تجارب يسوع

 

إن كنت إبن الله... ولكن إبن الله يحيا بكلمة الله.
حين نقرأ خبر تجارب يسوع المسيحانية في البريّة، يرتسم هذا الخبر على ما حدث في جنّة عدن كما في سفر التكوين، وعلى تجارب بني اسرائيل في البريّة على ما جاء في سفر تثنية الاشتراع.
ما معنى: "إن كنت ابن الله"؟ نحن لا نفهمها كما يفهمها المسيحيّ اليوم، أي عن الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس. فهذا المعنى سيتوضّح خاصة بعد القيامة والعنصرة. أما في فم "ابليس" فابن الله هو لقب ملوكيّ، لقب مسيحانيّ بمعنى أنّ الملك كان يُمسَح بالزيت المقدّس فيصبح مكرّساً للرب، ويسمّى "إبن الله" (يتبنّاه الله).
وكيف يقيم المسيح مُلكَه؟ هل يتوسّل وسائل القدرة، هل يقوم بمعجزات مدهشة؟ هل يتهرّب من انسانيته فيرفض أن يأكل خبزه بعرق جبينه فيحوّل الحجارة الى خبز؟ هل يتهرّب من الألم ويحاول أن يصل إلى المجد دون المرور في الموت؟ وأي مجد عابر حينذاك حين يرمي بنفسه عن شرفة الهيكل؟ وهل يرضى بكل الوسائل حتى السجود للشيطان ليصل إلى هدفه؟ كلا ثم كلا.
إن محنة الفردوس الأولى أغرت أبوينا الأولين فأملا بأن يصيرا مثل الآلهة، بأن يكونا حرّين في اختيارهما حتى ينجحا. لا حاجة بعد إلى الله. ستصيران آلهة. أما يسوع، آدم الجديد، فأحالنا إلى سماع كلمة الله. كلمة نفكرّ فيها ونتميّزها، فلا نتاجر بها كما فعل الشيطان حين قرأ مز 91: يوصي ملائكته بك. ولكن مثل هذا التفسير يعتبر تحدياً لله: لا تجرّب الرب الهك.
والطريق التي سار فيها يسوع هي طريق الخضوع التام، في الثقة والمحبّة التي لا حدود لها. هذا ما سيقوله يسوع للكاتب الذي سأله عن الوصية الأولى والكبرى: "أحبب الربّ الهك بكل قلبك" (مت 22: 37). وهذه الوصيّة لا تنفصل عن محبّة القريب. وهكذا تضامن يسوع مع اخوته البشر فسار على الطريق التي حدّدها له الآب.
تجارب محيرّة. إنها تدلّنا على يسوع الذي نريده نحن: كن قوياً، كن ساحراً حتى يرى الناس حقاً أنّك ابن الله، أنّك تستطيع أن تقلب العالم رأساً على عقب. أجل، نحن نجرّب يسوع. ولكن ليس هذا ما يريده يسوع. دفعه الروح فجاء إلى البريّة. لا بدّ من الخيار الحاسم قبل الدخول في الحياة العامّة، حياة الرسالة.
"إبن الله". عرف يسوع أنّ عليه أن يعمل ويتكلمّ على مستوى الألوهية دون أن ينسى أنّه انسان. هذا هو التوازن. الانسان جاع، وابن الله يستطيع أن يحوّل الحجارة إلى خبز. قال له الشيطان: أعطِ أمراً فقط. 
"ابن الله". انت مسيح مجيد لهذه الجموع. ونحن نريدك يا يسوع مجيداً، لا ذليلاً مُقيَّداً تُنهي حياتك على الصليب.
إختار يسوع ابن الله الذي سيكونه. سحق الصوت (الموسوس) بالصوت (الالهي) الذي قاده دوماً في حياته. كُتب، كُتب، كُتب. فالكتاب المقدّس هو كلام الله. لن يأكل يسوع إلا خبز الثقة والاتكال على الله. لن يُخضع أحداً إلاّ بالتواضع والوداعة. سيرذل كلّ الأمجاد الباطلة مستنداً إلى ما ينتظره الآب منه: يريد أن يجمع قلوباً تبدلّت تبدّلاً عميقاً، لا اشخاصاً يصفقون له اليوم ويتركونه غداً.
حين نتبع يسوع في صراعه، نختار بأن نكون ما كانه هو. نكون أبناء الله فنسير، مهما كلّفنا الأمر، في حياة خطرة لا يحميها إلا الاتّكال على الآب. نكون أبناء الله حين نتحرَّر من كلّ الأحداث ومن كلّ أشكال القوى. نكون أبناء الله حين نعلن حبّنا له. أحبّ يسوع حتى الغاية، ونحن نسير على خطاه.
مرّ إيمان يسوع في المحنة، وإيمان المسيحيين أيضاً. فالبريّة هي ساعة الحقيقة ليسوع وللذين يؤمنون به. التجربة الأولى هي تجربة يسوعَ ساحر يحوّل الحجارة إلى خبز. ما يريده يسوع هو أن يحوّل قلوب الحجر إلى قلوب من لحم ودم، أن يوقظ الجوع إلى كلام الله. من يسمع الكلمة لن يبقى جائعاً ولا عطشاناً.
في التجربة الثانية نتحدّى الله. أما يستطيع يسوع ان يعتمد على أبيه؟ ولكنّ الله هو الربّ لا الخادم الذي نأمره ونعلّمه ما الذي يجب أن يعمل. الربّ يسمع نداءنا ويعرف ما نحتاج إليه. وفي التجربة الثالثة نتساءل: لماذا نؤمن بيسوع إن كان الله لا يستجيب طلباتنا؟ هل أغوانا أسياد المال والنجاح فانسونا أنّنا لا نستطيع أن نعبد ربينّ وسيّدين؟ ليس ملكوت الله ملكوت القوة، بل ملكوت التطويبات، طوبى للقلوب المتحرّرة التي لا تطلب من الله إلا خبز الملكوت... وهو يعطينا الباقي زيادة.