المرأة الكنعانيّة

 

ما أعظم إيمانَكِ! أنتِ من الأبناء وأفضل الأبناء
حين لا نعود ندري ماذا نعمل، تصبح كلّ الوسائل صالحة. ولكن يسوع لا يريد أن يكون مطبّباً كسائر الناس. وله أسبابه لكي لا يساوم مع الوثنيّين الذين لا يعرفون إله العهد. إذن، هو لا يتحرّك ولا يفعل شيئاً. والتلاميذ طلبوا منه أن يعطيها ما تطلب ويصرفها. وهكذا يرتاحون من صياحها، كما نرتاح من شحاذ مزعج فنعطيه بعض المال وينتهي الأمر عند هذا الحدّ.
ولكن الشفاء لا يعني الجسد وحده. إنّه يعني الإنسان كلّه، يعني الإنسان وإعادته إلى المجتمع. ولكن أي مجتمع؟ كان يسوع قد طلب من التلاميذ أن لا يخرجوا من حدود فلسطين (مت 10: 6). لا نستطيع أن نفعل كلّ شيء. فعلى أرضنا عدد من الناس يعيشون على هامش الحياة. فلنهتمّ بهم! ولكنّنا نخطىء حين نفعل هذا.
قالت يسوع في مت 10: 23: "لن تبلغوا آخر مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان". نحن هنا أمام نصيحة عملّية. وفي مت 28: 19، طلب يسوع من رسله أن "يتلمذوا جميع الأمم". إذن لا حدود للرسالة. ثمّ إن كلمة إسرائيل عند متّى تشير إلى إسرائيل الجديد، شعب الله الجديد.
ولكنّ الكنعانية لا تريد أن تنتظر خاضعة منقادة. لم تقل: هذا أمر طبيعي. هم في بيتهم وأنا من الخارج! وعلى كل حال، ليسوا في بيتهم. هم في نواحي صور وصيدا. وأعادت المرأة طلبتها: "رحماك يا ربّ، كيرياليسن". ولكنّها لم تصل بعد إلى جذور الشرّ. فتحدّاها يسوع وأثارها: "لا يؤخذ خبز البنين فيُلقى إلى صغار الكلاب". كان اليهود يعتبرون الغرباء كلاباً. وكانوا يقولون: جاء الغرباء يأكلون خبزنا. ماذا ستكون ردّة فعل التلاميذ بعد أن توسّلوا إلى المسيح من أجلها؟ هل سيتراجعون؟
يشدّد كلام يسوع على خبز البنين. هل تعتبر الكنعانيّة أنّها ابنة الله؟ فهي التي تقرّر. هل تبقى خارجاً أم تدخل في إسرائيل الجديد، لا شعب الله؟ وحينئذ يكون لها ما للأبناء. جاء جوابها مدهشاً مع ما فيه من تهرّب: ألقًت الطابة في ملعب يسوع فغلبته. وكان جوابها أيضاً جواب إيمان. أقرّت أنّ الله اختار شعباً جعل منه يسوع نقطة انطلاق لرسالته. أجل، الوثنيون (صغار الكلاب) يجمعون الفتات. فأنا أرضى بالفتات. إيمان وتواضع. وهكذا تصّرف يسوع، فألهب الشوق في قلب هذه المرأة وأيقظ إيمانها.
وجب أن يكون لهذه المرأة إيمان يُفهمها أنّ اختيار الله مجّانّي. لا اعتباط ولا عنصرية، بل نعمة من أجل العالم. هذا هو منطق كل حبّ، ومبدأ كل شفاء جدير بهذا الاسم. غير أنّ المجّانيّة لا تمنع المبادرة. نادت المرأة يسوع . ألحَّت واستعملت وسائل ضغط . فرضت نفسها. هذه هي النعمة بالنسبة إلينا. أن نعرف أنّ الآخر يستحقّ ما نستحقّ أمام الله. الإنفتاح على الوثنيّين هو انفتاح وتحدّ. إنّه واقع وضرورة. إنّه خيار الله والسانحة المعطاة لنا.
بدأ يسوع فقال: "لا يعطى للكلاب". ثمٌ: "ليكن لك ما تريدني". نجد في هذا التبدّل في الموقف درسين. أوّلاً، لا نُبعدَ أحداً عن الملكوت. في الظاهر، يبدو يسوع وكأنّه يناقض نفسه بنفسه.
هناك اليهود الذين اختارهم الله. واليوم، هناك المسيحيون (اختارنا من قبل إنشاء العالم). فالاختيار يتضمّن امتيازاً ولكنّه يتضمّن أيضاً مسؤولية. غير أنّ ما يحطّم الحواجز بين الشعوب هو الإيمان.
حين اصطدم يسوع بإيمان هذه المرأة الغريبة، عرف أنّها هي أيضاً من الشعب المختار، من جماعة المؤمنين. يسوع يعرف الذين هم له. أمّا نحن فلا نعرف، لهذا لا نحكم على أحد. لا نُبعد أحداً عن الملكوت.
الدرس الثاني يعود بنا إلى إيماننا. قد يعجب بنا يسوع، أو قد يوبّخنا: جيل كافر، يا قليل الإيمان، ما أبطأكما عن الإيمان... كل هذا يجب أن ينبّهنا ويحذّرنا. كلّ شيء يتعلّق بإيماننا. فلإيماننا سلطان على يسوع لا حدود له: "ليكن لك ما تريدين وكما تريدين". 
حين أفكّر بالقدرة التي بين أيدينا بالإيمان، أتذكّر عب 11: 30: "بالإيمان سقطت أسوار أريحا". لا جدران عالية تقف بوجه إيماننا. وتتردّد أيضاً كلمات الله لجدعون: "أنا أكون معك فتغلب المديانيين". وقال يسوع: "ترمون جبالكم في البحر".
وبدل أن نتمسّك بالإيمان، نبحث عن دعامات مزعزعة. أو يخامرنا الشكّ، أو نحارب وحدنا... أين إيماننا الذي يزيل الحواجز؟
إعتزل يسوع في منطقة وثنية، في نواحي صور وصيدا. فالتقى بامرأة يتفجّر فيها الإيمان. يضع الناس الحواجز والحدود، أمّا الله فنظرته واحدة إلى كل إنسان وهو يرغب في خلاص جميع البشر. فعلينا أن نبني شعباً لا يبقى أحد خارجاً عنه.