البشارة ليوسف

 

 

العذراء تلد ابناً يُدعى عمّانوئيل أي الله معنا.
كتب لوقا خبر الطفولة من زاوية مريم. أمّا متّى فأبرز دور يوسف البار في مقدّمته اللاهوتيّة. فبعد أن أورد متّى نسب يسوع ابن داود، ابن ابراهيم، أحبّ أن يبين كيف يرتبط يسوع بسلالة داود.
في هذا المقطع، كما في المقاطع التالية، سوف نرى ايراداً من الكتاب المقدّس. هنا عاد إلى أش 7: 14: "ها إن العذراء تحبل وتلد ابنًا".
ما أراد متّى في إنجيل الطفولة أن يشبع فضولنا، بل أن يقدّم إلينا نظرة لاهوتية. نحن نودّ أن نعرف ما الذي حدث بالضبط، وماذا دار من كلام بين يوسف ومريم. أمّا متّى، فما يهمّه هو استعداد يوسف لتلبية دعوته. فالملاك بشّره كما بشّر مريم. أمّا دوره فهو أن يتقبّل مريم العذراء ويعطي اسماً للولد: يسوع، الذي يخلّص شعبه من خطاياهم. 
أعطانا متّى مدلولا اسم يسوع المعبّق بالتاريخ، وعاد بنا إلى يشوع. فإذا كان يشوع بن نون قد أدخل شعبه إلى أرض الميعاد، فيسوع سيُتمّ الخلاص الحقيقي: يُخلّص الشعوب من خطاياهم ويدخلهم إلى ملكوت الآب.
هكذا تتّم نبوءة أشعيا التي أوردها متّى: من العذارء يلد عمانوئيل أن الله معنا. لقب له معناه العميق، وهو يتجاوب مع آخر كلمات القائم من الموت: "ها أنا معكم كل الأيّام حتى انقضاء العالم" (28: 20).
هنا يعود نور الفصح على خبر الطفولة. فالقائم من الموت دخل في سلالة داود بفعل الروح الحاسم في مريم، وبتجرّد تامّ أظهره يوسف الصدّيق: أخذ مريم ولم يعرفها، لم يرتبط بها بفعل زواج. ولمّا ولدت ابنها، أدخله في سلالته وسمّاه يسوع. هكذا قال الملاك، وهكذا فعل يوسف.
وثق يوسف ملء الثقة بالله، لهذا وثق كل الثقة بمريم في الساعات الصعبة، في ساعات تمزَّق فيها قلبُه البشري. فالحلم الذي يتحدّث عنه متّى لم يكن حلماً عادياً. بل كان خبرة حميمة تعرّف فيها يوسف إلى تدخّل الله. وهنا التقى موقفه مع موقف مريم أمام المهمّة السريّة التي عُرضت عليها. حدّثها المرسل الإلهي، فأجابت بكلمات شفّافة: "ها أنا خادمة للربّ، فليكن لي بحسب قولك".
ففي قبول يوسف ومريم لنداء الله، نكتشف صدى أمانة الآباء والأنبياء على أجيال وأجيال. فبعد إبراهيم، وبعد داود، وبعد أشعيا، سيأتي يوسف ومريم فيضعان كل ثقتهما بالله لأنهما آمنا بكل نفسيهما أن الله هو الإله الأمين، فوضعا فيه كل رجائهما. وبما أنهما أمينان لله، فهما أمينان الواحد للآخر في ثقة مُطلقة. وهذا الطفل الذي سيُولد في فقر بيت لحم، سيسمّيانه يسوع أي الرب يخلّص. فبكل إيمانهما ترجّيا أنه سيكون ذاك الآتي من عند الله ليخلّص شعبه من كل خطاياه وجهالاته.
وعليهما أن يبقيا أمينَينْ (ومؤمنَينْ) لوعد سينتظران السنوات الطويلة قبل ان يريا تحقيقه. بالنسبة إلى يوسف، هذه الأمانة السائرة في العتمة، سترافقه كل حياته، لأن الأناجيل لا تذكره بعد عودته إلى الناصرة، وهذا يفترض أنّه مات قبل أن يظهر يسوع كالنبي الجديد، كالنبي القدير في القول والعمل. وبالنسبة إلى مريم، فإنها تختفي (كما يقول الإنجيليون) في مجموعة النساء اللواتي تبعن يسوع على طرق فلسطين. لم تظهر على المسرح، بل ظلّت صامتة. وسمعت كلمة ابنها مع ما فيها من صعوبة. وستظلّ تسمعها حتى الجلجلة.
هلاّ تعلّمنا مثل يوسف ومريم أن الإيمان والأمانة والرجاء تمرّ هي أيضاً عبر صمتنا أمام الله.
هناك البشارة لمريم والبشارة ليوسف. أبرز لوقا اضطراب مريم حين علمت أنها ستصير أمّاً: "كيف يكون ذلك" (لو 1: 31)؟ واهتمّ متّى باظهار اضطراب يوسف حين علم أن مريم حبلى. "كيف سيعيش هذا الوضع" (مت 1: 19)؟ طرح كل من يوسف ومريم سؤاله، ونحن نطرح أسئلتنا في جوّ من الإيمان. وجاء الجواب لمريم: "الروح القدس يحلّ عليك" (لو 1: 36). وليوسف: "الذي كُوّن فيها هو من الروح القدس" (مت 1: 20).
أراد الخبران أن يجعلا الجماعة المسيحية الأولى تُدرك بنوّة يسوع الإلهية (هعو ابن الله). ولكن يبقى على مريم ويوسف أن يعترفا بهذا الولد ويعطياه اسم يسوع. يسوع هو حقاً ابن داود، إنسان حقيقي مولود من امرأة. يبقى على المسيحيّين أن يتعرّفوا إلى يسوع في الإيمان. لمريم بشارتها ودعوتها، وليوسف بشارته ودعوته. ولكل واحد منّا بشارته ودعوته حتى نتعرّف إلى يسوع. فهل نترك زيارة الله تمرّ علينا ونحن غائبون؟ من هو يسوع بالنسبة إلينا؟

قدوم المجوس
2: 1- 12

منك يا بيت لحم يخرج الوالي الذي يرعى شعبي.
صوّر كل من متّى ولوقا ميلاد يسوع بطريقة مختلفة. روى لوقا كيف كان دخول يسوع في التاريخ دخولاً مغموراً: لم يكن له مكان في القاعة العامة، فوُضع في المذود. ولم يأتِ إليه العظماء، بل الرعاة الذين يحتقرهم المجتمع. أمّا متّى فشدّد على الطريقة الفخمة والاحتفالية التي بها دخل يسوع في تاريخ البشر.
منذ أوّل خطواته بين البشر، حرّك الجميع، لم يترك أحداً لامبالياً. فمَلِك اليهودية المريض العائش آخر أيّامه يخاف ويرى في يسوع مزاحماً محتملاً. أما سجنَ أحد أبنائه الطموحين وقتلَه حتى يرتاح؟ والمسيحيّون الأوّلون الذي يقرأون طفولة يسوع على ضوء القيامة، يتعرّفون إلى المواجهة بين الملك هيرودس والطفل يسوع، ملك اليهود. تبدو هذه المواجهة بشكل صراع بين ملك بحسب البشر والملك الحقيقي يسوع المسيح.
وبجانب هيرودس، نرى السلطة الدينية. خافت بدورها وتحرّكت. فقد رأت في الأفق مسيحاً لا يتوافق مع نظرتها المسبقة.
وجاء المجوس من عالم سرّيَ، من الثرق. تبعوا طريقاً لم ترسمه لهم الكتب المقدسة، كما لليهود. تبعوا طريقاً لم تحدّده لهم القوة والعنف والقتل كما لهيردوس. لقد قادهم النجم من بلادهم إلى هنا. فالوحي والعلم سارا معاً مسافة معقولة. أجل، العلم الحقيقي لا يتعارض والإيمان. ولكن اختفى النجم في وقت من الأوقات، وكأن العلم لا يقود مباشرة إلى الوحي. بحث المجوس عن محطة فقدّمها لهم هيرودس: سأل رؤساءَ الكهنة والكتبة. لقد جاءت الكتب المقدسة تمد يد المساعدة للعلم العاجز عن الوصول إلى الهدف النهائي. وعلى ضوء الكتب المقدسة ظهر النجم من جديد.
وتابع المجوس طريقهم إلى حيث توقّف النجم. وأين توقف؟ فوق الذي هو نجم الصباح، يسوع المسيح (رؤ 22: 16). هؤلاء الذين يشبهون علماء الفرس، هؤلاء الغرباء عن التقليد اليهودي، فتحوا قلوبهم للمسيح، وسجدوا له. أمّا أورشليم كلها، المتسلّحة بسلاح الكتب المقدسة، فتآمرت على يسوع وأرادت قتله.
في هذه الرؤية المدهشة نفكّر بالزمن الذي فيه دوّن متّى إنجيله (سنة 80- 85)، وبالكنيسة التي عاش فيها متّى ولها دوّن كتابه. هذه الجماعة المسيحية التي جاءت من العالم اليهودي، لاحظت في نهاية القرن الأوّل شيئين: الأوّل: لقد رذل المسيحَ اولئك الذين يمتلكون الكتب المقدسة التي تعلن مجيئه: وأنت يا بيت لحم... الثاني: قَبله وثنيّون مثل المجوس، منفتحون على علامات الله، ومستعدّون ليَبحثوا عن ضوء في الأسفار المقدسة يدلّهم على الطريق ويفهمهم علامات الزمن.
إن خبر المجوس أَلهم الرسّامين والشعراء فزادوا على النّص ما زادوا. قالوا مثلاً إن المجوس ثلاثة، واحد أسود، وآخر أصفر وآخر أبيض. إسم الأوّل كسبار والثاني ملكيور والثالث بلطشصر. وراح بعضهم يتحدّث عن عوامل كونية حدثت سنة 6 ق. م. لم تكن هذه اهتمامات الإنجيلي. إهتماماته لاهوتيّة وروحيّة. ترك ما يرتبط بالمكان والزمان: من أين جاء المجوس ومتّى جاؤوا؟ هذا ما لا يقوله. إنه يعلّمنا أن الذين استقبلوا المسبح هم البعيدون الذين لم يتهيّأوا مسبقاً، والذين تهيبوا مسبقاً، أي الشعب اليهودي، فرفضوه ورذلوه.
جاء يسوع إلى خاصته فلم يقبلوه. جاء إلينا. كيف نقبله؟ كيف نتعرّف إليه؟ أما يطلب منّا أن نفتح عيوننا لكي نتعرّف إلى علامات حضوره؟
بحثوا في النجوم فإذا الله يكلّمهم. فانطلقوا إلى البعيد، واجتازوا الحدود. وظهر الله لهم بشكل طفل وُلد الآن. لا شيء محدوداً، لا شيء يوافق ما يعرفه البشر. ومع ذلك، آمن المجوس وقدّموا هداياهم وعادوا في طريق آخر. لقد تحوّلوا وتبدّلوا. فلم يعودوا في الطريق التي جاؤوا بها. ونحن نسير وراء هذا النجم، ونترك ملك التواضع يُمسك بنا. إنه الملك الذي جاء إلى جميع البشر فلم يستثنِ أحداً. إذن جاء إليَّ أنا، جاء إلينا نحن، وأخبرنا أن الحياة ليست مسيرة إلى الموت والعبث، بل إلى المشاركة في بيت لحم حول الملك الذي يرعى شعبه.