سفر الرؤيا والعهد الجديد

 

 

كان كتاب الرؤيا على ما يبدو، آخر أسفار العهد الجديد، وقد كتب في نهاية القرن الأول المسيحي. فما هي علاقته بالعهد الجديد؟ نتوقّف أولاً عند الرسائل البولسية، ثم عند الخطبة "الجليانية" في الأناجيل الإزائية، وأخيراً عند إنجيل يوحنا. سنعود ولا شك خلال تفسيرنا لسفر الرؤيا إلى مقابلات بين هذا الكتاب وأسفار العهد الجديد. ولكننا نقوم الآن ببعض "الاستقصاءات" فنفهم كم أن رؤ ليس ذاك الكتاب الغريب العجيب. بل هو من صلب العهد الجديد، بل هو يغرف من هذا التقليد الكنسي الذي غرف منه بولس ويوحنا ومتى ومرقس ولوقا.

1- الرسائل البولسية
بولس الرسول هو شاهد كيد على أن الجماعة المسيحية الأولى انتظرت بحرارة عودة المسيح. ونجد شهادة عن هذا الانتظار في 1 تدس (4: 13- 5: 11) و 2 تس (2: 1- 22) اللتين هما أقدم رسائل بولس بل أقدم أسفار العهد الجديد. ففي1 تس بين الرسول أنه يؤمن بالمجيء (باروسيا) ويعتبره قريباً بحيث يرجو أن يكون حياً حين عودة الرب. نقرأ في 4: 15: "نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لن نتقدّم الذين رقدوا". ولكن في نهاية هذه الرسالة، يشدّد بولس على الطابع الفجائي وغير المتوقّع لهذا الحدث. "إن يوم الرب يجيء كاللصّ في الليل... (5: 2). وفي 2 تس يحاول الرسول أن يخفّف من حمى الانتظار عند قرّائه: ليس مجيء الرب بقريب. "يوم الرب لا يجيء إلاّ بعد أن يسود الكفر" (2: 3).
حين أعطى بولس أسباب هذه المهلة جعلنا نستشفّ نظرته الجليانية. فعودة المسيح يسبقها "الجحود" و"رجل المعصية" الذي يعيقه عن ظهوره عائق. وحين يزول هذا العائق السري بسبب رجل المعصية، يظهر الدمار الروحي لعدد كبير من الناس بواسطة الآيات والمعجزات التي يجترحها بواسطة الشيطان. وأخيراً، يزيله الرب في مجيئه (2 تس 2: 3- 12).
في الرسائل اللاحقة خفّ الرجاء بمجيء قريب، بل خفّت فكرة المجيء. ففي 1 كور حيث تُذكر عودة الرب، يشدّد الرسول على معنى ومضمون حقبة إنتظار سوف تمتدّ طويلاً. إنتقل الإهتمام إلى تنظيم الجماعة، وبرزت حياة المسيحيين الآنية كاستباق للواقع الاسكاتولوجي. فبولس يرى في الجماعة الليتورجية، في العماد والوليمة الافخارستية، تجلّيات حياة في يسوع لن تكون تامة إلاّ في العودة وساعة قيامة المؤمنين، ولكنها تتضمّن منذ الآن مشاركة فعلية في موت الرب وقيامته.
والرسائل التي تعود إلى الحقبة الأخيرة من نشاط الرسول، تدلّ على أن النظرة إلى نهاية قريبة قد امّحت. فتركّز إهتمام بولس على الحياة الكنسيّة التي هي ملء الاتحاد بالروح وإنتماء إلى جسد المسيح الذي هو الكنيسة. وبرزت فكرة تقول إن خيرات المملكة المسيحانية (عطية الروح، الوصول إلى حياة جديدة هي حياة الله) هي واقع حاضر ننعم به منذ اليوم. وقد أكّد بولس لمسيحيّي كولسي وأفسس أن المعمّد قد مات وقام مع المسيح (كو 2: 12: دفنتم معه وقمتم معه؛ 3: 1: إن كنتم قمتم مع المسيح)، وأنه منذ الآن معه في السماء (في المسيح يسوع أقامنا معه وأجلسنا في السماوات، أف 6:2).
لن نتوقّف هنا عند تطوّر فكر القديس بولس بين وقت دوّن فيه 1 تس (حوالي 50) ووقت دوّن فيه كو، أف (حوالي 61- 63). فلا شيء يؤكّد أنه ساعة دوّن الرسائل الأخيرة تخلّى عن أفكاره حول عودة المسيح والأحداث التي تسبق هذه العودة. أما السؤال الذي يهمّنا في ما يخصّ رؤ فهو: كيف نوفّق بين تصوير بولس لظروف المجيء وتصوير رؤ؟ يبدو أننا لا نجد نقاطاً مشتركة بين الاثنين. فسفر الرؤيا لا يتكلّم عن "جحود" يسبق عودة الرب. أما عند بولس فصورة خصم المسيح تبدو بشكل بشري، وإن تسلّم هذا الخصم من إبليس سلطات خارقة (من هنا وُلد شخص المناوىء للمسيح، انتيكرست). لا نجد شيئاً من هذا في رؤ: فالخصم هو الشيطان، والأداة التاريخية التي يستعملها هي الوحشان اللذان يمثلان كيانين مجرّدين (السلطتان السياسية والدينية الفاسدتان) لا شخصين بشريين. وأخيراً لا يتحدّث رؤ عن عائق غريب يمنع ظهور الخصم.
ويُطرح سؤال آخر: كيف نفسّر حمّى الانتظار الاسكاتولوجي التي تنسب إلى رؤ الذي دوّن بعد رسائل بولس التي عرفت غياباً لافتاً لهذا الانتظار؟ ويواجهنا السؤال بشكل خاص حين نعرف أن هذا الانتظار غير ظاهر في رسائل كتبت إلى جماعات آسية (كو، أف) حيث وُلد رؤ. إذا كان كتاب يوحنا سيُقرأ في مناخ إسكاتولوجي فلا بدّ أن يكون ردّةَ فعل على توجيهات بولس في هذا المجال!
أما إذا كان رؤ "نبوءة" تعود إلى مجيء المسيح الأول، إذا كان تأملاً حول معنى هذا المجيء وصورة عن السيرة التاريخية والروحية التي سبقته وهيأت له الطريق، حينئذٍ يختفي التعارض بين نظرة رؤ التعليمية ونظرة بولس في رسائله الأخيرة. حين نتطلّع إلى الأمور هكذا، نذكر أن كرستولوجيا رؤ تتوسّع في مواضيع تطرّقت إليها كو وأف: يظهر يسوع في قلب الكون والتاريخ. وهناك موضوع آخر مشترك بين رؤ ورسالتي بولس هو موضوع الملائكة. اهتمّ بولس بنظريات حول الملائكة انتشرت في الجماعات المسيحية فوصلت إلى بعض العبادة للملائكة. وتجاه هذا التغلغل لعبادة الأوثان، شدّد بولس على تسامي المسيح على كل الكائنات الملائكية: فالمسيح هو من أصل إلهي وهو الوسيط الوحيد بين الله والبشر. وحين افتدى البشرية بذبيحة صليبه، انتزع من الملائكة كل دور وساطة. ويقول بولس في كو 2: 15: "خلع أصحاب الرئاسة والسلطة، وجعلهم عبرة، وقادهم أسرى في موكبه الظافر". أجل في انتصاره على الموت حرم الملائكة من كل سلطة واخضعهم له.
إن مسألة الملائكة وعلاقتهم مع يسوع المسيح لم تكن بالسهلة في البدايات المسيحية،. فهي تعود أيضاً في الرسالة إلى العبرانيين التي أرادت أن تبيّن سموّ يسوع مستندة إلى إستشهادات عديدة من التوراة.. هذا يعني أن النظريات المعاصرة حول الملائكة ارتبطت بالعالم اليهودي والاتجاهات المتهوّدة على مثال الانحرافات التي ندّد بها بولس في كولسي.
إن علاقة المسيح بالملائكة علاقة أساسية في رؤ. ويُبرزها يوحنا منذ السطور الأولى في المطلع حين يتحدّث عن "وحي يسوع المسيح" الذي ينقله يسوع إلى الرائي بواسطة ملاك (1: 1). ونحن نستنتج وضعاً هاماً هو الوساطة بين الله والبشر، من الرؤية التي تلي الآية الأولى: فابن الانسان يمسك في يده اليمنى "الكواكب السبعة" (1: 16) التي هي ملائكة (1: 20). إن معنى هذا المشهد الرمزي واضح: بما أن الملائكة (7 ملائكة. إذن، عدد الكمال) هم في يد المسيح، فهذا يعني أنه يسود عليهم وقد فرض عليهم سلطانه. هذا ما نقرأه أيضاً في 2: 1 (يمسك بيمينه الكواكب السبعة) وفي أماكن أخرى.
أجل، لا تتعارض رؤ مع أف وكو. بل هي تهتمّ بالتعمّق في إيمان كرستولوجي في محيط مملوء بالتيارات الفلسفية والدينية. إن نص يوحنا وبولس يجعلنا نستشف وجود جماعة يهودية حيّة قد بدأ عندها الحوار مع الحضارة الهلنستية قبل المسيحية. فالاعتقاد بكائنات يكونون وسطاء بين الألوهية والعالم كان موضوعاً مشتركاً بين العالم اليهودي والعالم الهليني. وهذا الموضوع انتقل إلى المسيحية كما نقرأه في رؤ وكو وأف.

2- خطبة يسوع الجليانية
أورد متى (24: 1- 44) ومرقس (13: 1- 37) ولوقا (21: 5- 36) خطبة يسوع من "أجل نهاية العالم"، الخطبة الاسكاتولوجية، حسب رسمة واحدة يم اختلافات عديدة في التفاصيل. فما هي علاقة رؤ بهذه الخطبة؟
رأى الشرّاح بين رؤ والنصّ الإزائي معطيات أدبية مشتركة: إن توالي النكبات. التي أعلنها يسوع (الحروب، الثورات، الجوع، الوباء، الاضطهاد، الكوارث الكونية) تقابل ما في الختوم الستة في رؤ. كما نجد الصورة المسيحانية لابن الإنسان في النصّين. كيف نبرّر هذا التقارب؟ هناك ينبوع مشترك وإنتماء إلى فن أدبي واحد (هو الفن الجلياني أو الرؤيوي) عُرفت رسمته في ذلك العصر.
تبدأ خطبة يسوع عند الإزائيين الثلاثة بإنباء عن دمار الهيكل. تجاه عظمة الأبنية عمّ الحزن قلب يسوع فأعلن نهايتها مستعيناً بصور تذكّرنا بدمار مادي على يد أعداء من الخارج (لن يبقى حجر على حجر، مت 24: 2 وز). هنا نفكر طوعاً (حين نقرأ النصّ الذي دوّن سنة 80- 85) بحصار أورشليم ودمارها على يد الجيوش الرومانية سنة 70 ب. م. أصمّت أورشليم أذنيها عن نداء المسيح، فحزن عليها المسيح (لو 19: 41 ي).
غير أن الإزائيين يختلفون فيما يخصّ مصير الهيكل والمدينة. فالانباء على أورشليم غير موجود في مرقس. ونجده في متى بعد خطبة قاسية ألقاها يسوع ضد رؤساء العالم اليهودي وممثليه. وبّخهم على ريائهم وقساوة قلوبهم والعنف الذي مارسوه ضد الأبرار ومرسلي الله (مت 23: 1- 36). لقد رأى يسوع في مدينة أورشليم رمزاً يستعيد الأقوال التي بها ندّد بالرؤساء، وأنبأ بالعقاب الذي أعلنه إر 22: 5 (رج مت 23: 38): "ها هو بيتكم يُترك لكم خراباً".
أورد لوقا على دفعتين تشكي يسوع على أورشليم وما أنبأ به من أجلها. كانت المرة الأولى (لو 13: 34- 35: أورشليم، أورشليم! يا قاتلة الأنبياء) خلال سفر المعلّم وتلاميذه إلى المدينة المقدّسة (هذا ما يقابل متى). ويتحدّد الايراد الثاني ساعة الدخول إلى أورشليم: حين رأى يسوع المدينة بكى عليها وأعلن الكوارث التي تنتظرها (لو 19: 41- 44): إن الصورة مفصّلة إلى درجة تجعلنا نجد في نصّ لوقا قراءة لأحداث سنة 70: الحصار والسحق، القتل، الدمار.
أما إنباء يسوع في ما يخصّ الهيكل عند متى ومرقس، فهو لا يرتبط ارتباطاً واضحاً بأحداث سنة 70، وقد لا نكون أمام دمار مادي إن نحن تمعّنا في النصوص. لا شك في أن مقدّمة الخطبة تعود إلى دمار محسوس، ولكن سيصبح هذا الدمار عند متى ومرقس عمل تنجيس للمكان المقدّس. أما عند لوقا فهناك ارتباط بين تدمير الهيكل وتدمير المدينة.
إن الاختلاف بين لوقا والإنجيليين الآخرين مهمّ جداً. فلوقا لا يتحدّث عن تنجيس سوف يصيب الهيكل. أو بالأحرى هذا التنجيس هو جزء من إجتياح الرومان للمدينة. أما عند متى ومرقس فقد أعلن يسوع تنجيس المكان المقدس بعبارة "رجاسة الخراب" المأخوذة من نبوءة دانيال حول السبعين أسبوعاً (دا 9: 27)0 أغفل لوقا هذا الاستشهاد ولكنه احتفظ بلفظة "خراب" وطبقها على دمار المدينة المادي (لو 21: 20) في خط نبوءة دانيال. هذا يدلّ مرة أخرى على أن النبوءات على الهيكل وأورشليم في لوقا ترتبط ارتباطاً وثيقاً فيما بينها كما ترتبط بأحداث سنة 70 المأساوية.
نستنتج مما قيل أن الرباط بين الخطبة الأسكاتولوجية وكارثة سنة 70 حاضر في لوقا ولكنه يبقى موضع شكّ بالنسبة إلى متى ومرقس.
إن "العلامة" السابقة للأحداث الاسكاتولوجية ليست عند متى ومرقس دمار الهيكل بل تنجيسه (مت 24: 3، مر 13: 4؛ لو 21: 7: ما هي العلامة؟). فحين تُذكر "العلامة"، يعود النصّ إلى نبوءة دانيال المسيحانية حول السبعين أسبوعاً. ولكن القسم الثاني المركّز على المجيء يستعيد بدوره نبوءة من دانيال مشهورة، هي نبوءة ابن الانسان الآتي على سحاب السماء (دا 13:7-14).
حين نعيد الخطبة الاسكاتولوجية المنسوبة إلى يسوع إلى سماتها الجوهرية، نرى أن موضوعها هو ظروف وحيه المقبل كمسيح، حسب كلمة الكتاب وانتظارات العالم اليهودي المعاصر. وبين نصوص التوراة المسيحانية، فرض إنباء دانيال نفسه كالأوضح والأشمل. فما لفت الإنتباه في نبوءة السبعين أسبوعاً ليس التعداد الزمني، بل الدقة التي بها أشير إلى ما سوف يحدث قبل مجيء المسيح. لقد جعل دانيال في النصف الثاني من الأسبوع السبعين أحداثاً خطيرة جداً وهي: مقتل شخص مكرّس، تدنيس الهيكل، منع شعائر العبادة. وكل هذا نُسب إلى مضطهد كافر.
في الواقع، عاد النبي إلى حدث من الماضي هو اضطهاد ملك إنطاكية، انطيوخس الرابع، لليهود في القرن الثاني ق. م. هذا ما فهمه النقد الحديث. فدانيال ينطلق من سنة 587 ق. م.، ولكنه يعيش في القرن الثاني وقد دوّن كتابه بعد نهاية اضطهاد أنطيوخس الرابع. فهو لا "ينبىء" (بمعنى انه يعرف مسبقاً) بما سيحدث، بل يقرأ في أيامه أحداثاً حصلت في الماضي. يقرأها على ضوء كلمة الله وفي إطار تدخل الله. أما الأقدمون (قبل وبعد المسيح) فقد قرأوا دانيال كما بدا لهم أي كنبيّ عاش في زمن المنفى في بابل. والأحداث التي يوردها هي إنباء مسبق لما سيحصل عند مجيء المسيح. هكذا فهمه الانتظار المسيحاني الذي كان حياً في الأوساط الشعبية. وتوسّع الناس في هذه الوقائع فجعلوها صورة عن أزمة تاريخية شاملة، بل رأوا فيها علامات تسبق نهاية العالم. والتنجيس الذي يقود إلى إلغاء شعائر العبادة اتخذ في العقول شكل كارثة تضرب الهيكل ومدينة أورشليم وكل النظام القائم.
وانعكست هذه العقلية في سؤال طرحه التلاميذ على يسوع بعد أن حدّثهم عن دمار الهيكل. إن هذا الحدث يتضمّن في نظرهم نهاية العالم والمجيء المجيد للمسيح الذي يقيم ملك الله، كما وأعلنت نبوءة دانيال حول ابن الانسان الآتي على سحاب السماء إلى عرش الألوهة لينال منه السلطان الأبدي.
ودلّ جواب يسوع للتلاميذ على اهتمامه بأن يفصل بين مجيء المسيح ونهاية العالم. فهذه النهاية لا ترتبط إطلاقاً بوحيه كمسيح، وهو وحي يجعله يسوع تتمة متزامنة لنبوءتي دانيال: نبوءة تنجيس الهيكل ونبوءة مجيء إبن الانسان على سحاب السماء. وإذ تكلّم يسوع عن ابن الانسان، تذكّر نبوءات مسيحانية أخرى (من أشعيا، من حزقيال) تشير إلى كارثة كونية: تظلم الشمس والقمر، تسقط النجوم.
إذن، إن خطبة يسوع الاسكاتولوجية لا تعني نهاية العالم، يل تتمة النبوءات المتعلّقة بمجيء المسيح. هذا هو الحدث الذي أعلن يسوع تحقيقه القريب مع سماته الرئيسية التي هي تنجيس الهيكل، ومجيء إبن الانسان على السحاب، ترافقه كارثة كونية ودينونة وتجميع المختارين. وبدا هذا التحقيق قريباً جداً بحيث يراه سامعو يسوع. عاد الرب إلى شيء سيعمله، إلى حدث سيكشف صفته كمسيح. فما هو هذا الحدث؟ ظنّ الشرّاح أن يسوع يتحدّث عن مجيئه الثاني بالقدرة والمهابة للدينونة ولإقامة ملكه. ولكن هذا الشرح يثير الصعوبات نفسها التي ترافق قراءة رؤ قراءة اسكاتولوجية. هل نستطيع القول إن نتائج وبعد عمل يسوع المسيحاني (دينونة، تجميع المختارين، إقامة الملك) ارتبطت إرتباطاً داخلياً بمجيء المسيح الثاني؟ ثم، بما أن سنوات عديدة تفصل تأليف الأناجيل عن موت المسيح، لماذا أورد الإنجيليون (وما كانت نظرتهم) أقوال يسوع التي تؤكد أن الأحداث الاسكاتولوجية تتحقّق في الجيل الذي يعاصر يسوع؟
وتبرز صعوبة أكبر: إن الشرح الذي يقدّمه بعض الشرّاح يترك جانباً الخطبة في قسمها المرتبط بالهيكل. ومع ذلك، فهذا الموضوع هو رئيسي، لأن خطبة يسوع تنطلق منه، ولأن به ترتبط "العلامة" الاسكاتولوجية الوحيدة التي تُعطى للتلاميذ. ثمّ إن يسوع يتفوّه بالخطبة الاسكاتولوجية في أورشليم حيث صار الهيكل (منذ دخوله إلى المدينة المقدّسة) مسرح كرازته وعمله. لهذا ينبغي أن نتساءل: بمَ يقوم التنجيس الذي هو موضوع الانباء؟
لا شكّ في أن يسوع سبق له وندّد بتدنيس المعبد بسبب حضور التجّار. ثم استعاد كلمات النبي إرميا: "جعلتم منه مغارة للصوص" (إر 7: 11؛ رج مت 21: 13). وبرز وضع أكثر خطورة حين هاجم أورشليم ورؤساء اليهود لأنهم سفكوا دم الأبرار والأنبياء في الهيكل (لا 23: 34- 35). وإذ أشار يسوع إلى هذا القتل ذكّر سامعيه بنبوءة إرميا: سيترك بيتهم خراباً (مت 23: 38). إن هذه العبارة تحيلنا إلى دانيال و"رجاسة الخراب" التي استعيدت في الخطبة الاسكاتولوجية (مت 24: 15؛ مر 14:13).
حين تحدّث يسوع، في معرض كلامه عن الهيكل، عن "رجاسة الخراب"، فقد يعني كلامه: ينجّس الهيكل، فيتخلىّ عنه المؤمنون، وهكذا تكون نهاية العبادة التي تقام فيه. ونحن نستنتج هذا ليس فقط من لفظة "خراب" بل مما قاله يسوع لسامعيه: ما إن تتحقّق "العلامة" حتى يجب الهرب من اليهودية، وترك البيوت والأشغال (مت 24: 16 ي؛ مر 13: 14 ي). مثل هذا الهرب يجعل الهيكل خراباً.
أما عند لوقا فترتبط الدعوة إلى الهرب بأحداث سنة 70. وهذا ما يقلب النظرة التي وجدناها عند متى ومرقس: فظهور "العلامة" عندهما لا تسبق الهرب فقط، بل تحدّده. وسيتم هذا الهرب ساعة يكون الهيكل بعدُ قائماً، ولكنه ينجّس فيفرض على المؤمنين أن يهجروه.
إذن، ما هو تنجيس الهيكل هذا؟ هو موت يسوع الذي فكّر به الرؤساء الدينيون (عظماء الكهنة) وهيّأوه، وهم الذين يقيمون في الهيكل. فحضورهم ينجّس الهيكل. إذن، لم يأمر يسوع بمغادرة أورشليم المحاصرة، بل بمغادرة العالم اليهودي وممارساته العبادية. إن هذا الانقطاع الذي تجنّبه الرسل طويلاً رغم المجابهات القاسية، سيفرض عليهم (حسب يسوع) بعد أن يقتل. وهكذا يحسّ يسوع أن الكماشة تنغلق عليه.
إن يسوع جعل (في موته) تلاميذه يستشفّون تتمة نبوءة دانيال حول مقتل شخص مكرّس وتدنيس العبادهّ. ولكنه أنبأهم أيضاً بتتمة النبوءة المسيحانية عن ابن الإنسان الآتي على السحاب. إن هذه النبوءة ترتبط بالمسيح في قمة سلطانه وساعة يمارس دينونة الله على العالم. أورد يسوع هذه النبوءة فربطها بموته القريب ليقول لنا إن في هذا الموت تتمّ الدينونة ويتحقّق الفداء وتجميع المختارين من رياح الأرض الأربع.
وللنبوءات حول الكارثة الكونية كما أشار إليها يسوع، البعد نفسه. فالشمس والقمر اللذان يظلمان، والكواكب التي تتساقط، والسماء التي تتمزّق، كل هذا كان عند الأنبياء صوراً معروفة عن دينونة الله العظيمة التي ستحصل في مجيء المسيح. إستعاد يسوع بدوره هذه الصور ورأى فيها تلميحاً إلى موته القريب.
إن وظيفة الخطبة الاسكاتولوجية في الأناجيل الإزائية هي أن تقدّم لنا (في تواصل مع الانباءات التوراتية) مفتاحاً لقراءة أخبار آلام وموت وقيامه يسوع، لقراءة وحي يسوع الذي هو المسيح الموعود به والمنتظر. فخبر الإزائيين حول موت يسوع يتضمّن تلميحاً إلى الكارثة الكونية (مت 27: 45؛ مر 15: 33؛ لو 23: 44) وإلى نهاية العبادة اليهودية (تمزّق حجاب الهيكل، مت 27: 51؛ مر 15: 38؛ لو 23: 45). والتعليم الذي تضمنته خطبة يسوع الاسكاتولوجية قد تسلّمه الرسل في جوهره.
إذا كان هذا معنى خطبة يسوع، فقرابته مع رؤ لا تقوم فقط في الفن الأدبي والمراجع المستعملة وبعض العناصر الخاصة. بل إن المنظار هو هو وكذلك الموضوع والهدف: أن يبيّن أن الأحداث الأخيرة في سيرة يسوع التاريخية هي جزء من رسالته المسيحانية، بل هي الجزء الأهم. وليس من قبيل الصدف أن تكون نبوءتا دانيال (السبعون أسبوعاً، ابن الانسان الآتي على السحاب) حجر الغلقة في الخطبة الاسكاتولوجية كما في سفر الرؤيا. 

3- إنجيل يوحنا
الفنّ الأدبي في رؤ هو غير الفن الأدبي في يو. أما المقابلة بين مضمون ومضمون فهي ترتبط بالطريقة التي بها نفسّر رؤ. إذا كان هذا الكتاب نصاً "جليانياً" بمعنى أنه موجّه كلّه إلى عودة المسيح الذي يتمّ، بل يحقّق الخيرات المرتبطة بمجيء المسيح، فلن نجد نقاطاً مشتركة بين رؤ ويو. فإنجيل يوحنا (ورسائله الثلاث) يجعلنا نعيش في يقين مضيء وهو أن خيرات الملكوت الجوهرية هي جاهزة منذ الآن والمؤمنون يمتلكونها. هذه الخيرات هي عطية الحياة الإلهية (التي هي أبدية)، موهبة الروح، النعمة، الحقيقة، إنتصار يسوع المسيح على الخطيئة والموت. وسوف تؤكد 1 يو بوضوح أن الوجود المسيحي يسير مسيرته في الزمن الاسكاتولوجي. والإنباء على مجيء المناوىء للمسيح (أنتيكرست) قد تحقّق وجاء معه الجحود وسائر العلامات السابقة. نقرأ في 2: 18: "يا أبنائي الصغار، جاءت الساعة الأخيرة. سمعتم أن مسيحاً دجّالاً (أنتيكرست) سيجيء. وهنا الآن كثير من المسحاء الدّجالين. ومن هذا نعرف أن الساعة الأخيرة جاءت". أجل هي الساعة الأخيرة في التاريخ. وهي قريبة. ولكن قبل مجيء الرب القريب سوف نرى كائناً شريراً يتدخّل ضد المسيح ويضلّ التلاميذ إن أمكن. وتتابع 1 يو فتقول: "فمن هو الكذّاب إلاّ الذي ينكر أن يسوع هو المسيح. هذا هو المسيح الدّجال الذي ينكر الآب والابن معاً" (آ 22)؟ هناك محاولة فصل بين المسيح السماوي وهذا الكائن البشري الذي هو يسوع الناصري. دخل الله في الزمن بواسطة تجسّد الكلمة، وهو لا يزال في الزمن بواسطة تجسّد الكلمة، وهو لا يزال في الزمن بواسطة يسوع المسيح الذي يحتفظ بآثار جراحه حتى نهاية العالم. فلماذا نخرجه من العالم لكي نعيده في نهية الزمن؟ إن جسده الممجّد يعمل منذ القيامة في العالم، ولن يزال يعمل حتى يحوّل لا البشر فقط، بل الخليقة كلّها (روم 8: 18 ي). 
لن نتوقّف هنا عند التقاربات العديدة بين رؤ ويو. فهذا ما سوف نشير إليه خلال تفسير النصوص. فالمسيح هو الكلمة. وهو في رؤ الحمل المذبوح وفي يو ما زال يحمل آثار الصلب والموت. في يو بدأ عمل تقديس المؤمنين، وفي رؤ يصبح هذا التقديس حقيقة يعيشها الشهداء منذ الآن في جوّ زال منه الجوع والعطش والبرد والحرّ ومسحت كل دمعة من العيون.
في يو ورؤ، يسوع هو حمل الله (وإن اختلفت الكلمة اليونانية، فالأساس السامي يكون هو هو). نقرأ في يو 1: 29، 36 نداء يوحنا المعمدان: "هذا هو حمل الله". وفي رؤ 5: 6 نرى بين الشيوخ "حملاً واقفاً كأنه مذبوح". وفي 6: 16 نرى الخوف "من الجالس على العرش ومن غضبة الحمل". وهناك الكلام عن الماء الحي مع السامرية في يو 4: 10- 11 وخلال الكلام في الهيكل في عيد المظال (يو 7: 38). ويحدّثنا رؤ عن ماء الحياة في 7: 17: "الحمل الذي في وسط العرش يهديهم إلى ينابيع ماء الحياة" ونقرأ في 21: 6 كلام الرب: "أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً" (رج 22: 1، 17).



خاتمة
قابلنا رؤ مع الرسائل البولسية ولا سيما 1 تس، 2 تس، كو، أف حول مجيء الرب القريب ووجود الملائكة. ومع الأناجيل الإزائية في الخطبة الاسكاتولوجية التي لم تخرجنا من هذا العالم لتدفعنا إلى نهاية العالم، بل أدخلت القيامة في الزمن. ومع إنجيل يوحنا الذي غرف هو وسفر الرؤيا من ينبوع واحد. كان باستطاعتنا أن نبرز النصوص التي نجدها في رؤ وسائر أسفار العهد الجديد لا سيّما في الفصول الأولى والأخيرة، ولكننا تركنا هذه المقابلة إلى شرح نصّ الرؤيا. فكلام الله هو هو سواء ورد في الأناجيل أر الرسائل أو أعمال الرسل أم في الرؤيا. فكل ما قيل في العهد الجديد يرتبط بيسوع المسيح. ونحن لا نستطيع أن نعارض بولس بيسوع. فبولس هو تلميذ يسوع بشكل مباشر خلال رؤية دمشق وبواسطة الكنيسة عبر ما سمعه من المسيحيين الأولين ولا سيما بطرس ويعقوب ويوحنا. ولا نعارض رسائل بولس مع سفر الرؤيا. فلكل سفر من الأسفار ظرف كُتب فيه. ولكن حقيقة الإنجيل تبقى هي هي وإن تنوّع الأسلوب والفن الأدبي والصور والرموز. إن كلمة الله هي هي في الأمس واليوم وإلى الأبد. وهي تتوجّه إلينا اليوم. يبقى علينا أن نفهمها ونغتذي منها