وليمة الملكوت

 

 

تعالوا، كل. شيء معدّ.
عرس ملك لابنه. كم نتمنّى أن نشارك فيه! ولكن هنا في المثل، ظلّت القاعة فارغة، بحيث يئس الملك من مدعوّيه.
ما هو موضوع المثل؟ رفض الناس أن يأتوا إلى الوليمة بسبب أشغالهم. إنّهم معذورون! هذه الوليمة تدلّنا على سّر الملكوت وعلى متطلّباته. هذا العرس هو عيد نستحقّ أو لا نستحقّ المشاركة فيه. قال الملك: "المدعوّون غير مستحقين". كل شيء معدّ ما عدا المدعوّون. هذه هي المفارقة، هذا ليس طبيعيّاً. الناس أحرار وأنت لا تشتريهم من السوق كما تشتري النبيذ. دُعوا إلى الوليمة، ففضّلوا أن يقولوا: كلاّ.
إذن، على المعلّم أن يخترع شيئاً جديداً. غريب أمر البشر: الذين انتظرناهم تهرّبوا، والذين لم ننتظرهم (في البرنامج) جاؤوا. هذا ما حدث في الكنيسة. كان على اليهود أن يدخلوا بصورة طبيعيّة في مشروع الإنجيل. ولكنّهم لم يدخلوا. واهتمّ بالوليمة آخرون غيرهم لا يعرفون عوائد أهل البيت. هل رأيت الشحاذين يدخلون إلى قصر يجمع أناساً في حفلة ساهرة؟
ويأتي حدث "ثوب العرس". يبدو الأمر ظالماً لأوّل وهلة. ولكنّ متّى يبرهن لقرّائه أنّ الملك متطلّب مع الجدد كما كان مع المدعوّين الأوّلين.
المتطلّبات هي في للجميع، لا سيّما وإنّ الجميع مدعوّون. فالدعوة العامّة تنبّهنا أنّ الصراع ضروريّ ضد الكسل واللامبالاة. المسيح هو ملتقى البشر. فإذا أردنا أن نتجنّب التصادم نتعلّم السلوك الحسن.
نحن هنا أمام مثلين. الأوّل يحدّثنا عن التقاء الأمم والثاني عن ضرورة توافق أوّل. أنت لا تدخل إلى قاعة الملكوت كما لو كنت في قاعة انتظار السفر. أوّلاً، يجب أن تكون مدعوّاً. ثمّ، تضع قلبك واهتمامك بهذه الدعوة. سيكون دوماً أشرار وأخيار. ولكنّ الجديد هو أنّنا لسنا أشراراً لأنّنا من هذا الشعب وأخياراً لأنّنا من هذه الفئة.
نجد في هذا المثل ثلاث فئات من الناس ليست رسالتهم راحة وهناء. لا يتوقّف المثل عند صعوباتهم في حمل الدعوة إلى الوليمة. ولكنّ التلاميذ سيعرفون أنّ عليهم أن يذهبوا إلى الطرق ليجدوا من يسمع لهم. أناس متنوّعون، أناس لا اسم لهم، أناس لامبالون. فعلينا أن نجمع أناساً قريبين من الموت، ونكتشف سعادة المشاركة في الوليمة. وهذه الجُموع تخيفنا مرّة، ومرّة تزعجنا أو تملأ قلوبنا فرحاً. يبقى أنّنا دعاة (نحن ندعو) ومدعوّين (آخر يدعونا) معاً. فالرسالة هي دعوة إلى العمل لوليمة لا نكون فيها فقط أولئك الذين يأكلون ويشربون، بل أولئك الذين يعملون مع المسيح في جمع أبناء الله المشتّتين.
الوليمة أمر مهمّ للإنسان كأهميّة الطعام. وهكذا نحتفل معاً بتوقنا إلى السعادة.
والوحي لا يقدّم لنا السعادة أبداً في فكر مجرّد، بل كوليمة، كحفلة تسري فيها الحياة ولا تتوقّف. والعهد (الميثاق) بين الله وشعبه يصوّر مراراً بشكل عرس وخطبة تجري فيها الخمور أنهاراً.
ويسوع يقدّم نفسه كالعري المنتظر الذي جاء يدشّن أعراس السماء والأرض، ويربط عالم البشر بعالم الله، إنّه العهد الذي صار بشراً. فالله الذي يحبّ خلائقه يتّخذ صورة بشر. يا للبشرى، يا للخبر المفرح! ومع هذا، فالناس لا يتحمّسون.
في هذا المثل يقدّم يسوع سّره ومهمّته داخل تاريخ الخلاص. نداءات متكرّرة من جيل إلى جيل. نداءات المرسَلين من خدم وأنبياء البارحة وغداً. دفعهم الروح فما زالوا يهتفون: تعالوا إلى وليمة الحياة، إلى مأدبة الحبّ. أحبّوا لتحيوا. فالله يهيّىء أعظم شيء من أجل الإنسان. 
في هذا المثل نجد التعارض بين مخطّط الله ودعوته المجانية والملحّة والتي لا تفرض نفسها، وبين رفض الإنسان لهذه الدعوة. ففي كل مرحلة من مراحل حياتي، يدفعني الحب إلى الحب. هنا تظهر هويّتي ومستقبلي. ولكنّي ما زلت أحيا كأنيّ ميتٌ، ما زلت أخنق في ذاتي نداءات الروح مالئاً أيامي باهتمامات واهتما مات: بقري، حقلي، حسابي في المصرف... 
ويتعدّى نداء الله كلّ الحدود الاجتماعية والدينية. كلّهم مدعوون إلى أعراس الحب، كل الذين على ملتقى الديانات والحضارات، كل الأشرار والأخيار. هذا هو معنى مهمّة المسيحي. ولا يكفي أن تكون اسماؤنا مكتوبة في سجل الكنيسة لكي نشارك في وليمة الحياة مع الله. كل واحد منّا مدعوّ إلى الجواب شخصياً على الدعوة المجانية، على نعمة الله، مدعوّ لينفَتح على الحب، على كلمة الله، على نداءات ضميره. نحن نحيا لكي نحب. هذا هو معنى لباس العرس الضروري لكي نجلس إلى مائدة الله.
مثل آخر عن الملكوت. هو يذكّرنا نحن المسيحيين أن الديانة المسيحية ليست محصورة بنخبة محدّدة. فكلّنا، مهما كنا، مدعوون إلى وليمة الرب الكبرى. الله بنفسه يدعونا. ولكن شرط أن نلبس المسيح، أن نترك المسيح يغمرنا بحبّه. الله يعطي نعمته مجاناً للجميع. فالويل لمن يهزأ بها!