رياء الكتبة والفريسيين

 

أب واحد وكلكم اخوة
يبدو ف 23 خطبة طويلة ضد رياء الكتبة والفريسيين. لهجة قاسية، فيسوع صارم ضد الخبثاء والذين يتظاهرون. وقد جمع متّى أقوال يسوع لأن خلاف جماعته مستفحل ضد رسميّي العالم اليهودي الذين أخرجوا المسيحيين من المجامع حوالي سنة 80 . وهذا سيبقى جرحاً دائماً في قلب المسيحيين الذين جاؤوا من العالم اليهودي فظلّوا متعلقين بإيمان الآباء. ولما أعيد تجديد البنى اليهودية بعد سنة 70 في يمنية (قرب يافا)، أُبعد كل الذين اعتُبروا مسؤولين عن الكارثة ومنهم المسيحيون (هذا ما فعله نيرون أيضاً).
ما يلفت نظرنا في هذه المرافعة هو غياب المنطق عند الفريسيين. لا يهاجم يسوع تعليمهم، بل تصرّفهم. فالثمار أهم من الكلمات الحلوة. الفريسيون قساة على الآخرين، لا على نفوسهم، هم دقيقون في تطبيق الشريعة بحيث يسحقون الفقير بفرائض لا يمكن تطبيقها.
أما حمل يسوع فهو خفيف، والمسيحيون يراعون النيّة لا حرف الشريعة. ثم إن يسوع لا يبحث عن السلطة. هذا هو السبب الذي لأجله يوبّخ محاوريه. يحبّون السلطة والتسّلط، هم طموحون ويحبّون أن يراهم الناس. أمّا ما يهمّ يسوع فالخدمة التي هي إحدى ثوابت تعليمه. عندما نبحث عن الرفعة، يجب أن نطلب الخدمة.
لماذا هذا الهجوم؟ لئلا تنغلق أمام البشر أبوابُ الملكوت. لا نستطيع ان نفرض على الوثنيّين المرتدّين أن يخضعوا للعادات اليهوديّة. لا يكفي أن نردّ شخصاً، يجب أن نعرف إلى ماذا نردّه. ما يهمّ يسوع هو "العدل والرحمة والأمانة" (23: 32). هذه معايير تسمو على تعلّق أعمى بحرف الشريعة.
ونلاحظ رفضاً لتسميات "معلّم، أب، مرشد"، يبدو أن المسيحيين لم يتبعوا الإنجيل في هذا المضمار. هل يعني أن لا نأخذها حرفياً؟ ربّما. وخاصة حين تكون هذه الألقاب من أجل المجد الباطل. ولكن هناك هدفاً أعمق: إعتاد المسيحيون ان يسمَّوا "اخوة"، فشدّد متّى على "الآب". الله هو وحده أب الكنيسة، هذه العائلة الروحية الجديدة. إذا وجدنا في الملكوت الإخوة والأخوات والأمّهات الذين تركناهم فلن نجد الأب. ففي نظر المسيح لست مؤمناً لأني ابن مؤمن وحسب. فالإيمان دعوة لا إرث. وأبوّة الله وحدها تكفل عطية الحياة والإيمان. 
قال أحدهم للكاهن الخارج من الكنيسة: قال الإنجيل: لا تدعوا أحداً منكم أباً، وتتركون الناس يسمونكم "أبانا".
هذا الخروج عن القياس يتيح لنا أن نتعمّق في درسين أعطاناهما يسوع. أولاً، هو يكره العُجب والتباهي. وهذا ما يجب أن ننتبه إليه. ويكره يسوع حبّ الظهور، والطلب بأن نكون أفضل من الباقين، أرفع منهم، أن يقدّم لنا الناس التحيّة في الأسواق، لأنّ في كل هذا خطراً على الحبّ الأخوي.
قال يسوع: كلّكم إخوة . "كلّكم" هذا هو الحلّ لعلاقاتنا وهذه هي المشكلة أيضاً. نحن كلّنا حقاً إخوة، ولكن هذا صعب. نحن نبحث عن التسلّط، نحتقر الآخرين، نَبحث عن التكريم. أو نتعلم التذلّل والتزلّف. فالزهو يجد دوماً أشخاصاً يتزلّفون، وهكذا يكون عالمنا عالم كذب لا عالم محبّة.
ويتوقّف يسوع عند لقب أب. فليست الكلمة هي الشيء المهمّ. فوراء الألقاب هناك المواقف. فكلمة أب تدلّ على الاحترام والمحبة، كما تدلّ على تعلّق مفرط لا يليق إلا باللّه: لكم أب واحد وهو في السماء.
أب واحد في السماء، هذا يعني التسامي. من هو كالله؟ من هو أب كالآب السماوي؟ إن يسوع يتوجّه إليه، يجعل كل ثقته فيه، يفتح له كل قلبه. وهو لا يتحملّ أن يؤخذ أي شيء من الآب ليُعطى للبشر.
هو الابن وهو يعرف ما الذي نخسره حين لا نكون ابناء حقيقيين. هناك طريقة نتكّل فيها على البشر فتقطع انطلاقتنا نحو الآب. فالنداء إلى الثقة الذي يحرق قلب المؤمن (مت 6: 25- 34: لا تهتموا للغدّ) يجعل يسوع مدهوشاً أمام تصّرفنا كيتامى ولنا أب مثل الآب السماوي.
ونجد ردّة الفعل عينها عند يسوع حين يقوله له أحدهم: "أيها المعلّّّم الصالح" (لو 18: 18). كلمة لطيفة! ولكن يسوع لا يرضى. ليس بصالح إلا الله الواحد.
الرباط بالآب السماوي يربطنا باخوتنا. وحين نهتف من أعمق اعماقنا إلى الآب السماوي نقدر أن نفهم حقيقةَ كلمةِ يسوع: كلّكم اخوة.
وسقطت الأقوال قاسية وعنيفة على الفريسيين. ونحن المسؤولين في الكنيسة، هل نعطي دروساً للجماعة ولا نطرح سؤالاً على نفوسنا؟ ويسوع يوجّه أيضاً الكلام إلى الجماعة: لا تفعلوا مثلما يفعلون، بل إفعلوا ما يقولونه لكم.