الدينونة العظمى

 

كل ما فعلتموه مع إخوتي الصغار معي فعلتموه.
أعلن المسيح ملكوت الله. ولكنه نادراً ما أعلن نفسه ملكاً. إنّه هنا ملك، لأنه الراعي مع خرافه. غير أن الملك هو الديّان أيضاً. كل البشر، سواء كانوا مؤمنين أم لا، سيُدانون على تصرّفهم تجاه كل انسان التقوا به في حياتهم. والصغار هم كل البشر الذين وضعهم ضعيف وخاضع للتقلّبات. وان تحدّثنا فقط عن المسيحيين، كان الصغار تلاميذ يسوع وحاملي كلمته.
هدف المثل أن يعلّمنا أن هناك تماثلاً بين الفقير ويسوع. ولكن الناس لا يعرفون انهم مهما فعلوه (أو لم يفعلوه) للفقير، عملوه ليسوع. لا الأبرار يعرفون ولا الأشرار. ويشدّد النص على جهل الجميع ودهشتهم لدى سماعهم كلام يسوع. فيوم الدينونة الأخيرة هو يوم المفاجآت. لا شكّ أن هناك الإيمان. ولكن معيار الاختيار لا يتمّ بالنسبة إلى الإيمان، بل إلى الممارسة الاجتماعية. ونقطة انطلاق كل خبرة ايمانية هو العمل. فهو يسمح لنا بأن نسمّي نفوسنا مسيحيين. ومع هذا، فلا يريد المثل أن يقدّم درساً في الخُلق الاجتماعي، بل أن يكشف لنا عن هويّة المسيح والطبيعة الحقيقية لملكه.
قد لا تعجبنا الثنائيّة: اخيار- اشرار، شمال- يمين، مبارك- ملعون. ولكن هل من طريقة أخرى؟ يبقى أن نلاحظ أن الخط الفاصل لا يمرّ بيني وبين الآخرين، بل يمرّ داخل كلّ واحد منّا. لا نستطيع عند قراءتنا هذا النصّ أن نعتبر ضميرنا متعباً أو مرتاحاً. المهم هو التكرار المربّع في هذه اللائحة: جوع، عطش، غربة، سجن. إنه يدلنا على الوضع المتقلّب للفقراء، وعلى ضرورة التضامن لدى الجميع. وهنا ايضاً يمرّ الخطّ الفاصل فينا. فلائحة القديم متّى تشير إلى "أعمال صالحة" تجعل الشريعة واقعاً ملموساً. وينقص بعضها: دفع الأجر العادل، تربية الأولاد... وهي تعني العبيد والأولاد.
قال الملك: هؤلاء الصغار هم إخوتي. عبارة لا يمكن أن تتصوّرها. فالملك يكلّم عبيده والخاضعين له. أمّا هنا فهو يتكلّم عن إخوته. هل يُعقل مثل هذا؟ هو لا يدين ولا يحكم. إنه يجمع، يستقبل الغرباء. لقد عاش فقيراً، لهذا عرف ما هو الفقر. وكان غريباً فعرف ألم الغربة. إنه ابن الإنسان. إنه إنسان كسائر البشر ومطبوع بآلام البشرية، ولأنه كذلك يستطيع أن يسمّي نفسه ملك الكون وملك القلوب.
الراعي والديّان والملك. ثلاث دور تتكامل لتُلقي الضوء على سرّ المسيح.
إنّه الراعي الذي لا يتعب من ملاحقة كل واحد منّا بحنانه الساهر، وخصوصاً حين نضلّ في ضباب الظلمة. الخطيئة تجرحنا وعنايته الحانية تبحث عنّا، تشفينا، تحرّرنا، تقوّينا. هذا هو سلطان الملك. إنه سلطان الحب. غير أن هذا الحب ليس من نوع الرخاوة. إنّه متطلّب.
"ليأت ملكوتك". هذا ما نكرّره كلّ يوم في الصلاة الربيّة. ليملك حبّك في قلبي، ويتغلغل في أفكاري وصلاتي وكلّ نشاطي. ليكن حبّك كالنار فتحرق عبر المؤمنين حضارات الشعوب، وبناهم الاجتماعية. ليملك غفرانك وسلامك!
حين يحتفل المسيحي بحكم المسيح الشامل فهو يتذكّر أن مجهود البشر من أجل العدالة وتقاسم خيرات الأرض، يهدف إلى تأليه الإنسان بالحب الجاري من قلب الله. وهذا المسيح الملك لا يدعونا إلى التخلّي عن مسؤولياتنا الحاضرة لنحلم بمملكة بعيدة تذكّرنا بالفردوس المفقود. بل إنه يمنح كل نشاطنا البشري كثافة وجديّة ومدلولاً ما كنّا لننتظره. ما نعمله على الأرض يصبح عنصراً في بناء السماء.
المسيح الملك هو خادمُ قصرٍ عظيم، قصرِ الآب الذي يريد لخليقته أن تكون ناجحة. وهذا الملك المنتصر هو يسوع المصلوب الذي غلب الموت. ومُلكه المجيد هو ثمرة صراع مرير ضد كلّ قوى الشر التي تقتل الحياة. إنه ملك خليقة تتكوّن بروحه كما في خلق جديد.
ستجتمع أمامه كلّ الأمم. هذا ما قال يسوع عن نفسه. كثيرون لم يروه، ويجهلون متى خدموه أو رفضوا أن يخدموه! ولكن المقياس الواحد الذي يستعمله الملك الديّان بالنظر إلى كلّ إنسان مهما كانت معتقداته، المقياس الواحد هو حبّ نعيشه على كل مستويات العلائق البشريّة.
فكل الذين ألتقي بهم كلّ يوم أو أرفضهم- المرضى، الجائعون، العراة، السجناء، المنفيون، المهجّرون، كلّهم يحملون وجه المسيح الملك والديّان الذي يتماثل مع هؤلاء الذين يهملهم المجتمع. المحبة تعني أن نقاتل كلّ ما يشوّه الحب، يجرحه أو يقتله. وهكذا نتقبّل ملكوت هذا المسيح الملك ونعمل من أجل مجيئه.