الإنباء الأوّل باللآلام

 

من يربح حياته يخسرها، ومن يخسرها يجدها.
التلاميذ هم الذين يمشون وراء معلّمهم. يتعلّمون منه ويقاسمونه حياته. ولكنّهم أُرسلوا في رسالة ليسبقوا يسوع ويهيّئوا له الطريق. هذا يفترض أنّهم يعرفون إلى أين يذهبون وعمّا سيتكلّمون. وإلاّ تحدّثوا عن شخص آخر وأضلّوا انتظار الناس. وإلاّ كان الرسول حاجزاً في الطريق يسدّها ولا يفتحها. هذا ما حصل لبطرس. إنّه "شيطان" أيّ معارض يقف في عرض الطريق ويمنع الناس من المرور. إذن لا بدّ له من أن يتعلّم التواضع ويعود إلى موقفه كتلميذ يحتاج أن يتعلّم الكثير من معلّمه، لا أن يعطيه درساً. دوره هو أن يتعلّم من يسوع، أن يتبع يسوع، لا أن يسبق يسوع.
إنطلق بطرس انطلاقة حلوة. تجاوز ما يقوله الناس. بالنسبة إليه، ليس يسوع نبيّاً وحسب، إنّه المسيح. نحن هنا أمام خطوة جبّارة. ولكنّه يعود الآن إلى أفكار البشر. ترد كلمة "البشر" أو "الناس" مرّتين في هذا المقطع (آ 13، 23). المهمّ هنا ليس نظرتنا إلى المسيح بل نظرتنا إلى الإنسان. ما هو مشروع الله على الإنسان؟ ما معنى "ربح حياته، خلّص حياته"؟ بالشغل والعمل. ولكنّنا نستطيع أن نطوف العالم كلّه "للتجارة" فنخسر حياتنا بطموح يخلو من التفكير. خُسران الحياة لا يعني الموت دوماً. قد يكون عبوراً بجانب ما هو أساسيّ وجوهريّ.
جُعل بطرس الآن رئيس الكنيسة. وقد يحمل نفسه على محمل الجد، فيحسب نفسه أنّه صار من طينة غير طينة الباقين. وهو يعرف أن نصائحه ليسوع تعنيه هو أيضاً. ونجد في يو 13 كيف أنّ نظرته إلى الرئيس تعود إلى شخصه (عليه أن يغسل أقدام التلاميذ). فإن كان المسيح شخصاً مجيداً ظافراً لا شيء يعانده، فسيكون بطرس خلفه في الطريق عينها. فالتلميذ هو مثل معلّمه (مت 10: 24). إذن، رأى بطرس أنّ على المسيح أن يكون عظيماً. وإنّ النظرات المسيحانيّة في عصره لم تكن تساعده لكي يرى الأمور بوضوح. هو يريد مسيحاً على قياسه. ولكنّ المسيح هو إبن الإنسان كما في دا 7: 13. إنّه صورة بشريّة ارتفعت في المجد بعد أن عرفت الإنحدار.
ماذا يقول يسوع في هذا المجال؟ نخسر نفوسنا لكي نجدها. حين نزهد في نفوسنا أو ننكر ذواتنا، نحن لا نتخلّى عن شخصيّتنا ولا نتنكّر لأفكارنا السابقة، إلاّ إذا كانت موضع شكّ. بل يعني أن نحمل صليبنا. وهذا الصليب هو صليب البشر، وبعضنا يجعل الآخرين يحملونه وهم لا يحملونه. ليس من حياة جديرة بهذا الاسم من دون فشل نتقبّله وحياة نقدّمها. فالتضامن البشريّ يتطلّب هذا الحدّ. ولكن لماذا لم يسمع بطرس كلام يسوع حتى النهاية؟ في النهاية هناك القيامة. ولكنّنا لا نربح القيامة. إنّها ثمرة هذا العطاء وهذه التضحية المطلوبة منّا.
"على إبن الإنسان أن يتألمّ". لماذا؟ أجاب يسوع: أترك أفكار البشر وادخل في نظرة الله. لا نشوّه نظرة الله. نتّخذها كما هي. نحياها كما هي وإن لم نفهمها كلّها. هذه طرق اختبرناها: لم يندم أحد بأنّه تبع يسوع. قبل الإنطلاق نتردّد ونتساءل: إلى أين، ولماذا أنا وليس غيري؟ ولكن حين تبدأ المسيرة لا نريد أن نتوقّف، لا نريد أن ننظر إلى الوراء.
قال متّى: أظهر لهم يسوع أنّ عليه أن يتألّم. ماذا أظهر؟ صعوبات يسوع وصعوباتنا. ولن نفهم أبداً كامل الفهم موته وآلامنا. هو يعلن ولا يفسّر، ولكن قراره يدلّ على أنّه يعرف الطريق الصحيح. قال: عليه أن يتألّم فألقى نوراً عظيماً على الألم.
إن كان يسوع قَبِلَ أن يتألّم وطلب منّا أن نقبل بالألم، فلأنّ الألم هو ضرورة له ولنا (وسّع يسوع إنباءات الآلام فوصلت إلينا). ولكن هذه الضرورة ليس كلّها سلبية. يبقى أن نعرف كيف تكون إيجابيّة وتحمل معها الفداء.
وهنا أيضاً تبقى نظرة الله إلهيّة. نحن نعرف أنّ آلامنا تخلّصنا، ولكنّنا لا نعرف كيف. نعرف أن آلامنا هي خلاصيّة إن غطست في آلامه. هذا هو الضوء العظيم الذي يساعدنا على تحمّل آلامنا. والضوء الثاني: يسوع سيقوم. لم يسمع بطرس هذا الكلام ولم يفهمه. فلم يكن له أن يفهمه في ذلك الوقت.
ونحن، هل نؤمن بالقيامة؟ هل نؤمن أنّنا سنقوم؟ حين نتبع يسوع إلى النهاية، فنحن لا نتبعه إلى الموت فقط، بل إلى المجد.