من القراءة إلى التأمل مع القديس متّى

 

القراءة الربيّة، هي قراءة الكتاب المقدس نقوم بها برفقة الرب يسوع. هو رافق التلميذين على طريق عمّاوس، وهو لا يزال يرافقنا ويشرح لنا الكتاب فتضطرم قلوبنا لسماعه.
القراءة الربيّة هي قراة الكتب المقدسة يقوم بها المسيحيّون ليغذّوا إيمانهم ورجاءهم ومحبتهم. القراءة الربيّة قديمة قِدَم الكنيسة التي تحيا هي نفسها من كلمة الله، وترتبط بهذه الكلمة كما ترتبط المياه الجارية بالينبوع.
القراءة الربيّة هي قراءة كلام الله في الإيمان والصلاة. القراءة الربيّة تستند إلى الإيمان بيسوع، لا إلى مجهودنا الفكري وتفسيرنا النظري: الروح القدس يعلّمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلته لكم، ويرشدكم إلى الحق كلّه. فالعهد الجديد مثلاً هو نتيجة قراءة المسيحيّين الأوّلين للعهد القديم على ضوء الحدث الجديد الذي هو يسوع المسيح. إنطَلقوا من اهتماماتهم الخاصة، وقرأوها على ضوء الوحي الجديد، على ضوء قيامة يسوع الحي اليوم وسط جماعته، فكانت لنا أسفار العهد الجديد من الأناجيل حتى سفر الرؤيا.
وسار المؤمنون في كل العصور على خطى الكنيسة الأولى. وتابعت القراءة الربيّة مسيرتها فبدت كالعمود الفقري في كل حياة دينية. ولكن جاء وقت تخلّى فيه المؤمنون عن قراءة الكتاب المقدس ونسوا أنه يقود إلى التأمل والصلاة والمشاهدة، فصارت حياتهم الروحية فقيرة. لقد تركوا ينبوع الماء الحي واتّبعوا عبادات وطرائق صلاة لم تستلهم الكتاب المقدس، بل جعلت الصلاة مسألة تجارية: نصلي إلى الله فيعطينا. ولكن الله هو العطاء الدائم ولا يحتاج أن نصلّي لكي يعطينا. فهو يعرف حاجاتنا. الصلاة هي انفتاح على الله، هي انفتاح على كلمة الله.
وهكذا عاد المؤمنون إلى قراءة الكتاب المقدّس، يستلهمونه من أجل صلاتهم وعباداتهم. يسمعونه، يتأمّلون فيه، وينظّمون حياتهم على نوره.
من أجل هؤلاء نقدّم هذه التأمّلات في إنجيل متّى. اخترنا بعض النصوص ولم نقدّمها كلّها. فمن شاء التوسّع والاستزادة عاد إلى كتب التفسير. قدّمنا التأمّل وما قدّمنا نص الإنجيل، لأن الترجمات عديدة ولكل ترجمته.
أما كيف يتمّ التأمّل؟ كيف تتمّ هذه القراءة الربيّة؟ نبدأ بقراءة النصّ الإنجيلي مرة أولى على مهل وبصوت عالٍ إذا أمكن، لترى العين، وتسمع الأذن وتتلفّظ الشفتان. نتوقّف عند عبارات استرعت انتباهنا.
ثم نعود إلى قراءة النص ثانية. هنا نستعين بالشروح والتفاسير. وننهي تأمّلنا بموقف عملي يتجسّد في أقواك وأعمالنا، بل في كل حياتنا.
هذا هو الكتاب الأول في سلسلة "القراءة الربيّة". فإن لاقى الرواج الذي نتأمّله، أتبعناه بكتب أخرى. المهمّ لا أن ندرس الكتاب المقدس دراسة علميّة. المهم أن تفيدنا الدراسة العلمية وغيرها لكي يصبح كلام الله مصباحاً لخطانا ونوراً لسبيلنا.
وكل هدفنا بعد ان انتهينا من هذا الكتاب أن نختفي وتختفي الكلمات التي كتبناها، لنترك الضيف الإلهي يكلّم كل واحد منّا في أعماق قلبه. فهو يريد أن يدخل فيتعشّى معنا ونتعشّى معه. فيا لسعادتنا إن عرفنا أن نصمت على مثال صموئيل ونقول له: تكلَّم يا رب، فإن عبدك يسمع.

متّى الإنجيلي
9: 9- 13

رآه يسوع فقال له: إتبعني. فقام وتبعه.
لا نعرف الشيء الكثير عن هذا الرجل. فصاحب الإنجيل الأوّل يتحدّث عن شخص اسمه متّى. دعاه يسوع: "إتبعني"، فقام وتبعه (9: 9). هل يتحدّث متّى عن نفسه؟ ويروي مرقس ولوقا الخبر عينه، فيسميّان المدعوّ "لاوي".
إذا كان متّى هو لاوي، كما يقول التقليد، نكون أمام اسمين، واحد يهودي والآخر يوناني. ومتّى هو عشّار، جابي ضرائب لحساب الرومان. إذن يعتبره اليهود "مُباعاً" للعدو وخائناً لشعبه. إنه يتعامل مع الغريب، ولهذا لا يحترمه الناس. وفي الواقع، عاشر يسوع هذه الفئة من الناس، فكانت ردّات الفعل قاسية ضدّه من قبل الفريسيّين. وهذا أمر مهمّ بالنسبة إلى متّى الذي خَبر في شخصه كيف لم يفهمه أهله ورذلوه، وكيف استقبله يسوع وعامله بروح التسامح والمحبّة.

1- تبدُّل في الاستمرارية
كل هذا طبعَ في العمق شخص متّى الذي أحسّ في الصميم بموقف يسوع تجاه الصغار والمرذولين من الشعب.
كان متّى موظفاً، ولهذا تحلّت كتابته بالمنهجية والترتيب. ووضعُه السياسي الملتبث لم يمنعه من أن يكون يهودياً صالحاً. فهناك يهود عديدون، بل أشراف، تكيَّفوا أفضل تكيّف مع الاحتلال الروماني. ومهما يكن من أمر، فطريقته في التعبير هي الطريقة اليهودية، سواء في أسلوب الكتابة أو في مضمون الإنجيل.
يعود متّى أقله 130 مرة إلى أسفار العهد القديم التي يعرفها عن ظهر قلبه. ولا شكّ في أنه يوجّه كلامه إلى مسيحيّين جاؤوا من العالم اليهودي، وهو يسعى ليفسّر لقرّائه أن يسوع كان في الوقت نفسه أميناً للعالم اليهودي ومنفتحاً على الغرباء ونداءات الاستغاثة عندهم.
كان هدف متّى أن يُفهم قراءه أن الوثنيّين يستطيعون هم أيضاً أن يفهموا تعليم يسوع، وبالتالي أن يقبلوا بجوهر التراث الديني الذي عرفه الشعب المختار.
دوّن متّى إنجيله حوالي سنة 80 في أنطاكية بسورية. وكان المسيحيون قد انفصلوا عن ممارسات المجمع واستقلّوا عن العالم اليهودي الرسمي. ولهذا عادوا إلى التقليد الصحيح وطالبوا بالإرث الديني الذي في التوراة على أنه يخصّهم أيضاً. تألّفت جماعة أنطاكية أساساً من يهود هربوا من الاضطهادات الأولى التي حصلت في أورشليم، وأخذت تستقبل الوثنيّين.
في هذه الظروف، كان لا بدّ لمتى أن يفسّر لليهود أن هذا الاستقبال لا يتعارض مع تعليم يسوع ولا مع معتقداتهم الخاصة. وهكذا أخرج الإنجيلي الأول من كنزه كل جديد وقديم (13: 52). الجديد أوّلاً، لأن الإنجيل هو النباً الجديد. ولكننا لا نقدّر الجديد إلاّ على ضوء القديم. 
إعتبر متّى أن الإنسان يمكنه أن يكون كاتباً (يهودياً) ومسيحياً معاً (23: 34). هذا ما لم يتخيّله مرقس يوماً وهو الذي جعل من الكتبة الأعداء الوحيدين ليسوع التاريخي. أما أعداء يسوع في نظر متى، فهم الفريسيون الذين أعادوا تكوين جماعتهم بعد كارثة سنة 70 (دمّر الهيكل والمدينة)، وكانوا أول العاملين على طرد المسيحيّين من المجامع. فمتّى هو مفسّر وكاتب، وهو لا يرى الكنيسة بدون هذه الوظيفة الهامة في كل جماعة.

2- ماذا قال يسوع؟
حدّدت جماعة انطاكية لمتّى سؤالاً يُجيب عليه: "ماذا قالت يسوع"؟ إذن، لا بدّ من تدوين هذه الكلمات النفيسة التي تلفّظ بها المعلّم، والتي قد تتشوّه حين تردّدها الشفاه. ولا بدّ من التأكيد بأن هذه الأقوال لا تسيء إلى الإيمان اليهودي.
أجاب متّى على السؤال الذي طُرح عليه، فقدّم أقوال يسوع في خمس خطب. تنتهي كل خطبة بالعبارة التالية: "ولمّا أتمّ يسوع هذا الكلام" (7: 28؛ 11: 1؛ 13: 53؛ 19: 1؛ 26: 1). وإليك هذه الخطب الخمس. الأولى (ف 5- 7): خطبة الجبل. الثانية (ف 10): خطبة الإرسال. الثالثة (ف 13): خطبة الأمثال. الرابعة (ف 18): حياة الجماعة. الخامسة (ف 24- 25): خطبة النهايات.

3- كنيسة الصغار
تكشف هذه الخطب أهمّ مواضيع القديس متّى: الشريعة، الملكوت، الكلمة، الكنيسة، نهاية الأزمنة. أو: البرّ (العمل بمشيئة الله)، الاقتراب، التعليم، التلاميذ، التتميم. وكل هذا يقود إلى تجميع المؤمنين في كنيسة.
تفرّد متّى فاستعمل كلمة كنيسة. ولكن هناك كلمات أخرى استعملها يسوع. منها: ملكوت السماوات الذي هو تجميع المؤمنين اليوم وتجميعهم النهائي حول ابن الإنسان (أي: الإنسان الذي وصل إلى كماله). غير أن إنجيل متّى هو قبل كل شيء إنجيل المساكين: فهو يتحدَّث مراراً عن الصغار وأصغر الصغار والفقراء والأولاد والعمّال والعبيد. هذا ما يدفعنا إلى القول إن جماعة انطاكية تألّفت من أناس وضعاء، وإن تسمية الصغار ستعني عنده الأخ والتلميذ. فيسوع يجعل نفسه بين الصغار: "ما فعلتموه مع أحد اخوتي هؤلاء الصغار معي فعلتموه".
هذه نظرة سريعة إلى متّى وإنجيله، علّها تساعدنا في قراءتنا وتأمّلنا.