مثل الابنين

 

 

بين القول والعمل: اذهب اليوم وأعمل
نستطيع أن نطرح على نفوسنا أسئلة علمية حول نفسية هذين الابنين العميقة. أما ما يهمّ يسوع فهو أن الانسان يستطيع أن يغيرّ رأيه، أن يتوب. ما نعتمد عليه ليس الكلمات الحلوة ولا الاعلانات المبنيّة على نوايا حسنة فقط، بل الأعمال. العالم مليء باصحاب الكلام المعسول. والابن الذي قال في البدء "كلا" عاد إلى نفسه وبدّل موقفه. المهم هو النتيجة: "ليس من يقول لي يا رب يا رب" (7: 21). لا شكّ في أننا قد نعارض بين الأقوال والأعمال. ولكن هناك كلمات فاعلة وصادقة. فالذي يندّد به يسوع هو الكلام بدون نتيجة (12: 36). كما ان هناك أقوالاً قيلت بسرعة ولكنها لا تصل بنا إلى نتيجة.
لهذا يُبرز النصُّ التبدّلَ الايجابي لا التعارض بين القول والعمل. فالعشّارون والزناة لا يلقون الخطب الكبيرة لكي يبرّروا نفوسهم. هم يتصرَّفون في خفر، غير أن بعضهم بدّل حياته حين سمع كلمة يوحنا المعمدان أو يسوع. هذا ما حدث لمتّى نفسه (9: 9). قال يسوع: يسبقونكم إلى الملكوت. هذا مذهل. فكأنه يقول: يدخلون وحدهم. والآخرون لا يدخلون إلا إذا... انهم محظوظون هؤلاء العشارون لأنهم التقوا في طريقهم بيسوع صاحب الكلمة القاطعة. هو لم ينتقدهم ولم يصفّق لهم. وجّه كلامه إليهم، إحترمَهم، أكرمهم، لأنهم هم أيضاً أبناء ابراهيم.
العشارون يجمعون الضرائب لأن هذه مهنتهم. والزناة هن عبدات أُجبرن على مثل هذا العمل. هؤلاء وأولئك هم أهل لمحبة الله وحنانه. كلمته تعيدهم إلى الوجود، إلى ذواتهم، وتدعوهم إلى تبديل حياتهم. أما الكهنة والشيوخ الذين تسلّموا رسمياً كلمة التوراة، فليس لهم هذه القوّة التي تحرّك السامعين. بل إنهم يعتبرون نفوسهم أبراراً بحيث لا يرون أين يبدّلون حياتهم. وهكذا تكون عبرة هذا المثل: لا تُقِمْ في الرفض، بل تقبّل ما يصل إليك من كلام الله. إستعد لأن تسير إلى الأمام وتتطوّر. ابدأ اليوم ولا تقل: أنا تأخرت.
قد يحصل لكل واحد منّا أن يتعب ويملّ. قد يحصل لنا ان نتهامل ونجرجر. لا نحكم على أحد. وقد يحصل لكل واحد منا أن يتكلم كلاماً بناءً، وأن يتصرف حسناً بعد فترة من التردّد. هذا ما يجب أن يدفعنا إلى الفرح.
إن مثَل الابنين (خاص بمتّى) يذكّرنا بمثل ابنين آخرين (خاص بلوقا). واحد قال: كلا، ثم عاد. فكانت عودته عيداً. المهمّ أن لا نبقى خارجاً من أجل حياة البشر وتقدّم الملكوت. فالابن الآخر كان بدون قلب رغم كلماته المعسولة.
"العشّارون والزناة يسبقونكم إلى ملكوت الله". كان العشّارون يتلاعبون بالضرائب ويتعاملون مع المحتلّ الروماني. وزبائن الزناة كانوا هؤلاء الجنود الغرباء الذين يبغضهم الجميع. إذن، العشّارون والخطأة هم سفالة الشعب.
قال يسوع كلمته هذه في هيكل اورشليم فسمعه الكهنة والشيوخ والوجهاء المحترمون، يا للعار! هل نحن مستعدون أن نسمعه اليوم، وما معنى كلماته بالنسبة إلينا؟
إن يسوع يندّد برياء الوجهاء في عصره، وهم يحسبون نفوسهم أبراراً. وقد وجد عند رجال ونساء محتقَرين الرغبة في تبدّل جذري، وهذا ما أتاح لهم أن يتقّبلوا كلمته ويبدأوا حياتهم من جديد.
إنتزع يسوعُ متّى من مكتب الجباية. وغفر للزانية قائلاً: لا تعودي إلى الخطيئة. ودلّ مريم المجدلية على طريق التجرّد الذي قادها إلى الصليب.
كانت نظرة يسوع تصل إلى أعماق القلوب. وقد وجدت في "أحطّ" الاشخاص (حسب البشر) جمرة مشتعلة تحت الرماد. هي تحتاج إلى نفخة لتصبح ناراً قويّة في الإيمان والحب. نفخ هو في الرماد، دعانا أن نفعل مثله.
حين كتب بولس إلى أهل فيليبي: "ليكن فيكم عواطف يسوع المسيح"، فقد دعاهم ليتشبّهوا بنظر المسيح. وزاد: "إحسبوا الآخرين أفضل منكم".
هذا التواضع هو مستحيل! هذه الكلمات هي صعبة! وترك التلاميذ يسوع. أما نحن فنتجنّب أن نقوم بالمقارنات، نتجنَّب أن ننظر إلى ذواتنا، بل نفتح على الآخرين نظرة تنيرها نعمة الروح القدس.
قال يسوع لأثني عشر: "أتريدون أنتم أيضاً أن تذهبوا"؟ فلنجاوب كما جاوب بطرس: "إلى من نذهب يا رب وعندك كلام الحياة"؟
دخل يسوع إلى أورشليم وأخذ يعلّم في الهيكل. هاجمه الخصوم باسئلتهم، فأجابهم بالأمثال. فمثل الأب والابنين يعلّمنا أن الله لا ييأس أبداً من انسان. وهو يستعد أن يستقبله حين تظهر عنده أقل علامة من علامات التوبة... هذا المثل هو خبر طيب لنا، نحن المتقلّبين الذين نقول اليوم "نعم" للرب ثم نقول له غدأ "كلا". حين نقول لله "كلا"، فهو يصبر وينتظر أن نعود إليه بـ "نعم" كله سخاء.