المغفرة في قلب العالم

 

الله يغفر لنا إن نحن غفرنا لاخوتنا.
المغفرة والعنف يتلاقيان. إنهما سلسلة متشابكة. في الماضي انتقلنا من قايين إلى لامك، من 7 مرات إلى 77 مرة (تك 4). من خدشك فاقتله! وفي مجال الرحمة، لا سبيَل إلى دفتر حساب! ولن يقول لنا أحد إلى أين سنصل. لا نستطيع أن نغلب الشرّ إلا بالخير. 
وتقدّم بطرس كعادته وسأل. ولكن سؤاله لا يدّل على انفتاح واتّساع. هو يغفر 7 مرات. لا بأس. ولكن بعض الناس يعملون مثله. أما يسوع فلا يضع حدوداً. إنه يطلب كل شيء. القاعدة هي المغالاة والافراط. ونحن نفهمها فهماً أفضل حين نرى العبد القاسي القلب. راقبه رفاقه فحزنوا. ونحن نفهمهم.
يواجهنا كل يوم مشهد الانسان الذي هو ذئب للانسان. مرة واحدة شاهدنا انساناً يعرف قلبه الرحمة. انه السيد في هذا المثل. طلبوا منه فراح أبعد من طلبهم. طلبوا منه أن يصبر عليهم، أما هو فعفاهم لا من قسم من الدين، بل من الدين كله. أما عند العبد، فلا عفو ولا مهلة. 
إن هذا الخبر الذي رواه يسوع يدلّ في بساطته على تعقيد قلب الانسان. يقول بعض الناس: لا أستطيع أن أغفر وخاصة في الأمور التافهة. أما في الأمور الكبيرة، فالانسان يستطيع أن يتغلّب على نفسه. كلا، فالحياة تكشف لنا صعوبة المغفرة واتساعها ولا محدوديتها وطابعها الإلهي. تعود المبادرة إلى الله في كل غفران. وأمامه نحن كلّنا مديونون ولا أحد يفي دينه. نحن مدينون له بكلّ شيء حتى بحياتنا، ولولاه لكنّا في عداد الموتى.
يكشف هذا المثل رحمة الله التي لا تُدرك، واحشاءه التي تتحرّك كأحشاء أم. في أحشاء الرب حياتنا وفي قلبه استمراريتنا. ونحن أين هو قلبنا؟ كل مرة نغفر يُعطى لنا قلب جديد ومجدَّد. في المغفرة يُزرَعُ قلبٌ مكان قلبنا، وهذا القلب هو قلب الله. وقلب الذي يطلب المغفرة يحتاج أيضاً إلى المغفرة كما إلى الخبز ليحسّ أنه موجود.
قد نتخيّل سيّداً سخيّاً يجعله سخاؤه يغفر مرة ثانية في نهاية الخبر. ولكن وجب قبل ذلك أن يعيش العبد الذي غُفر له، هذا الغفران في خبرته الحميمة والشخصية والاجتماعية. لا يرتبط غفران الله بغفراننا، ولكن يجب أن يتجسّد في غفراننا. وفاعلية غفراننا المتكرّر يجعل رحمة الله حقيقة منظورة.
وهكذا نكتشف هنا دور الصلاة الذي يجعل الغفران حاضراً أمامنا. ونكتشف أيضاً، ويا للأسف، نظرة احتقار تخفي حضور الله عن الفقير. إن العبد القاسي القلب صلّى ولكنّه احتقر اخاه، فألغى احتقارُه صلاتَه. أجل لم يجد الغفرانُ عند هذا العبد قلباً يستريح فيه.
سبعون مرة سبع مرات. هذا يعني أن الآخر يعيد الكرة ويخطىء. كيف احتمل هذا؟ إن لم أنظر إلى الشخص الذي لا أستطيع أن أغفر له مرة ثانية، أكون كمن يصطدم بجدار. ولكن ان نظرت إلى الله وصلّيت على مهل: اغفر لي كما غفرت لأني أريد أن أكون ابنك حقاً، حينئذٍ تتبدّل الأمور.
هذا هو منطق المسيحية: الغفران واقع إلهي. إذا أردتُ أن أكون من نسل الله، عليّ أن أغفر مرة، مرتين... سبعاً وسبعين مرة، أي عدداً من المرات لا حدود له. قد يرتفع جدار الخطيئة، ولكن غفران الله يبقى أعلى منه.
الغفران لا يعني أنني أتغاضى عن الشرّ الذي يسحق الضعفاء. أنا لا أغفر على حساب الآخرين. ولكن حين كون أنا المعني، هنا لن أحسب المغفرة عملاً نادراً بل اتجاهاً مستمراً نحو الحب. هذا جميل، ولكنه مستحيل! لا شكّ في ذلك، اذا ظللنا على مستوى الحماس العاطفي! ولكن اذا تساءلنا: كيف أعمل؟ تبدأ مسيرة الغفران التي تحملنا إلى قلب الله.
الرحمة، الرحمة تجاه الأخ الذي ضلّ الطريق. والرحمة تجاه الأخ الذي اخطأ وجرح شعورنا... نغفر ولا نتعب من الغفران... نغفر 70 مرة سبعِ مرات، ونترك جانباً ردة الفعل العادية والجارية التي تقول بأن نعامل الآخرين كما يعاملوننا: ضربة بضربة، سن بسن، عين بعين!! وأقول: يصعب عليّ أغفر. لو تذكّرت المرات العديدة التي فيها غفر الله لي، هل أستصعب بعد ذلك أن اغفر للآخرين؟