الشريعة الجديدة

 

إن لم يزد برّكم على برّ الكتبة والفريسيّين...
تبدو آ 17 (ما جئت لأبطل بل لأكمّل) الطرحَ الأساسي لا في عظة الجبل فقط، بل في إنجيل متّى كلّه. والتعبير عنها يدلّ على الصراع داخل الجماعة: هناك انتقاد لشريعانية (تشديد على الشريعة أكثر من اللازم على حساب المحبّة) الفرّيسيّين. وهناك اعتقاد بأن المسيحيّين العائشين من روح المسيح ألغوا شريعة موسى. هذا ما لم يتحمّله مؤمنون جاؤوا من اليهودية فشدّدوا على الطاعة لأصغر تفاصيل الشريعة.
موقفان متعارضان تعارضاً كلّياً. عَملَ متّى كربّ بيت يُخرج من ذخائره كلّ جديد وقديم، فجمع سلسلة من تعاليم المعلّم تلقي الضوء على هذا الوضع الذي تعيشه الكنيسة.
نلاحظ أولاً أن الإنجيلي لا يفصل الشريعة عن الأنبياء. إنه ينظر إلى التوراة كلّها مع الأخبار المؤسِّسة والتشريع، والنداءات إلى التوبة التي يطلقها الأنبياء مع نظرة إلى المستقبل. لسنا أمام تفاصيل، بل أمام ديناميّة كلام الله كلّه. لقد جاء المسيح ليجمع كل شيء (أف 1: 10). جمع كل شيء في شخصه: إنه إبن داود، إبن ابراهيم (1: 1). جمع كل شيء في تعليمه مركّزاً على وصيتَيْ محبة الله ومحبة القريب (7: 12؛ 22: 40).
والبرّ الذي يتعدّى برّ الكتبة، لا ننظر إليه من ناحية الكمية، كأنّ يسوع يطلب منّا عدداً أكبر من الأعمال. المهمّ هو المحبّة في علاقتنا مع الآب السماوي ومع القريب.
وتقدّم لنا النقائض أمثلة ملموسة. نلاحظ فيها أن يسوع يؤكد أنه السلطة الوحيدة. كان الأنبياء يعودون دوماً إلى كلمة الله (هكذا قال الرب). وكان الكتبة يستندون إلى تعليم موسى. ولكنّ يسوع يتفرّد فيقدّم كلمته بما لها من قيمة مطلقة. "الحق أقول لكم". "السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول" (24: 35).
"ما جئت لأبطل، بل لأكمل"، قبل أن يدخل يسوع آلامه، أكّد يوحنّا أنه أحبّنا حتى الغاية. وكانت كلمته الأخيرة: "كل شيء قد تمّ". هذا يعني أنه أراد أن يتمّ مهمته على أكمل وجه.
وفكّر يسوع بتتميم الكتب: كان هذا ليتمّ ما قيل بالنبي... وكل هذا بانتظار الأزمنة الأخيرة التي فيها يُتمّ الله التاريخ ويُقيم ملكه.
نجد في كل هذا فكرة أولى بأن يسوع يعمل ما يجب عمله. ثمّ هناك فكرة الكمال. وأخيراً هناك التجلّي، أي ظهور الله في أعمال إبنه. إذن نطلب من الله النعمة لكي نكمّل ما نعمل، ونصل في ما نعمل إلى النهاية. فالبراعة في الصنعة والشجاعة في متابعة العمل تكوّنان الإنسان. ومن أهملها جَعل من حياته فشلاً.
ولكن طلب الكمال يرافقه قبول وضعنا البشري بما فيه من نقص وعجز. مع الصبر والشجاعة نحتاج إلى التواضع. نعرف عاداتنا ومعتقداتنا وعلاقاتنا، ولكن لا نتسمّر فيها، بل نحاول أن نتقدّم ونتجاوز نفوسنا.
هنا يَبرز شخصُ يسوع الآتي ليكمّل. هو لا يأتي ليدمّر حياتي ونشاطي وعلاقاتي. جاء لكي يكمّل ويجعل أعمالي تشعّ بنور الله.
وهذه القدرة الإلهيّة التي تجعلنا نبحث عن الكمال، هي ينبوع رجائنا. ففي أوقات وعينا، نشعر بأنّنا لسنا "عظماء"! حينئذٍ نتخلّى عن الطموح ونتعزّى في ترّهاتنا المسكنية. هذا هو الخطأ بعينه. فيسوع طموح بالنسبة إلى كل واحد منّا. إن لم يزد برّكم...
الشريعة ثمينة في عين اليهود، وهي لهم كالعمود الفقري الّذي يساعدهم على الوقوف أمام الله. ولكن الشريعة ثقيلة في نظر يسوع الذي يندّد بالتفاصيل التي وضعها الكتبة والفريسيون. أمّا الشريعة الجديدة فهي تجعلنا أحراراً.
لا يُلغي يسوع الشريعة القديمة. هل يسمح لنا أن نقتل، أن نزني؟ لا، هو لا يلغيها، بل يعمّقها. وهو يوجّهها إلى الأشخاص. نحن لا نقتل لأنّنا نحترم حياة القريب، أم لأنّنا نخاف الشريعة وبالتالي العقاب؟ نحن لا نزني احتراماً للمرأة (أو للرجل)، أم لأن هذا تحرّمه الشريعة وقد يتبعه عقاب. واعتاد الناس أن يحلفوا النهار كلّه لأنهم يفضّلون الثقة بالقسَم على الثقة بعضهم ببعض.
ما يؤكده يسوع هو احترام الشخص قبل احترام القاعدة. في عين الإيمان، كل وجه هو أكثر من وصيّة. إنه وجه يسوع.
كيف نتعامل مع هذا الوجه؟