نشيد الكرمة

 

أمانة الله تجاه البشر، وخيانات البشر تجاه الله، موضوعان نقرأهما في الكتاب المقدّس منذ البداية إلى النهاية. خيانة على مستوى الجماعة تسيطر على المرحلة الأولى من مسيرة الانسان إلى الله. ثمّ خيانة على مستوى الفرد حيث كلّ انسان مسؤول عن نفسه، فيحاسَب بحسب أعماله شراً كانت أم خيراً. مع عالم الحكمة ونبوءة كلّ من إرميا وحزقيال، لن يقال بعد: الآباء أكلوا الحصرم وأسنان البنين ضرست، بل يُجازى الشرير بشرّه والبار ببرّه دون النظر إلى آبائه وأجداده. هذا ما أراد أن يصوّره أشعيا في نشيد الكرمة. الشعب كرمة اعتنى بها الربّ عناية فما أعطت الثمرة التي انتظرها منها. في النهاية، سيكون يسوع نفسه الكرمة الحقّة. يعطي ثمراً ويطلب منا أن نشاركه. ولكنه يقول لنا: بدوني لا تستطيعون أن تعملوا شيئاً.

ونقرأ نصّ أشعيا (5:1 - 7):

1 دعوني أنشد لحبيبي،

نشيد حبيبي لكرمه:

كان لحبيبي كرم

في رابية خصيبة.

2 نقبه ونقّى حجارته،

وغرس فيه أفضل كرمة.

بنى داراً في وسطه،

وحفر فيه معصرة،

وانتظر أن يُثمر عنباً

فأثمر حصرماً برياً.

3 والآن، (يقول حبيبي):

«يا سكان أورشليم،

ويا رجال يهوذا،

احكموا بيني وبين كرمي.

4 أي شيء يُعمَل للكرم

وما عملته لكرمي؟

انتظرت أن يثمر عنباً،

فلماذا أثمر حصرماً برياً؟

5 فاعلموا ما أفعل بكرمي:

أزيل سياجه فيصير مرعى،

وأهدم جدرانه فتدوسه الأقدام.

6 أجعله بوراً لا يُفلح ولا يُزرع،

فيطلع فيه الشوك والعوسج

وأوصي الغيوم ألاّ تمطر عليه».

7 كرم لربّ الأكوان بيت اسرائيل،

وغرس بهجته شعب يهوذا.

انتظر الحقّ فإذا سفك الدماء،

والعدل فإذا صراخ الظلم.

نتوقّف هنا عند ثلاثة أمور: بنية النص، التجذّر التاريخيّ والأدبيّ، المعنى العميق للنصّ.

1 - بنية النصّ

نجد في هذا المقطع أربع حركات تتوالى، وتتقابل في الداخل أو تتعارض. وهكذا يتدرّج القارئ ولا يصل إلى حلّ اللغز إلاّ في النهاية حيث يَبرز التوازي بكل قوّته.

أ - اهتمامات متعدّدة من قِبَل صاحب الكرمة. ولكنّها فشلت كلّها (آ 1 - 2).

ب - وطُرح السؤال على سكان أورشليم وأهل يهوذا: أحكموا أنتم (آ 3 - 4).

ج - أكثر من عقاب يفرضه الكرّام على ناكرة الجميل (آ 5 - 6).

د - مفتاح المثل (اللغز): الكرّام هو الربّ. والكرمة اسرائيل، وهكذا كُشف ما وراء الأسماء (آ 7).

لهجة التهديد التي تعلن مختلف العقوبات (ج) تقابل الإخبار المسرور بما هيّأ الله لكرمته في البداية (أ). من جهة، بركات تحقّقت في الماضي (أ). ومن جهة ثانية، لعنات في المستقبل (ج). هي نقيضة معروفة.

وأهم من ذلك دراسة هذه المعطيات: من جهة، المسألة التي طُرحت على أهل يهوذا مع سؤال لا يقدرون أن يتفلّتوا منه. ومن جهة ثانية، لماذا هذه المسألة؟ القول بأنّ الحبيب هو الربّ والكرمة اسرائيل (د). كل شيء استضاء ليُخرج من الشكّ السامعين المشدودين إلى الخبر.

والطريقة التي بها يتوالى أولئك الذين يتكلّمون، يخفّف بعض الشيء من هذا التوازي: في البداية، نسمع النبي (أ). ثمّ يتكلّم صاحب الكرم مرتين (ب ج) مع علامة قطع لها دلالتها تفصل بين الاثنين. وأخيراً، يعود النبيّ ليعطي معنى المثل ويحلّ اللغز (د). في نقطة الانطلاق، قدّم أشعيا معطيات المسألة (أ)، وفي نقطة الوصول، أعطى الشرح (د): هذا ما نسمّيه التضمين أو الاحتواء. وتتنوّع الضمائر والأفعال، فتدلّ على طول باع أشعيا في هذا المجال.

أ - هو: الحبيب الذي اعتنى بكرمته أفضل عناية: صيغة الماضي.

ب - أنتم: سكان أورشليم ويهوذا. احكموا: صيغة الأمر.

ج - أنا: الحبيب. سأعاقب ناكرة الجميل: صيغة المضارع.

د - هي (الكرمة) بالنظر إلى «أنتم» (أ). هنا لا نجد فعلاً، بل يُجعل الموصوفُ بجانب الآخر، لأنهما يترادفان.

 

2 - التجذّر التاريخيّ والأدبيّ

حضور أهل أورشليم ويهوذا (آ 3)، والموضوع الأول، موضوع اهتمامات الكرّام المتنبّه لكرمته (آ 1 - 2)، يجعلاننا نفكّر أنّ هذه القطعة ارتبطت بعيد قطاف العنب وبالتالي عيد المظال. قدّم لا 23:34 - 43 وتث 16:13 - 15 التشريع المتعلّق بهذا الاحتفال الذي يتمّ كلّ سنة، بعد اليوم الخامس عشر من الشهر السابع. كانوا يتذكّرون أنّ الله اختار الشعب والهيكل وسلالة داود، وهذا الاختيار يتواصل عبر التاريخ: شعب اسرائيل هو حقاً غرسة بهيجة وكرمة مختارة (آ 7).

نقرأ هنا ما قاله تث 16:13 - 15 عن عيد المظال أو عيد القطاف:

وعيّدوا عيد المظال سبعة أيام حين تجمعون غلّة بيادركم ومعاصركم. وافرحوا في عيدكم هذا، أنتم وبنوكم وبناتكم، وعبيدكم وجواريكم، واللاوي والغريب واليتيم والأرملة الذين في مدنكم. سبعة أيام تعيّدون للربّ إلهكم في الموضع الذي يختاره، لأنّه يبارككم في جميع غلاّتكم وفي كلّ أعمال أيديكم ولا تكونون إلاّ فرحين.

هي مناسبة مؤاتية للتأمّل في أعمال الربّ الخلاصيّة على مرّ العصور. في مثل هذه الحالة، يجب أن نفرح. وفي أي حال، لا حاجة إلى مثل هذا الارشاد، في نهاية سنة من العمل المضنيّ. وإن كانت الغلّة غير كافية، يُسقطون آمالهم على السنة الآتية. في اليوم الأول واليوم الأخير، تلتئم الجماعة في الهيكل. وخلال أسبوع كامل، يقيمون في خيام من أغصان الأشجار، تذكّراً لحياة ترافقوا فيها مع الربّ في البريّة، وامتداداً لما كان يفعل المزارعون في وقت القطاف، ليحرسوا الغلال ويمنعوا عنها اللصوص. ويروي لنا نح 8:14 - 17 كيف كانت تُصنع المظال في المدن، وما زال الأمر كذلك إلى اليوم:

وجدوا في كتاب الشريعة التي أمر بها الربّ على لسان موسى أنّ على بني اسرائيل أن يسكنوا المظال في عيد المظال، في الشهر السابع. فأذاعوا ونادوا في جميع مدن اسرائيل وفي أورشليم قائلين: «اخرجوا إلى الجبل واجلبوا أغصاناً من الزيتون والصنوبر والآس والنخيل وكلّ شجر كثيف، واعملوا المظال كما هو مكتوب». فخرج الشعب وجلبوا ذلك، وعملوا لهم مظالّ، كل واحد على سطحه وفي داره، وفي دور بيت الله، وساحة باب المياه، وساحة باب افرائيم، وعمل كلّ الجماعة الذين عادوا من السبي مظالّ وأقاموا فيها.

هي مظالّ في البيوت، في الهيكل، في الساحات. هذا يفرض وقتَ سلام لا تعكّره الحروب والقلاقل. وبالنسبة إلى قول أشعيا النبويّ، فقد يكون الاحتفال عاد إلى ما قبل الحرب الأراميّة الافرائيميّة. وموضع هذا النصّ وسط الفصول الأولى من المجموعة تجعله قبل سنة 734 ق م. غير أنّ تجذّر موضوع الكرمة في الأدب البيبلي، يبدو أكثر أهميّة من الظروف الزمانيّة التي هي معقولة وحسب. هي استعارة طبيعيّة بالنسبة إلى شعب يعتبر مثالَ حياة من الرخاء أن يقيم الانسان «تحت كرمته وتحت تينته» (1 مل 5:5). فمع الزيت والخمر، شكّلت الكرمة العنصر الثالث الأساسيّ في حضارة البحر المتوسط (مز 104:15).

وتحدّث أشعيا خصوصاً عن اسرائيل الذي هو «كرمة» الربّ، مُلك الربّ. نقرأ في 3:14: «نهبتم الكروم وسلبتم المساكين». وفي 27:2 - 5:

2 وفي ذلك اليوم،

غنّوا الكرمة المشتهاة:

3 «أنا الربّ ناطورها

في كل لحظة أسقيها،

أنطرها ليلاً ونهاراً،

لئلاّ يؤذيها أحد.

4 ما عاد الغضبُ فيّ:

إذا قاتلَها الشوكُ والعلّيق،

هجمتُ عليهما وأحرقتهما جميعاً.

5 من يلجأ إلى حماي

يصنع سلاماً معي،

سلاماً معي يصنع.

كان هو 10:1 قد سبق واستعمل هذا الموضوع (بنو اسرائيل كرمة منتشرة تثمر ثمراً كثيراً)، ولكن أشعيا توسّع فيه وأفاض. برز عنده بشكل غير عاديّ، فاستعاده مَن بعده بحيث صار معروفاً. والمسيح نفسه استعمله من أجل أمثاله: «فملكوت الله كمثل صاحب كرم خرج مع الفجر ليستأجر عمّالاً لكرمه» (مت 20:1).

وما نودّ أن نلاحظ على المستوى الأدبيّ، هو توازي الجمل

آ 7 انتظر الحقّ، فإذا الدماء

انتظر العدل فإذا الظلم.

أو: انتظر عرفان الجميل فإذا العنف

والاستقامة فإذا التذمّر.

وفي البداية، يدعو النبيّ الرب «صديقي». ففي مراسم الزواج، يكلّف العريس أعزّ أصدقائه ليُعدّ ما يحتاجه العرس. وهذا ما فعله أشعيا الذي أراد شعبه عروساً يهديها إلى الربّ «عذراء عفيفة» (2 كور 11:2) ما أضلّتها الأفكار فتحوّلت عن عريسها. أراد شعبَه مقدّساً، لا عيب فيه ولا غضن، كما قال بولس الرسول عن الكنيسة (أف 5:27). ولكن خاب أملُ النبي، وخاب أمل الربّ. انتظر العنب، فاذا الحصرم. ضرست الأسنان وما ذاق الفم حلاوة الكرمة، وتشبيه أشعيا بصديق العريس، سيعود في يو 3:29، حيث يقول المعمدان عن نفسه: «من له العروس فهو العريس. وأمّا صديق العريس، القائم بقربه ويسمعه، فإنه يهتزّ فرحاً لصوت العريس. فذاك هو فرحي».

 

3 - المعنى العميق للنصّ

نحن هنا أمام نموذج للأمثال في العهد القديم. لا ينقص فيه سوى أداة التشبيه. وحاول البعض أن يقرأ في التفاصيل تلميحات تاريخيّة محدّدة (آ 2). قالوا: الرابية هي أرض كنعان بجبلها الواقع غربيّ الأردن، وبناء البرج يدلّ على سلالة داود حيث التلاعب على الألفاظ: ليس داود هو من يبني بيتاً (الهيكل) للربّ، بل الربّ يبني بيتاً (أي سلالة) لداود.

وتحدّث آخرون عن نشيد حبّ شعبيّ أخذه النبيّ وطبّقه على علاقة الله بشعبه، في خط هوشع النبيّ. وقابلوا النصّ بما في نش 1:15: «ما أجملكِ، يا حبيبتي» أو «كرمي هو لي» (نش 8:12). وفي أدب الشرق القديم، قابلوا المرأة أو الفتاة بحقل ممتدّ.قالت حكمة بتاح حوتب: «هي حقل صالح لسيّدها». وقال أمير جبيل في رسائل تل العمارنة: «حقلي امرأة لا زوج لها، لأنّ لا زرع فيه». وشرح عريس أشوري، فيجعل امرأتَه خصبة مثل ثمر الحديقة. وقال مز 128:3 - 4:

امرأتك كرمة مثمرة،

في جوانب بيتك

وبنوك أغراس زيتون

حول مائدتك.

هكذا يبارَك الانسان

الذي يخاف الربّ.

وفي الخط عينه، العقاب المذكور في أش 5:5 - 6 يدلّ على أنّ العروس المحبوبة صارت خائنة، بحيث لن يكون لها أولاد. وإن كان لها، فهم أولاد زنى بحيث لا يعترف بهم الربّ، كما قال هوشع: بنتٌ غيرُ محبوبة. وابنٌ ليس من شعب الله.

والموضوع الذي نقرأه هنا، هو حبّ الربّ لكرمته. بل تشكي الحبيب الذي خانته حبيبته. ظلّت البداية ملتبسة حين تكلّم أشعيا عن حبيبه دون أن يلاحظ سامعوه أنّه يعني الربّ. أنشد النبي، واشتكى شكوى حبيبه بسبب حبيبته الخائنة دون أن يدلّ أنّ هذه العروس هي الشعب. ولما طُلب من الشعب أن يتّخذ موقفاً، حكم على نفسه: من العدل أن تُلعَن العروس الخائنة.

وهذا النشيد هو اتهام ومرافعة. في 3:13 - 15، عاد النبي إلى عهد الله مع شعبه:

13 وقف الربّ في المحكمة،

وتهيّأ ليدين شعبه.

14 دعا الربّ إلى القضاء

شيوخَ الشعب ورؤساءه:

«أنتم نهبتم الكروم،

وصار سلب الفقراء في بيوتكم.

15 ما بالكم تسحقون شعبي،

وتطحنون وجوه البائسين (3:13 - 15)

ونقرأ في الفصل الأول من أشعيا إتهام الربّ لشعبه في أسلوب مماثل:

2 اسمعي، يا سماوات

وأصغي، يا أرض!

هو الربّ يتكلّم.

ربّيتُ البنين ورفعتهم،

أمّا هم فتمرّدوا عليّ.

3 الثور يعرف مقتنيه،

والحمار معلف صاحبه،

أمّا اسرائيل فلا يعرف،

وشعبي لا يفهم.

18 وقال الربّ: تعالوا نتعاتب:

إن كانت خطاياكم كالقرمز،

فهي تبيضّ كالثلج.

وإن كانت حمراء غامقة

تصير بيضاء كالصوف.

19 لو شئتم أن تسمعوا

لأكلتم خبرات الأرض

وإن رفضتم وتمرّدتم،

كنتم للسيف طعاماً.

نحن هنا على المستوى القانونيّ في إطار الحقّ المدنيّ. في النهاية، يصدر الحكم. بدأ «القاضي» فاتّهم (آ 4)، ودان وأعلن الحكم (آ 5 - 6). ولكن كم نحن بعيدون عن عمل قانونيّ عاديّ يتمّ تحت قوس المحكمة! فالذي يشتكي هو الربّ، كما يُقال في نهاية النشيد (آ 7). وهو يستعدّ أن يغفر. وهكذا بان أشعيا مع سامعيه، مثل ناتان مع داود الخاطئ. روى النبيّ مثله. ولما أعلن الملك أن الرجل الذي فعل هذا يجب أن يعوّض أربعة أضعاف. كما أنّه يستحقّ القتل. وهكذا حكم داود على نفسه دون أن يدري. حينئذ قال ناتان: هذا الرجل الذي فعل كلّ هذا الشر، هو أنت (2 صم 2:1 -7 ).

كان العرض حيادياً، فاعتبر داود أنّ كلام النبيّ لا يعنيه، بل يعني غيره. ولما توضّح المثل، أصابه في الصميم. وكانت ردّة الفعل عنده التوبة، فقال: «خطئتُ إلى الربّ». وكان جواب الربّ سريعاً في فم النبي: «الربّ غفر خطيئتك» (آ 13). وكذا كان الوضع بالنسبة إلى أورشليم وبيت يهوذا. يا ليتهم يفهمون خطيئتهم! يا ليتهم يتوبون فيغفر الله لهم.

ترجّى الربّ شعبه بعد أن اهتمّ به اهتماماً خاصّاً. ولكن خاب أمله. وجاء الحكم قاسياً. في آ 2، انتظر العنب. وماذا كانت النتيجة؟ الحصرم البري. وكذلك في آ 4، وفي آ 7 جاء التطبيق مرتبطاً بواقع يعيشه سكّان يهوذا وأورشليم: انتظر الحق، فإذا سفك الدماء، والعدل فإذا صراخ الظلم.

 

الخاتمة

منح الربّ الشعب الأول الهبات العديدة، الشريعة، العهد، المواعيد. اختاره وانتظر منه جواباً يوافق هذا الاختيار ويأخذ بعين الاعتبار الحماية التي أمّنها له. وهو يمنح الشعب الثاني، يمنح الكنيسة، وجماعاتنا، وكلّ فرد منّا، مواهبه وبركاته. وهو ينتظر منا أن نستلهم أعمالنا وتصرّفاتنا من مشيئته، لا ممّا يقوله البشر. فهل يختلف جوابنا عن جواب تلك العروس، وما نوع الثمر الذي نقدّمه؟ والويل لنا إن كنا تينة ليس فيها سوى الورق. عندئذ نستحق اللعنة. ومع ذلك، أعطانا الرب مهلة. فكان من يدافع فينا، من يشفع فينا: «دعها هذه السنة أيضاً» (لو 13:8). فإن أثمرت... وإلاّ فتقطعها. نجّانا الله من هذا المصير المريع.