مثل العملة وأجرتهم

 

اذهبوا أنتم أيضاً إلى كرمي.
كل شيء بدأ بسؤال الشاب الغني: "ماذا أعمل من الصلاح" (19: 16)؟ وكل شيء ينتهي بجواب لا استئناف فيه: "لأني أنا صالح". الصلاح ليس شيئاً. إنه شخص. الله هو الصلاح شخصياً. 
يُروى هذا المثل الذي نتأملّ فيه اليوم ليبرهن أن صلاح الله يظهر بصورة ملموسة في ممارسة الناس لأعمالهم في هذا العالم. فتصرف ربّ البيت هو عظيم في كل الأحوال ويكاد يتعدّى الواقع اليومي. لقد جمع من ساحة البلد كل الذين وجدهم. يحتاج اليهم كلّهم مهما كانوا وفي أية ساعة وصلوا، حتى ولو عملوا فقط ساعة في النهار. لا نجد في تصرّف هذا الرجل ما يوافق مقولاتنا العادية. وهو يعطي الأجر عينه للجميع مبتدئاً من الآخرين. وستأتي ردّات الفعل عنيفة. كلهم انذهلوا.
في نظام "أعطيك فتعطيني" يُسّمى تصرّف رب البيت جنوناً خفيفاً. ومع ذلك، فقد احترم العقد بالنسبة إلى الأجرة. إذن، هو يستطيع أن يتكلّم بثقة هادئة تنزع كل سلاح من يد العمال. ولكننا نتساءل: هل يستطيع السيّد ان يفعل كل ما يشاء؟ ما هذه الحرية القريبة من الفوضى والفلتان؟
ولكن المعلّم يتصرف هنا بحرية ليَخدم لا ليُخدم، وهذا ما يبرّر مبادرته الغريبة. ما يهمّه هو أن يُظهر صلاح الله بكل عظمته. في 19: 30 "كثير" من الآخرين صاروا أوّلين. وفي 20: 16: كل الآخرين صاروا أوّلين. هذا ما يستطيعه الحبّ الذي لا يعرف إلا قاعدة واحدة هي الشواذ.
نحن على اتّصال مع عمّال عصر يسوع وهم في وضع غير ثابت. إنهم اكثر من مناسبة للتكلّم عن الله. فالمسيح يصغي الى هؤلاء الرجال الذين يتسوّلون في ساحة البلد الخبز والكرامة. هم ينتظرون ساعات ولا ينالون شيئاً. لا شكّ في أن الذين عملوا قد حملوا ثقل النهار وحرّه والآخرون أيضاً.
هذه الاعتبارات تبلبل نظرتنا إلى العمل والأجر. فلكل انسان مكانه في الملكوت، في الكنيسة. وحين يملك الله فالظلمِ لن يعود ملكاً. والله يملك بأكمل صورة حين نرى في الناس اشخاصاً لهم كرامتهم. كلهم مدعوّون إلى كرم الله. وهذا ما يجب أن يفهمه الفقراء أنفسهم الذين يقاتلون من أجل حصة أفضل. الله ليس بعادل. الله هو صالح وحنَّان. هذه هي طبيعته.
الإنجيل هو حوار بين الله والبشر. والجدال بين موفد العمَّال وسيّد الكرم يقابل الجدال بين يسوع والشاب الغني. فالمسيح ينقلنا من الواجب الادبي إى مدرسة الصلاح (وحنان الله) في حياتنا اليومية. الحياة لنا هي المسيح. وحياة البشر تهم الله إلى أقصى حدّ. لحياة البشر مكانتها في نظر الله. فلو تبع الشاب المسيح لتبدّلت حياته. لكل واحد مكانته أمام الله وعليه أن يجدها. حينئذ تصبح حياتنا موضعَ حضوره. فالذي هو صالح هو فريد كما أن الله فريد. إنه الاله الواحد ولا إله سواه. 
يكشف لنا هذا المثل حقيقتين. الاولى: الله هو صالح (وحنون). الثانية: نحن نحسد بعضنا. وما دمنا نحسد بعضنا، لن نستطيع أن نفهم إلى أين يصل صلاح الله.
أجاب السيّد الرجلَ المعارض: اتنظر بعين شريرة لأني أنا صالح؟ العين، النظر هو القلب. وما لم يدخل فيه الحب، فسيبقى نظرنا نظر حسد. انت معك هذا الشيء، وأنا فلا. هذه ردة فعل الأولاد. ولكننا نبقى اولاداً ولا نصل إلى ردّة فعل الحب: أن نفرح بما يملكه الآخر وإن كان أفضل مما نملك نحن.
وبالنسبة إلى الفريسيين. لم يتحملّوا طريقة يسوع في تقبّل الخطأة: لا نحبّ إلا الذين يحبهّم الله! لا شكّ. ولكن من هو الذي يُحبّه الله وكيف يحبه؟ لقد جاء يسوع إلى العالم ليعطينا الجواب عن ذلك. ولكن جوابه كان من القوة بحيث اصطدم بعدم الفهم ثم بالبغض والعداوة. فلنحذر، ولا نحسب أن هذا خبر قديم. حين نفتح الإنجيل يوماً فنحن نبحث عمن هو الله. ولكن حين يقوله لنا يسوع ويبيّنه لنا نظن: لا يستطيع الله أن يحبّ هؤلاء الناس. ومرات أخرى نقول: لا يمكن الله أن يحبّني أنا. ومرة ثالثة: لو كان الله كذلك لما سمح...
كان عنوان أحد الافلام: ذراعك أقصر من ان تقاتل الله. هذا يحذّرنا من مهاجمة الله باكتفاء ذاتي. يحق لنا أن نطرح الاسئلة ولكن بخفر وفي الحب، بل مع الحب. فاذا أردنا أن نتحاور مع الله ونطرح اسئلتنا ونقدّم اعتراضاتنا، يجب أن نقيم في الحب وإلا لم نعلم مع من نجادل. قال يوحنا: "الذي لا يحبّ لا يقدر أن يعرف الله لأن الله محبة" (1 يو 4: 8).
بدون محبة اخوية بدون تضامن عميق وشامل (انت انسان، إذن أنت أخي) لا نستطيع أن نقبل ما يبدو لنا غريباً عند الله، فنسمّي تصرفاته ظلماً وبعداً عن العدالة. "عملوا ساعة واحدة وتُعاملهم كما تُعاملنا". لو استطعنا أن نتقبّل جواب يسوع! أَحِبَّ فتفهم الله وتتقدّم في حب يذهلك.
قال يسوع للذين يسمعونه: لستَ من ملكوت الله اذا كنت لا تقبل أن الله يختلف عنك، وانك لا تستطيع أن تقيس محبته بقياس البشر. الآخرون هم الأولون. هذا القول هو آخر ما قاله يسوع قبل انطلاقه إلى اورشليم حيث ينتظره الموت.
ونحن كيف نتعامل مع محبة الله مهما بدت غريبة؟