وحي الله للصغار

 

تعالوا إليّ أيهّا المتعبون وأنا أريحكم.
الصغار هم الأطفال الذي لا يعرفون أن يتكلّموا بعد. سوف نراهم في مت 21: 16- 17. هتفوا في الهيكل: "هوشعنا لابن داود"؛ ولما استاء عظماء الكهنة أجاب يسوع، مردّداً كلام مز 8: 3: "على ألسنة الصغار والرضَّع أعددتَ (يا رب) لنفسك تسبيحاً". 
والصغار هم أيضاً البسطاء والجهّال، أولئك الذين لا يعرفون العلوم، أولئك الذين لا ثقافة لهم. هم غير الذين أعطي لهم "سلطان الكلام". ولكن الحقيقة تخرج من فم الأطفال، لا لأنهم يقولون بدون مواربة ما يفكّرون به وحسب، بل لأن لهم شيئاً يقولونه لنا ويعلّموننا إيّاه.
نحن هنا أمام وحي، أمام حقيقة تتجاوز مجهود تفكيرنا. هناك حقائق بسيطة تُدهش العلماء. إن يسوع لا يمتدح الجهل والحماقة. ولكن ما لا يحسب له العالم حساباً هو محبوب لدى الله. لماذا فشل يسوع في رسالته حول البحيرة (آ 20- 24)؟ لأن النخبة "المفكّرة" عارضته أشدّ المعارضة. أما الصغار فتعرّفوا إلى نفوسهم من خلال تعليمه. وهكذا تضامن معهم بعد أن جُعل في هذه الفئة من الرعاع وقيل عنه أنّه "لا يعرف الشريعة" (يو 7: 49).
الشريعة هي في قلب هذا الجدال. فرضت السلطات على ظهر الشعب أحمالاً ثقيلة، وما أرادت هي إن تحرّكها بإحدى أصابعها (مت 23). تحدّث العهد القديم عن الشريعة وسمّاها "نيراً" يُوضع على أكتاف الناس. ولكن نير يسوع هو من نوع آخر. إنه لطيف وناعم، وحمله خفيف.
قال يشوع بن سيراخ (كان معلّماً قريباً من الفقراء) إننا نستطيع أن نتعلّم بمال أو بدون مال. إذن، يستطيع الفقراء أن يفهموا روح الشريعة دون أن تسحقهم فرائضها التي لا تطبّق. وقدّم يسوع نفسه معلّماً بعد أن أعلن نفسه الإبن. حريته سامية وهو يعرف حنان الله من أجل الصغار. سمّى نفسه "الوديع والمتواضع"، لأن لا سلطان له يفرضه على الآخرين، ولأنه يقبل أن يتعلم من الله: لقد سلّمني أبي كلّ شيء. 
والثقل على الصغار يعني أيضاً ظروف الحياة والعمل الصعبة التي يعرفها المساكين والعبيد. هو لا يستطيع أن يحرّرهم منها في الحال. ولكن تعليمه عن الحرية يجعل السعادة تولد في القلوب. الوسائل الضعيفة قد تكون فاعلة. ويسكن الروح في أناس تبدو حياتهم عرضة للتقلّبات. والمسيح يستطيع أن يقدّم للفقراء مستقبلاً جديداً. إنه يحدّثنا عن حياة حميمة مع الآب، حياة تكشف نفوسنا لنفوسنا وتجعلنا نعيش منذ الآن ملء الحياة. لم يعُد من قلق واضطراب للذين حوّلهم حب الله وبدَّل حياتهم.
"كشفته للصغار". ما أصعب أن نكون صغاراً في عالم يتلاعب به الكبار! كشف يسوع عن العلاقات التي تربطه بالآب. على هذا الضوء نفهم لماذا يحبّنا الله حين نكون صغاراً. هذا ما يحيرّنا. فهل نحب نحن الصغار؟ هل نحب أن نكتشف نفوسنا صغاراً على مستوى المال والصحة والاعتبار؟
هذا هو سرّ الله في نظرته إلى المساكين. لسنا فقط أمام تنازل، بل أمام عمق نظرة الله إلى البشر. هو لا يحبّ المكتفين بذاتهم، لا يحب المتكبرّين. إنه الحب، ولهذا فهو يرفض التكبرّ الذي يقتل الحب.
حين نتخلّص كلياً من كل اكتفاء، نصبح موضوع محبّة الآب. نحن محبوبون! يا ليتنا نجذِّر فينا هذه الفكرة في الأوقات الصعبة! نحن محبوبون! ومن الذي يحبّنا؟ الله بالذات.
قد نفكّر أننا لسنا بشيء. هذا تواضع كاذب، وهذا يدل على أننا لسنا صغاراً. الله لا يحب "اللاشيء". هو يحبّنا، اذن صرنا شيئاً مهماً، وبنا يستطيع الله أن يصنع عظائم.
وما الذي يقدّمه لنا حبّه بالدرجة الأولى: تعالوا إليّ، وأنا أعطيكم الراحة. شرط ان تكونوا متواضعين وودعاء.
فلنترك المسيح يسحق فينا كل كبرياء، كل اكتفاء، كل اعتداد بالنفس، فنكون بين يديه كالأطفال.
أطلق يسوع نشيد تهليل فكشف عن هويته الحقيقية: إنه الابن الذي يعرف وحده الآب... إنه المعلّم الوديع والمتواضع القلب... الصغار وحدهم يفهمون هذا التعليم، ولهم وحدهم الراحة، الراحة الحقة. ولكن الراحة التي يقدّمها المعلم ليست راحة العائش في البطالة والاسترخاء. نحن أمام حرية ابناء الله. وحين يحبّون فهم ينسون أثقال الحياة وهمومها.