الربّ ملكُ الكون

 

«قدوس، قدوس، قدوس ربّ الصباؤوت». هو نشيد السرافيم ما زلنا نردّده كلّ مرّة نحتفل بالذبيحة الالهيّة: نال أشعيا رؤية الربّ، فأرسله الربّ. نحن هنا في خبر دعوة أشعيا الذي يسبق كتاب عمانوئيل (ف 7 - 9). وخبر الدعوة له فنٌّ أدبيّ معروف في الكتاب المقدّس نحاول أن نتعرّف إليه.

في هذا المقطع يروي أشعيا (أو أحد تلاميذه) وكأنّه يروي سيرة حياته، كيف صار نبياً. حدّد المكان: في الهيكل. والزمان: في السنة التي فيها مات الملك عزيا. أي سنة 740. والسؤال المطروح هنا: من هو الملك في أرض يهوذا؟ سلالة داود، أم ملك السماء؟ وكيف يمثّل ابنُ داودَ المُلكَ الالهيّ؟ يقول الناس: مات الملك، عاش الملك. من الذي يجعل التواصل في البلاد؟ عملُ الله هو الذي فعل، ويقدر اليوم أيضاً أن يُجري المعجزات. فيبقى على الملك والشعب أن يؤمنوا به في قلب الواقع الذي يعيشون، ويجعلوا فيه ثقتهم لا في ملوك الأرض، ولا سيّما الملك الأشوري الذي يمكن أن نركع أمامه ونطلب رضاه.

 

ونقرأ النصّ الكتابي (6:1 - 8)

1 في السنة التي مات فيها الملك عزيا، رأيتُ السيّد الربّ جالساً على عرش عال رفيع، وأطرافُ ثوبه تملأ الهيكل.

2 من فوقه السرافيم قائمون، ولكلّ واحد ستّة أجنحة. باثنين يستر وجهه، وباثنين يستر رجليه، وباثنين يطير.

3 وكان واحدهم ينادي الآخر ويقول: «قدوس، قدوس، قدوس الرب القدير. الأرض كلّها مملوءة من مجده».

4 فاهتزّت الأبواب من أصوات المنادين، وامتلأ الهيكل دخاناً.

5 فقلت: «ويل لي! هلكتُ لأني رجل دنسُ الشفتين، ومقيم بين شعب دنس الشفاه. والذي رأته عيناي هو الملك الربّ القدير».

6 فطار إليّ أحدُ السرافيم وبيده جمرة أخذها بملقط من المذبح

7 ومسَّ فمي وقال: «أنظر! هذه مسّت شفتيك، فأزيل إثمُك وكُفّرت خطيئتك»

8 وسمعتُ صوت الربّ يقول: «من أرسل؟ من يكون رسولاً لنا»؟ فقلتُ:

«ها أنا لك، فأرسلني».

 

1- خبر الدعوة فن أدبيّ

قال الكتاب أكثر من مرّة: لا يستطيع الانسان أن يرى الله ويبقى على قيد الحياة. ومع ذلك قال أشعيا (آ 5): «رأت عيناي الربّ القدير». تلك كانت خبرة موسى على جبل سيناء في خر 33:18 - 23:

فقال موسى: «أرني مجدك». فقال الربّ: «سأعرض كلّ جلالتي أمامك وأنادي باسمي أنا الربّ على مسمعك، وأتحنّن على من أتحنّن وأرحم من أرحم». وقال: «أمّا وجهي فلا تقدر أن تراه، لأن الذي يراني لا يعيش. وقال الربّ: «هنا مكان بجانبي تقف فيه على الصخرة. وحين يمرّ مجدي أجعلك في فجوة الصخرة وأغطّيك بيدي حتى أمرّ. ثمّ أزيح يدي، فتنظر ظهري. وأمّا وجهي، فلا تراه.

وجدعون، أحد قضاة اسرائيل، خاف لأنّه رأى (ملاك) الربّ وجهاً لوجه. فقال له الربّ: «سالماً تبقى. لا تخف، فإنّك لا تموت» (قض 6:22 - 23). ووالد شمشون، منوح، سيقول لامرأته (التي لا يُذكر اسمها): «سنموت لأننا رأينا الله». فأجابته: «لو أنّ الربّ أراد أن يُميتنا، لما كان قبل من أيدينا محرقة وتقدمة، ولا كان أرانا جميع ما رأينا، ولما أسمعنا ما سمعناه الآن» (قض 13:22 - 23).

وكان أشعيا في خط هؤلاء: فهو يقول: «ويل لي! هلكت... رأت عيناي الرب القدير» (آ 5).

خلال الرؤية، يرى الأنبياء الشرّ الآتي ولا يرون الربّ. ذاك مثلاً كان وضع إرميا: رأى عمل الربّ المتقدّم من خلال شجرة لوز تزهر. وخصوصاً رأى الشر «يهبّ من الشمال على جميع سكان هذه الأرض» (ار 1:14) من خلال وعاء يغلي. ولكن يشذّ عن هذه القاعدة ما نقرأ في 1 مل 22:19 - 23:

فقال ميخا: «رأيتُ الربّ جالساً على عرشه، وجميع ملائكة السماء وقوف لديه، على يمينه وشماله. فسألهم الربّ: ''من يغوي أخاب بالصعود للحرب في راموت جلعاد''؟ فأجاب هذا بشيء، وذاك بشيء آخر. وأخيراً، خرج روح ووقف أمام الربّ وقال: ''أنا أغويه''. فسأله الرب: ''بماذا''؟ فأجاب: ''أجعل جميع أنبيائه ينطقون الكذب''. فقال له الربّ: ''أنت تقدر أن تغويه. فافعل هكذا''. ثمّ قال ميخا للملك: ''الربّ قصد لك الشرّ، فجعل روح الكذب في أفواه أنبيائك هؤلاء، فما نطقوا بالصدق».

نصّ ميخا بن يملة (الذي هو غير ميخا أحد الأنبياء الاثني عشر)، قريب من نص أشعيا، وإن لم يرد فيه رؤية يبدأ فيها النبي رسالته. كلاهما تحدّثا: رأيت الربّ. سمعتُ الربّ. وصوّرا البلاط الالهيّ: السرافيم أو كلّ جند السماء. هم وقوف إجلالاً لهذا الجالس على عرش عالٍ رفيع. نحن هنا أمام أسلوب أدبيّ يليق بالكلام عن لقاء بالله وإدراك للرسالة الملقاة على عاتق النبيّ. وهكذا تتوجّه قراءتُنا فلا تتوقّف عند التفاصيل وكأننا أمام خبر نراه بعيوننا. إنما ننطلق من المواد التي بين أيدينا، فنتعرّف بدورنا إلى جلالة الله، ونسمع صوته في أعماق قلوبنا. هو يدعونا ليرسلنا. فما يكون جوابنا. ليته مثل جواب أشعيا مهما قيل فيه: «ها أنا لك، فأرسلني».

لا اعتداد في هذا الجواب. بل ثقة بالله الذي خلق نبيّه من جديد. كان أمام ملك من الأرض. والآن هو أمام الملك السماويّ. كانت مهمّته بسيطة نسبياً وهو القريب من الملك، ويستطيع أن يكلّمه ساعة يشاء (لا مثل إرميا). أمّا اليوم، فالمهمّة شبه مستحيلة بعد أن صار «قلب هذا الشعب قاسياً، وأذناه ثقيلتين. وعيناه مغمضتين» (6:10). جاءت الجمرة. أو بالأحرى: هي النار التي تدلّ على حضور الله. كما مسّت يدُه ترابَ الأرض فصار آدم نفساً حيّة، مسّت جمرتُه شفة النبي، فزال إثمه، وكفّرت خطيئته. من أزال الاثم وكفّر الخطيئة؟ الربّ نفسه. هذا ما نسمّيه المجهول الالهي. إذن، الله هو الذي، بقداسته، جعل النبيّ يشعر أنّه غير مستحق. بل صار قريباً من الموت. كما جعله يشعر أنّه صار جديراً بأن يحمل الرسالة. لهذا قال بثقة كاملة بالله، لا بنفسه: «ها أنا لك، فأرسلني».

 

2 - الربّ السامي سيّد التاريخ

نحن أمام لقاء بالربّ. وسوف يكتشف النبيّ أمرين مهمّين. الأوّل، الربّ هو الاله السامي الذي لا يستطيع السرافيم أنفسهم أن ينظروا إلى وجهه. فكلّ ملاك «يستر وجهه بجناحين». فكيف يستطيع أن يراه الانسان، أن يدركه، أن يضع يده عليه كما على صنم ميت لا حراك فيه؟ كلّ ما يحقّ للسرافيم هو خدمته: يستر الملاك رجليه، كما كان الكاهن يفعل في الهيكل وهو العريان، الضعيف، أمام الله: يغطّي جسده بإزار. وهي خدمة سريعة. لهذا يقول النصّ عن كلّ من السرافيم: بجناحين يطير. لا شكّ يُرسم الملاك بجناحين في الأيقونات. ولكن أبعد من الصورة التي تمنعنا من أن نصوّر الله الذي لا يُرى، هناك الفكرة القائلة بأنّ الملاك ينفّذ أوامر الرب ويُسرع في تنفيذها. فكيف يكون تصرّف الانسان؟

والأمر الثاني: هذا الربّ المتسامي لا يبتعد عن حياة البشر وكأنّها لا تهمّه. ولا يهمل تاريخه ويتركه يسير مسيرته، بحيث يأكل الذئب الحمل، والنمر الجدي، والدب البقرة (رج 11:6 - 7). فالربّ هو في قلب التاريخ. هو سيّد التاريخ. ويعتبر ملكين كبيرين، مثل رصين ملك آرام (عاصمتها دمشق) وفقح بن رمليا، ملك اسرائيل (عاصمتها السامرة): «ذنبين مشتعلَين، مدخّنين» (7:1 - 4). ماذا يستطيعان تجاه من هو نار آكلة، من «غطّى جلالُه السماوات، وامتلأت الأرض من التهلّل له». من «يجيء كلمعان البرق، ومن يده يسطع النور، وفي يده تستتر عزّته» (حب 3:3 - 4). هو لا يُظهر هذه القدرة إلاّ ساعة يشاء.

حين نقرأ 6:1 - 7، أي خير دعوة أشعيا، نلاحظ أنّ الرؤية ترد في آية واحدة، بل نصف آية: «رأيت السيّد الربّ جالساً على عرش عالٍ رفيع، وأطراف ثوبه تملأ الهيكل» (آ 1). ما أراد أشعيا أن يبيّنه: كيف يمارس الربّ سلطانه وهو ملك الملوك، لا ملك وحسب على مملكة صغيرة مثل يهوذا بعاصمتها أورشليم.

الإطار هو الجلوس على العرش بالنسبة إلى ملك جديد، كما كان الوضع لأحاز بعد أن مات والده الملك عزيا. أو هو ممارسة السلطان بشكل عادي. ما نلاحظ هو أنّ الربّ سيّد في الهيكل. يملأ بحضوره الهيكل. وهو أيضاً سيّد الأرض كلّها. فهي «مملوءة من مجده». أي من أعماله التي تدعو البشر لتمجيده. فالكون كلّه عمل الله، والله يأمره فيأتمر. أترى الملك الأرضي يعرف أن يُطيع الله كما تطيعه السماوات مع السرافيم، والأرض مع جميع الخلائق؟ هذا ما لن نراه عند أحاز الذي دعاه أشعيا إلى الإيمان إن أراد أن يكون الأمان والسلام في أرضه (7:9). في أي حال، مات عزيا. ومثله يموت أحاز وحزقيا الذين عرفهم أشعيا ملوكاً في يهوذا. ولكنّ ملكاً واحداً يبقى، هو الربّ الاله. ربّ الأكوان أو الربّ القدير الذي رآه أشعيا بعينيه (آ 5).

 

3 - بين السرافيم والنبيّ

أ - السرافيم

في آ 2 - 4، نتعرّف إلى الذين يُنشدون مُلك الله. هم وقوف كما يقف الحرس حول ملكهم ليحموه من كلّ خطر. أمّا في رؤية ميخا، فالربّ يجلس وسط حاشيته. لا شكّ في أنّ الصورة مأخوذة من العالم الكنعاني، حيث إيل يجلس في جماعة الآلهة. ولكن لا ننسى أنّ كتاب الملوك دوّن في شكله النهائيّ بعد المنفى، وسيطرة المونوتاويّة أو عبادة الله الواحد. لهذا غاب «الآلهة» وبقي حول الربّ من هم خدّامه، الذين لا يختلفون عن أي مخلوق على الأرض، يسترون وجوههم. وكلّ عملهم هو إنشاد مجد الله.

نشيدُهم الذي يورد الصفات الالهيّة، يحمل الأضداد. من جهة، الرب هو في الأعالي، بل أعالي الأعالي، «على عرش عال رفيع»، لا يقدر أحد أن يصل إليه. هو الآخر الآخر. هو ملك، والملوك الذين يجلسون على عرش عالٍ يصِلون إلى موطئ قدميه. ومن جهة ثانية، هو يقيم على الأرض، هو ربّ الصباؤوت. أي ربّ الجنود. يدخل في حرب مقدّسة ويحارب مع شعبه. وعبارة «يهوه صباؤوت» هتاف يرافق تابوت العهد في تنقّلاته (1 صم 1:3، 11؛ 4:3، 4 ...). والنتيجة التي يستخلصونها من هذين الضدّين، هو أن ذاك الذي يملأ مجده الهيكل فيُرعب الانسانَ الخاطئ، هو ذاك الحاضر في الكون. هذا الاله يفعل في العالم دون أن يكون من العالم.

ما أضافت آ 4 عنصر وصفٍ واحداً على نشيد السرافيم. بل قدّمت طريقة عرفتها التيوفانيات (خر 20:18؛ مز 24:1 ي) لتدلّ على حضور الله وتجلّيه. كانت رؤية أشعيا في الهيكل فاهتزّت أبوابه، كما تهتزّ الأرض. أمّا رؤية ميخا، ففي السماء. غير أنّ ذاك المقيم في السماء، في تساميه وتعاليه، هو الذي يكشف عملَه المباشر في تاريخ الكون.

ب - أشعيا

ماذا كانت نتيجة لقاء النبي بالربّ؟ شعر بخطيئته. اعترف بها، فطهّره الربّ، طهّر شفتيه لكي تستطيعا حمل الكلمة. وخبرة أشعيا هنا هي خبرة جميع البشر في العهد القديم: التقى الله فأحسّ أنّه هالك، مائت لا محالة. وردةُ الفعل هذه التي ترتبط بالرعدة المقدّسة حين يجتاح اللاهوت أرضنا، أراد أشعيا أن يعمّقها. لسنا أمام نجاسة طقسيّة كما عند شخص لمس ميتاً أو أصابه مرض. فالسبب الأساسيّ هو الرعدة: خطيئة النبي وخطيئة شعبه. هذه الخطيئة هي واقع بالنسبة إليه، فتجعله غير أهلٍ بأن يرى الله. إن هذا الادراك العميق، دفعَ النبيّ لكي يتجاوز المقولات حول الطاهر والنجس، كما اعتاد الكهنة أن يفعلوا. فلفظ «نجس» ترافق مع الشفة. هذا يعني أن الخطيئة تصيب الشفاه التي تتكلّم والقلب الذي يتصوّر المشاريع البشريّة. إذن، جذبته عظمة الله وجلالته فأدرك عمق الشر الذي يتشارك فيه مع شعبه.

وكانت طقوس التكفير لدى الكهنة، تقديم الذبائح. ولكنّ الذبيحة تكفّر النجاسة الخارجيّة، ولا تقدر أن تمحو الخطيئة التي في قلب الانسان. فالشفاه التي هي أداة النطق، تكشف في الوقت عينه أفكار الانسان ومشاريعه. هذه الخطيئة يغفرها الله وحده، وهو يفعل بواسطة خدّامه السرافيم. وهكذا ألّف النبي ليتورجيا خاصّة بالتطهير، مستعملاً الألفاظ والطقوس المستعملة في شعائر العبادة في أورشليم: الجمرة، الملقط، المذبح (آ 6). لمس، كفّر (آ 7).

من خلال آ 5 - 7، نفهم أيضاً أن أشعيا لا يهتمّ أولاً بوصف ما رأى. أراد أن يتجاوز الرعدة المقدّسة (التي أحسّ بها زكريا في الهيكل، لو 1:12)، فاستعمل لغة الكهنة وطقوسهم، ودعا الشعب إلى تجاوز العاطفة واللاوعي للخطيئة الحقيقيّة، بحيث لا يكتفي بالتطهير الخارجيّ. في هذا قال مز 51: «أنت بذبيحة لا تسرّ، وبمحرقة إذا قدّمتُها لا ترضى» (آ 18). وتابع المرنّم في خط أشعيا: «ذبيحتي لك يا الله روح منكسرة، والقلب المنكسر المنسحق لا تسحقه» (آ 19). الله هو من يخلق القلب الطاهر، ويكوّن الروح الجديد (آ 12). حينئذ تنفتح الشفتان ويجود الفم من أجل التهليل للربّ (آ 17). وهكذا تشرّب النبي خبرة الله، فعرف أنه صار نقياً، طاهراً. وبالتالي يستطيع أن يسمع كلمة الله بانتظار أن يعلنها.

ج - النبيّ الخادم

هذا ما نعرفه في آ 8. من نرسل؟ ها أنا لك. فأرسلني. في خبرة ميخا، وجّه الله كلامَه إلى البلاط السماويّ، إلى الملائكة. ثمّ أرسل واحداً منهم. أمّا هنا، في الهيكل، فوجّه كلامه إلى النبيّ. من ينفّذ مشيئة الله؟ لا ملاك من السماء، بل انسان. هكذا تُنزع الصور القديمة من مخيّلة المؤمنين، ولكنها ستعود مع أسفار دوِّنت بين العهدين، فكثر عدد الملائكة الفاعلين، على حساب الانسان الذي يشاهد فقط، ويسمع ولكنه لا يفعل شيئاً. مع أشعيا نزلت السماء على الأرض، وأخذ الانسان مسؤوليّته. ها أنا.

وما اعتُبر ملاكاً في نظرنا، هو مرّات عديدة انسان من الناس. ذاك كان الوضع بالنسبة إلى هاجر التائهة في البرية. تحدّث النصّ عن «ملاك الربّ». أي عن حضور الربّ عبر رسوله. وهذا «الملاك» يمكن أن يكون انساناً كلّمها بكلام الحكمة: ارجعي إلى سيّدتك (تك 16:7، 19). وحين مضت هاجر مع اسماعيل ابنها، جاءها الملاك (أو رسول من عند الله، ولماذا لا يكون أحد الرعاة) ودلّها على «بئر الماء» (تك 21:19). وما يثبت قولنا، الكلام عن «رجل» يسأل يوسف عن وجهة سيره ويخبره عن إخوته (تك 37:15. في آ 17، هو الرجل. هو مرسل الله). وفي سفر طوبيا، ذاك الذي رافق طوبيا هو عزريا بن حننيا (طو 5:13). وفي النهاية يعرّف عن نفسه: «أنا رفائيل أحد الملائكة السبعة الذين يرفعون صلوات القديسين ويخدمون أمام عرش الواحد القدوس» (طو 12:15).

شدّد أشعيا على دور الانسان الذي يحمل الرسالة إلى إخوته. فالله الذي يرسل الملاك، يرسل النبيّ أيضاً، والواحد يفعل ما يفعله الآخر، لا بقدرته الخاصّة، بل بقدرة الله. وهكذا شدّد النبيّ في الوقت عينه أنّ الدعوة النبويّة لا تأتي من عند البشر، بل من عند الله. فنبيّ الملك يتكلّم بحسب ما يريد الملك. هكذا كان الأنبياء الكثيرون تجاه ميخا بن يملة: «بصوت واحد تنبأوا للملك بالنصر» (1 مل 22:13). كلامُهم واحد، لأنّه كلام معلّمهم. أمّا ميخا فقال: «ما يقوله لي الربّ أقوله هنا» (آ 14). إنّه نبيّ الله ويتكلّم باسم الله. يحمل كلام الله.

وهذا الادراك العميق للرسالة ينكشف في الحوار بين الربّ وأشعيا، في أنّ كلّ إرسال يدلّ على مهمّة نبويّة. إلاّ أنّ تفرّد أشعيا بجواب واثق، يرتبط بشخصيّته بحيث يختلف عن إرميا (ار 1:4 - 10). ولكن أبعد من ذلك. قال: ها أنا، فدلّ على موقف خادم الملك المستعدّ أن ينفّذ أوامر سيّده. مثلاً، نادى شاول الملك، أحد معاونيه أحيطوب. فأجاب: «ها أنا يا سيّدي» (1 صم 22:12). وأخبر أحد الجنود أنّ شاول ناداه. فقال: «ها أنا، يا سيّدي» (2 صم 1:7). وهكذا التقى أشعيا بالله الذي يمارس مُلكه، فانطبعت رسالتُه بهذه الخبرة. النبيّ سيكون رسول هذا الملك سواء سمع الشعب أو لم يسمع. وهكذا لا نتوقّف على السيكولوجيا (الدراسة النفسيّة) كما يفعل البعض، للتعرّف إلى شخصيّة النبيّ. فلقاؤه بالربّ هذا وجّه كلّ حياته. هو الله يكلّمنا بلغتنا ويهيّئنا لكي نفهم لغته.

 

الخاتمة

وهكذا تنظّم خبرُ الدعوة هذا حول نقطة مركزيّة: مُلك الربّ. السرافيم ينشدون هذا الملك، والنبيّ يعترف به بحيث ينطبع جوابه بخبرة الله الذي هو ملك الملوك. هذا ما أبرزته آ 1. غير أنّنا لا نستطيع أن نقول إنّ أشعيا صوّر الاله الذي رآه. بل هو أشار إلى جلالته في اللغة الملكيّة في عصره، فشدّد على الطابع الآنيّ، والشامل، والفريد، لسلطان الله. شابه سائر الأنبياء في عصره، فكشف لمعاصريه كيف يعمل الله في التاريخ.

ولكن ما سبقه نبيّ من الأنبياء فتحدّث عن الربّ الذي هو ملك الكون. كيف نفهم هذا الجديد عنده؟ لعب السياقُ السياسيّ دوراً جوهرياً في هذه الخبرة. فأشعيا يعيش في فترة حاسمة من تاريخ يهوذا. فللمرّة الأولى منذ الإقامة في فلسطين، تكوّنت امبراطوريّة عظمى، امبراطوريّة أشورية. وخطّطت للسيطرة على المسكونة، وهدّدت وجود الممالك الصغيرة، لحاجتها إلى فلسطين من أجل مرور الجيوش والمؤن نحو مصر، ومن أجل الأعمال التجاريّة. ونتذكّر هنا أنّ رسالة أشعيا التي بدأت سنة 740 وانتهت سنة 701، ترافقت مع الهجمة الأشوريّة إلى المنطقة، من زمن الحرب الأراميّة الافرائيميّة إلى حصار أورشليم على يد سنحاريب الذي أجبر على التراجع، لأنّ الوباء فتك بجيشه، ولأنّ ولديه تآمرا عليه.

تجاه هذه القوّة الغاشمة، ماذا يستطيع «يهوه» الاله الوطنيّ أن يفعل؟ من يكفل مواعيده مع ضعف شعبه، تجاه مردوك إله أشورية؟ وهكذا بدا العالم الدينيّ التقليديّ ينهار، بعد أن تبدّل الوضعُ السياسيّ الذي تألّف من ممالك صغيرة تتوازن في تحالفاتها دون أن تدمّر الواحدة الأخرى. في قلب هذه الأزمة ظهر أشعيا. وكان له لقاء حميم مع الربّ أدرك فيه أنّ سلطة الربّ تتجاوز حدود أرض فلسطين. فيهوه، الاله الوطنيّ، وإله القبائل، يمارس منذ الآن سلطانَه على الكون كلّه. وسيكون كورش الفارسيّ مثلاً، أداة في يده.

وجدّد أشعيا التفكير الدينيّ أيضاً، لأنّه نقّى تقليداً ملتبساً في الإيمان اليهوي: كانت النظرة إلى مُلك الله مشوّهة بتمثّلات مرتبطة بالميتولوجيا الكنعانيّة. حاربها الأنبياء ولا سيّما إيليا واليشع وهوشع. أعاد أشعيا قراءة التعابير الجديدة، فكشف أنّ إيمان النبيّ يقدر أن يستعمل لغة مأخوذة من ديانة غريبة لكي يعطي إيمانَه حياةً جديدة. أمّا هكذا فعل هوشع حين أخذ ممارسة الزواج في ديانات كنعان، وما خاف أن يجعل الربّ العريس والزوج الذي يتزوّج شعبه، أن يجعل الربّ الأب والأم في تربية الطفل واحتضانه وإطعامه؟

خبرةُ أشعيا بدت خبرة فريدة فتداخل التعبير الإيمانيّ والعالم السياسيّ. فالإيمان يعيشه الملك في قلب السياسة، والويل له إن ترك انفصاماً بين الاثنين. فما معنى إيمان أحاز حين يسلب الهيكل غناه ويحمله إلى ملك أشور الذي اعتبره الجميع ملك الملوك، الذي يسجد لديه كلّ هؤلاء الملوك الصغار في لبنان وسورية وفلسطين. لا. ففي نظر أشعيا، وحده عرش الله يكون في موضع عالٍ رفيع. لهذا يهتف المزمور الثاني:

10 فيا أيها الملوك تعقّلوا،

واتّعظوا يا حكّام الأرض!

11 أعبدوا الربّ بخوف،

وبرعدة قبّلوا قدميه

12 لئلا يغضب فتهلكوا سريعاً.

هناك من يندهش أو يتشكّك من هذه اللغة. حينئذ يكون على خطأ. فدعوة أشعيا تدلّ على إرادة الله بأن يكلّم البشر بلغتهم. وهذه اللغة التي انطبعت بالحضارة والتاريخ وشعائر العبادة الغريبة، قد انطبعت أيضاً بالعالم السياسيّ الذي أقام فيه أشعيا، والذي يقيم فيه كلّ واحد من