ملح الأرض ونور العالم

 

لا يوقد سراج ويوضع تحت مكيال
تشكّل هذه الآيات وصلة بين إعلان التطويبات والتوسّع عن البرّ (أمانة التلاميذ لشريعة الله) المطلوب لندخل إلى الملكوت (5: 20). يتوجّه الكلام في هذين الإعلانين إلى جماعة التلاميذ كلّها: "أنتم ملح الأرض، أنتم نور العالم". كادت التطويبات توصلنا إلى علاقة حميمة مع الله. أمّا هذان القولان فيعلّماننا مسؤوليتنا كمؤمنين بالنسبة إلى العالم. دورُنا أن نكون الملح، أن نكون النور.
"ملح الأرض". للملح معان عديدة. يرتبط الملح بالعهد (لا 2: 13) لأنه لا يتبدّل. وتبادلُ الخبز والملح يدلّ على ضيافة عميقة، يدلّ على صداقة لا تفنى. على المؤمنين أن يحافظوا على عهد الله مع العالم. إنهم مسؤولون. والويل لهم إن تهرّبوا من مسؤولياتهم.
"نور العالم". ترتبط صورة نور العالم بصورة المدينة المبنيّة على جبل عال فلا يخفيها شيء عن الأنظار. حين يأتي الحجّاج إلى الأرض المقدّسة، يدلونهم على صفد المبنيّة على جبل من جبال الجليل والمشرفة على بحيرة طبرية. أما في الرمزية البيبلية، فهذه "المدينة" هي أورشليم التي عليها يُشرق مجد الرب (أش 60: 1). فعلى التلاميذ أُلقيت مهمة حمل النور الإلهي الذي يجتذب الأمم الآتية إلى الحج (أش 2: 2- 5). وهذا النور هو المسيح (يو 8: 12).
لا شكّ في أنّنا مدعوّون لكي نعمل في الخفية من أجل أبينا السماوي، فنرذل كل تبجّح أو تشوّف. ولكن هذا التجرّد العميق لا يلغي الضرورة بأن تكون الكنيسة منظورة فتجتذب اليها البعيدين بما تتّصف حياة أعضائها من حياة مسيحية حقّة.
والأعمال الصالحة التي تتحدّث عنها آ 16 هي أولاً ثمرة التطويبات. فبرّ منغلق على ذاته، وتنسّك بارد لا يدلاّن على طبيعة الإيمان المسيحي. فالمسيحيون يشهدون بفرح بسيط ينبع من القلب للنور الذي قبلوه لكي يتغلغل في حياتهم. ويفسّر القديس بطرس وصيّة المعلم هذه المملوءة رجاء: "سيروا سيرة حسنة بين الوثنيّين، حتى إذا افتروا عليكم أنكم فاعلو شّر شاهدوا أعمالكم الصالحة فمجّدوا الله يوم الافتقاد" أي يوم مجيئه.
كان الأنبياء قد فهموا أنه إن كان الله اختار له شعباً، فلم يختره لكي يترفّع على سائر الأمم، بل ليكون علامة عهده مع الأرض كلّها. ففي النظرة البيبلية، كل دعوة ترتبط بمهمة في خدمة خلاص الشعب. كل دعوة هي علامة نداء من أجل البشر المدعوّين ليشاركوا في حياة الله نفسه.
وكانت التجربة، أن يحسب الشعبُ نفسه نخبة ممتازة. فذكَّرهم الأنبياء بهدف العهد الشامل. كشفَ الله عن نفسه لشعبه، ليجعله منارة ونوراً في خدمة قصد حبه من أجل جميع البشر.
"جعلتك نوراً للأمم ليصل خلاصي إلى أقاصي الأرض" (أش 49: 6). وفسَّر أحد المعلمين: "كما أن الزيت يحمل النور إلى البشر، هكذا يكون شعبُ الله نورَ العالم". وكنيسة المسيح ليست نوراً في حدّ ذاتها. ليست ينبوع النار. إنها كالزيت الذي يحترق بنار الكلمة، بنار حبّ الله الذي ينير العالم.
حين قال يسوع للجماعة المسيحية الفتية: "أنتم نور العالم"، دلّ على نوعيّة إيمانها ورجائها ومحبتها وتضامنها مع الصغار، عن إهتمامها بالعدالة والمقاسمة. كل هذا هو انعكاس حياتها النابع من قلب الله. إن أعمالنا التي تجعل الحبّ ينتصر على قوى الأنانية، والنور على ظلمة الشر، إن أعمالنا هذه تحكي عن الله.
هذا الإنجيل هو لشهود المسيح دعوةٌ إلى الشفافية. لا يطلب منّا الرب موقف استعلاء (نحن أفضل من الآخرين، سنقوى عليهم)، بل شهادة جماعية عن الإنجيل المنير: أقسم خبزك... لا تتوارَ عن أخيك... حينئدٍ ينبلج كالصبح نورك (أش 58: 7- 8). إن هدف حياتنا المسيحية هو نور يوجّه الوثنيّين إلى النبع الذي نستقي منه، إلى أبي الأنوار.
نحن مدعوون لنكون انعكاس المسيح النور الذي تجرّأ وحده أن يقول: "أنا نور العالم". هذه هي الشريعة الجديدة حسب إنجيل متّى. والمسيحي هو الذي يرغب أن يتشبّه بالذي أحبّنا، أن يصير كاملاً في الحب على مثال الآب.
سُلِّم الإنجيل إلى التلاميذ ثمّ إلى الجماعات الأولى. وعليه أن ينتقل إلى العالم. ولكن كيف ينتقل؟ إنه ملح يعطي الحياة طعمها، إنه خمير يخمّر العجين. هذا يعني أنه يختفي في حياة البشر كالحبة المزروعة في الأرض. هذا هو زمن الدياميس، زمن الشهادة الصامتة التي عاشها المسيحيون الأوّلون بصورة خاصة. لا إنجيل حقيقياً بدون هذا "الموت" في الأرض. ولكن على المسيحيّين أيضاً أن يجعلوا النور على منارة. أن يُعلنوا البشرى بصورة واضحة، وهكذا يستنير البيت ويستنير العالم. موقفان متمايزان ولكنّهما متكاملان وضروريان لكي تصل البشارة إلى أقاصي الأرض.