الآن لا يكون إطار سقطة أخرى. ولا وجود للمجرّب. وسيُقبل البشر بشكل نهائي في هذا المكان. رج روم 8: 1: "لا قضاء بعد اليوم على الذين في المسيح يسوع".
"عرش الله والحمل يكون في المدينة". في 22: 1 إفترض النصّ حضور هذا العرش. وقبل هذا، كانت رؤية الله على عرشه موضوع إيحاءات خارقة (4: 1 ي). أما الآن، فالله يملك في قلب المدينة، وسط البشر. وهو يقاسم عرشه مع الحمل: فالإله القريب من البشر لا يُعرف إلاّ بواسطة يسوع المسيح.
"فيسجد له عبّاده". هذه هي التتمة الأخيرة لما أعلن في 7: 15 (هم أمام عرشه يعبدونه في هيكله ليلاً ونهاراً). وهذا يعيدنا أيضاً إلى 1: 6: "جعل منا كهنة لله أبيه" وإلى 5: 10: "جعلت منا كهنة لإلهنا".
"يرون وجهه" (آ 4). هي طريقة إخرى بها نعبّر عما قاله القديس بولس (1 كور 13: 12): "الآن ننظر في مرآة، في إبهام. أما حينئذ فوجهاً إلى وجه". أو ما قاله 1 يو 3: 2: "سنكون أمثاله لأنّا سنعاينه كما هو". ما رُفض لموسى كما رُفض لكل خليقة (خر 33: 20-23) صار بعد الآن ممكناً كما قيل في الأناجيل: "طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله" (مت 8:5).
"ويكون إسمه على جباههم": إن المسيحيين يحملون هذه العلامة، علامة الإنتماء والتكريس (3: 12؛ 7: 3؛ 14: 1). وهي تتعارض مع علامة الوحش (13: 16).
"لا ليل هناك" (آ 5). تنبّأ زك 14: 7 عن نور مستمرّ لا يخضع لتعاقب الليل والنهار. أما نصّ رؤ فيشدّد فقط على انتصار حازه المسيح على الظلمة.
"سيملكون إلى أبد الدهور". لقد أعلن هذا الملك مراراً (20: 4، 16. وها هو يتمّ الآن بشكل أبدي. غير أنّ المؤمنين هم منذ اليوم مشاركون في ملك الله وانتصاره (1: 6؛ 5: 10). والوضع الذي تدشّن اليوم سيدوم إلى الأبد.
إن المسيحيين يستطيعون حقاً أن ينتظروا النهاية بثقة وفرح، لأنهم يتذوّقون منذ الآن الخيرات الموعود بها. وإذ يعيشون تابعين الحمل، يحسّون بهجمة الأبدية في زمن البشر. يدركون على الأرض حضور السماء.
هذا الإعلان الفائق الذي يبدّل نظام الخليقة القديمة والمدلول المعروف للزمن، هو قلب تعليم رؤ، هو وحي يسوع المسيح، هو الإنجيل. أجل، نهاية الأزمنة ليست ظهوراً رهيباً لابن الإنسان كما في بعض الصور المرعبة، بل ظهور العروس، ظهور الكنيسة التي اقتناها الحمل بدمه وأعاد خلقها كلها على صورته.

خاتمة
العالم المادي هو مخلوق. لذلك فهو لا ينتهي في العدم. فإن لم تعطنا الكتب المقدسة أية معلومة عن مسيرة التحوّل التي تمرّ من الخلق الأولى إلى الخلق الثاني، فالواقع يبقى وهو أنه ستكون أرض جديدة وسماء جديدة (أش 65: 17؛ 66: 22: 24؛ 2 بط 3: 13؛ رؤ 21: 1). وهذا لعمري أكيد لأنه حقيقة إيمانية. لهذا نخطىء ونعارض اللغة البيبلية حين نجعل من هرب العالم أمام منبر الله (20: 11) وكأنه "نهاية عالم"، دمار عالم. فعلينا أن نحلّ محلّ "نهاية العالم" عبارة "تحوّل العالم" أو "مستقبل العالم" لأن "هيئة هذا العالم تزول" (1 كور 7: 31).
إن الألفاظ والتشابيه البشرية لا تقدر أن تصوّر "السماء"، "أورشليم السماوية". فبهاء الذهب والحجارة الكريمة يبقى أضعف من أن يعطينا فكرة عنها. هنا نتذكّر 1 كور 2: 9: "ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على قلب بشر ما أعدّه الله للذين يحبّونه" (رج أش 64: 3).
السماء لفظة لاهوتية مصوّرة تحاول أن تعبّر، بواسطة تكديس الكلمات والرموز، عن واقع إلهي يتعدّى الإدراك البشري. وعدد التشابيه المستعملة يكفي ليبيّن أن سّر السماء وسعادتها لا ينحصران في لفظة واحدة. قال بولس الرسول: "إن معرفتنا هي ناقصة... فمتى جاء الكامل زال ما هو ناقص" (1 كور 13: 9-10). وفيما يخصّ السماء، يبقى كلامنا عنها تمتمات أطفال لم يصلوا بعد إلى ملء النطق.
وصورة أعراس الحمل (21: 9) تعطينا إنعكاساً باهتاً لهذه الأعراس الحميمة والسعادة الأبدية اللتين تفرضهما عطية السماء من قِبَل الله. ونقول الشيء عينه عن صورة المدينة المقدسة التي بُنيت على مثال قدس الأقداس، فدلّت على موطننا السماوي والحياة الحميمة مع الله. ولكن الويل لمن ليس له موطن، لمن انغلق على الحكم الإلهي فسمع هذا الكلام القاسي: "إذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المؤبّدة"