يسوع ويوحنا المعمدان

 

 

يوحنا عظيم، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه
عرفنا شهادة يوحنا المعمدان عن ذلك الذي هو أقوى منه. وها هو يوحنا في السجن يأكله الشكّ والريبة. هل يقوم يسوع حقّاً "بأعمال المسيح"؟
طرح يوحنا السؤال، فلم يقدّم يسوع جواباً مباشراً، بل دعا المعمدان إلى قراءة العلامات، إلى مقابلة سلوك يسوع مع ما تقوله الأسفار المقدسة ولم يذكره يوحنا في كرازته الأولى.
وتتبع اللائحة في آ 5 تدرّجاً له مدلوله. هي من جهة توافق كلام أشعيا: العميان، العرج، الطرش (أش 35: 5- 6؛ 42: 18؛ 43: 8). وذكرُ البرص يوافق أوّل معجزة أوردها متّى (8: 1- 4) بعد خطبة الجبل. الموتى يقومون. هذا ما حدث لإبنة يائيرس (9: 18- 26) وكلّ الذين انتزعتهم كرازة الملكوت من الموت الروحي (9: 21- 22). والمساكين يبشَّرون: هذه هي ذروة التدرُّج التي تعطي المعنى الأخير لكل ما سبق.
وهكذا نفهم معنى أعمال يسوع، وهي أعمال عون ومساعدة، كما هي أعمال تحوّل القلوب. إنها أعمال تقدّرها الحكمة الآتية من الله حقّ قدرها (11: 19). فمن نقصته هذه الحكمة توقّف عند الدهشة والتعجب، ولم يترك علامات الله تدخل إلى قلبه.
وتفاجئنا النهاية: طوبى لمن لا يشكّ فيّ. إنّه تنبيه خفيّ ليوحنا المعمدان: لا تتشكّك من نوعيّة الوسائل التي اختارها المسيح ليقوم بمهمّته. وسيسمع بطرس فيما بعد التحذير عينه من فم المسيح، حين يحاول أن يبعده عن الصليب (16: 23).
يتضمّن مديح يسوع ليوحنا تعارضاً مدهشاً. هو العظيم. ولكن الأصغر في ملكوت الله هو أعظم منه. أجل، يوحنا هو أكثر من نبيّ، بحياته القشفة وشجاعته أمام هيردوس أنتيباس. وعليه تنطبق نبوءة ملا 3: 1 حول رسول الله الأخير قبل يوم الدينونة العظيم.
ولكن يوحنا ينتمي فقط إلى الفترة الإعداديّة، رغم ما قام به من أعمال عظيمة. فملكوت السماوات يمثّل ليسوع القيمة العظمى والتكملة لقصد الخلاص. يضيء الصدّيقون كالشمس في ملكوت أبيهم (13: 43)، يكونون كالملائكة في السماء (22: 30). ولكن المشاركة في الملكوت تفرض علينا القبول بالبشارة كالفقراء، والاتّكال الكامل على الله في الطريقة التي بها يحلّ ملكوته.
ما قاله يسوع ليوحنا المعمدان هو الذي يقوله اليوم لكل واحد منّا: لا تشكّ فيّ. لا تخطىء حين ترى تصرّفاتي. بل أعلنَ تطويبة غريبة: "طوبى للذي لا يقع في خطأ مميت عندما لا يعرف من أنا". 
الحوار بين المعمدان وشموع هو حوارنا الذي يتمّ بواسطة مرسلين. فعلى الوعّاظ والمسؤولين أن يتبيّنوا لكل عصر السّر الوحيد الذي يستحقّ أن نهتمّ له: "من هو يسوع"؟
لا بدّ من البحث عن يسوع، ويسوع لا يرفض الأسئلة. وهو لم يغضب حين قالوا له إن يوحنا يتساءل: هل أنت المسيح؟ غير أن يسوع لا ينجرّ بالجدالات النظريّة. لا يقول للمرسلين في خطبة من هو. بل يطلب منهم أن يسمعوا، أن ينظروا. عرف أن يوحنا إنتظر مسيحاً من نار. فكيف يجعله يكتشف مسيحاً من حب ويقبل بهذا المسيح؟
لقد بقي على مستوى الظواهر المسيحانية. ما لاحظه الموفدون هو أنّ تصرّف يسوع تصرّف مسيحانيّ. يكفيهم أن يتذكّروا كلام أشعيا: "حين يكون هنا، العمي ينظرون، والعرج يقفزون، والبرص يطهرون، والصمّ يسمعون، والموتى يقومون". وفوق هذا (وهذا شيء لا يجب أن ننساه)، ستعرفون أنّ يسوع هو المسيح حين ترون البشارة تصل إلى الفقراء، والخبر الطيّب وإعلان السعادة لمن لا سعادة لهم. 
لا شكّ في أنه يجب علينا أن نحارب الشّر والأشرار، ولكن بالنظر إلى عمل الحبّ. فنحن نهدّد في الحب ومن أجل الحبّ، عائدين حالاً إلى الإعلان المسيحانيّ الأساسيّ: إعلموا أنّ الله يحبّكم، وهو يدعوكم إلى خلق عالم من الأخوّة.
وحين نفهم هذا، لن نخاف المخاطرة. أن نحب بصورة عامّة، أن نحبّ خلال الصلاة وفي صمت الغرفة، لا يُتعب كثيراً. ولكن حين نكون في الشارع ومع أفراد الأسرة وفي المعمل، تكون المحبة في الأمور التفصيلية أصعب بكثير مما نتصوّر.
ومع ذلك، حين نسأل يسوع: أين أنت؟ سيجيبنا: حيث الفقراء والمساكين محبوبون، أنا هناك.