الحنطة والزؤان

 

الحقل هو العالم. والزرع الطيّب بنو الملكوت.
من منّا لم يحسّ يوماً بغيرة وحماس هؤلاء الخدم؟ يريدون أن يقلعوا الزؤان قبل الأوان. نريد أن تكون الأمور واضحة ونظيفة، ونعتبر أننا بهذه الطريقة نرضي ربّنا! نحن مخطئون حين نتصوّر الله هكذا. فهو يُطلع شمسه على الأبرار والأشرار (مت 5: 45). إله عجيب هذا الذي يعمل ضد "حزبه"! فالذي زرع الزؤان هو ابن البيت، وقد عمل ما عمل في الليل. فإذا كان الشرّ فينا، فماذا ننتظر لنلقي الحرم على الآخرين والإبعاد والطرد. وهكذا تزول العشبة المضرّة. لم يرضَ الله بهذا الأسلوب. دعانا إلى الصبر والانتظار، لأنّ الوقت يعمل لصالحنا.
يتحدّث المثل عن العاملين. هناك الذين ناموا ومسؤوليتهم معروفة. وهناك الخدم. ولكن يسوع يُبرز التعارض بين الأبرار والأشرار. لم نَعُد في زمن الانتظار بل في وقت اتّخاذ القرار. إنهم مدعوون إلى الحرب، وحينئذ يكتشفون أباً عمل المستحيل لكي يؤخِّر الساعة. وهكذا أتاح للحنطة أن تنمو رغم كل تهديد بالخنق والموت. نحن في عالم منقسم نسير على حبل مشدود، نسير في طريق صعبة. 
الملكوت هو أصغر الحبوب. متّى ستكبر؟ ولكننا نعرف أن الصغير في الملكوت أكبر من يوحنا المعمدان (مت 11: 11). الصغير هو شخص لا نستطيع أن نتّكل عليه، شخص ذو وسائل محدودة، شخص لا يستطيع أن يؤثّر على الآخرين. ولكن الخير يُعمَل في العالم من الداخل، فيدلّ على أب منتبه إلى كلّ شيء. هو لا يتوقّف عند مشكلة الشّر في العالم. هو لا يحكم على أحد، وينتظر دائماً عودة الابن الذي راح إلى البعيد.
بعد هذا لا نبحث في الانفصال عن الآخرين (كالفريسيين) وكأننا أفضل منهم. فالزؤان هو فينا. فلا نستعجل في الحكم على الآخرين. الديّان الوحيد هو الله.
ليس الله شخصاً مستبداً يزيل بسرعة كل المعارضين، وهو يهتمّ بصراخنا المتأرجح بين الخير والشر. ويجعلنا نمشي مشية بَشَر يحرّكهم الحنان في علاقاتهم المتبادلة. هذا المثل هو خطوة صغيرة للانسان وخطوة جبارة للبشرية. ما يهمّ في النهاية هو الشجرة الكبيرة التي يعشّش طير السماء في أغصانها، والخميرة التي خمّرت الطحين كله، والحصاد الوفير في نهاية العالم، والشمس التي تشرق على الأبرار.
قال لنا يسوع: هذا هو العالم. الحنطة والزؤان يمتزجان. هو زَرَعَ الحنطة والشرير زَرَعَ الزؤان. والنتيجة هي أمامنا بعد صبر الله واستعجالنا نحن للأمور.
كيف يسمح الله بكلّ هذا الشرّ في العالم! نحن مسيحيون أنقياء وصلاّح! والذين يحيدون عن الإنجيل ويعرجون... فليُطردوا خارجاً. ولكن الله لا يرضى بهذا التصرف. أتراه لا يثق بنا وينتظر منا أن نسير إلى الأمام؟
أظن أني بعيد عن "الأشرار". ولكن يسوع وحده يعرف ما في الانسان (يو 2: 25). فلا أحد صالح كله، ولا أحد على حق في كلّ ما يقول وما يفعل. نحن حقل فيه الحنطة والزؤان. حين نقبل بهذا الواقع، لن نعود نقسو على الآخرين وما فيهم من "زؤان". حين نقبل بهذا تتلوّن نظرتنا بالرجاء: أعرف أني استطيع أن أتقدّم. ولماذا نظنّ أن الآخرين لا يقدرون.
نحبّ أن نتشبّه بالله وندين الآخرين. فلنتشبّه به في صبره ولا نيأس من أحد قائلين: "هذا لن ينفع شيئاً"! فقد يستطيع الزؤان أن يصير حنطة جميلة، والأشرار قلوباً سخية مثل بطرس وبولس واوغسطينس وفرنسيس الاسيزي وغيرهم.
أمثلة ثلاثة صوّرت الملكوت وسره: يُولد في التناقض بين الخير والشر، كالحنطة وسط الزؤان. يُولد في الفقر والتواضع كحبة الخردل، وينمو رغم كل شيء في العجين. أمّا الآن فزمن الصبر والأمل. وفي النهاية، سيأتي زمن الحصاد وفرز الأخيار من الأشرار.
لننتظر ساعة الله.