معجزة الخبز

 

أكلوا كلهم وشبعوا. الغني لم يفضل عنه والفقير لم ينقصه.
نجد عند متّى ومرقس خبرين عن تكثير الأرغفة. يتوجّه الأول إلى قرّاء جاؤوا من العالم اليهودي، والثاني إلى قرّاء جاؤوا من العالم الوثني، وهكذا اكتشف اليهود والوثنيين الافخارستيا في قلب حياتهم.
تكيّف الإنجيليون حسب الثقافات المختلفة لكي يوردوا لنا الإنجيل. الخبر الأول هو خبر مباركة (بارك وكسر الأرغفة) ينتهي في النهاية بإثنتي عشرة قفّة (على عدد الأسباط الإثني عشر). الثاني (مت 15: 32- 39) هو خبر شكر (إفخارستيا أي شكر حسناً) (شكر يسوع وكسر الخبزات) ينتهي بسبع سلال (الخدّام السبعة الذين اهتموا بالهلينيين أي الآتين من العالم اليوناني، أع 6: 1-7). 
إنطلق الإنجيليون من معجزة تكثير الأرغفة ليحدّثونا عن الإفخارستيا. فالكلمات الأربعة المستعملة هنا هي المستعملة في تأسيس الافخارستيا: أخذ، بارك (شكر)، كسر، أعطى. ونستطيع أن نميّز في الخبر جزئين يوافقان الجوع إلى الكلمة (ليتورجيا الكلمة، علّمهم) والجوع إلى الخبز.
والجوع الروحيّ يسبق الجوع الماديّ. هذا ما يبدو غريباً لو لم نكن نعلم أن للجوع الماديّ امتدادات روحيّة. ثمّ أنّ الفرق شاسع بين "اشترى" و"أعطى". لقد حلّ محلَّ التجارة العطاءُ والمقاسمة. حين نعطي ما نملك، تختفي حاجات الجميع بشكل عجائبي. لم ينطلق يسوع من لا شيء. فما حمله البعض، مهما كان قليلاً، أطعم الجماعة. إنطلق يسوع من أشخاص مساكين فأشفق عليهم، ومن مرضى فشفاهم. وفي النهاية، تكوّنت جماعة مرتّبة منظّمة كما يريدها هو.
الافخارستيا تصنع الكنيسة. وهكذا تكوّن شعب الله في إطار ليتورجي. وبما أننا في العالم اليهودي، قالت النصّ: "ما عدا النساء والاولاد". فالليتورجيا اليهوديّة لا تهتمّ إلاّ بالرجال.
نلاحظ هنا دور الرسل الذين هم وسطاء بين المسيح والناس. يسوع ناول التلاميذ، والتلاميذ ناولوا الجموع. ثم ساروا أمام الجموع فصاروا "معلّمين" ورعاة. وهكذا لم يعد الجمع "خليطاً من الناس" كما يقول عد 11: 4، بل "كنيسة" تجتمع حول يسوع المسيح ورسله.
لم يعد الناس شعباً متروكاً لا راعي لهم. فقد صار لهم من يهديهم. مع رؤسائهم يتعلّمون التضامن الذي يمرّ بالمسؤولية. بدا التلاميذ في البداية وكأنّ الامور لا تعنيهم. ليسوا مسؤولين (إصرف الجموع). وفي النهاية وبناء على دعوة يسوع (اعطوهم ما يأكلون)، قبلوا أن يشاركوا في الخدمة.
الناس جائعون، وهم بحاجة إلى اناس "يحملونهم". هذا جزء من المقاسمة. وتنظيم أعمال المحبّة أمر ضروري. وحلم بعالم مقاسمة لا يتحققّ إن لم ينطلق بعض الناس إلى الآخرين. إن الله هو مع الناس وهو يسير في طرقهم التي تطلب اكثر من الخبز. تطلب كلمة الله، تطلب حريّة وكرامة وعدالة.
ما الذي يتبدّل فينا حين نقول في صلاتنا: "أعط من لا خبز له خبزاً"؟ ما الذي يتبدّل فينا حين نقرأ خبر تكثير الأرغفة؟ يجب أن يتبدّل قلبنا. سئل أحدهم: كيف ترى الله يعمل في العالم؟ أجاب: حين يتغلغل الإنجيل في الناس فيؤمنون، هم يصنعون معجزات. هم ينشرون الحبّ الذي يجد الخبز. في هذا الإطار نتذكرّ الابّ ببار والامّ تريزا... ونتذكرّ الكثيرين الذين تبدّلت قلوبهم فبدّلوا العالم.
تكثير الأرغفة هو معجزة تخبرنا عن يسوع الذي يستطيع أن يشبع كل جوع لدى البشر. قال للتلاميذ: "أعطوهم أنتم ليأكلوا". تحيرّ الرسل: "ليس معنا إلا خمس خبزات وسمكتان". ونحن نعمل مثلهم. ولكنّ يسوع أخذ هذه القلة القليلة فأطعم 5000 رجل، ثمّ النساء والاولاد، وبقيت 12 سلّة.
اجل، إنّ الله ينطلق من امكانياتنا المحدودة فيصنع العجائب ويشبع الألوف. هل نؤمن به وبعمله فينا وحولنا رغم فقرنا وضعفنا؟
نرى يسوع يختفي (مت 14: 13؛ 15: 21؛ 16: 13) ثلاث مرّات، فينطلق التلاميذ للبحث عنه. ذهبوا من مكان إلى مكان. هذا على مستوى الجغرافيا، وعلى المستوى الرمزيّ والروحيّ، راحوا بعيداً لكي يكتشفوا هوّيته. بعد هذا الاعتزال الأوّل وتكثير الأرغفة، إكتشفوا في يسوع ذلك الذي يشفق على
الجمع فيكوّن منهم كنيسة يُؤمِّن لهم رعاة "يعطونهم الطعام في حينه" (لو 12: 42