يسوع يمشي على الماء

 

يا قليل الإيمان لماذا شككت؟
مساكين هؤلاء التلاميذ! عليهم أن يركبوا القارب رغم هياج البحر. كم كانوا يودّون أن يطول العيد! ولكنهم صاروا مسؤولين، فعليهم أن يسبقوا الجمع. وعليهم أن يتخلّوا عن يسوع، وعزلتُه تشبه عزلتَهم. هكذا يربيّ يسوع تلاميذه. ثم إن هناك خبرة الفصح والقيامة التي فرضت على التلاميذ أن يعيشوا من دون معلّمهم.
ها هم يجذّفون عكس التيار. ولم يتحسنّ الوضع حين جاءهم "خيال" أو "شبح". يعرف القارىءُ المسيحيّ أن التلاميذ رأوا يسوع بهذا الشكل بعد القيامة (لو 24: 37). حين نخاف، يصبح كل شيء كئيباً أسود. فنشكّ بكل شيء حتى بنفوسنا. وفي نهاية الإنجيل (مت 28: 16)، لن يزال البعضُ على شَكِّهم. أجل، إنّ عدم الإيمان تهديد يرافقنا حتى النهاية.
روى ثلاثة انجيليين (متّى، مرقس، يوحنا) حدث المشي على المياه. وتفرّد متّى فروى محاولة بطرس ليمشي على البحر مثل يسوع. نجد شيئاً قريباً من هذا في يو 21، حين رمى بطرس بنفسه في الماء. في يوحنا غطس بطرس، في متّى "زلقت رجله" واخذ يغرق. ما الذي دار في خلد بطرس؟ هل أراد أن يتحقّق من إيمانه المتزعزع؟ هل أراد ان يكون مثل المعلّم؟ في الحالتين نحن امام التهوّر والاراديّة (أنا اريد ووحدي أقدر) اللذين يجعلاننا لا نتكل إلا على ذواتنا. أمّا لوقا فيقدّم لنا بطرس في موقف المتواضع والعالم بخطيئته (لو 5: 8).
وأسرع بطرس فتمسّك بيسوع. كان قد قالت له منذ البداية: لا تخف. ولكن بطرس خاف فغرق. ولمّا فهم أنه لا يستطيع شيئاً من دون يسوع، بدأ يرفع رأسه، يُخرجه من تحت الماء. ومدّ يسوع يده.
هذه محنة من المحن العديدة التي مرّ فيها بطرس قبل أن يكون الأوّل بين الإثني عشر. فرغم تردّدات بطرس العديدة والمتوالية، ظلّ يسوع واثقاً به، وسيعطيه سلطان المفاتيح، أي سلطان الحل والربط (مت 16: 17). أما بطرس فاستعاد المبادرة، بعد أن وجد في تشجيع يسوع خشبة الخلاص الوحيدة. حين يخلّصنا يسوع من الخوف، يجعل منّا أناساً أحراراً.
وفي النهاية، تعرّف التلاميذ إلى يسوع: "انت ابن الله حقاً". إن لسَيرْه على المياه من الهالة والعظمة ما جعلهم يسجدون له. إنه يسيطر على العناصر بهدوئه الذي هو ثمرة صلاته وعلاقته الحميمة بالآب. في الحقيقة، إن الإيمان يُولَد من الصلاة. كما من ينبوع حي. هذا ما أتاح لبطرس أن يختبر القائم من الموت. فيسوع تراءى، أول ما ترءى، لبطرس (لو 24: 34؛ 1 كور 15: 5). ونحن هنا أمام خبرة مسبقة لخبرة القيامة. فالإيمان هو انتصار النعمة على الشكّ. الإيمان هو عطية مجانية تعطى لنا قبل أن نطلبها. فما أسعدنا إن تقبلّناها وجعلناها تثمر أثماراً صالحة لمجده تعالى.
إلى أيّ إيمان احتاج يا ربّ، حتى امسك بيدك؟
هناك إيمان متهامل يقول يسوع هو ابن الله دون أن يعتقد أن هذا يبدّل شيئاً في حياته أو في العالم.
وهناك إيمان لا يتحرّك إلا إذا كانت الأمور على ما يرام.
وهناك إيمان يطلب الخلاص. يخاف الانسان على ايمانه من الشك فيصرخ: "نجّني يا ربّ".
حين يتغلغل الخوف إلى داخلنا، لا نبقى معه، بل نقفز حالاً إلى يسوع لنسمع منه هذه الكلمة التي ردّدها مراراً: "تشجّعوا. أنا هو. لا تخافوا". هذا لا يعني أن كلّ شيء سيتبدّل حالاً كما في عمليّة سحريّة. الإيمان صراع صعب بين مخاوفنا وصرخاتنا الطالبة النجاة (يا ربّ، نجّني). ولكن إن صبرنا، دخلنا في خبرة من الثقة تُفعم قلوبنا فرحاً.
ما إن أتم يسوع آية الخبز المكسور حتى أتمّ آية أخرى: السير على المياه وتهدئة العاصفة. قالت يسوع: "لا تخافوا". فنحن اليوم أبناء الكنيسة (تدلّ عليها السفينة) نشبه التلاميذ ويتداخلنا الشكّ. الأمواج صاخبة وهي تهدّد إيماننا. ولكنّ يسوع يصعد اليوم، كما في البارحة، الى القارب. فلنعلن له إيماننا: "انت ابن الله حقاً".