السهر الدائم

 

كونوا دوماً مستعدين، لأنكم لا تعرفون متى يأتي ابن الانسان.
يبدأ النص: "أما ذلك اليوم وتلك الساعة فما من أحد يعلمهما، لا ملائكة السماء ولا الإبن إلا الآب وحده". اذن، لماذا نقوم بالحسابات مثل بعض كتَّاب الرؤى في الماضي، والمتعلّقين بالشيع اليوم؟ إذا كان المستقبل هو سّر الله، إذا كان مستقبل العالم ومستقبل كل واحد منا مع الموت هو سّر الله، فلا نتعب في البحث العقيم. بل نتّخذ موقفاً: نكون دوماً مستعدّين.
ويأتي تعليم يسوع بشكل تشابيه. الاوّل يلمح إلى الطوفان الذي أصاب البشر وهم لا ينتظرونه. الثاني، يضع أمامنا رجلين أو إمراتين يعملان معاً، ولكن مصيرهما يختلف: يُؤخذ واحد وُيترك آخر. الثالث، السارق الذي ينهب البيت في غياب ربّ البيت.
كل هذه الصور تقرع كالنفير فتنبّهنا إلى الخطر. فهل يُعتبر مجيء ابن الانسان كارثة؟ نعم ولا. نعم للذين لا يكونون ساهرين. لا، للذين ينتظرون سيّدهم متّى يأتي من العرس. أجل، يشدّد متى على المسؤولية الشخصيّة. فلا نلقِ الخطأ على الآخرين. ولا نقل: لو، لو...
ولكننا لا نستطيع أن نبقى عند هذه الفكرة. فالإنجيل هو خبر سارّ للجميع، لجميع الذين يكونون خدّاماً صالحين، فيحاولون يوماً بعد يوم أن يتمّوا مشيئة ربهم. هم ينتظرون مجيئه ويستعدّون بمحّبتهم الناشطة لكي يحيوا فرح التجمّع الكبير الذي سيتمّ حول ابن الانسان.
عندما نكون في زمن الاستعداد للميلاد، نرى في المحلاّت التجارية كل أنواع الحيوانات فنتذكر سفينة نوح. ولكن طوفان نوح الذي يتحدّث عنه الإنجيل هو من نوح آخر: " تغمرك المياه حتى الخصر والرقبة وتصل بك الى الغرق". كان نوح مستعداً. اما سائر الناس فكانوا يأكلون ويشربون حتى جاء الطوفان فجرفهم.
لم يحسبوا حساب شيء. كما المدن التي تسبح في الخضرة والنور، فتنسى الحرب وقرع المدافع. ومع ذلك، كم من المدن سقطت وتدمّرت. ويأتي الاسعاف الى هذا البيت او ذاك...
واحد نجا وآخر مات تحت الانقاض. لا هذا ولا ذاك توّقع أي شيء. لم يكن هذا أفضل من ذاك، فجاءته المكافأة. ولم يكن ذاك شراً من هذا فحلّ به العقاب! هي صدف الحياة التي تبقى سراً علينا. أمّا يسوع فيستنتج: فاسهروا اذن، كونوا مستعدّين.
وفي هذه الخطبة عينها يحذّرنا من التخوّف الدائم من الكوارث: كانت حروب في الماضي وستكون حروب. كانت زلازل في الماضي وفيضانات وستكون. ومع ذلك، لم تأت نهاية العالم.
"كونوا مستعدّين". يعني: لا تتشتتوا بأفكاركم. إستفيدوا من الظرف. الفرصة مؤاتية. فسفينة نوح الجديدة هي جماعة المعتدين، وهىِ مفتوحة لكم فادخلوا إليها. تجدون فيها كل أنواع الحيوانات. لكل واحد مكان في هذه السفينة (الكنيسة). كل عشائر الارض مدعوّة لأن تسير على نور الرب.
"كونوا مستعدين". هذا ما نتعلّمه في جماعاتنا. فبأناشيدنا وصلواتنا ومباركاتنا نتمرّس على السهر. حينئذ يأتي ابن الانسان. حين نجتمع حول كلمة الله نوجّه آذاننا ونميل قلوبنا إليه: نلبس الرب يسوع المسيح. وحين ننطلق إلى العالم الواسع، نحمل في ذواتنا حضور روحه. ونطلب منه أن يجعلنا ساهرين، أن يجعلنا نرذل أعمال الظلمة ونأخذ باعمال النور التي هي حرب من أجل العدالة والحق والمقاسمة والتعاون ومساعدة الآخرين.
نعيش اليوم في عالم من الخوف، فيقف كل انسان موقف المدافع عن نفسه. ولهذا يصعب علينا أن نتحدّث عن سهر يكون أساسه تقبّل الآخرين لا الهجوم عليهم. نسهر، أي نستعد لعودة السيد الذي يجد المائدة معدّة (24: 46). نسهر، أي نهيىء الزيت الضروري ليبقى مصباحنا مشتعلاً في الليل ومستعداً لاستقبال العريس (25: 1- 2). نسهر، أي نتطلّع إلى النجم الذي يقود إلى يسوع (2: 19).
ولكن الإنجيل يطلب منّا أكثر من ذلك. علينا في الوقت ذاته أن ننتظر المسيح وننتظر المفاجأة التي يحملها إلينا. فالذي يأتي هو غير الذي كنت انتظر. انتظرنا ملكاً فاذا نحن أمام طفل موضوع في القماطات. انتظرنا رئيساً وقائداً فاذا نحن أمام مصلوب. لا يأتي يسوع فقط فجأة، ولكن مجيئه مخالف للمألوف. فهل نحن مستعدّون ان نكون الساهرين الذين ينتظرون المفاجأة؟ فيسوع سيكون في ذلك الوقت المفاجأة الكبرى.