الرؤى اليهودية في العهد القديم

 

إذا عدنا إلى تاريخ الديانات ومواضيعها، نجد أن رؤيا القديس يوحنا لا تشكل حالة منعزلة في الأدب الجلياني (جلا، كشف). بل هي جزء من عدد كبير من الرؤى نجدها في العهد القديم، في كتب العالم اليهودي الخارج من التوراة، في كتابات العهد الجديد. فعلى مستوى العهد الجديد، نجد "رؤيا الأناجيل الإزائية" (مر 13: 1ي؛ مت 24: 1 ي؛ لو 21: 5 ي)، و"رؤيا بولس" (2 تس 2: 1- 12). وهناك كتب في العهد الجديد تتضمّن الأسلوب الجلياني (أو الرؤيوي): أع 10: 9- 16؛ 2 كور 12: 1- 9؛ 1 تس 4: 13- 17؛ 1 بط 3: 19- 20؛ 2 بط 3: 10، 13. كل هذا إشارات إلى أن القرن الأولى المسيحي عرف عالم الرؤى كعنصر تقليدي حي، وإن غابت عنه حمّى "الرؤى" في القرنين السابقين.
عالم الرؤى هو تيار ديني قويّ ومميّز، تسجّل في فن أدبي محدّد هو الأدب الجلياني أو الرؤيوي. وسوف ننتظر زماناً طويلاً لنكتشف المواضيع اللاهوتية في هذا الأدب الخاص، بدءاً من سفر دانيال حتى رؤيا القديس يوحنا. نحن هنا في حقبة العالم اليهودي المتأخّر مع ما فيه من حمّى وغليان. إن حدّدنا الرؤى في القرنين السابقين مباشرة للعهد المسيحي، فلا نستطيع القول بأن هذا التيار الفكري كان ثمرة ولادة مفاجئة وتلقائية. لا شكّ في أن هناك مناخاً جعل مثل هذا الفكر يزهر، ولكنه يتجذّر في عمق الماضي الديني لشعب الله: نحن لا نستطيع أن نتخيّل رؤ إذا تركنا جانباً دفع النبوءة في العهد القديم ونشاط الأنبياء في استنباط صور مؤثّرة. إن أسفار الرؤى هي صدى تعاليم الأنبياء ومقدمة إلى الأناجيل. وقد لعبت دور الانتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد، ودور المهيّىء للعهد الجديد. إنها تنطلق من التقليد الكتابي وتواصل التأمّل فيه على ضوء الوضع المتأزّم الذي يعيشه المؤمنون في حقبة من الحقبات.

2- عالم الجليان اليهودي
أ- حقبة الجليان اليهودي
يمتدّ الجليان اليهودي من القرن الثاني ق. م. إلى القرن الثاني ب. م. لقد وُلد التيار الجلياني في زمن المكابيين، ومع دانيال خالق هذا الفنّ الأدبي. حين عاد اليهود من المنفى سنة 538، وكانوا قد ذاقوا العبودية في بابل، شعروا بضيق عظيم لهذا الوضع الذي وجدوا نفوسهم فيه. والقوة الضاغطة التي سبّبها المناخ السياسي والديني في ذلك الوقت، فجّر الفكر الجلياني. خابت كل الآمال التي تجمعت خلال سنوات الأسر والظلم (587 - 538 ق. م.): أين هي المملكة العظمى التي تاقوا إلى رؤيتها؟ وفي أيام الاسكندر الكبير (333- 323) وخلفائه، رأوا سيطرة القوى الوثنية، ورأوا نفوسهم محرومين من كل سلطة سياسية، تواجههم أزمات هائلة على مستوى الإيمان. في الماضي أعلن الأنبياء للآباء تعزية الله الآتية (أش 40: 1: "عزّوا، عزّوا شعبي، يقول الرب. طيّبوا قلب أورشليم". وفي هذه المحنة الحاضرة، أين هم الأنبياء؟
لقد انتظر الشعب اليهودي عبثاً هؤلاء الأنبياء الذين يرسلهم إلى الرب. حين استعاد رجال يهوذا المكابي الهيكل، وضعوا الحجارة التي نجست في مكان لائق، وانتظروا أن يظهر نبي (1 مك 4: 46) وحين كُسروا، حلّ بهم "ويل عظيم لم يعرفوا مثله منذ اليوم الذي لم يظهر فيهم نبي" (1 مك 9: 27). إعتبروا أن زمن الأنبياء انتهى (1 مك 14: 41: إلى أن يقوم نبي أمين...). وسيقول الرب بلسان النبي زكريا (13: 2) إنه "سيزيل الأنبياء وروحهم النجسة" كما أزال أسماء الأصنام عن الأرض. فالنبي الكاذب يحلّ محلّ الله، شأنه شأن الأصنام.
في هذا المناخ وهذا "الجوع والعطش"، توسّع كتّاب الرؤى "والرجال الأتقياء" الذين اعتزلوا في برية يهوذا، بشكل جديد من النبوءات هو الفن الجلياني.
ب- عالم النبوءة وعالم الجليان
إرتدى عالم الجليان لوناً لاهوتياً يختلف عن عالم النبوءة الذي سبقه، ولكننا لا نستطيع أن نتصوّر الجليان من دون النبوءة. فهناك اعتقادات دينية مشتركة بين الاثنين. فالعقيدة الإيمانية الأساسية هي هي: الله هو سيّد التاريخ. الله هو الذي يوجّه مصير الشعوب كلّها، الله هو الذي يدعو الأمم كلّها أمام منبر دينونته، فيتقبّل منه مؤمنوه خلاصاً وسعادة لا نهاية لها.
إذن، بما يختلف النبي عن كاتب الرؤيا؟ النبي هو راءٍ ينعم بموهبة خاصة. أرسله الله الذي كلمته حق فكان "فم الله". لم تكن مهمته الخاصة بأن يوجّه النظر إلى المستقبل البعيد. فالمهمة النبوية تعني الحاضر قبل كل شيء: الموضوع هو السعادة الحاضرة أو الشقاء الحاضر في ساعة محدّدة من التاريخ. النبي يعزّي، يشجّع، يهدّد. ورؤاه تؤثّر فينا وتأسرنا. قد يكون منادياً يصرخ عبثاً في صحراء الإيمان. وقد يكون ذاك الذي يوقظ شعبه بضربات بوقه فيساعده على تجاوز الحاضر المؤلم الذي يعيشه.
ويظهر الرؤيويون ساعة تتجمّد دينامية النبوءة وزخمها. انتظر الشعب اليهودي أن يأتي نبيّ (1 مك 4: 46). ولكن عبثاً. فجاء الرؤيويون وحملوا الجواب. إن عالم الجليان يحلّ محل عالم النبوءة ويشكّل امتداداً له. وهكذا انتقلنا بطريقة غير شعورية من الأدب النبوي إلى الأدب الجلياني. 
كان سفر دانيال أول الكتب الجليانية في العهد القديم، فشكّل منطقة إنتقال فيها أخذ الفكر النبوي شكل رؤيا. إن الشعب المختار عاش اختباراً مؤلماً: الله، سيد التاريخ، لا يمنحه نصراً ساطعاً ولا تفوّقاً سياسياً. والحاضر، بل كل وجوده على الأرض، يبدو معتماً ويائساً. فما عاد المؤمنون ينتظرون في هذا العالم إلاّ تدخلاً خاصاً تقوم به يد الله القديرة. 
يبدأ صاحب الرؤيا فيمزّق أفق نهاية الأزمنة. ويبيّن، عبر رؤى مقلقة، أن الله ينتصر لا خلال الزمن، بل في نهاية الزمن. ما يقدّم لنا هو أكثر من فهم للحياة على الأرض. إن كاتب الرؤى يكرّر تعليمه بشكل عنيف ويبين للمؤمنين السبل التي تساعدهم على الثبات. فكل الهزائم والمصائب، وكل الآلام والاضطهادات، لا تؤثر في يقين يملأ قلب الشعب: هناك إنتصار الله. إنتصار نهائي وتام، إنتصار لا عودة عنه.
ج- عناصر أساسية في عالم الجليان اليهودي
الأساس اللاهوتي والاعتراف الإيماني هو هو بالنسبة إلى عالم النبوءة وعالم الجليان: الله هي سيّد التاريخ. غير أن اللاهوت الجلياني للتاريخ يعبّر عن ذلك بتعابير قوية. لا شك في أن الأنبياء يتحدّثون عن الهدف الأخير للتاريخ، غير أن نظرتهم تعود دوماً إلى الحاضر، وإلى وسائل نتجاوز بها هذا الحاضر. أما تعليم كتاب الرؤى فهو موجّه كلّه نحو المستقبل: هو موجّه كلّه وبوضوح إلى الاسكاتولوجيا ونهاية الأزمنة. ويصوّر إنتصار الشيطان في النهاية بواقعية ترافقها صور مخيفة. ويبدو أن العالم ينحدر إلى الظلمة التي هي ثمرة تُسقط الشيطان في فوضى وانقلاب يكون الله غائباً عنهما. ومع ذلك، ففوق تاريخ البشرية المكتوب بالدماء والدموع، يشعّ يقين نهائي وحاسم: ففي نهاية الأيام سنقهر بيد الله كل قوى الشرّ والظلمة.

3- ميزات عالم الجليان اليهودي
أ- في نهاية الأزمنة، سيدعو الله، سيد التاريخ، الخليقة كلّها أمام منبره العادل. سيكون "يوم الرب" (عا 5: 18) يوم دينونة، يوم ظلمة ورعب. قال عا 5: 205: "يوم الرب ظلام لا نور، بل هو سواد لا ضياء له".
ب- هناك حقبة يمارس فيها الشيطان تسلّطاً لا كابح له؛ وهذه الحقبة تسبق ذلك اليوم، يوم دينونة الله. سيكون ملكوت الله أضحوكة تجاه القوى المتمرّدة، فتزعزع ذلك الملكوت من أساساته. ويعرف شعب الله نزاعاً يصل به إلى حافة الموت. ويصل عدد من المؤمنين إلى درجة يضيّعون فيها الله، فلا يعود بإمكانهم أن يفلتوا من قبضة الشّر. ويدعو البشُر الله لكي يتدخّل، وأيديهم مدمّاة، فيبدو الله وكأنه لا يستطيع شيئاً من أجلهم. وهكذا يفرض الشيطان نفسه كـ "سيّد العالم".
ج- ولم يعد للفظة "العالم" إلاّ المعنى السلبي. هو العالم الشرير، العالم الرديء والمعادي لله: فالخليقة صارت مسرحاً فيه ينتصر الشيطان. ويُطرح السؤال المقلق: هل يمكن أن يكون هذا "العالم الشرير" عمل الله؟ إن يوحنا يحدّثنا في هذا المعنى عن "العالم" الخاضع للشر.
وتجاه هذا العالم الذي يقيّده الشيطان، يتفجّر عالم آخر، عالم جديد: "أرض جديدة وسماء جديدة". هل نتطلّع هنا إلى نظرة ثنائية مأخوذة من العالم الفارسي كما في سفر عزرا الرابع (7: 50: هو كتاب منحول، سفر رؤيا دوّن سنة 120 ق. م. وانتشر انتشاراً واسعاً)؟ إنه يقول: "لم يخلق العليّ عالماً واحداً، بل عالمين".
د- ويرتبط بموضوع دينونة الأمم رجاء بقيامة الموتى. فالإيمان بالقيامة كان التعزية الكبرى للشعب اليهودي في زمن المكابيين خلال اضطهاد أنطيوخس الرابع أبيفانيوس (2 مك 7: 9- 23). وهذا يعني أن دينونة الأمم، أن "يوم الرب"، ليس نهاية العالم، ولا زوال الكون الذي سيطر عليه الشيطان في وقت من الأوقات. بل إن أحداث نهاية الأزمنة ستنطبع بتحوّل لم يُسمع به: ستكون خليقة الله الجديدة.
هذا الإيمان الذي أعلنه كتّاب العهد القديم، قد عبرّت عنه الرؤى بأسلوب ناري: ستقوم الأجساد وتتحوّل، ويتبدّل الكون الأرضي (والتاريخي) إلى سماء جديدة وأرض جديدة. والرجاء بقيامة الأجساد يطبع بطابعه الفردي عالم الجليان اليهودي. "سوف أقوم". مثل هذا التأكيد يعطي الشجاعة لكي نتحمّل كل عذابات هذا العالم المؤلمة وكل خيبات الأمل فيه. ولكننا ندرك شيئاً فشيئاً في هذا الرجاء بحياة أبدية، ميزة خاصة بشعب إسرائيل الذي يعرف الفشل السياسي، كما نجد نفحة من الأنانية والروح الوطنية الخاصة والضيّقة. وهذا ما يظهر بشكل خاص في الكتابات الجليانية: إن دينونة الله تعني الرحمة لإسرائيل، والعقاب والغضب لأعدائه. ونحن نجد هذه العقلية في نشيد التعظيم، مع ما يرافق هذا الكلام من إنتظار للمسيح القريب:
"بسط قدرة ساعده، فشتّت ذوي القلوب المتغطرسة بأفكارها. حطّ الأعزّاء عن عروشهم، ورفع المتواضعين. غمر الجياع بالخيرات، وأرسل الأغنياء فارغي الأيدي. عضد إسرائل فتاه، ذاكراً رحمته، على ما وعد به آباءنا، لإبراهيم ونسله إلى الأبد" (لو 1: 51- 55).
هـ- إن الذي يوجّه أنظار الرؤى إلى المستقبل، يحاول بكل الوسائل أن يتعرّف إلى زمن الأحداث الاسكاتولوجية. وإذا لم نجد تفسيراً عند الأنبياء، نلجأ إلى صوفية الأعداد والأرقام في العالم الجلياني. ولكن المتدرّج وحده يستطيع أن يعرف سّر الأعداد، ويحدّد تاريخ دينونة الأمم.
نقرأ في رؤ 13: 18: "من كان ذا فهم فليحسب عدد الوحش! إنه عدد إنسان. فعدده 666". هذا يعني إذا عدنا إلى الحروف العبرية: نيرون قيصر. وإذا تبعنا الرقم الموجود في بعض المخطوطات وهو 616، يعني قيصر الله. أما إذا توقّفنا عند النقص الموجود في رقم 6 (7- 1= 6)، فيكون أن رقم الوحش يدلّ على النقص والعجز تجاه الكمال والقدرة لدى الله ومسيحه.
ونقرأ في 4 عز 14: 10- 12: "خسر العالم شبابه، واقترب الزمن من الشيخوخة. قُسم تاريخ العالم اثني عشر جزءاً. لقد أدرك الجزء العاشر، ومنتصف ذاك الجزء العاشر. فلم يبقَ إلاّ جزءان بعد منتصف ذاك الجزء العاشر". لا ننسَ أن الرقم 12 (3 × 4) يدلّ هو أيضاً على الكمال. وحين نصل إلى الجزء الثاني عشر، تكون نهاية العالم قد حلّت.
لقد تجرّأ كتّاب الرؤى فبحثوا عن نهاية الأزمنة، كما حاولوا أن يحدّدوا منذ الآن الأحداث الاسكاتولوجية. كل هدا قادهم الى "عمليات حساب جليانية" ميّزت مؤلّفاتهم بشكل لافت للنظر.
و- وهناك ميزة خاصة في التعليم الجلياني: إنه يعبّر عن نفسه في لغة خاصّة به. حين يتحدّث عن سّر الاضطهادات على مرّ التاريخ في حقبته الأرضية، حين يتحدّث عن إنتصار إبليس الموقت، وعن إنتصار الله النهائي ودينونته للأمم، فهو يستعمل تعابير بعيدة كل البعد عن الإيجاز والشفافية. فكل كاتب يلجأ إلى الرؤى والرموز والتشابيه التي تتجدّد يوماً بعد يوم. إنه يريد أن يُدخل سامعيه وقارئيه في عالم دراماتيكي يشدّهم إلى ما سيقوله. إنه يريد أن يشركهم في شعور وجودي يسقيهم الواقع الحاضر. فالأدب الوجودي هو الذي خلق عالم الجليان، والاضطراب والفوضى في الأحداث، أحداث التاريخ وأحداث نهاية الأزمنة. وهو في عمله لا يتوخّى إعلامنا ومعرفتنا، بل إحداث إنقلاب فينا وخلق قلق عميق في قلوبنا.
يصوّر تاريخ البشرية ودينونة الأمم في لغة رمزية تصدمنا بشكل خارق، ولا تكون مفهومة للقارىء العائش في أيامنا. فهذه اللغة بما فيها من جرأة لا تخضع لقواعد المنطق، بل تربط الواقع بما هو بعيد كل البعد عن الواقع. ونحن نجد في التصاوير الجليانية أحداثاً مجتمعة، ولكنها لا تتوافق إطلاقاً في التاريخ الواقعي. فعالم الصور والرموز يجتاح كاتب الرؤيا، فيسكر ويستعمل هذه المواد التي ترد إلى مخيلته جامعاً إياها عن طريق المفارقة، بشكل جريء يتحدّى كل تصوّر.
فعلينا أن ندخل في حركة فكر ولغة هؤلاء الكتّاب، وإلاّ ظلّ تعليم الكتب الجليانية مغلقاً علينا. هناك سحر يطوّقنا وصور تجتاحنا يجب أن نفهم معناها، وإلاّ لبثنا غرباء عن هذا العالم الذي هو بعيد كل البعد عن المناخ العلمي الذي يعيش فيه البشر على عتبة الألف الثالث.

4- لائحة بالكتب الجليانية
أ- على مستوى العهد القديم
إن أسفار العهد القديم تتضمّن مقاطع جليانية. بدأت متفرّقة، ثم صارت متواترة. عالم الجليان حاضر في سفر حزقيال (1: 4- 12؛ 10: 1- 22؛ 37: 1- 14؛ 40: 1- 48). ويتضمّن سفر أشعيا "الرؤيا الكبرى" (ف 24- 27) و"الرؤيا الصغرى" (ف 34- 35). ونقرأ مقاطع جليانية في سفر يوئيل الذي دوّن حوالي سنة 400 ق. م. ونقول الشيء عينه عن زكريا الذي كتب في قسمه الثاني (9: 1- 14: 21) على يد شخص عاش بعد موت الاسكندر (323 ق. م.). ويبدو سفر دانيال نقطة التقاء تجمع المواضيع الجليانية التي نجدها في العهد القديم. نُسب هذا الكتاب إلى شخص عاش في زمن المكابيين (1 مك 2: 59- 60) فدوّن ما دوّن حوالي السنوات 167- 163 ق. م. شخص دانيال (الذي عاش في زمن المنفى) هو بطل الكتاب ولكنه ليس كاتب الكتاب.
لم يدخل الأدب الجلياني في شعائر العبادة عند اليهود ولا في صلواتهم الرسمية (كان يقرأ فقط من أسفار موسى الخمسة والأنبياء). استبعد من المجال الليتورجي، فانحصر في حلقات سّرية تعارض الهيكل، وانتقلت وثائقه من يد إلى يد. وهذا الطابع غير الرسمي للكتب الجليانية (ثم إنها دوّنت في زمن متأخر) منعها من أن تدخل في اللائحة القانونية للعهد القديم، التي تحدّدت بشكل رسمي في نهاية القرن الأول المسيحي.
وهكذا لا يتضمّن العهد القديم وفرة الأدب الجلياني الذي كوّنه العالم اليهودي المتأخّر. لهذا يجب أن نبحث عن هذا الأدب في خارج العالم البيبلي. وها نحن نورد أهمّ ما وصل إلينا من أسفار تعتبر كلها منحولة.
- رؤيا ابراهيم.
- رؤيا باروك.
- رؤيا إيليا.
- رؤيا عزرا.
- رؤيا موسى.
- رؤيا شدرك.
- عزرا الرابع
- رؤيا عزرا.
- كتاب أخنوخ.
- صعود موسى.
- الكتب السيبيلية.
- وصية آدم.
- وصية ابراهيم.
- وصية اسحق
- وصية الآباء الاثني عشر.
- وصية موسى.
مثل هذا التعداد يدلّ على أن كتاب الرؤى في العالم اليهودي المتأخّر، نسبوا رؤاهم إلى شخصيات عظيمة في العهد القديم مثل ابراهيم، اسحق، موسى، إيليا، عزرا، أخنوخ (تك 4: 17- 18؛ 5: 18- 24)، باروك (إر 32: 16؛ 45: 1- 5). مثل هذا الأسلوب يضفي على التعليم الذي يقدّمونه في زمن متأخر، سلطة كبيرة جداً.

ب- على مستوى العهد الجديد
ولم تنطفىء شعلة الأدب الجلياني مع العهد القديم، بل ظلّت مشتعلة عند المسيحيين، وبعد الانتهاء من تدوين أسفار العهد الجديد. والبرهان على ذلك هذا العدد الكبير من "الرؤى" التي دوّنت منذ القرن الثاني ب. م.
وإليك لائحة بأهمها:
- رؤيا بطرس.
- رؤيا بولس.
- رؤيا توما.
- رؤيا اسطفانس.
- رؤيا مريم.
- رؤيا فيلبس
- رؤيا برتلماوس.
- رؤيا زكريا.
وعاد كتّاب الرؤى هذه إلى شخصيات عظيمة في العهد الجديد ليحمّلوهم كلامهم، وليستندوا إلى سلطتهم فيصدّقهم الناس.
ونشير أيضاً إلى أن رسالة يهوذا تتضمّن مقاطع من "صعود موسى" (يهو 6- 9) وإيراداً طويلاً من "سفر أخنوخ" (يهو 14- 15). ونشير أيضاً إلى الجبارة التي تنشد عن الموتى: "الراحة الدائمة أعطهم يا رب، ونورك الأزلي فليضىء لهم". هذه العبارة مأخوذة من عزرا الرابع. ونشير أخيراً إلى أن سفر أخنوخ والكتابين الثالث والرابع من عزرا هي جزء لا يتجزأ من الكتاب المقدّس في اللغة الحبشية