أداء الجزية

 

أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله
إن طريق الله الحقيقي. يمرّ عبر أناس حقيقيين. وفي هذا، فالفريسيون هم على حق. ولكن رياءهم يحكم عليهم. ليس لهم إلا هدف واحد: أن يجعلوا يسوع يتكلّم. إذن، فتحُ الفم للكلام عمليةٌ خطيرة. هم ينتظرون من يسوع كلمة صريحة واضحة وشفّافة. وظنوا: إن قال الحقيقة فسيكون ذلك لهلاكه.
هل قالت يسوع نعم أم لا، إنه يحب أن ندفع الجزية لقيصر؟ لتكن الامور واضحة. يظن معظم الناس أن جواب يسوع كان "نعم"، وهم يستندون إلى هذا الحدث عندما يطالبون المسيحيين بالصدق غير المشروط تجاه الدولة. "أعطوا ما لقيصر لقيصر". صارت العبارة في وضوحها مثلاً مأثوراً.
ولكن جواب يسوع ملتبس، وقد قصد الالتباس. وإلا، لو كان واضحاً لكان فرح الفريسيون ولكانوا حكموا على يسوع. ولكنهم تحيرّوا. ما يشدّد عليه يسوع هو الدرفة الثانية من الجواب: أعطوا ما لله لله. إذا كان المهمّ أن نعطي الله ما يحقّ له، فليَعُد كل واحد إلى إيمانه.
تفحّص يسوع الدينار فدلّ على الصورة والكتابة. أجل هذا التمثّل لا يوافق مبادىء شعبه الذي يرفض الصور. ويرفض يسوع مبدأياً صورة امبراطور جعل نفسه إلهاً وحاولت أن يجعل رايته في الهيكل. إن يسوع لا يساوم. ولكنه مع ذلك ليس من الغيورين. فقد ندَّد بأعمالهم العنيفة كما دلّ على احترامه لكل انسان حتى ولو كان غريباً. ولكنّه يهتم بتسامي الله، ولهذا جعل شعاره "الله وحده" (مت 4: 10). لم يجادل في مبدأ رفض الصور، لأن صورة الله الوحيدة هي الانسان بلحمه ودمه.
إذن نقول إن يسوع (حسب هذا النص) يترك للناس حرية خيارهم السياسي، مع العلم أن إكرام الله له الأولوية على كل شيء. ثم إنه يرفض الإفراط في التبسيط: ما هو ممنوع، ما هو مسموح. نعم أم لا؟ إنه لا يريد أن يفرض على ضمير الناس جواباً سلطوياً. هناك شيء أكيد. إذا كان يجب علينا أن نعطي لله ما يعود لله، فيجب علينا أن نعطي للناس ما يعود للناس محافظين على ما يؤول لخلاصهم.
كما أن كورش استطاع أن يجد الله (أش 45: 1)، وكما أن الوثنيّين اكتشفوا الله، كذلك تمرّ طرق الله والرسالة عبر أناس حقيقيين. ولكن يبقى أن الله وحده يستطيع أن يملأ انتظار الناس العظيم، أن يشبع جوعهم إلى الحق وإلى خبز الكلمة.
هذا المقطع هو إنجيل الفصل بين الله وقيصر، بين السياسة والدين. إتخذ الاساقفة موقفاً فسمعوا من يقول لهم: إهتموا بأموركم واتركوا لنا أمورنا. فكأن يسوع قسم مجالات العمل. هنا الله وهناك قيصر. ولكن يسوع لا يحدّد شيئاً. فحين نعطي ما لنا لله فإننا نعطيه كل شيء. نسلّمه حياتنا كلها مع التزاماتنا الشخصية والسياسية أيضاً.
وإذا كنا لا نحبّ أن نلتزم في هذا المجال، فلنسمع يسوع يقول لنا: أعطوا ما لقيصر. فداخل ما نعطيه لله هناك التزاماتنا المسيحية والدينية تجاه قيصر، أي تجاه المسؤولين عن حياة الجماعة.
وخدمة الله المركّزة على الوصيّة العظمى، وصيّة المحبّة الاخويّة، تدفعنا إلى خدمة قيصر حين يكون قيصر في خدمة جماعة يؤمّن لها السعادة، وتدفعنا الى معارضته حين يقود الى شقاء شعبه ولا سيما الضعفاء والفقراء. هذا في السياسة. وكلنا يعمل في السياسة، وحتى حين نحتقرها. ولكن شرّ الأمور هو أن نترك الأمور تسير على هواها. هو أن لا نعمل شيئاً حين يجب أن نعمل.
نعمل في السياسة حين نهتم بالشرائع والقوانين. نعمل في السياسة حين نلقي الكلام جزافاً فنزيد الانقسامات بين الناس والخوف في القلوب. نحن ننتقد الآخر بدون استئناف لأنه ليس من حزبنا، ونصفّق لهذا على ما عمل لأننا من حزيه. ليس هذا بالموقف المسيحي.
إن الله لا يحبّ أولاداً كوّنوا ديانة على قياسهم: نحن نصلّي و"لينضرب" العالم. لا، نحن مسؤولون عن العالم، عن عالمنا الخاص، فلا يحق لنا أن نتركه يتألم أو يموت.
جدالان بين يسوع وخصومه الذين يريدون أن يوقعوه. هل ندفع الجزية لقيصر؟ ما هي أعظم الوصايا؟ أجل أعظم الوصايا هي المحبة. وفي السياسة، هل ندفع الجزية؟ إن قلتَ نعم عدّك الشعب متعاملاً مع العدو. وإن قلت لا، شكوناك إلى السلطة كإنسان متحرّر. لم يقع يسوع في الفخ الذي نصبوه له: أعطوا ما لقيصر لقصير وما لله لله. وحين تعطون ما لقيصر لقيصر تعرفون أن تعطوا مالله لله.