بطرس يشهد ليسوع

 

 

من أنا في رأي الناس؟ وفي رأيكم؟ أنت المسيح ابن الله.
لو لم يكن لنا إنجيل متى، لما عرفنا كيف ولّى يسوع السلطان لبطرس. لا شكّ في أنّ الإنجيليين كلّهم يتّفقون على التشديد على دور بطرس الأوّل في الكنيسة (لو 22: 32؛ يو 21). ويُبرزون ضعف الرسول ليدلّوا على مجّانيّة الدعوة. غير أنّ شخصية بطرس الخارقة قد ساعدت على اختياره. هو قائد في طبعه. وهو هنا يتحدّث باسم مجموعة تقول قوله. فدور بطرس كموفد أهمّ من إيمانه الشخصي. سنفهم فيما بعد أنه لم يقدّر بُعد كلماته كلّ قدرها. فهناك التباس في اعترافه الإيماني. لهذا أمره يسوع بالصمت، أمر تلاميذه "بأن لا يخبروا أحداً بأنّه المسيح".
قال بطرس كلمة لا تأتي منه. فالإيمان ليس ثمرة براهين أو ممارسة. إنّه ثمرة وحي. نحن هنا أمام كلمة لم تُولَد من لحم ودم (يو 1: 13). وسمّى بطرس ابن يونا (أو: يونان)، لأنه أجبر على الذهاب إلى حيث لا يريد. أما في يو 21: 15 فسمّي ابن يوحنا (المعمدان) الذي كان السابق قبله. فبطرس هو كافل التواصل بين يسوع كما عاش على الأرض، والجماعة أي "الكنيسة" التي أمّن يسوع استمراريتها حتى قبل قيامته. صار بطرس وكيلاً على هذا البيت، فكان له سلطان شرعي لا ينفصل عن سلطان الإثنَي عشر (مت 18: 18).
نُسب موضوع المفاتيح إلى المسيح في سفر الرؤيا (1: 18؛ 3: 7). فهو يلعب دور الحكم في الصراعات التي يتواجه فيها المؤمنون. وسلطان الحلّ والربط يعني مجمل العلاقات الكنسيّة ولا سيّما الغفران (مت 9: 8؛ يو 20: 23). ونكتشف في كلمات يسوع الحروب الداخلّية والخارجيّة التي ستعرفها الكنيسة على مدّ تاريخها. ويستطيع بطرس، رغم فقره أن يستند إلى نعمة الله وقدرته ليقوم بمهمّة تجميع المؤمنين في حظيرة واحدة.
ونعود الآن إلى نقطة الانطلاق، إلى اهتمام يسوع بما يقول الناس عنه، إلى اهتمامه بأن يحوّل آراءهم إلى اعتقاد ويقين. ما يهمّ يسوع هو المكانة التي يحتلّها في قلوب التلاميذ. لقد نقل الجواب من المستوى العام إلى المستوى الشخصي. الناس يقولون، ولكن أنتم ماذا تقولون؟
جاء جواب بطرس صحيحاً فصار نبيّاً مثل يونان. أمّا يسوع فليس نبيّاً وحسب. إنه أعظم من نبيّ. إنّه المسيح. أمّا كلمة بطرس فتجاوزت تفكيره. لم يكن يظنّ أنّ لكلماته كلّ هذا المعنى. كان يودّ أن يقول أقلَّ مما قال. ولكن بما أنّ سلطان المفاتيح (الحلّ والربط) يفترض الكمال الذي لا نقص فيه، وبما أنّ أمانة الله هي مفتاح يدخلنا في التاريخ، فالكنيسة تستطيع أن تعتمد على صلابة إنسان بسبب إيمانه بالله، تعتمد على بطرس الذي يقوم بمهمّة رئيسيّة في هذه الكنيسة.
عليك يا بطرس أبني كنيستي. أيّة كنيسة؟ كنيسة يسوع.
ماذا أراد يسوع، ماذا ينتظر منا اليوم؟ يريدنا أن نبني شرط المحافظة على الإيمان به والوحدة بيننا.
أعلن بطرس إيمانه: "أنت المسيح إبن الله الحيّ". فقال يسوع: "عليك أبني". لقد كتب الإنجيلي ما كتب على ضوء القيامة، فكان كلامه حقيقة صلبة عليها يُبنى بناء لا يتزعزع كان تنوّعت موادّه.
شيّد البشُر أبنية. ولكن بناء واحداً يتحدّى الأعاصير هو الكنيسة. لماذا؟ لأنّها عمل ابن الله. فيها يقيم وفيها يعمل بروحه. حين نؤمن بهذا، نستطيع أن ندرس تاريخ الكنيسة البشريّ، ونتجادل حول الذين يكوّنونها ويحكمونها. ولكن يجب أن نقول: يسوع هو هنا، والمشروع مشروعه.
ويحتاج يسوع إلى بنّائين يطلب منهم أن يحفظوا روحه ويطلبوا الوحدة. فحين ندمّر الوحدة في مكان من الأمكنة أو بين الأشخاص، فنحن نخون المسيح.
ما هو الحجر الذي نضعه في بناء كنيستنا؟
من أنا بالنسبة إليكم؟ سؤال حاسم ينهي القسم الأوّل من إنجيل متّى. سؤال ما زال يُطرَحُ على كل واحد منّا ويطلب منا جواباً داخل الكنيسة التي هي جماعة. طرح يسوع سؤالاً ولا جواب على هذا السؤال إلاّ جواب المسيح نفسه: أنا هو الإبن الوحيد. جئت لأكشف للعالم حبّ الآب.
فهلاّ دخلنا في مشروع الحبّ هذا؟