بيت مفتوح

 

من قبلكم قبلني، ومن قبلني قبل الذي أرسلني
نحن في نهاية خطبة الإرسال.
إذا أردنا أن نفهم هذا النصّ، نتمثّل الجماعة المسحيّة الأولى. كانت مكوّنة من أعضاء متنقِّلين وآخرين مقيمين في مكان واحد. ترك الأوّلون كل شيء وتبعوا يسوع (آ 37- 39). وعلى الباقين أن يظلّوا حيث هم ليستقبلوا الآتين. ولكنّنا لا نستطيع أن نتكلّم عن نوعين من المسيحيّة. فعلى الجميع أن يختاروا المسيح ويكون اختيارهم جذريّاً. فالمدعوّ إلى الرسالة في البعيد، عليه أن ينفصل عن عائلته. ولكن على الآخرين أيضاً أن يجعلوا لمثال حياتهم الأولويّة على العلاقات العاطفيّة والعائلّية. نحن نشهد ولادة عائلة جديدة حول معلّم يقدّم شروطه ومتطلّباته. أن نكون مسيحيين، هذا يعني تعلّقاً تامّاً وعلنيّاً بيسوع المسيح، من دون شرط ولا قيد.
مهما عرفت العلاقات العائليّة من صعوبات، فهي لا تزال معيار النجاح البشريّ. عائلة ناجحة، إذن والد ناجح ووالدة ناجحة. ولكن يسوع يقول لنا إنّ النجاح هو في مكان آخر. فقد تفشل حياتنا إذا انغلقنا على ذاتنا. فالصليب هو نتيجة اختيار إنجيلّي يقسم الناس الذين لا يحيون المقاسمة والمشاركة. فإن ألغينا علاقات الأخوّة الحقيقيّة نخدع نفوسنا حول السعادة الحقّة. فالذين يتركون بيوتهم يعرفون حياة غير ثابتة، معرَّضة لضيافة الآخرين (قد يضيفوننا أو لا يضيفوننا) ولمخاطر الطريق. ولكنّهم مقابل هذا يكتشفون الفرح حين يرون العائلة البشريّة تنمو وتكبر. حين عاش يسوع حياته العامّة (الرسولّية)، حَسب حسابَ استقباله الناس الطيّبين. بعد هذا ستتنظّم سلسلة من "أصَدقاء السلام" كما يقول القدّيس لوقا. وأوّل واجباتهم إستقبال المرسلين.
أولى قواعد الرسالة هي أنّ المرسَل يوازي من أرسله. من قَبِل نبياً (أي: رجل الله) قبل الله. ويورد لنا القدّيس متّى ثلاث فئات من المرسلين: الأنبياء، الصدّيقون، التلاميذ. عرفت الكنيسة الأولى الأنبياء. كانت كلمتهم القاطعة تساعد المؤمنين على اكتشاف الإنجيل. ما هو أجر النبيّ؟ تتوجّه أفكاره إلى المستقبل، لذلك فهو يشكر مضيفيه ويعدهم بمواعيد المستقبل. حين استضافت الشونمية اليشاع (2 مل 4: 8- 16) وعدها بالحياة.
الاستقبال يحمل في ذاته أعظم شكر. نحن نفرح حين نُعطي. حين نستقبل، نكتشف أننا بشر نعرف أن نقاسم. وفي الضيافة نجد الله. فبيت مفتوح هو صورة عن الكنيسة التي تستقبل البشر فتسمع لهم وتنفتح على حياتهم، التي تعطيهم الحياة الحقّة بالمعموديّة. وهكذا يكون أجرٌ حتّى لكأس ماء بارد. نحن هنا أمام استقبال عابر لتلاميذ يسيرون من بلد إلى بلد. من هم الصدّيقون، من هم الصغار؟ هم التلاميذ. إنهّم صغار لأنّهم لا يملكون شيئاً ويحتاجون إلى كلّ شيء. وهم صدّيقون لأنّهم ركَّزوا حياتهم على إرادة الله في المسيح. تضامنوا مع الفقراء فصاروا إخوة المسيح.
حين نقرأ هذا الإنجيل نتذكّر القدّيسة بربتوا، وهي شهيدة من القرن الثاني. كتبت في يومياتها: "جاءني والدي مع طفلي. إجتذبني إليه بحنان وقال لي: إذبحي للأوثان، إقبلي بأن تُنكري المسيح، إرحمي ابنك. وقال لي هيلاريون، النائب العام (في المحكمة): راعي أباك، راعي ابنك، إذبحي أمام تمثال الأمبراطور. أجبت: كلاّ".
لو أجابت نعم، أية فتاة كانت لأبيها وأي أم كانت لابنها؟ خسرت كلّ شيء ولكنّها ربحت كلّ شيء. هذا هو خيار الإنجيل. قال يسوع: إذا أردت أن تحبّني فأنا أطلب منك كل شيء وأعطيك كل شيء.
قد لا تصل بنا الأمور إلى ما وصلت إليه بربتوا، ولكنّنا نتردّد مراراً: أحبّك يا ربّ، ولكن... كيف أتخلّى عن هذا الشيء أو ذاك؟ إذن، نحن لا نحبّ يسوع. أو بالأحرى لا نعرف كيف نحبّه. نحبّه على هامش حياتنا.
هل يرفض يسوع أن نحب الآخرين؟ كلا. ولكن حب المسيح وحده يعلّمنا كيف نحبّ الآخرين. نظنّ أنّنا خسرنا حياتنا، ولكنّنا سنرى في الواقع الربح الذي حصلنا عليه.
توقفنا في خطبة يسوع هذه عند ثلاثة أقوال تطلب الكثير من المرسل. ولكن يأتي القول الرابع فيضفي حلاوة على الأقوال السابقة: من قبلكم قبلني.