النهاية: ها أنا آتي

 

ها قد وصلنا إلى نهاية قراءتنا لسفر الرؤيا. لقد انتهت الرؤى وأفهمنا إياها الكاتب. فيبقى عليه أن ينهي كلامه فيعود مرّة أخرى إلى ما يعتبره جوهرياً، ويعطي تعليماته الأخيرة للقارىء قبل أن يسلّمه كلمات هذا الكتاب النبوي. وسيقول لنا كيف يريد أن يُقرأ كتابُه ويُفهم.
ولكن، إن كان الهدف واضحاً، فالتحقيق يبقى صعباً. ولهذا تبدو هذه النهاية متشعّبة إن لم نقل معقّدة. لهذا سنبدأ بدراسة بنية هذه الآيات (آ 6- 21) قبل أن نعود إلى التفاصيل.

1- ملاحظات عامة
أ- خاتمة الكتاب
لسنا هنا فقط أمام خاتمة للقسم الأخير، بل خاتمة الكتاب كلّه. وهذا ما نلاحظه في التوازي بين مقدّمة الكتاب (1: 1- 3) و 22: 6- 10. فهناك تجاوب بين عناصر المقطعين.
* فالهدف المعلن في بداية الكتاب قد أدرك، والبرنامج تحقّق. نقرأ في 1: 1: "وحي يسوع المسيح... لكي يكشف لعباده ما لا بدّ أن يأتي عاجلاً، وقد أرسل فبيّنه بملاكه لعبده يوحنا". يسوع هو الموحي، مصدر الوحي. وهو أيضاً الموحَى به وموضوع الوحي. وفي 22: 6: "وقال لي: إن هذه الكلمات لحقّ وعدل، والرب إله أرواح الأنبياء أرسل ملاكه لكي يكشف لعباده ما لا بدّ أن يأتي عاجلاً". أجل، لا ننتظر نهاية العالم في زمن بعيد أو قريب. فمجيء الرب هو في التاريخ منذ الآن. يكفي أن نكون ساهرين. فالنهاية بدأت بقيامة الرب يسوع، وأحداث التاريخ خاضعة لتصميم الله وقصده الخلاصي. أجل، لا شيء يوقف تتمة مخطط الله. وعلى المسيحيين أن يتشجّعوا بعد أن تدشّن تاريخ الخلاص في الحدث الفصحي. إنهم يعيشون في زمن النهاية. إنهم منذ الآن أبناء الله.
* ذُكر يوحنا في بداية رؤ وفي نهايته. نقرأ في 1: 1 أن الرب يسوع أعطى وحياً لعبده يوحنا. لا شك بواسطة الملاك. ولكن الملاك لا يمكن أن يكون حاجزاً بين المسيح ويوحنا. إنه يدلّ على حضور الله وعمله. ونقرأ في 1: 4: "من يوحنا إلى الكنائس السبع". لا يذكر الكاتب أي لقب لكاتب رؤ. لا يقول هل هو رسول أم شيخ من شيوخ كنيسة أفسس. هذا يدلّ على تواضعه وشهرته في آن واحد. فالكنائس التي يكتب إليها تعرفه. ولهذا فهو يستطيع أن يؤنّبها باسم المسيح. ونقرأ في 22: 8: "أنا يوحنا سامع هذه الأمور ورائيها". السماع يعطي المعنى الأخير للرؤية. فنحن أمام نبوءة يسمعها الرائي ويحملها إلى إخوته.
* والتطويبة التي نقرأها في البداية تشبه تلك التي نقرأها في النهاية. نقرأ في 1: 13: "طوبى لقارىء كلمات النبوءة ولسامعيها ولحافظي ما كُتب فيها، فإن الوقت قريباً. يعتبر الكاتب نفسه نبياً من أنبياء العهد الجديد الذين كان لهم دور كبير في الكنيسة الأولى (1 كور 12: 28). وهو يتحدّث عق الوقت الذي هو وقت مجيء المسيح (3: 11). ونقرأ في 22: 7: "طوبى لمن يحفظ كلمات نبوءة هذا الكتاب". لسنا في الحفظ أمام الخضوع لتعليمات، بل أمام الاهتمام بالتعليم فندخله في قلوبنا ونحيا منه. وفي 22: 10 نعرف كما في البداية أن "الوقت قريب". هذا هو الأسلوب الجلياني الذي يعلن أن الله يأتي ولا يتأخّر.
ب- خاتمة خاصة
ولكن الخاتمة لا تستعيد حرفياً ما في المقدمة. هناك تطوّر، تقدّم، توضيح.
* أعلن البرنامج في 1: 1: "ما لا بدّ أن يأتي عاجلاً". لم يعد لنا وقت للإنتظار. فالرب يأتي كالسارق. هذا الكلام يتوضح في 22: 7: "ها أنا آتٍ عاجلاً". نحن في صيغة الحاضر. الآن ها أنا آتٍ. ولسنا في مستقبل بعيد أو قريب ننتظره في الخوف ولا نعرف ما يصيبنا فيه. مجيء الرب هو مجيء الخلاص ونحن نعيشه في حياتنا اليومية الحاضرة. ثم إن رؤ لا يخبرنا بأشياء أو بأحداث. إنه يحدّثنا عن شخص هو يسوع المسيح الذي يأتي لكي يجعلنا ننعم بثمار إنتصاره. لكي يجعل إنتصاره يعمّ الكون فتهرب قوى الشرّ من مدينة الله المقدّسة.
* إن العناصر التي أخذت من المقدّمة قد أقحمت في لحمة إخبارية (22: 6 أ، 8 ب- 10) تتوازى توازياً دقيقاً مع 19: 9- 10.
نجد ثلاثة عناصر في هذه الجهة وتلك: الأصل الإلهي للخطبة. سجود يمنعه الملاك. طابع نبوي للإيحاءات. يستعيد الكاتب تحذيراً عبّر عنه بمناسبة الحديث عن الرؤى المتعلّقة بخراب بابل وأعراس الحمل (ف 17- 19)، ليطبّقه على مجمل الكتاب.
يبدو مجمل الكتاب وكأنه يورد كلمات الله بالذات: "هذه الكلمات حقّ وعدل" (2: 6). فهو لا يُقرأ كمجموعة إيحاءات خارقة بادرَ الملاك إلى إيصالها إلى يوحنا. ولا ككشف عن أسرار جليانية باهرة أعطيت لإشباع فضولنا دون أن تلزمنا في شيء. إنه يُقرأ كخطبة نبوية تدعو إلى التوبة، كإعلان ملحّ يطلقه الله الذي يخدمه الملاك. هذا هو سفر الرؤيا: شهادة نبوية حول غلبة يسوع على الشيطان، وهي غلبة بدأت بموته. وهو دعوة للإلتزام في الخطّ الذي سار فيه يسوع حتى الشهادة والاستشهاد. هذا هو سفر الرؤيا وما تبقى هو صور تسند المخيّلة. فطوبى لمن يسمع هذه الكلمات النبوية ويحيا منها.
ج- خاتمة مزدوجة
هناك تواز لافت بين 22: 6 و 22: 16. نقرأ في آ 6: "الرب إله أرواح الأنبياء أَرسل ملاكه لكي يكشف لعباده". وفي آ 16: "أنا يسوع أرسلت ملاكي ليشهد لكم بهذه الأمور في شأن الكنائس". نجد هنا تركيزاً على الشهادة. وفي آ 6 على الكشف والوحي. أن ننسب هذا الوحي إلى يسوع أو إلى الله، فلا غرابة في ذلك. فبين الله ويسوع، هناك تبادل الأدوار: ما يعمله الآب يعمله الابن مثله (يو 5: 19). ولكن هناك إنتقالاً من إعلان لما يحدث عاجلاً إلى شهادة تقوم بها الكنائس. ونحن أيضاً. 
ونقدّم ملاحظة ثانية. تتكرّر التلميحات إلى الكتاب الذي ينتهي في آ 6 - 10. ولكن الحديث عن هذه النهاية يحتفي في آ 11- 15 ليظهر من جديد في آ 18- 19 بشكل خاصّ. هذا يعني أننا أمام خاتمة أولى (آ 6- 10) تعلن أن هذه الكلمات حقّ وعدل وتدعو القارىء إلى حفظ نبوءة كلمات هذا الكتاب. وقد استعيدت هذه الخاتمة وزيدت عليها تحديدات جديدة اعتبرت مهمّة: "أنا يسوع أرسلت ملاكي... أنا أشهد لكل من يسمع كلمات نبوءة هذا الكتاب". هنا ننتقل من الشاهد كاتب الرؤيا إلى الشاهد الأوّل الذي هو يسوع المسيح.
نجد في رؤ قسماً يتجاوب مع موضوع الشهادة هو الرسائل إلى الكنائس. إنها تشكّل القسم الوحيد في الكتاب حيث المسيح يتحدّث في صيغة المتكلّم المفرد (أنا أعرف أعمالك). وقد دخلت هذه الرسائل في كتاب جلياني ليدلّ على أن تعليم الرؤى الكبيرة يتسجّل في حياة الكنائس اليومية. وها نحن نجد في الخاتمة الثانية (22: 16 ي) الطابع الرئيسي الذي وجدناه في الرسائل: هي كلمات يسوع نفسه تتوجّه بشكل واضح إلى الكنائس.
وهنا نكتشف معنى الخاتمة الثانية بالنسبة إلى الخاتمة الأولى. في الخاتمة الأولى (22: 6) توخّى رؤ أن يبيّن ما سيحصل قريباً. وزاد: "ها أنا آتٍ عاجلاً". إن آ 7 تشدّد على أن يسوع هو في قلب ما سوف يحصل. ولكن مناخ الخطبة ظلّ جليانياً، فبيّن وقائع سماوية قد يبقى الإنسان أمامها متفرّجاً أو فضولياً. لهذا شدّدت هذه الخاتمة (الأولى) على الطابع النبوي والملزم للكتاب، فاستعملت أربع مرات لفظة "نبي" أو نبوءة" (آ 6، 7، 9، 10) بينما لم تستعمل إلاّ مرة واحدة في 1: 1-3.
وجاءت الخاتمة الثانية (22: 16 ي) وشدّدت على الطابع النبوي للكتاب مع ما يفترض هذا الطابع من التزام على مستوى حياة الكنائس الملموسة.
يسوع هو الذي يتكلّم. "أنا يسوع". وما يحمله الملاك هو شهادته. هذا يعني أن مضمون رؤ يجب أن يعود إلى "شهادة يسوع" الذي هو الوحي الكامل لكلمة الله ووصاياه (1: 2، 9؛ 6: 9؛ 19: 10؛ 20: 4). وهذه الشهادة، شهادة يسوع "الشاهد الأمين" (1: 5؛ 3: 14) هي ذبحه وإنتصاره كحمل مسيحاني (5: 5، 9). هي موته وقيامته (1: 18). هي شهادته التي يطلب من الكنائس أن تواصلها (2: 13؛ 11: 3- 12؛ 12: 11، 19: 10) غاسلة ثوبها في دم الحمل (3: 4؛ 7: 13- 14؛ 22: 14).
ليس رؤ مجمل تنبوءات كتلك التي تُطلق في بداية كل سنة، بل كلمة يسوع القائم من الموت والذي يدعو المسيحيين لكي يتجرأوا فيحيوا منذ الآن مثله. لقد غلبوا، فيجب أن لا يخافوا من المخاطرة بحياتهم في سبيل الشهادة المطلوبة من الكنائس ومن المؤمنين.
سنعود إلى 22: 12- 15 فيما بعد. ولكننا نلاحظ أن هذا المقطع لا يشير إلى الكتاب الذي ينتهي الآن. هذا المقطع يلعب دوراً في نهاية الكتاب (22: 6- 21) فيوسّع التأكيد الرئيسي: ها أنا آتٍ عاجلاً. وهي عبارة ترد في البداية (آ 6) وفي الوسط (آ 12) وفي الخاتمة (آ 20). أما آ 12- 15 فتقسم قسمين: مجيء المسيح مع مجازاته (آ 12- 13). ثم النتيجتان المتقابلتان اللتان تتبعان هذا المجيء: خلاص للبعض (آ 14) ودينونة للآخرين (آ 15).
أمّا 22: 16- 21 فيستلهم استلهاماً وثيقاً النموذج الذي تقدّمه آ 12 - 15: تقديم المسيح الآتي (آ 16). ثم نتيجتان: دعوة للمجيء والمشاركة في خيرات الخلاص (آ 7) وتحذير (آ 18- 19).

2- قراءة تفصيلية
نقرأ أولاً ملاحظة حول أفضل الطرق لاستعمال كلمات هذا الكتاب (آ 6- 11). ثم موجزاً أخيراً للتعليم النبوي (آ 12- 15). وأخيراً، الليتورجيا الأخيرة (آ 16- 21).
أ- كيف نستفيد من الكتاب (22: 6- 11)
"إن هذه الكلمات حقّ وعدل" (آ 6). كلمات صادقة وينبوع سعادة لمن يحفظها. أجل، إن رؤ كتاب متين ويدْعونا إلى الثقة بما يقول.
"ثم قال لي". المتكلٍّم هو أحد الملائكة الذي يحمل إحدى الكؤوس السبع والذي تدخل في 21: 5، 19؛ 22: 1. قرأ بعضهم آ 7 (ها أنا آتٍ عاجلاً) فظنّ أن المسيح هو الذي يتكلّم. ولكن يبدو أن تصميم آ 6- 14 هو غريب. أولاً: كلام الملاك (آ 16). ثم كلام يسوع (آ 7) ثم يوحنا (آ 8). ثم كلام الملاك (آ 9- 11). وكلام يسوع (آ 12- 14) وكلام يوحنا (آ 15). ثم لا نعجب إن وجدنا الملاك يتكلّم باسم الله. ففي تقليد الأنبياء، يتكلّم النبي باسم الربّ في صيغة المتكلّم المفرد، والقارىء يفهم. فقد يكون الملاك يتكلّم باسم يسوع.
"هذه الكلمات حق". هذه العبارة قد وردت في 21: 5 (رج 19: 9). وهي تعني هنا الكتاب كله الذي يسمّى كلمة الله. ويأتي حالاً ما يبرّر هذا التأكيد: "الرب، إله أرواح الأنبياء، أرسل ملاكه". روح الأنبياء هو الروح النبوي، وإمكانية التنبؤ التي يمنحها الروح القدس باسم الله. غير أن هذا الروح يسلّم إلى مسؤولية كل نبي. لهذا تحدث النصّ عن "روح" النبي، لا الروح القدس. لقد صار هذا الروح جزءاً من النبي (رج 1 كور 12: 10؛ 14: 32؛ روم 8: 16؛ فل 4: 23؛ غل 6: 18). هذه اللفظة قد احتفظنا بها في الليتورجيا. يقول المحتفل: الرب معكم. نجيب: مع روحك.
للكتاب سلطته لأنه عمل الأنبياء الملهمين والمسيحيين الحقيقيين (آ 29) الذين دلّوا في حياتهم وفي موتهم على المتطلّبات الملموسة التي تفرضها المشاركة مع المسيح المنتصر. ليس رؤ كتاب أسرار بعض المتدرّجين، كما في عالم الشيع، بل كتاباً للحياة اليومية. هذا ما تدلّ عليه المجدلات ثم التطويبات السبع: طوبى لمن يقرأ وللذين يسمعون (1: 3). طوبى للذين يموتون في الرب (14: 13). طوبى للساهر الحافظ ثيابه، ثياب المعمودية وما ترمز إليه من جهاد في سبيل الإنجيل (16: 15). طوبى للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل (19: 9)، في الافخارستيا التي تدل على وليمة نهاية الأزمنة. ولا ننسَ أخيراً النداءات المتعدّدة التي توجّه إلى القارىء لكي يتصرف في الوقت الحاضر. "من له أذنان فليسمع" (13: 9). قد يذهب إلى المنفى بسبب إيمانه. وقد يُقتل بالسيف. يبقى عليه أن يتحلّى بثبات القديسين وإيمانهم. يفوّض أمره إلى الله ولا يلجأ إلى العنف عارفاً أين يوصله منطق إيمانه. ويُطلب إلى المؤمن أن يتحلّى بالحكمة ويُعمل الفكر (13: 18). هذا الوحش، أي السلطة السياسية الفاتحة، ليس بإله. إنه إنسان ناقص (العدد 6 مكرّر). كما يقال للمؤمن بأن لا يقبل أن يكون بين قطيع الساجدين للوحش. فعلى جبينه سمة يسوع المسيح، ولذلك عليه أن يتحلى بالثبات، ويحفظ الوصايا ويتعلّق بيسوع بالإيمان. قد يخسر إن لم تكن عليه سمة الوحش، ولكن الخسارة الكبرى هي أن يضيّع سمة المسيح التي نالها في المعمودية فكانت له عربون الظفر في النهاية (رج 14: 12- 13). في 16: 15 يُطلب من المؤمن السهر. وفي 18: 20، يُطلب منه الفرح. أجل، لسنا أمام أحلام عن المستقبل نلجأ إليها في ساعة الضعف واليأس. ولسنا أماهم تنبؤات فيها ما فيها من تخويف، بل أمام تعليم نبوي يجب أن نؤوّنه.
وتستعيد آ 6 ب بداية ف 1 فتقول لنا إن برنامج الكتاب قد نفّذ، وما قيل بيّن ما سيحصل عاجلاً.
"ها أنا آتٍ". هذا التأكيد هو في قلب آ 6- 8 أ. وهو يشرف على كل الكتاب. إنه السبب الذي لأجله أرسلت الرسائل. في 2: 5 يقول يسوع لملاك كنيسة أفسس: "إن لم تتب فإني آتيك وأزيح منارتك من موضعها" (رج 2: 16). وفي 3: 3 يقول يسوع: "إني آتٍ كلصٍّ ، ولا تعلم في أي ساعة آتيك". وفي 3: 11: "إني آتي عاجلاً. تمسّك بما لديك لئلا يأخذ أحد إكليلك".
ويعود موضوع" المجيء في 16: 15 ليتفتّح في النهاية (22: 7، 12، 20). وهذا ما يقوله الإنجيل أيضاً. "لقد اقترب ملكوت الله" (مت 3: 3). إقترب في شخص يسوع. فالمسيح هو في قلب النبوءة، في قلب رؤ الذي هو إنجيل القيامة. والقيامة لا نفهمها معجزة من الماضي بل حدثاً حالياً وديناميكياً ودائماً. من وجد في رؤ هذا التعليم وعاش منه عدَّ سعيداً.
"طوبى لمن يحفظ كلمات". هذا ما يحيلنا إلى ف 1: القراءة، السماع، حفظ كلمات النبوءة المسموعة. وهكذا ينتهي الكتاب كما بدأ.
وأنا يوحنا سمعت هذه الأمور ورأيتها" (آ 8). كما دلّ دانيال على نفسه في نهاية الرؤى (دا 12؛ 5). هكذا فعل صاحب رؤ في بداية الكتاب (1: 1، 4، 9) وفي نهايته. لقد لمس روح الله بتعليمه "نبياً" محدّداً فرأى وسمع ما أراد الله أن يريه إياه ويسمعه: المسيح سيأتي عاجلاً. أرسل البلاغ فتلقاه يوحنا. لم يكن ما رآه حلماً، بل حقيقة وواقعاً. هنا نتذكر يو 19: 35: "والذي عاين شهد وشهادته حق، وذاك (أي يسوع) يعلم أنه (شاهده) يقول الحق لكي تؤمنوا أنتم أيضاً". الشاهد هو الذي يعلم بالحدث من دون وسيط ويستخلص منه معناه العميق. ونقرأ في يو 21: 24: "فهذا هو التلميذ الشاهد بهذه الأمور، وهو الذي كتبها ونحن نعلم أن شهادته حق". في النصّ السابق أكّد المسيح أنه هو أرسل شهادته وثبّتها وأيّدها. وهنا، تعلن الكنيسة صدق أقوال الرسول (رج يو 1: 1-3).
"سقطت لأسجد". لا تسجد لهذه الكلمات وكأنها صنم. فالمؤمن لا يسجد إلاّ لله. إذن، لن نتوقّف على الحرف والمبنى، بل نصل إلى الروح والمعنى. لقد أرسل الله ملاكه "ليكشف" (آ 16). وها هو يوحنا يريد أن يسجد للملاك الذي "أراه" هذا (آ 8 ب). نحن في مشهد يوازي 19: 9- 10. في ف 19، دعانا الكاتب لكي لا نخطىء في معنى رؤى ف 17- 19. وهنا يوسّع الدعوة بالنسبة إلى الكتاب كله.
فالإيحاءات المدوّنة هنا والتي كان الملاك وسيطها، كان لها هدف واحد: أن تقودنا إلى السجود لله، إلى هذه الليتورجيا الشاملة، ليتورجية المديح التي صوّرها رؤ في 4: 8- 11؛ 5: 8- 14؛ 7: 9- 12. فالكلمات هي في خدمة العبادة. هذا ما أعلنه الملاك ويوحنا والأنبياء ومارسوه مع جميع البشر الذين يجعلون أمانتهم لله فوق كل شيء.
هنا نحذر من نظرة إلى رؤ تعتبر فيها الكتاب سلسلة من الإيحاءات الخارقة على العالم السماوي أو المستقبل. إنه لخطأ كبير أن نتوقف عند المبنى (كما يوحيه الملاك) ونترك المعنى الذي هو التعليم النبوي الذي يلهمه الله. إن توقفنا عند المبنى عبدنا السند البشري الذي هو ثانوي، وتوقّفنا عند الظاهر دون الحقيقة، واكتفينا باللغة والأسلوب وتركنا البلاغ الذي يحمله الكتاب إلينا.
"وقالت لي: لا تختم على كلمات" (آ 10). يجب أن تُعلن هذه الكلمات لأن الزمان قريب. هنا يختلف رؤ عين الرؤى اليهودية. فالإيحاءات المستقبلية يجب أن تبقى سرية إلى أن تتحقّق (دا 8: 26؛ 12: 4، 9: رج رؤ 10: 4). ولكن صاحب رؤ تسلّم أمراً معاكساً. لماذا؟ لأن الزمان قريب. فاليوم تتحقق نبوءات رؤ. فمنذ الفصح دخل العالم في الحقبة الأخيرة. ومنذ موت المسيح وقيامته أعطي للبشر أن يلامسوا الملكوت. هذا هو زمن النصر والدينونة الأخيرة. ولم يعد الفردوس ممنوعاً عليهم. وأورشليم السماوية فتحت أبوابها واختبر المؤمنون العالم الجديد.
"الظالم فليظلم بعد" (آ 11). هنا نقرأ آية صعبة ولا نفهمها إلاّ في إطار إقتراب النهاية. فشقّا الآية يتألفان من عناصر مترادفة وهما يتعارضان تعارضاً تاماً. "الظالم فليظلم (فليعمل الظلم) بعد. والبار فليعمل البرّ بعد. والنجس فليتنجّس بعد. والقديس فليتقدّس بعد". أما المعنى فهو كما يلي: إن أزمات آخر الأزمنة تدلّ بوضوح وبشكل حاسم على الطبيعة الحقيقية لكل إنسان. مع العلم أن زمن التوبة الذي أعطي للبشرية في زمن الضربات (16: 9، 11) قد انتهى الآن. إذن، لم يعد من وقت للتوبة، والنهاية تسقط كالستار على المسرح فتجمّد كل واحد في موقفه الأخير. في هذا الإطار نفهم مثل العذارى في مت 25: 1 ي. لم يعد من الممكن أن نأتي بالزيت عند صيحة العريس الآتي. فالحكيمات لا يستطعن أن يعطين زيتاً للجاهلات. أما مرمى الكلام هنا، فهو أن على البار أن يثبت حتى النهاية مهما كلّفه ثباته من تضحيات.
ب- البلاغ النبوي (آ 22: 12- 15).
أشار المقطع السابق إلى الكتاب الذي ينتهي. أما آ 12- 15 فلا تعود تلفح إليه. إنها بالأحرى تفسيراً للوعد الذي استعيد في آ 7: "ها أنا آتي عاجلاً".
"ها أنا آتي عاجلاً" (آ 12). لقد تضمّنت الليتورجيا التدشينية (1: 4- 8) في وسطها إعلان مجيء المسيح وسط السحاب حسب دا 7: 13. هذا هو الموضوع المركزي في الكتاب، وقد استعيد هنا مرة أخيرة مع عودة إلى أم 24: 12: "فإن قلتَ: لا علمَ لي بهذا، فالرب الذي يزن ما في القلوب ويتبيّنه ويراك ألا يعرف فيجازيك بحسب عملك"؟
في رؤ، الله هو الذي يدين عادة (1: 17؛ 19: 2؛ 20: 11- 12). أما هنا كما في 2: 23، فالمسيح هو الدّيان. فألقاب الآب ووظائفه قد نُسبت مراراً في رؤ إلى الابن.
نجد هنا ثلاثة ألقاب كرستولوجية (تتحدّث عن يسوع المسيح): الألف والياء: أول وآخر حرف في الأبجدية (في اليونانية: ألفا، أوميغا). هذا يعني أنه يضمّ كل الحروف وكل الكلمات. البداية والنهاية. رج 1: 8؛ 21: 6 (تطبّق على الله). الأول والآخر رج 1: 17؛ 2: 8 (عن المسيح)؛ أش 44: 6؛ 48: 12 (أنا هو. أنا الأول والآخر). هذا يعني مرَّة أخرى أن المسيح هو الله.
إن الكاتب يشدّد على صفة المسيحي ودوره الإلهي. والدينونة بحسب الأعمال قد سلّمت إلى الذي يقدم بمجيئه الخلاص نعمة. هذا يعني أنه الديّان والمخلّص: إنه يقدّم الخلاص، ولكن يفرض علينا أمامه أن نختار أن نكون معه. "من ليس معي فهو ضدي"، قال يسوع في إنجيله.
ويتوسّع النص فيما بعد في مضمون هذه الدينونة. فطوبى للذي يكون له الديان مخلّصاً.
"طوبى للغاسلين حللهم" (آ 14). أي عاشوا من المعمودية: لقد انتقلوا مع المسيح عبر المحنة الكبرى وتنقّوا بدمه، تنقّوا بحياته التي بذلها من أجل العالم (7؛ 14). إن صورة اللباس تدلّ على واقع الإنسان العميق. فمن نجّس ثوبه لم يعد أهلاً لأن يتسلّم ثوباً أبيض. من تسلّم الثوب الأبيض (يدلّ على الغلبة والانتصار) تنقّى وشارك في حياة المسيح الذي قام. من بين الأموات (3: 4، 5، 18؛ 4: 4؛ 6: 11؛ 7: 9، 13-14).
أن الذين غسلوا ثيابهم هم الغالبون (3: 5). والاحكام التي كانت تطردهم من الفردوس قد رُفعت، فحقّ لهم أن يصلوا إلى شجرة الحياة (2: 7) أي الحياة الأبدية. لقد ختموا باسم أورشليم الجديدة (3: 12) المدينة التي ماثل رؤ 22 بينها وبين الفردوس. لهذا شدّد النصّ على الدخول بأبواب المدينة. فأبواب المدينة ختمت باسم القبائل الاثنتي عشرة. ولا نستطيع أن ندخل إلى المدينة السماوية إن لم نكن من الشعب المختار، من شعب الأسباط الاثني عشر في إسرائيل الجديد (7: 1- 8). الرب يدعو جميع البشر، والمختارون هم الذين يختارون المسيح، يختارون أن يتبعوا المسيح أينما ذهب على مثال رفاق الحمل.
تلك كانت الوجهة الأولى في هذه الدينونة، وجهة الخلاص. أما الوجهة الثانية فتكون الحكم بالهلاك على "الكلاب والسحرة والفجار..." (آ 15).
إن لائحة المبعدين شبيهة جداً بما نقرأ في 21: 8. إذا اعتبرنا أن كل من يحب أو يمارس الكذب يقابل "جميع الكذّابين" في 21: 8، تكون لفظة الكلاب وحدها غريبة عن اللائحة الأولى. كان اليهود يعدّون الوثنيين كلاباً (مت 15: 26). ويسوع دعا بهذا الاسم من ينبذون تعليمه ولا يقدّرونه حق قدرة (مت 7: 6). وبه دعا بولس المسيحيين المتهودين الداعين إلى حفظ الختانة في فيلبي (فل 1: 2).
هذه اللائحة (الكلاب، السحرة...) وسابقتها في 21: 8 (الجبناء، الكفار...) وغيرهما كانت تقليدية في المسيحية الأولى. وقد استعلمت لتعلّم المعمدين الجدد حدود تصرف مسيحي، ولتفهمهم أن لا توافق إطلاقاً بين بعض التصرفات والتعلّق بالمسيح. إنها قريبة من تعليم الفقاهة العمادية التي تضمّنت بشكل "كفر" (أنا أكفر بالشيطان) لائحة بتصرفات ممنوعة. 
ولكن كيف نفهم أن تكون مثل هذه التهديدات ضرورية في هذا الوقت الذي يلي الدينونة الأخيرة والذي فيه لا يبقى شيء نجس؟ نذكّر مرة أخرى أن صاحب رؤ لا يهتمْ بأن يروي نهاية الأزمنة حسب مسيرة كرونولوجية متنامية. بل يعلن أننا في الأزمنة الأخيرة، وأن إنجيل النهاية يعاش منذ الآن، كاستباق لما حصلنا عليه ولآخرة مقبلة هي مجيء المسيح.
"كل محبّ للكذب وصانع له". تستعيد هذه العبارة مضمون اللائحة كلها، كل مواقف الشرك التي تحلّ شيئاً آخر محلّ الله. يقابلها: "صانع الحق". فصانع الحق يترك كلمة الله التي تلفّظ بها يسوع المسيح (أو كنيسته فيه) تحوّل حياته المتجدّدة بشكل منظور وملموس.
قد تدلّ لفظة "الكلاب" على الذين يمارسون البغاء المكرّس في ظل الهياكل الوثنية فيدلّون على إتحاد الأرض بالسماء عبر عمل الزنى. حينئذ نعود إلى تث 23: 18 الذي فيه ترفض الشريعة مثل هذه الممارسة التي تعتبر تشويهاً للعمل الجنسي ومحاولة بها يفرض الإنسان نفسه على قدرة الله. حينئذٍ تعني العبارة "الفجّار" كما في 21: 8. ولكن، بما أننا في إطار عبادة الأوثان، نكون أمام اللامؤمنين الذين يجب أن لا يشتركوا في الإحتفال بالأسرار. نقرأ في الديداكيه: "لا يأكل أحد من إفخارستيتكم ولا يشرب إلاّ إذا كان معمداً باسم الرب. فقد قال الرب في هذا الموضوع: "لا تعطوا ما هو مقدّس للكلاب" (9؛ 5). أما ترتليانس فسمّى "كلاباً" أولئك الذين يعتبرون نفوسهم مسيحيين ولكنهم يعيشون في طريق لا تتوافق مع الإيمان. يعيشون كالوثنيين. مثل هؤلاء نحذرهم.
ج- الليتورجيا الأخيرة (22: 16- 21)
"أنا يسوع أرسلت ملاكي ليشهد لكم في شأن الكنائس" (آ 16). هذه هي الخاتمة الثانية التي دوّنت مثل الأولى لترافق نسخة رؤ التي زيدت عليها الرسائل إلى الكنائس.
يوضح الكاتب أن رؤ كله يجب أن يُقرأ مثل الرسائل، كأنه نداء يوجّهه المسيح نفسه. فهو الذي أرسل جميع الرؤى لأنه والآب واحد.
وهذا النداء هو شهادة تُوجّه إلى القرّاء (لكم) في شأن الكنائس. فالشهادة قريبة من النبوءة. وهي تدعونا إلى الحياة مع المسيح المنتصر. إذن، نسأل السامعين حول طريقة عيشهم في الكنيسة: هل يعيشون كالظافرين أم هم كالجبناء؟
لقد تحوّلت الخاتمة الأولى في خط عملي ويومي. وحملت الخاتمة الثانية إلى الخاتمة الأولى التصحيح الذي حملته الرسائل إلى الكتاب كله. جُعلت الرسائل في بداية الكتاب لتحدّد معناه والأبعاد التي نعطيها لرؤى ف 4- 22 التي لا تصوّر مستقبلاً بعيداً، بل الحاضر كما يعيشه المسيحي اليوم.
"أنا أصل داود وذريته". يسوع هو نسل داود (5: 5؛ أش 11: 1- 10) وهو يتمّ مصير الملك الذي اختاره الله ليقود شعبه. إنه إبن الله الحقيقي والمسيح المنتظر.
"كوكب الصباح المتألق". نحن أمام" صورة مسيحانية تعود إلى عد 24: 17 (يخرج كوكب من يعقوب). وإلى رؤ 2: 28 (أعطيه كوكب الصبح). كوكب (أو: نجمة) الصبح يعلن مجيء ذلك النور. إنه يدلّ على المسيح الذي يعلن بمجيئه طلوع نهار الله. وهو بالإضافة إلى ذلك يقود الشعب من الظلام إلى النور، نور اليوم الجديد (2 بط 1: 19).
في آ 17، نسمع الدعوة. "فالروح والعروس يقولان". هناك أحداث عديدة تردّ على كلام يسوع حين يقدّم نفسه. من هي هذه الأصوات؟
يرى البعض أننا أمام فئات مختلفة من الناس. الروح هو الأنبياء. العروس هي مجموعة المؤمنين. السامع هو المسيحي الفردي. العطشان هو الموعوظ الذي يستعدّ للمعمودية ولا يقدر بعد أن يصلّي مع المعمدين. ومن يشاء هو الوثني الذي يتعاطف مع المسيحيين. ولكن يبدو أننا أمام شخص واحد فردي أو جماعي يسمّيه الكاتب بأشكال مختلفة ليبرز كل جهات الواقع.
لا شك في أن هناك تماثلاً بين العطشان وبين من يشاء، بين ذاك الذي ندعوه إلى المجيء وذاك الذي وُعد بمياه الحياة (رج يو 6: 35؛ 7: 37- 38): "إن عطش أحد فليأتِ إليّ ويشرب... تخرج من صدره أنهار ماء حيّ". فالمسيحيون هم الذين يقتربون من يسوع ليتقبّلوا الماء الحي (6:21).
والسامع هو الذي أصغى إلى كلمات رؤ التي تعلن له مجيء يسوع. هو المؤمن المدعو لكي يدخل في هذا الانتظار، ليجعل هذا الانتظار جزءاً من حياته.
والعروس (رج 19: 7؛ 21: 2، 19) تدلّ على الشعب المسيحي المتّحد إتحاداً حميماً بربّه ومعلّمه.
يبقى "الروح". إذا وضعنا جانباً النصوص حول أرواح الله السبعة أو حول الأرواح النجسة، الروح في رؤ هو ذاك الذي يجعل الرائي أو المؤمن على مستوى الأمور السماوية (1: 10؛ 4: 2؛ 17: 3؛ 21: 10). هو روح الأنبياء، روح النبوءة الذي هو شهادة يسوع (19: 10). إن الروح الذي يلهم الأنبياء يرتبط دوماً بشخص المسيح، بصليبه، بالنداء الذي يوجّه إلى المؤمن ليحيا بدوره شهادة مماثلة. إنه الروح الذي ينقل كلام يسوع إلى الكنائس (2: 7، 11، 17، 29؛ 3: 6، 13، 22). وكل مرّة ينتظر أناسٌ المسيح حقاً على أنه قطب وجودهم، نكتشف وراء هذه الرغبة عمل الروح الذي يقول فيهم: تعال.
وبين الصلاة "تعال" والتحريض على المجيء إلى يسوع، ليس من اختلاف. فنحن لا نستطيع أن ننتظر يسوع دون أن نفعل شيئاً. وإلاّ كنّا من المرائين. حين نقول له "تعال"، نتحرّك لإستقباله على مثال العذارى الحكيمات (مت 25: 1- 13).
"إن زاد أحد... إن حذف أحد" (آ 17- 18). تستعيذ هاتان الآيتان تقريباً عبارة انتشرت في العالم المعاصر لسفر الرؤيا، فطلبت من الكتبة أن يوقروا الكتاب الذي ينسخوه أو يقرأواه. في العالم اليهودي (ثم المسيحي) طبّقت هذه الكلمات على وصايا الله في ديداكيه 4: 13: "لا تتخلَّ أبداً عن وصايا الربّ، بل احفظ ما تقبّلت دون زيادة ولا حذف". إذن، نحن هنا أمام احترام للحرف، بل أكثر من ذلك. فإن رؤ هو كلمة نبوية نضعها موضع العمل. فمن ظل خارجاً عنها أو ابتعد عنها في سلوكه نال العقوبات المعلنة وخسر البركات المقدّمة. وبعبارة أخرى، إن استنتجنا من رؤ نتائج لا تتوافق مع تعليمه نزيد فنستحق "الضربات المكتوبة في هذا الكتاب". وإن رفضنا أن نؤمن أننا نستطيع اليوم أن ندخل إلى المدينة المقدسة ونبلغ إلى الفرودس، نكون كمن يحذف، "فيحذف الله نصيبه من شجرة الحياة". وهكذا لا نعرف من الله إلاّ عقابه ونُستبعد عن الخيرات الموعود بها. من رفض أن يقرأ التاريخ كما يدعونا رؤ، فهذا يعني أنه لا يرى في ما يحصل تحقيق مخطّط الله، وأنه يجد نفسه متروكاً في تسلسل أحداث لا يشاهد منها إلاّ وجهة الكارثة والتهديد. هذا يعني أنه ينال الضربات المكتوبة في هذا الكتاب.
أذن، يُطلب منا أن نفهم فهماً صحيحاً البُعد النبوي لهذا الكتاب. أن نأخذ بما نجده فيه (ولا نخترع شيئاً آخر) ونجعل حياتنا موافقة له. 
"الشاهد بهذه الأمور يقول" (آ 20). نحن هنا أمام حوار بين المسيح الذي يثبت التعليم المركزي والإنسان الذي يجيب بالصلاة. وبعد هذا نسمع "نعمة الرب يسوع مع الجميع" (آ 21). إن الصلاة "تعال أيها الرب يسوع" تذكّرنا بأقدم العبارات الليتورجية في المسيحية. مارناتا: تعال أيها الرب. رج 1 كور 16: 22؛ ديداكيه 10: 6.
إن الديداكيه (را 1 كور 16: 22) تبدو توسعاً في ليتورجيا إفخارستية نستطيع أن نكوّنها تقريباً كما يلي: التمني: "لتأتِ النعمة وليُزل هذا العالم". هتاف: "هوشعنا لابن داود". دعوة: "إن كان أحد قديساً فليقترب". تحذير: "إن لم يكن قديساً فليتب". صلاة: "مارناتا! آمين".
إن الآيات الأخيرة في رؤ (آ 16- 21) تعود بنا إلى نص ليتورجي قريب مما نجد في ديداكيه و 1 كور 16: 22. ثم هناك توازٍ بين آ 16- 21 وآ 12- 15: الصورة عينها (شجرة الحياة، المدينة)، والحركة الليتورجية عينها من تأكيد على مجيء المسيح (آ 12- 13- آ 16)، من تطويبة (آ 14= آ 17) ودعوة، من استبعاد (آ 15= آ 18- 19) وتحذير. ونجد الظاهرة عينها في آ 6- 8 (رج 1 كور 11: 23- 29). ويبدو أن التأكيد على مجيء المسيح يتبعه حالاً توسّع تلهمه الليتورجيا الافخارستية. 
كيف لا يلفت نظرنا هذا التلاقي بين الحركتين: حركة الليتورجيا وحركة سفر الرؤيا كله. فالليتورجيا تعلن، شأنها شأن رؤ، أن مجيء المسيح كيد (إصنعوا هذا لذكري حتى مجيئي) وأننا نستطيع الآن أن نتقبّل علاماته الحاضرة.
إن مجيء المسيح في الافخارستيا هو استباق لمجيئه في نهاية الأزمنة. نجد فيه مخلّصنا يفتح أبواب المدينة المقدّسة ويعطي ثمار شجرة الحياة. ولكنه مخلّص له متطلباته: يطلب من أخصائه طاعة مهما كلّفتهم هذه الطاعة. ولا بدّ من الدخول حقاً في طريق عبادة الله دون سواه. فنحن لا نستطيع أن نكتفي بالكلام والتعابير التقويّة. فمن لا يتبعه يواجه دينونة تضرب الخاطىء القاسي القلب، نبقى في الخارج كالعذارى الجاهلات، نقبل بعالم يرفض الله ولا نعرف إلاّ آيات غضب الله الخارجية دون أن نعي نداءاته المتكرّرة.
إن طريقة مجيء المسيح تحدّد شكل الرسائل إلى الكنائس. فالمسيح الذي يعرف كل شيء، يأتي نحو الكنائس ويعلن ألقابه. يهدّد بعضها بالدينونة. أما الغالبات (وهو يرغب أن تكون كلها غالبة) فيقدّم لها البركات السماوية التي تصوّرها رموز المعمودية والافخارستيا في شعائر العبادة.

خاتمة
وهكذا نصل إلى نقطة رئيسية في رؤ. فهو يبدأ في يوم أحد فع حوار ليتورجي (1: 4- 8). وموضوع الرؤية الأولى هو العبادة في السماء. وكل صفحات رؤ تتضمن تلميحات عديدة إلى احتفالات بالصلاة وأناشيد الشكر. وكل هذا ينتهي في ليتورجيا إفخارستية. فبين مجيء المسيح والعبادة في الكنيسة نجد رباطاً وثيقاً. فالاحتفالات البشرية هي أوقات سّرية فيها يُعلن عمل الخلاص الكامل ويتوضّح ويتحقّق بانتظار تجلّيه الشامل في الساعة التي يريدها الله.
وتذكّرنا الليتورجيا أيضاً بالمتطلّبات الجدية للقاء مع المسيح. كما تفهمنا أن بركات الخلاص هي بركات مجانية وهي ترتبط بنظام النعمة. أما إستحقاق الإنسان، ولو كان شهيداً، فيدعوه إلى أن يمرّ في المياه الحية التي يقدّمها الله مجاناً.
لو كنا نعرف عطية الله! نعمة الرب يسوع مع الجميع