خرج الزارع ليزرع

 

ما وقع في الأرض الطّيّبة أثمر مئة وستين وثلاثين
حين نقرأ مثل الزارع نندهش من "تفريطه" بالحب، من إلقائه بالحَب في كل مكان دون مراعاة للأرض التي يقع عليها الزرع. هل يجب أن نزرع كثيراً لنحصد قليلاً؟ نزرع أربع حبات فتضيع ثلاث! ولكن الحبة التي تنمو تعطي ثلاثين وستين ومئة. اذن، عمل الزرع هذا ربحه فيه.
يشدّد هذا المثل على طبيعة الأرض، على طبيعة قلوبنا. يا للأسف! هناك اراض لا تعطِي شيئاً. وهناك قلوب متقبّلة تُعطي أوفر الغلال. تفاؤل في البداية يخفّف من قوته حواجز تقف في وجه الكلمة. هذا ما نقرأه في المقطع المتكلّم عن القلوب القاسية. موضوع ورد أول ما ورد في اش 6: 10 فصدمنا. فكأني بالله لا يريد للناس ان يفهموا ويرتدوا! لا ثم لا.
يقول سفر الخروج (9: 12) إن الله قسّى قلب فرعون. وأنهى سفر الرؤيا (22: 11) كلامه: "فاعل الاثم فليفعل الاثم أيضاً"! لا بدّ أن يصير الانسان أردأ مما كان عليه، أن يُدفَع إلى الأخير، أن تتحرّك السكين في الجرح وتكشف له كفره وعدم ايمانه. وحين يصل الانسان إلى عمق الهاوية، يحسّ بالحاجة إلى التوبة والغفران. إن تقسية مواقف فرعون تدلّ على رفضه للحوار. وهي تبيّن لنا أن الله لا يتوقّف في نصف الطريق، بل يذهب بالامور إلى النهاية. هو ليس بين بين. هو يتقيّأ الفاترين.
إذا نظرنا الامور من جهة الزارع تبدو التقسية مرتبطة بالدعوة. عرف النبي أن رسالته ستفشل. إنه سيلقى الرفض. ولكن عليه أن يغرز "سيفه" في الشعب. هل نسينا أن كلام الله سيف ذو حدين. طعمه مرّ ولكنه كالعسل في الأعماق.
لم يفهم السامعون المثل. هذا ما يدهشنا. حسبناه خبراً ملموساً يجعل الأمور المعقّدة بسيطة. في الواقع، هناك مسافة بين الواقع وطريقة التكلّم عن الواقع. يعبرّ المثل بشكل دنيوي عن أمور الإيمان، وهذا ما يحيرّ الذين يعتبرون أن لا علاقة للديانة بالحياة. والمثل يدفعنا إلى العمل، ونحن لا نحبّ أن نُلزم نفوسنا. وباختصار، يتكلَّم يسوع بأمثال لكي تنكشف زوايا قلوبنا الاخيرة ورفضنا الذي لا نجسر على الإقرار به.
نحن المؤمنون محظوظون. طوبى لعيونكم لأنها تُبصر، ولآذانكم لأنها تسمع. نحن نرى ما لا يراه الآخرون. ويندهش المؤمن أمام بذار الخير. قلبه مفائل مثل قلب الزارع. فكلمة الله تفعل فعلها في القلوب وهي تدعونا إلى الحرية. كلمة الله تفرض أرضاً تتقبّل الزرع. لقد سمعنا المسح بآذاننا. تكلّم في الماضي وهو يتكلّم اليوم. فما الذي يمنعنا من الاستماع عليه؟ من يمنعنا ان نحمل ثمراً؟
"ووقع بعضه الآخر على الأرض الطيبة فأثمر بعضه مئة، وبعضه ستين، وبعضه ثلاثين". قال يسوع هذا الكلام المتفائل ساعة ذهب زرعه ضياعاً. إصطدم بقلوب من حجر هي قلوب الكتبة والفريسيّين. رأى أناساً متحمّسين يقولون: "يا رب، يا رب"، ولا يبدّلون حياتهم. سمع يوحنا يشك: "أأنت الآتي أم ننتظر آخر". والقرى التي بشرّ فيها، كم هي لامبالية! "الويل لك يا كورزين! الويل لك يا بيت صيدا"!
ومع ذلك لا ييأس الزارع. فستبقى الغلال حاضرة في أرض الرب. 
ونستخلص درسين:
الأول: لا نحسب الخسارة وحدها فنفقد الأمل. إذا كنا نعمل مع الله فسنحصد في مكان من الأمكنة. هذا ما لا شكّ فيه. وعبارة "الأمور سيئة جداً" ليست عبارة انجيليّة. ولكن عبارة "الأمور تسير على ما يرام" ليست هي أيضاً انجيلّية. نحن نحتاج إلى الوعي والقاء الضوء على الواقع. فكلّ أرض ليست طيّبة، وكل ارض ليست رديئة. هناك عدد من قساة القلوب واللامبالين والمتقلّبين.
والدرس الثاني: ونحن، ما نوعية أرضنا؟ هل هي متحجّرة لا تتجذّر فيها الكلمة ولا تقاوم ضربة الشمس وضيق الزمن الحاضر؟ هل هي أرض مهمومة ومشغولة بأمور المال والصحة والجيران "الأردياء"؟ حدَّثنا يسوع عن هموم الوثنيّين. هل نسينا أبانا الذي في السماء؟
حدّثنا يسوع عن ملكوته وملكوت أبيه، فاستعمل الأمثال. خرج الزارع ليزرع. حياتي اليومية أرض يُثمر فيها الإنجيل