الإنتصار على الموت

 

تفتحت القبور وخرج الراقدون.
"إيلي إيلي لما شبقتاني"؟ إلهي إلهي لماذا تركتني؟ فقال الحاضرون: إنه يدعو إيليا. ما هذا التلاعب على الكلام في مثل هذه الساعة المأسوية؟ أما يعرف المارّون مز 22 الذي يورده متّى؟ وماذا جاء إيليا يفعل هنا؟ ولكن قد لا يكون هذا الكلام سخرية واستهزاء! فقد ترجّى بعضهم حتى النهاية أن يأتي الله ويخلّص "ايليا الجديد" هذا. كل واحد يتعلّق بالحياة، المائت والحاضرون أيضاً. هذا ما يُضحك. ولكن ما يُضحك البعض يَطمس ألم البعض الآخر. لن نعرف يوماً نكر يسوع في تلك الساعة. هل عرف القلق والشك أمام الموت، أم أنه يصلي بهدوء هذا المزمور الذي يبدأ بصرخة الم وينتهي في السعادة والرجاء؟
لنزاع هو صراع. فموت الّجسد هو بشكل من الأشكال موت في النفس. ولكن يسوع لا يسلِّم النفس بل الروح. فيسوع يجعل بين يدي أبيه هذا الروح الذي سيتركه لنا إرثاً، والذي يبرهن على أن كل موت هو ضرورة حياتية. الموت هو تسليم لذاتنا، كما نسلّم (أو: ننقل) كنزاً ثميناً، كما نسلِّم الحياة التي تتواصل. وهي تتواصل بأحسن ما يكون في قيامة السعادة. أما الآن، فيسوع يطلق صرخة عظيمة مرتين. وهذه الصرخة الأخيرة هي استعادة النفس أمام أمر لا مفرّ منه. هذه الصرخة التي تمزّق الظلمة، تمزّق أيضاً حجاب الهيكل بحيث لن يكون انفصال بين الله والبشر. الهيكل وحده مات، لا يسوع. قد تسقط الأبنية ويبقى الانسان.
زلزال أمات بعضاً وأحيا آخرين. حين تسقط الجدران تنفتح الأرض وتحرّر عالم الموت الكثيف. وسيكون زلزال آخر (28: 2). وقد يكون هو عينه. فإن متّى يستبق القيامة. "خرجوا من القبور بعد قيامة يسوع". يبدو كل شيء وكأن يسوع قد قام من الموت حين أطلق صرخته الأخيرة. ومهما يكن من أمر، فالفوضى دبّت في عالم الموت. نحن أمام رؤية صغيرة، أمام كشف ينزع حجاب الهيكل كما ينزع حجاب الحداد، فيقول لنا ما يحصل وراء حجاب المأساة.
أن نحيا ونحب لكي نعود إلى العدم، هذا أمر لا معنى له. هذا شيء لا يُحتمل. فالحضارات كلّها شهدت على رغبة الانسان بأن يحيا حياة لا حدود لها، بأن يلج إلى سر الآخرة. كائن عابر يتطلّع إلى الأبدية. هذا ما يؤثّر فينا.
نستطيع أن نلاحظ على مستوى الطبيعة أن لا حياة من دون نموّ، وأن لا نموّ من دون انقطاع. فسنبلة القمح لن تكون يوماً حبة قمح نمت وزادت في نموّها. يجب على الحبة أن تُلقى في الأرض لكي تحمل ثمراً. وعلى الدودة أن تخرج لتصير فراشة. تواصُلٌ وتحوُّل. هذا هو سّر الحياة بالذات. فالطفل الذي في حشا أمّه لا يستطيع أن يتخيّل شيئاً غير الحشا الذي يعيش فيه. ومع ذلك عليه أن يخرج من هذا المحيط الأمومي الذي اعتاد عليه ليُولد وينمو ويصير إنساناً بالغاً. ومع أنه يحيا كعصفور في محيط مائي، إلا أن له رئة يتنشق بها الهواء.
وروح الله الذي وُضع فيّ، أليس إعلاناً عن حياتي الجديدة بعد ولادتي الثانية؟ فالموت هو هذه الولادة الجديدة والضرورية لنموّ يصل إلى النهاية.
حاول الناس على مدى العصور أن يتخيَّلوا هذا العبور ودوّنوا سُطُراً، أي اخباراً في صُوَر. أما يسوع فما أراد يوماً أن يصوّر ملكوت أبيه. قال إنه ملكوت الأحياء، واكتفى بهذا القول. لم يقدّم يسوع فلسفة عن هذا السّر. فالموت هو له ولنا انقطاع مؤلم. فالموت جعله يبكي ويقلق. لقد أخذ وضعنا البشري، لقد حرّرنا من قيود الخطيئة، لقد أخذ موتنا فكشف لنا هكذا عن مصير الانسان الذي يكلّمه حب الله بالولادة الجديدة والقيامة.
في صباح الفصح، أقام روح الآب (وقوّة حبه الخلاّق)، يسوع من بين الأموات. لقد جعل كائنَه البشري يتجلّى ويتروحن دون أن يصبح شبحاً وخيالاً. صار بكر خليقة جديدة نفتح منفذاً في هذا الجدار الذي اصطدمت به البشريّة منذ آلاف السنين. ففيه، وهو الحي، نؤمن أن حبّنا وحبّ موتانا هو ينبوع مشاركة ونموّ متبادل.
حين نصلّي مع موتانا وعن موتانا، فنحن نقر أن يسوع هو الكرمة التي يجري منها روح الحياة الذي يسقي كنيسته، كنيسة الأحياء على هذه الأرض، والذين سبقونا إلى الآخرة.
هناك يوم نتذكّر فيه قديسينا، ويوم نتذكّر فيه موتانا. وفي كلا اليومين نعيّد الله الذي يعطي كل انسان الحياة الأبدية بقربه.
ما هي علاقاتنا بموتانا؟ هل نؤمن انهم قربنا يصلّون من أجلنا ونصلّي من أجلهم؟