سمعتم أنه قيل

 

كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو
إن تجاوز برّ الكتبة (آ 20) وصل بنا إلى هذه الوصية غير المتوقعة: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو". إن النقائض الست الأخيرة تشير إلى بُعد الحب الذي لا حدود له. إذن، سنبحث في هذا الإتجاه عن سر الكمال، ولا نبحث عنه في ممارسات تتجمّع وتتكدّس. 
وَضعت شريعةُ المعاملة بالمثل (سن بسن) حدّاً للانتقام كما نعرفه في نشيد لامك المتوحش (تك 4: 24). ولكن بدل تعويض مؤسَّس على المساواة، قدّم يسوع مبدأ "عدم مقاومة الشرّ". هذا ما عاشه أشخاص مثل غاندي، مارتن لوتركينغ وغيرهما.
لا شكّ في أنّنا لا نستطيع أن نحلّ كلّ المشاكل الإجتماعية والدولية بتطبيق مباشر لهذه التحريضات. وإن كان يسوع أسلم إلى الذين أرادوا توقيفه ولا سلاح بيده (يو 18: 1- 12)، إلاّ أنه احتجّ بكرامة أمام الظلم الذي يصيبه (يو 18: 23). يبقى أن يتساءل كلّ واحد منّا وبحسب الظرف الذي يكون فيه: كيف أتغلّب على روح الانتقام والتعطّش إلى القوة لأحيا تطويبة صانعي السلام؟
إن عبارة "أبغض عدوّك" غير موجودة حرفياً في شريعة موسى. ولكنّها توافق أوامر مكرّرة تطلب من المؤمن أن يقطع كل علاقة مع الكنعانيّين (خر 34: 11- 16). وفي زمن يسوع، طلبت قاعدة الأسيانيّين من المؤمن أن "يحبّ كلّ أبناء النور، حسب النصيب الذي حصل عليه في مجلس الله، وأن يبغض كلّ أبناء الظلمة".
كان الحكماء في العهد القديم قد دعوا تلاميذهم إلى تجاوز البغض والحقد. ولكن أحداً لم يفرض محبّة الأعداء التي نعبرّ عنها مراراً بالصلاة. وهذا الحبّ يتقوّى في التأمل في عمل الله الذي يبسط خيره على كلّ خلائقه.
الإنفتاح على الآخر، التوجّه نحو الشمولية يبدوان سمتين رئيسيتين في الروحانية الإنجيلية. فالمساكين بالروح الذين نالوا الوعد بالملكوت هم هؤلاء الذين يتركون كلّ انغلاق على ذواتهم وعلى مجموعتهم الصغيرة، لينفتحوا على أبعاد حبّ الله السماوي.
"أليس الوثنيون يفعلون ذلك"؟ يعيدنا سؤال يسوع إلى اعتراض طالما سمعناه: هل نجد حقاً تصرف حياة يلهمه الإيمان عندنا؟ حين يكون الواحد مسيحياً، فما الذي يتبدّل في حياته؟ كم من الناس حولنا صادقون وأصحاب أخلاق عالية وهم لا يقاسموننا إيماننا؟
إن وجدنا مثل هؤلاء الناس، فلنفرح ولنشكر الله الذي يُشرق شمسه على الجميع ويُلقي بنوره في قلوب الناس الذين لا يعرفونه. لا نتعوّد على المقارنة: "لا تدينوا لئلاّ تدانوا". يبقى علينا أن نفحص ذواتنا.
يجب أن نعرف أنّنا نعيش في مجتمع عرف المسيحية واحتفظ بعدد من قيمها، منذ الرسل والكنيسة الأولى التي عمّت الشرق والغرب. ولكن هناك أموراً لا تتوافق مع الإنجيل وأهمّها حبّ المال والأنانية والتعلّق المفرط بالذات. إن كنّا نقبل بهذه الأمور في حياتنا، فهذا يعني أنّنا على خطأ كبير. وحين نسمع مسيحياً يقول: أنا أؤمن، ولكن ما دخل إيماني بحياتي نودّ أن نقول له: أيهّا الأعمى أنت تحكم على نفسك بنفسك! 
الإيمان يدفعنا إلى أن نأخذ التطويبات على محمل الجدّ، أن نهتم بهذا الحبّ غير المشروط تجاه الأعداء. إيماننا بالله هو إيمان بيسوع المصلوب. وإن كنّا لا نعرف كيف ننكر ذواتنا ونحمل صليبنا ونتبعه بمحبة، فنحن لا نستحقه. قد تتغيرّ الطرق، ولكن أتّباع يسوع أمر مفروض علينا. 
فلننظر إلى الحياة المتطلبة التي يفرضها المسيح علينا، ونحن واعون لضعفنا أمام ندائه العجيب. ولكن لا نخف، بل لنملأ قلوبنا بالثقة ولنستند إلى قوة المسيح. هو وحده استطاع أن يكون كاملاً مثل أبيه. ولكن كل شيء ممكن معه.
لا أستطيع أن أعيش إن كنت لا أغفر. هذا ما قالته إمرأة لبنانية رأت أفراد أسرتها يُذبحون أمامها. لا تستطيع أن تنسى، ولكنّها تريد أن تعيش. لقد اكتشفت شيئاً فشيئاً أن البغض يولّد الشر. وقرأت الإنجيل فانتزع منها البغض. هي تغفر لكي تستطيع أن تحيا، لأن الحياة أقوى من الموت.
هل اختبرنا يوماً أن المغفرة تقتل فينا سمّ البغض الذي يقتلنا قبل أن نصبح قَتَلة بدورنا؟ الغفران يشفي ذاك الذي يغفر ويخلِّص من ينال الغفران. حين تبدو لنا المغفرة مستحيلة، فلنفكّر بنفوسنا ولنقل: أغفر لنا يا ربّ، كما نحن غفرنا.