شعبي لا يعرف ولا يفهم

 

هكذا يبدأ سفر أشعيا فيوبّخ شعباً يُقيم في عزلته، في أورشليم، مدينته المقدّسة، وحول هيكل تمسّك به فجعل منه صنماً يحتمي فيه من ضربات الله. يقولون: هيكل الربّ، هيكل الربّ. ولا يعرفون الربّ الذي يقيم فيه. كما لا يفكّرون بوصاياه، ولا يفهمون الطريق التي يرسمها لهم.

الفصل الأول من سفر أشعيا مقدّمة لمجمل الكتاب وموجز له، وقد يكون آخر ما كُتب فوُضع في البداية. هذا الفصل يُشعل ناراً لا تنطفئ (آ 31). بل تتواصل إلى نهاية الكتاب، فنقرأ في 66:24: «تمرّدوا عليّ، دودُهم لا يموت، ونارهم لا تنطفئ، ويكونون مرذولين من جميع البشر». دارَ كلامُ أشعيا هنا على الذين رفضوا أن يسمعوا كلام الله، فجاءت الدينونة قاسية عليهم. ولكن نظر الربّ يحيط بالمتواضعين والمنكسري القلوب.

في هذه النبوءة، نشاهد نار الدينونة، نار الحروب والاجتياحات، نار لسان النبيّ المشتعلة فلا تعفّ عن أحد، النار التي تدمّر فتطهّر البشريّة من أدرانها. وخصوصاً نار الربّ في جلالته الالهيّة، يحيط به السرافيم الذين هم نار محرقة. غير أنّ هذا الربّ جعل إقامته في صهيون، وهو يدعو إليه جميع أمم الأرض، بعد أن دعا إليه ابراهيم من عمق أرض العراق، فمنحه بركة تجدُ كمالها في يسوع المسيح.

ونقرأ نص أشعيا 1:1 - 9:

1 هذه رؤيا أشعيا بن آموص،

رآها على يهوذا وأورشليم،

في أيام عزيا ويوتام

وآحاز وحزقيا، ملوك يهوذا.

2 اسمعي، أيتها السماوات،

وأصغي أيتها الأرض:

فالربّ يتكلّم:

البنون الذين ربّيتهم ورفعتُهم،

هم تمرّدوا عليّ

3 الثورُ يعرف مقتنيه،

والحمارُ معلفَ صاحبه،

أمّا اسرائيل فلا يعرف،

وشعبي لا يفهم.

4 ويل للأمّة الخاطئة،

للشعب المُثقل بالإثم،

لنسل الأشرار والبنين المفسدين!

تركوا الربّ الاله،

واستهانوا بقدوس اسرائيل

وإليه أداروا ظهورهم.

5 أين تُضرَبون بعدُ،

وأنتم تُمعِنون في التمرّد؟

أعلى الرأس وكلّه مريض؟

أم على القلب وهو بأكمله سقيم؟

6 من أسفل القدمين إلى قمّة الرأس،

لا صحّة فيكم!

بل جروح ورضوض لا تضمّد

وقروح طريئة لا تُفقأ

ولا تلين بزيت.

7 أرضُكم خراب ومدنُكم محروقة،

حقولكم أمام عيونكم،

يأكل غلالَها الغرباء

خرابُها كخراب سدوم.

8 ابنةُ صهيون بقِيَت وحدها،

كخيمةٍ في كرم،

كمدينة تحت الحصار.

9 ولو لم يترك لنا الربّ القدير

بقيّة من الناجين،

لصرنا مثل سدوم،

وأشبهنا عمورة.

 

1 - سياق النصّ

بدأ كتاب أشعيا، شأنه شأن سائر الكتب النبويّة، بعنوان يبيّن مضمونه، كاتبه، زمن كتابته، قرّاءه. أمّا المضمون فرؤية. ولكن ما يلفت النظر، هو أن هذا السفر لا يتضمّن سوى القليل من الرؤى بحصر المعنى. ولكن نتذكّر أنّ الاسم القديم الذي كان يُعطى للنبي هو «الرائي» (2 صم 24:11؛ 2 مل 17:13). هو الذي رأى الله، اختبر حضوره، ورأى الأمور على ضوء هذا الحضور. لهذا، فالرؤية تدلّ على وحي يناله انسانٌ من الناس.

الكاتب هو أشعيا بن آموص، الذي نعرفه من خلال كتابه، وما يقابل فترة حياته في 2 مل 19 - 20 و2 أخ 26:22؛ 32:20، 32. إنه يُدعى النبي. ولكننا لا نعرف شيئاً عن أجداده سوى اسم أبيه: آموص.

ومتى كانت هذه النبوءة؟ في أيام أربعة ملوك. ونقرأ في 6:1 أنّ أوّل وحي ناله النبيّ، السنة التي فيها مات الملك عزيا. أي سنة 740 ق م. ولكن حكم حزقيا دام 29 سنة (2 مل 18:1)، وما عُرف بالتدقيق متى بدأ يملك حقاً، لهذا لا نعرف متى انتهت رسالة أشعيا. ولكن يبدو أنّ هذا النبيّ مات حوالي سنة 700 ق م.

والقرّاء أهل يهوذا وأورشليم. ولكن سوف تُذكر السامرة فيما بعد (28:1 - 6) وعدد من الشعوب الغريبة (ف 13 - 23). إذن، لا يُحصر الكتاب في يهوذا وأورشليم، وإن كان القسم الأكبر من نشاط أشعيا قد حصل في أورشليم، وكلامه توجّه بالدرجة الأولى إلى أبناء بلده.

الإطار التاريخيّ، هو الحرب الأراميّة (دمشق) الافرائيميّة (السامرة) على أورشليم، بمعاونة صيدون وربّما غزة. هي ممالك أرادت أن تتحالف لتصدّ الهجوم الأشوريّ. ولكنّ دمشق سوف تسقط، والسامرة أيضاً. وإذ خضع آحاز لتغلت فلاسر، وحمل الهدايا الكبيرة، نجا بحياته. وفي نهاية ما يُسمّى أشعيا الأول (ف 39)، نرى الأشوريّين مع سنحاريب يحاصرون أورشليم. ولولا الوباء، لكانت المدينة سقطت في أيديهم.

والإطار الدينيّ يشدّد على خيانة الشعب تجاه ربّه. فشعبُ يهوذا يُنكر إنعامات ربّه. والشهود هم: السماوات، الأرض، أي الكون كله هو يُدعى ليسمع كلام الربّ وفيه يوبّخ الشعب الذي اختاره ليعلن اسمه القدوس. فهذا الاله هو الخالق. وهو أيضاً الأب الذي لم يلقَ سوى التمرّد من أبنائه. ومدينة أورشليم تستحقّ عقاباً مماثلاً لعقاب سدوم وعمورة.

وفي هذه العبارة الخارجيّة، يبرز الخبثُ والرياء. يأتون إلى الهيكل فيقدّمون الكباش والعجول، ويعتبرون أنّهم أرضوا ضميرهم وأرضوا ربّهم. فما الحاجة إلى الذبائح وسائر شعائر العبادة إن لم ترافقها التوبة وتبديل السيرة، وعلى سيّما على مستوى العدالة والمحبّة الأخويّة؟

أورشليم مدينة خاطئة، فاسدة. حكّام يشاركون قطّاع الطرق، بالرشوة وظلم اليتيم والأرملة. إذن، سيأتي العقاب ويكون قاسياً، ولا سيّما إذا ترافق الجور مع عبادات كنعانيّة تتنكّر للاله الواحد.

 

2 - تفسير الآيات (1:1 - 9)

بعد العنوان، نتوقّف عند محاكمة الله لشعبه (آ 2 - 3). والسبب: هو شعب مريض يحمل الموت إلى نفسه (آ 4 - 9).

أ - العنوان (آ 1)

ذكرت ملوكاً حكموا في زمن أشعيا. هذا يعني أنّه نبيّ القرن الثامن كما قال فيه ابن سيراخ (48:24):

بقدرة روحيّة رأى الأيام الأخيرة،

وعزّى النائحين في صهيون.

اسم النبي أشعيا: الربّ يخلّص. أو: خلاص الربّ. هو برنامج كامل بعد أن حمل النبيّ بشرى الخلاص أكثر من مرّة للمدينة المقدّسة. اسم أشعيا كان اسم رفيقين لعزرا (عز 8:7، 19: نح 11:7) ولاويّين اثنين (1 أخ 25:3، 25؛ 26:25). ماذا نقول؟ أشعيا (ألف مفتوحة) أو: إشعيا (ألف مكسورة). العالم القديم يضع مدّة على الألف: آشعيا. في أي حال، هناك أكثر من تقليد، ولا بدّ من احترام كلّ موقف والامتناع عن شجب هذه الجماعة أو تلك.

هناك من ربط أشعيا بفعل عبري « ش ع ه» أي نظر. فعل نقرأه في تك 4:5: «أمّا إلى قايين وتقدمته، فما نظر (الربّ) برضى». رج أش 17:7، 8؛ 31:1؛ 41:23. ويُستعمل الفعلُ في لغة التقوى، في المدائح.

12:2 أنت يا الله مخلّصي،

أطمئنّ إليك ولا أفزع.

الربّ قوتي وتسبيحي،

وبه كان خلاصي.

 

3 تستقون المياه بفرح،

من ينابيع الخلاص.

إن فعل «ي ش ع» يذكّر بالعربيّة: وسّع. يكون الانسان في الضيق، فيأتي من يفكّ خناقه ويحرّره.

آموص (والد أشعيا) هو القويّ. إنه قريب من «أمصيا» (الربّ قوّتي) الذي كان في ما كان، اسم أحد ملوك يهوذا. وبحسب رأي انتشر واسعاً في الأوساط اليهوديّة، كان والد أشعيا شقيق أمصيا، الذي سبق عزيا إلى الحكم. هذه القرابة مع الملك تفسّر (مع أمور أخرى، وأولها أنّه النبيّ الذي يتكلّم باسم الله، ويتقوّى بقوّة الله) هذه الحريّة في معاطاته مع الملك، وهذا التدخّل في أمور المملكة، وهذه الثقافة الرفيعة التي تميّز بها كلامُه. وحسب تقليد يهوديّ آخر، عرفه آباء الكنيسة، كان والد أشعيا نبياً هو أيضاً. ما ذُكر أين وُلد أشعيا. ولكن يبدو أن موطنه أورشليم.

قرّاء أشعيا هم سكّان يهوذا وأورشليم. هذا ما كتبه مدوِّن عاش بعد المنفى البابلي (587 ق م - 538). هي جماعة مقدّسة تركت السياسة للدولة الحاكمة. تُذكر أورشليم أولاً، ثمّ يهوذا. فالأولويّة هي لأورشليم حيث مارس النبي نشاطَه كله.

 

ب - محاكمة الربّ لشعبه (آ 2 - 3)

صورةُ المحاكمة موضوعٌ يوحِّد (يربط) هذه الأقوال الصغيرة التي قيلت في أوقات ومناسبات مختلفة، عبر لفظ مفتاح. وموضوع المحاكمة نجده مراراً في الخطبة النبويّة.

41:21 قدّموا دعواكم، يقول الربّ،

وحججَكم، يقول إله يعقوب.

62:1 لأجلك، يا صهيون، لا أسكت،

لأجلك، يا أورشليم، لا أهدأ.

ومراحل المحاكمة كلّها حاضرة: الاتهام، الشهود مع أو ضد، الحكم. فكما عند سائر الأنبياء، لا تُراعَى الرسمة القانونيّة، لأن وظيفة المتّهم ووظيفة القاضي ووظيفة المحامي، وظائف ثلاث اجتمعت في يد شخص واحد هو الله. وفي قلب هذا الاله، صراع بين ضرورة العقاب والرغبة بالإبقاء على العهد. وهكذا تتحطّم الناحيةُ القانونيّة المتشدّدة.

 

النداء إلى السماع (آ 2) يتوجّه إلى السماء والأرض، فيُبرز لنا منذ البداية وجهَ الشموليّة في كتاب أشعيا: الكون كله، جميعُ الشعوب معنيّةٌ بما يحدث في أورشليم ويهوذا. السماوات والأرض عبارة معروفة في الشرق القديم. تدلّ على الكون كله. حضورها شهادة لا يمكن أن تردّ. وهو يفرض نفسه على كل العيون بحيث لا يرى ولا يسمع إلاّ الأعمى الذي لا يريد أن يرى، والأصمّ الذي لا يريد أن يسمع. بالإضافة إلى كل هذا، السماوات والأرض شاهدة، ولها مصلحة في شهادتها، لأنّ خطيئة الانسان تؤثّر على الكون كلّه. وتذكّر سدوم وعمورة (آ 10) والطوفان لبث حيّاً في تقليد الشعب، وقد أشار إليه أشعيا مراراً. فخطيئة الانسان ينتج عنها دمار الخليقة. وتوبتُه تعجّل بمجيء السماوات الجديدة والأرض الجديدة. ونجد الفكرة عينها موسّعة عند النبي ميخا، حيث الجبال وأسس الأرض تُدعى لتشهد محاكمة الله لشعبه.

مي 6:1 إسمعوا ما يقول الربّ:

قُمْ، إرفع دعواي

أمام الجبال،

ولتسمع التلال صوتي.

2 فاسمعي، يا جبالُ، دعوى الربّ

وأنت يا أسس الأرض الخالدة:

للربّ دعوى على شعبه،

ومع اسرائيل في خصام.

في أش 40 - 55 يتوسّع أشعيا الثاني في لاهوت الخلق لا في ذاته، بل على أنّه الإطار الذي فيه تتحرّك الكائنات الحيّة.

ودور الشهود يعود بنا إلى الوجهة القانونيّة: لا بدّ من شاهدين لتصحّ الشهادة، ولكفالة شرعيّة المحاكمة (تث 17:6؛ 19:15)، أو لعقد معاهدة (تث 31:21؛ يش 24:22، 27). السماء والأرض شاهدان صامتان. وكما كانا حاضرين حين وحي الشريعة على جبل سيناء (تث 4:36؛ من السماء أسمعكم صوته، وعلى الأرض أراكم ناره)، فهما يشهدان الآن بحضورهما أنّ الله كلّم بني اسرائيل. وهذا ما يمنح اتّهام الربّ جلالة خاصّة.

وقُدّم نقضُ العهد بشكل تمرّد أبناء على أبيهم. الربّ هو أبو شعبه. وذلك في ثلاث علاقات. (1) على مستوى الولادة. خاب أمل الشعب فبحثوا عن أبٍ لم يجدوه في الملك. وهنا اتخذ وجهُ ابراهيم الأب مكانةً كبيرة ليدلّ على هويّة أبناء يهوذا.

63:16 أنت يا ربّ أبٌ لنا،

فابراهيم لا يعرفنا

ولا يتعرّف علينا يعقوب

أنت، أيها الربّ، أنت أبونا،

وفادينا، منذ الأزل اسمُك.

ثمّ (2) على مستوى التربية. فالحكمة في الكتاب تتحدّث عن المعلّم على أنّه أب، وعن التلميذ على أنّه ابن. وارتبطت لغة أشعيا بهذا المحيط الحكميّ. وأخيراً (3) على مستوى الحبّ. فالأب يحبّ دوماً ابنه. رج هو 11:1؛ إر 31:20؛ ق خر 4:22.

ويرد فعلان: ربّى، رفع. هي التربية بمحبّة. مجهود الأب واضح من أجل النضوج والكرامة. حينئذ يبرز عقوقُ البنين بشكل صارخ. تمرّد. ذاك هو موقف يهوذا منذ عهد سليمان إلى الآن. هي وجهة الخطيئة في عمقها، هي القطيعة التامة. انقطع العهد، وتمرّد التابعُ لرئيسه. وهنا، تمرّد على الله. وتأتي الصورة فتقوّي الفكرة؟ هي تأتي من عالم الحيوان: الثور والحمار. حيوانان داجنان. نتذكّر هنا أنّ بكر الحمار لا يقدّم تقدمة للربّ، بل يُفتدى (خر 21:28)، شأنه شأن ولد في البيت. في عالم الحيوان منطق غريزي لا نجده في عقل يقرّر ولكنه فاسد. والعقوق واللامعروف يدلاّن على الانسان البليد، الذي لا يعرف، لا يفهم.

نشير هنا، بشكل عابر، إلى مصير الحمار والثور، انطلاقاً من حب 3:2 كما في السبعينيّة اليونانيّة. حينئذ دخل الثور والحمار في الأيقونات الميلاديّة كما قال أوريجانس، ونصّ منحول هو انجيل منحول نُسب إلى متّى: «في اليوم الثالث، بعد ميلاد ربّنا يسوع المسيح، خرجت مريم من المغارة ودخلت إلى اصطبل، وجعلت ابنها في مذود، فسجد له الثورُ والحمار». أمّا التفسير الاستعاريّ، فرأى في الحمار الشعب الوثنيّ، وفي الثور الشعب اليهوديّ (أو العكس).

 

ج - شعب مريض (آ 4 -9 )

بدأ المقطع مع «ويل». لم يعد موضوع الخطبة الربّ كما في آ 2 - 3. بل كلام عنه في صيغة الغائب. النبي ينوح - يبكي، كما في رثاء على ميت (1 مل 13:30؛ إر 22:18؛ 34:5). وتظهر علاقات النائح مع الميت. ورد اللفظ 21 مرة في سفر أشعيا في إطار حكم يتحوّل إلى تنبيه وتحذير. فالذي يتوجه إليه الويل يبدو كأنّه ميت (أجرة الخطيئة هي الموت).

الويل يدلّ على أننا أمام رعب يحرّكه وضعٌ كارثيّ يحصل قريباً، أو هو حصل (عد 21:29؛ أش 6:5؛ ار 4:13). فكأني بهذا «الويل» امتداد «لويل» صدَر من عند الربّ على انسان من الناس. الشعب تمرّد، عصى، خطئ، ضلّ، مال عن طريق الربّ. ولسنا فقط أمام عمل خارجيّ، بل موقف باطنيّ من الخطأ: النيّة والتنفيذ يترافقان. والفكر والعمل، والرغبة والعمل. والخطيئة هي عمل يُثقل كاهلَ الانسان. هذا ما قال قايين: «ذنبي أثقل من أن يُحمل» (تك 4:13). بل الخطيئة أكثر من ثقل، هي تكوّن فينا طبيعة جديدة. تلتصق الخطيئة بجلدنا كما يقول ار 13:23:

هل يغيّر الحبشيّ بشرته،

والنمر جلده المرقّط؟

إذاً تقدرون أنتم

أن تصنعوا الخير وأنتم تعوّدتم الشرّ.

فالشعب الذي وجب عليه، انطلاقاً من دعوته، أن يكون شعباً مقدّساً، صار «نسل الأشرار». في الخطيئة، يترك الانسان الله ليعود إلى الوراء، أو ليسير وراء آلهة أخرى (تث 31:16 - 20). في الخطيئة، يتغرّب الانسان عن نفسه وبالتالي عن ربّه، الذي هو قدّوس اسرائيل.

مع آ 5 نكتشف فكرة جديدة تتجسّد في صورة: الخاطئ هو مريض. والصورة طبيعيّة، لأن المرض عاقبة الخطيئة. ثمّ إن المرض هو غرفة انتظار الموت. فالمريض ميت بالقوّة لا بالفعل. والمرض تنبيه، لا دينونة. لكن إذا كان الشعب المريض لا يلتزم بمسيرة تقوده إلى الشفاء، فالدينونة تصبح أمراً لا مهرب منه.

نجد مراراً صورة المرض والخطيئة معاً. فقد يبحث افرائيم عن الدواء في غير المكان الذي يمكن أن يجده. وقد يكون الجرح طريقاً إلى الشفاء أو لا. قال إر 30:12:

12 كسرُ عظمك لا يُجبَر،

وجرحك لا شفاء منه.

13 لا أحد يهتمّ فيجبرك،

ويضمّد جراحك فتُشفَين.

وينتقل النبيّ من صورة الجسم المريض إلى صورة الأرض الخربة (آ 7). ذاك هو الترتيب المنطقيّ. فضياع الأرض هو أيضاً للشعب موت نوعاً ما. أمّا الوضع التاريخيّ الذي يناسب هذا القول، فهو حملة سنحاريب الذي ترك الدمار وراءه قبل أن يحاصر أورشليم دون أن يأخذها بسبب الوباء الذي حلّ بجيشه.

وينتهي هذا القول حول المرض والدمار، بكلمة الرجاء: ستبقى صهيون. هي لا تزال مهدّدة، ومع ذلك تُفلت من النار والدمار. ثمّ إنّ الشعب سيبقى على قيد الحياة كجماعة الناجين، كالبقيّة الباقية. فدمار سدوم وعمورة، وإن كان تاماً، لم يوقف دورة الحياة كلّها. فقد نجا لوط وأقام في مدينة نجت من الدمار، هي صوعر الصغيرة، التي لا يُحسب لها حساب (تك 19:20). إلى أي حدّ يمكن أن تكون صوعر إسقاطاً في الماضي البعيد لمفهوم أورشليم للبقيّة؟ أو هل نحن أمام تقليد قديم عن البقيّة؟ نشير إلى أنّ موضوع البقيّة كان واقعاً هاماً في رسالة أشعيا، منذ بدايتها. ولكنه اتّخذ مركزه في حقبة لاحقة، وارتبطت البقيّة بأورشليم. أجل، ما ضاع بعدُ كلّ شيء، إن تركت البقيةُ سدوم وتوجّهت إلى أورشليم. إن تركت الشرّ ومال قلبها إلى الربّ الصباؤوت. فلا شيء يستحيل عليه.

 

خاتمة

منذ البداية، تعرّفنا إلى المواضيع الهامّة التي سيتوسّع فيها أشعيا على مدّ نبوءته. هذا الذي هو أب، يرى أبناءه يتمرّدون عليه، هذا الذي هو الحبّ، لا يشعر إلاّ بالعقوق ونكران الجميل. لهذا بدأت المحكمة، فأقام الله دعواه على شعبه. ودعا شاهدَين تصل شهادتهما إلى الكون كله، بحيث يعرف الجميع أن الشعب الذي اختاره الربّ وقدّسه، هو في الواقع شعب خاطئ ونسل الأشرار. من أجل هذا كان العقاب. ولكنّ الله لا يريد موت الخاطئ، بل عودته. وإن قُطعت الشجرة، يبقى ساقها الذي سيكون زرعاً مقدّساً (6:13). وإن بقيت بقيّة، فهذه البقيّة ستكون بداية شعب جديد، بل جدّده الربّ اكراماً لاسمه. وإذا كانت السماء استعدّت للاصغاء، والأرض للسماع، أمّا حان للشعب أن يتبع الخليقة؟ وإذا كان الثور عرف مقتنيه والحمار معلف صاحبه، ماذا ينتظر اسرائيل، ماذا تنتظر كل جماعة، لكي تعرف، لكي تفهم