ظهور يسوع في الجليل

 

 

أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء العالم
ينتهي إنجيل متّى في جوّ إلهي. بدأ فحدّثنا عن عمانوئيل، أي الله معنا. وانتهى بكلام يسوع يؤكّد لنا أنه معنا حتى انتهاء العالم. فالآب حاضر فيه. والروح حاضر، وهو يعلّمنا أن يسوع هو الابن.
ندهش حين نقرأ هنا العبارة الثالوثية. ونقرأها بوضوح تام كما كانت تُتلى في الليتورجيا الأولى. والنص الذي نتأمل فيه اليوم هو كرازة مركّزة على تعليم المسيح. طُرح سؤال على كاتب الإنجيل: كيف نكون تلاميذ المسيح؟ أجاب: بالمعمودية والامانة للكلمة.
شكّ التلاميذ، بعض التلاميذ، وظلّوا على شكهم حتى الدقيقة الأخيرة. قدَّم يسوع المستقبل، وأرسل عيوننا إلى اللامحدود. ليس في ذهاب يسوع ما يُحزن التلاميذ. والاشارة إلى شكّ لا تبدّل شيئاً في هذا الحضور الاحتفالي. فالشك يساعد الإنجيلي على ابراز الثقة المطلقة التي تنعش قلب التلميذ.
نصير تلاميذ حين نترك المعلم يعلّمنا. وهذا يتضمّن اتخاذ قرار. يبقى أن الشكّ يميّز جماعة متّى التي تعرف الاضطهاد من الخارج والانقسام في الداخل.
يحاول متّى أن يتجاوز التردّد وقلّة الإيمان. هذا ما اكتشفناه في معجزة السير على المياه. قال يسوع لبطرس: "يا قليل الإيمان، لماذا شككت" (مت 14: 31)؟ الزمان مفتوح أمامنا. والعالم مفتوح. كل الامم في كل العصور تنتظرنا. فعلى التلاميذ أن يحقّقوا ما لم يحقّقه يسوع. عمل يسوع مع الخراف الضالة من بيت اسرائيل (مت 15: 24). فليذهب التلاميذ إلى العالم كله.
إن القيامة أعطت ليسوع بُعداً جديداً. وجب عليه أن يتغلّب على تجربة السلطة الارضية ليوسّع مدى الإنجيل. في هذا المعنى، يدلّ هذا الجبل (آ 16) على جبل التجربة (مت 4: 8)، على هذا المكان الذي منه نشُرف على كل ممالك العالم. ويدل ايضاً على جبل عظة الجبل (مت 5: 1) وجبل التجلي (مت 17: 1). فالاماكن المرتفعة تقرّبنا إلى الله وتجعلنا نستشف مجده.
مع الحديث عن السلطان، نلتقي مع خبر الصعود. والتقاء السماء بالأرض يدل على ما في انطلاق يسوع من جديد وفريد. فيسوع القائم في مجد الله يفتح الأرض على السماء والسماء على الارض. لم يَعُد هناك من انقطاع في التيار الذي يصل الأعماق بالأعالي. لم تَعُد السماء مُغلقة.
نحن الآن في زمن الكنيسة وفي وضع المؤمن التاريخي الذي يجمع بين المنظور واللامنظور. ففي جليل الأمم نحن نبحث عن ربيع جديد. فمن هذا الجليل انطلقت الرسالة وأنارت العالم كله.
"أنا معكم حتى نهاية العالم". لا، يا رب، فأنت ذاهب! بعد الصعود لن يرى الانسان يسوع المسيح كما رآه بطرس ويعقوب ويوحنا. ولكن الصعود هو عيدُ أعظم حضور: "انا معكم".
"أنا معكم. أبعاد مُشرقة! فنجّار الناصرة والمعذّب على الصليب يتحدّث الآن كالسيّد المطلق: "أُعطي لي كلُ سلطان في السماء وعلى الأرض". البشريّة كلها هي الآن تحت نظره: "إصنعوا تلاميذ في العالم كله".
إن القيامة جعلت يسوع مسؤولاً عن كل انسان. بعد أن دخل في الابدية، في ملء الاله، فهو لم يَعُد ينتمي إلى عصر محدَّد وبلد صغير. لقد صار مخلّص كل البشر وكل انسان، وسيمتد خلاصه إلى نهاية العالم.
ليس ذهابه ذهاباً. هو يرتفع نوق أعلى السماوات، ولكنه لا يتهرّب من وضعنا البشري. وهكذا يجب أن نحيا معه الحضور- الغياب. بما أنه صعد، نحن نفكر فيه "في الصلاة". ولكنه يبقى انساناً. أجل دخل انسان في قلب حياة (الثالوث) ودخلنا نحن معه لأننا نؤمن بوحدة الجنس البشري مع يسوع المسيح.
هذا لا يصدَّق، ولكن يحقّ لنا أن نحلم به. إنجذبت حياتنا بيسوع إلى السماء وهو يحمل أشواقنا إلى حيث لا يصل النظر. ويسوع هو أيضاً على الارض، حاضر معنا. ولكن عيوننا تبقى عاجزة أمام حضوراته المتعدّدة: فينا بالنعمة والصلاة، في الكتاب المقدس، في سر الافخارستيا، في الكنيسة، وخصوصاً في الاخوة.
هذا هو سر القيامة والصعود: نتعلّم أن نعيش مع يسوع "في السماء وعلى الأرض".
صعود يسوع يرفعنا إلى العلاء، ولكنه يعيدنا أيضاً إلى عالم الارض. دخل يسوع إلى السماء، ولكنّه دشَّن زمن الروح وأرسلنا إلى إخوتنا البشر. الصعود هو عيد المسيح الكامل، عيد الكنيسة التي رأسها في السماء ورجلاها على الأرض. فعلى جماعتنا أن تعي المعمودية ومتطلّباتها. فالمسيحي لا يعيش "في الغيوم" أو في الأحلام. انه يعمل في بناء ملكوت الله، ونحن...