عمانوئيل، الله معنا

 

يتضمّن ف 7 خبرين متوازيين ومتكاملَين لتدخّل أشعيا لدى آحاز. ونجد في كلِّ من المقطعين قولاً نبوياً احتفالياً تسبقه مقدّمةٌ تاريخيّة. التدخّل الأول (7:4 -9) سبقته آ 1- 3 وما لدى الشعب من خوف من هجمة على مدينة أورشليم وملكها. التدخّل الثاني (آ 13 - 16) مع القول عن عمانوئيل. تسبقه آ 10 - 12 حيث يرفض الملك آحاز أن يطلب آية، لأنّه لا يريد أن يجرّب الربّ. في الواقع، هو يخاف أن يطلب من الله. لأن طلبه سيفرض عليه التزاماً. لهذا تهرّب. أمّا أشعيا فسوف يعلن آية، لا لآحاز، بل لبيت داود: هي علامة قريبة تدلّ على ما يحدث في البعيد فيدلّ على أمانة الله لنسل داود. ولكنّ التتمّة الحقيقيّة لهذه الآية، ستكون في شخص يسوع الذي وُلد من العذراء مريم بفعل الروح القدس.

ونقرأ النصّ الكتابيّ (7:10 - 14)

10 وعاد الربّ وقال لآحاز:

11 أطلب لنفسك آية من عند الربّ إلهك،

إمّا من أعماق الهاوية، وإمّا من أعالي السماء».

12 فقال آحاز: «لا أطلب ولا أجرّب الربّ».

13 أمّا أشعيا فقال: «اسمعوا يا بيت داود!

أمّا كفاكم أن تُضجروا الناس حتّى تُضجروا إلهي أيضاً؟

14 ولكنّ السيّد الربّ نفسه يعطيكم هذه الآية:

ها هي العذراء تحبل وتلد ابناً،

وتدعو اسمه عمانوئيل».

 

1 - سياق النصّ

أ - كتاب عمانوئيل

إنّ المجموعة المكوّنة من 7:1 - 9:6 تُدعى عادة «كتاب عمانوئيل». وخبر دعوة أشعيا (6:1 ي) يشكّل لها توطئة. وتتوالى مختلفُ العناصر التي تكدّست في هذا الكتاب حسب الترتيب الأزماني، وتوزّعت بين سنة 740 (موت الملك عزيا، 6:1) وسنة 728 (انضمام حزقيا الى العرش، كما في 9:5 - 6). أمّا الحدث الذي يُشرف على هذه الحقبة، والذي تجد مقاربتُه ونتائجه صدى في كلّ من القولين النبويّين (آ 1 - 9، آ 10 - 14)، فهو اجتياح أرام (عاصمتها دمشق) وافرائيم (أو اسرائيل، عاصمتها السامرة) بواسطة الجيوش الأشورية، بقيادة الملك تغلت فلاسر الثالث، سنة 734 - 732. وتبع هذا الاجتياح سنة 723 تقسيم مملكة الشمال التي خسرت منطقة شرقيّ الأردن والجليل والساحل (8:23).

ليست هي المرّة الأولى التي فيها يَثقل التهديدُ الأشوريّ على المنطقة: فبعد هدوء دام ستين سنة، كان تغلت فلاسر الثالث قد جاء إلى المنطقة من سنة 743 إلى سنة 738. ولكن في هذه المرّة سيجتاح فلسطين اجتياحاً مباشراً وقاسياً. والمناطق التي ما ضمّها المنتصر، وجب عليها أن تُقرّ بسيادته. في مثل هذا الظروف، أين صار حقّ الربّ السامي على الأرض التي أعطاها لشعبه؟ وماذا بقي من مواعيد أعطيتْ لداود ولنسله (2 صم 7:12 - 16)؟ وهي مواعيد تزعزعت حين انشقّت مملكة الشمال عن أورشليم.

وكتاب عمانوئيل الذي يبدأ بتحوّل في الملك وينتهي بمجيء ولد ملكي (سيشارك في الحكم)، يدلّ على الطريقة التي بها يردّ أشعيا على هذه المسألة الحياتيّة. فهو كنبيّ أرسله الربّ، يتّخذ موقفاً في الأزمة لكي يوكّد على أمانة الله ويفرض بالمقابل أمانة لله لا مساومة فيها. ونضيف أنّ كتاب عمانوئيل الذي جُمع بعد سنة 728 (ربما بعد سقوط السامرة بيد الأشوريّين سنة 722 - 721) حافظ على آثار تصحيحات دلّت على قراءة جديدة تمّت سنة 701، يوم عرفت مملكة يهوذا (عاصمتها أورشليم) الاجتياحَ الأشوريّ.

ب - الحرب الأراميّة الافرائيميّة

إنّ طلائع الاجتياح الكبير الذي قام به تغلت فلاسر الثالث، كان الحرب الأراميّة الافرائيميّة بحسب تسمية المؤرّخين، وقد ذُكرت ظروفها في بداية ف 7. أراد ملكا دمشق والسامرة أن يكوّنا حلفاً يقف في وجه أشور المخيف، فهاجما أورشليم سنة 735 - 734 ليحطّا عن العرش آحاز، الملك الشاب، نسل داود وخلفه. فمضى أشعيا إلى آحاز حيث يراقب أعمال تحصينات المدينة (آ 3). قال له: لا تخف. بل ثق بالربّ. فملكا دمشق والسامرة ليسا بشيء أمام ذاك (الله) الذي يحمي سلالة داود. وما سوف يزول قريباً ليس مملكة أورشليم، بل مملكة السامرة.

هذا التدخّل الأول للنبيّ باسم الربّ، ظلّ بغير نتيجة. فقام النبيّ بمحاولة ثانية هي موضوع القطعة التي نقرأ (7:10 - 14).

 

2 - أطلب آية (7:10 - 12)

في الحقيقة، لم يقتنع آحاز بما قاله أشعيا. ارتعب بتهديد قاسٍ له من قبل الحلفاء (رج 2 أخ 28:5، 7 حيث المواجهة كلّفته غالياً). فاستعدّ لأن يطلب النجدة من عدوّهما، ملك أشور، بعد أن يدفع جزية قاسية ويعترف بسلطة الملك الأشوريّ (2 مل 16:7 - 9). هو خيار له تبعات جسام، لأنّ وصاية هذا المتسلّط المرعب ستمتدّ إلى جميع المجالات على حساب حقوق الربّ، والسلالة التي اختار، والشعب (2 مل 16:10 - 18). وكلّ هذا بسبب خطر لن يكون بعد سنة، سوى ذكرى عفّاها الزمن.

جاءت آ 10 من تدوين الجامع، فما أعطتنا تفصيلاً واحداً عن الظروف التي فيها توجّه البلاغُ النبويّ الجديد إلى الملك. لا يُذكر اسمُ أشعيا. أمّا الحوار التالي فقد يكون تمّ خلال احتفال ليتورجيّ، في الهيكل.

إذ أراد الربّ أن يُسند ثقة آحاز المتزعزعة، عرض عليه آية (آ 11) وتركه أن يختار. هكذا اختار جدعون آية (قض 6:36 - 40) قبل أن يلتزم بما طُلب منه. ونال ابراهيم آية تتحدّث عن نسله الذي سيكون عددُه عددَ النجوم (تك 15:5 - 6) أو حبات الرمل (تك 13:16). والمقابلة مع المقاطع المتوازية (8:18؛ 20:1 ي؛ 37:30؛ 38:7، 8) تبيّن لنا أنّ الآية، في نظر أشعيا، ليست بالضرورة معجزة، بل واقع حاضر (أو قريب جداً) يرتبط بحدث مُقبل سيأتي فيثبت معناه. وليست الآيةُ فقط إشارة، بل هي في الوقت عينه بداية تحقيق. لهذا فالمهلة التي تفصل الآية عن الحدث المعلن ليست طويلة جداً، لبضع سنوات، إذا طالت. بل يكون شخص، بموقفه أو اسمه (يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشخصيته) تلك الآية. ذاك كان وضع أشعيا نفسه وأولاده:

ها أنا والأولاد الذين وهب لي الربّ،

آيات ومعجزات في اسرائيل (8:18).

واختيار الآية ليس محدوداً: فوق أو تحت. يعني على أي مستوى في الكون، لأنّ الربّ سيّد في كلّ مكان وعلى كلّ الخلائق. إذ لمح الطرح إلى العرّافين الذين كانوا يجدون آيات في السماء، وإلى الذين يدعون الموتى الذين يُفترض دفنُهم تحت الأرض، هذا الطرح ارتدى وجهة احتفاليّة، تتوافق مع خطورة الوضع، وشدّد على أنّ الآية التي تُختار، تستطيع أن تكون ما لا يرتبط في شيء، بسلطان الانسان.

ماذا كان جواب آحاز؟ لا أطلب ولا أجرّب. فمن قبلَ الآيةَ واختارها، قبل أيضاً أن يؤمن، على مثال جدعون، الذي طلب آية ثانية تثبتُ الأولى (قض 6:36 - 40). وآحاز الذي له مخطّطه، لا يريد أن يجذبه هذا المنطق، فرفضه (آ 12). وهكذا كان موقفه موافقاً لمتطلّبة عبّر عنها مراراً في العهد القديم: يحقّ لله أن يمتحن الانسان. ولكنّ خطأ الانسان يكون خطيراً إن أراد أن يمتحن الله. ولا سيّما حين يطلب معجزة. ولكن من جهة ثانية، هو تهرّب به يُبعد الربّ وما يطلبه في الواقع الحاضر، باسم احترام واجب له.

 

3 - ها هي العذراء (آ 13 - 14)

أ - تُضجرون إلهي (آ 13)

دلّ جواب النبيّ على أنّه فهم المعنى الحقيقيّ للعبارة التي استعملها الملك: أضجر. لا أتعب فقط. لفظ قويّ جداً. ما عاد الأمر يُحتمل وبعده تبدأ الخصومة والاتهام في المحكمة. نقرأ فكرة مماثلة في كلام الربّ (النبيّ) لشعبه: «رؤوس شهوركم وأعيادكم كرهَتْها نفسي. صارت ثقلاً عليّ وسئمتُ احتمالها» (1:14)، وفي الخطّ عينه قال ميخا (6:2-3 ):

فاسمعي، يا جبال، دعوى الربّ،

ويا سهول الأرض الخالدة:

للربّ دعوى على شعبه،

يقول معاتباً اسرائيل.

ماذا فعلتُ بكم، يا شعبي؟

أصعدتُكم من أرض مصر،

من دار العبوديّة افتديتكم.

هل كنت عالة عليكم؟

أجيبوا. هل أتعبتكم؟

أضجرتم إلهي أنا، لا إلهكم، وهكذا يكون الاتهام أقوى. فما من أحد يقدر أن يدعو الربّ «إلهي» إلاّ إذا وضع فيه كلّ ثقته، على مثال ما قال المزمور:

يا ربّ، يا إلهي بك احتميت،

خلّصني، وممنّ يضطهدني نجنّي (مز 7:2)

أحبّك يا ربّ، يا قوتي.

الربّ صخرتي وحصني ومنقذي.

إلهي صخرتي وبه أحتمي (مز 18:2 - 3).

ما عاد كلام النبيّ يتوجّه إلى آحاز، بل إلى «بيت داود». وهذا ما يجب أن لا ننساه حين نقرأ آ 14. كيف أتعبَ «بيتُ داود» (السلالة الحاكمة) الناس؟ بطريقة تسيير أمور الشعب، بحيث إنّ البعض راحوا في خطّ الحلف الأرامي الافرائيمي وتمنّوا أن ينزل آحاز عن العرش. نقرأ في 8:6: «رفض هذا الشعب مياه شيلو الجارية بهدوء، وابتهجوا برصين وابن رمليا». في الخطّ اليونانيّ واللاتينيّ، نفهم أنّ الربّ رذل آحاز، وفضّل الحلف. ونستطيع أيضاً أن نقول: تراخوا. فالمياه هادئة، لماذا الخوف منها؟ كلّ هذا يدلّ على عواطف الشعب تجاه الملك، وربّما عواطف أشعيا أيضاً: «الربّ حجب وجهه عن بيت يعقوب، لكنّي أرجو وأتوكّل عليه» (8:17). راح أشعيا في خطّ موسى وايليا وإرميا، فتألّم من رفض نواجه به الله، من رفض للخلاص.

ب - الابن وأمّه (آ 14)

الآية من عند الله، العلامة التي يقدمها الله، هي ولادة ابن. فنحن نكتشف أنّ صبر الله ما تعب، وهذا دون أن يحرّر آحاز من مسؤوليّة تصرّفه. ما أراد الملك أن يطلب آية. ولكنّ الرب نفسه سيعطي آية مستعملاً عبارة معروفة لاعلان ولادة لا يمكن أن يكون مدلولها سوى الخلاص. وخصوصاً لأنّ اسم الولد هو: الله معنا. عمانوئيل. فبعد أن رفض آحاز. وبعد أن سمعنا اللهجة القاسية والمتهِّمة في آ 13، انتظرنا آية تحمل الشقاء. ولكن لمن؟ ولكن من هو هذ الولد، وما تكون رسالته، وبأيّ حدث ارتبط ميلاده؟

أولاً: الأم صبيّة، عذراء

تلك التي حبلت وسوف تلد، تُدعى الصبيّة بحسب العبارة العادية (ع ل م ه). اللفظ العبري لا يعني في الدرجة الأولى «عذراء، بتول». ففي عدد من الحالات وفي النصوص القديمة، بما فيها نصوص العهد القديم، «ع ل م ه» تدلّ على صبيّة متزوّجة أو تستعدّ للزواج. نقرأ في خبر زواج اسحق ما قاله خادم ابراهيم قبل مجيء رفقة: «ها أنا واقف على عين الماء، فالصبيّة (ع ل م ه) التي تخرج لتستقي وأقول لها: اسقيني شربة ماء من جرّتك، فتقول لي: اشرب وأنا أستقي لجمالك أيضاً، تكون هي المرأة التي عيّنها الربّ لسيّدي».

على ضوء سياق القول النبويّ والنصوص السوريّة الكنعانيّة السابقة (مثلاً ملحمة كارت في أوغاريت)، يبدو أنّنا نستطيع القول: تلك التي هي «ع ل م ه» مع ال التعريف، هي سيّدة معروفة. وما من أحد غيرها يُدعى بهذا الاسم. هي الملكة الشابة. وتُدعى كذلك قبل أن تلد ابنها البكر. وتقف أمامها «ج ب ي ر ه»، الجبارة، القديرة، أم الملك التي لا يرفض لها ابنُها طلباً (1 مل 15:13). وهذه «الصبيّة الملكيّة» سلطتها كبيرة أيضاً، فهي تسمّي الابن الذي تلده باسم. إن كانت هي زوجة آحاز ووالدة حزقيا فنحن نعرفها. اسمها «أبي» (2 مل 18:2) بنت زكريا (رج أش 8:3).

هنا نقول إنّ أشعيا تحدّث عن هذه الصبيّة المميّزة. هي التي ينتظر منها آحاز الولد الذي يواصل سلالة داود، بحيث يفهم الشعب أنّ «الله معنا». ولكن من أين جاء لفظ «عذراء» الذي نجده في مت 1:23 (ها إنّ العذراء تحبل وتلد)؟ من اليوناني كما تقرأه السبعينيّة: بارتينوس (في ترجمة أكيلا: نيانيس أي صبيّة، بدون أل التعريف. هي صبيّة من الصبايا لا تتميّز في شيء عن غيرها). لماذا هذا التحوّل في السبعينيّة؟ إنّ المحيط الهلنستيّ (حضارة حملها معه الاسكندر من اليونان، هلاّس) والاسكندرانيّ بشكل خاصّ قد لعب دوراً هاماً في أقدم ترجمة يونانيّة لأشعيا. ففي هذا المحيط نقرأ عن ولادات عجيبة. كما نقرأ أنّ الفرعون يولد من اتحاد الملكة مع الاله (الملك هو صورة الاله، مثلاً أبو الهول). وحين نُقل النصّ الأشعيائي، أرادوا أن تكون هذه الصبيّة مميّزة، وأن يكون ولدها ابن المعجزة، فلا دخل للبشر. بل الله وحده يفعل فيكون شرف الولد عظيماً.

هذا في العالم اليوناني. أمّا في الأوساط اليهوديّة، بضعة عقود قبل المسيحيّة، لا ترد فكرة ولادة المسيح البتوليّة في أي موضع. غير أنّه وُجدت تمثّلات تغذّت من الأدب الجلياني (كما في سفر الرؤيا) فشدّدت على الطابع الخارق لهذا الشخص، نجد صدى عن كلّ هذا في إنجيل يوحنا حول هويّة يسوع. قال الناس: «هل اقتنع الرؤساء أنّه المسيح» (7:26)؟ وجاء الجواب من قلب الحاضرين: «لكننا نعرف من أين جاء هذا الرجل. وأمّا المسيح، فلا يعرف أحدٌ حين يجيء من أين جاء» (آ 27). أجل هذا «الرجل» يعرفه الجميع كإنسان (يو 6:42). ولكنّ أصله الالهيّ يبقى سرّاً لا يدخل فيه إلاّ من اجتذبه الله إليه (يو 6:44).

وهكذا عاد تفسير أش 7:14 المسيحيّ إلى السبعينيّة. ولكنّه حرّك ردّة فعل قويّة في العالم اليهوديّ اللاحق، الذي أغلق النصّ على سنة 740 ق م، فجعله حرفاً ميتاً. ولكنّ كلمة الله حيّة، وإلاّ كيف تستطيع آية أشعيا أن تصل إلى المسيح. لا شك في المعنى التاريخيّ، والنبيّ يتوجّه أوّل ما يتوجّه إلى معاصريه، ولكنّ المعنى الروحيّ، المعنى الكامل، يُدخل المؤمن في قراءة مسيحانيّة تصل مع متّى إلى يسوع المسيح الذي وُلد من عذراء في ملء الزمن.

ثانياً: عمانوئيل

هذا ما يعود بنا إلى السؤال الرئيسيّ: من هو عمانوئيل؟ ونحن لا ننسى سياق القول النبويّ حول السلالة الملكيّة، وحول الصبيّة المميّزة، أمّ ابن الملك الآتي.

هو ولد، ونموّه يساعد على تحديد التاريخ الذي فيه تمّت الولادة وقيل القولُ النبويّ: «قبل أن يعرف أن يرفض الشرّ ويختار الخير» (7:16)، هناك حدثٌ يحصل في مهلة قصيرة جداً، أقلّ من سنة واحدة: اجتياح الأشوريّين لمملكة دمشق ومملكة السامرة. إذن، لا حاجة إلى البحث في مستقبل بعيد. ثمّ إنّ هذا الولد يحمل اسماً ذات معنى عميق: عمانوئيل، الله معنا. اسم ارتبط بالحرب في النصوص البيبليّة القريبة: الله يحارب ويعطي النصر. نقرأ مز 46:

7 تضجّ الأمم وتتزعزع الممالك،

وعلى صوت الله تموجُ الأرض،

8 ربّ الأكوان معنا.

ملجأنا إله يعقوب

10 يزيل الحروب إلى أقاصي الأرض،

ويكسر القوس ويقطع الرمح.

12 الربّ القدير معنا،

إله يعقوب ملجأنا.

نقرأ في تث 20:4: «لأنّ الربّ إلهكم سائر معكم ليحارب معاديكم ويخلّصكم» وفي يش 1:9 نسمع كلام الربّ ليشوع: «ها أنا أمرتك: فتشدّد وتشجّع، ولا ترهب ولا ترتعب، لأنّي أنا الربّ إلهك معك حيثما توجّهت» (رج قض 6:2: كلام الربّ لجدعون: الربّ معك، أيّها الجبّار).

وهذا الولد نجده في نهاية قول نبويّ (8:6 - 8): تكون أرض يهوذا أرضه، وتُذكر معها مياه شيلو والتكريس الملكي (1 مل 1:33 - 35). هو الابن الملكي الذي يتحدّث عنه أش 9:5 - 6 (وُلد لنا ولد) الذي يعتبر نهاية كتاب عمانوئيل. على المستوى التاريخيّ، هو حزقيا الذي يشارك في الحكم سنة 728، كما قال 2 مل 18:10، فبيّن أنّ سقوط السامرة (722 - 721) كان في السنة السادسة لحزقيا.

هل يعني هذا أنّ حزقيا لم يكن وُلد بعد ساعة التقى أشعيا آحاز للمرة الثانية، سنة 735؟ حسب 2 مل 18:2 نعرف أنّ حزقيا كان ابن 25 سنة حين صار وحده الملك، أي سنة 716- 715. هذا يعني أنّه وُلد سنة 740، بضع سنوات قبل الأزمة الأراميّة الافرائيميّة. والمعيار الذي يُعطى في 7:16 يليق بولد ابن ست سنوات أو سبع، لا بابنِ بضعة أشهر، ساعة بدأ اجتياح الممالك المتحالفة. وقد لاحظنا مبادرة الله المدهشة: فهو بعد رفض آحاز، أعلن آية (ولادة آتية) وقدّم هذه الآية على أنّها شهادة جديدة وعجيبة لحمايته: انتظرنا كلاماً يعاقب الملك على موقفه، فيأتي في امتداد آ 13 (لتضجروا إلهي). ولكنّ الوضع يكون مختلفاً كلّ الاختلاف، إذا كان أشعيا ما أعلن الولادة الآتية فاكتفى بأن يورد العبارة (آ 14 ب - 15: يأكل زبداً وعسلاً) التي بها تُعلَن في وقتها ولادةُ حزقيا الملك ووارث العرش.

وهكذا رُذل آحاز. فعبر المعلّم الأزماني الذي ارتبط بنمو هذا الولد (آ 16) لإعلان نهاية الخطر الحاليّ، حملت آية عمانوئيل على كتف حزقيا الرجاء المؤسس على مواعيد الرب لداود ونسله. فهو من يكون لشعبه الخلاص في قلب العاصفة (لأنّ موقف آحاز جلب الشرّ 8:6 - 8: الهجمة الأشوريّة) والتعبير عن حضور الله الناشط (8:10: لأنّ الله معنا، مهما كان الوضع ميؤوساً منه): نظرة الى الاجتياح القريب لشعوب تحالفت على يهوذا، أملٌ لسكان المقاطعات التي ضمّتها أشورية (8:23 - 9:6). فآحاز، من سلالة داود، هو في بداية حكمه. ولكن بسبب تصرّفه، لم يعد الرجاء متعلّقاً به، لدى أشعيا وتلاميذه، بل تحوّل إلى ابنه الذي رأى فيه بعد الآن، الوارث الحقيقيّ للمواعيد.

 

الخاتمة

ونختم كلامنا بالتفسير المسيحاني الذي يرى فشل الملوك المتعاقبين، فيصل بالكتاب إلى ذاك الذي وحده يحمل الخلاص النهائيّ، يسوع المسيح.

فحزقيا، منذ بداية حكمه الشخصيّ (716 - 715) خيّب أمل الشعب، ونجد صدى لذلك في أقوال أشعيا ضدّ المعاهدة المصريّة (713 - 701) التي هي خيانة جديدة خطيرة لقدوس اسرائيل (18:2؛ 20:6؛ 28:15؛ 30:1 - 7؛ 31:1 - 6). وسياستُه هذه جلبت الاجتياح الأشوريّ إلى قلب مملكة يهوذا، وما نجت أورشليم سنة 701 إلاّ بعناية ربانيّة (ف 36 - 39). في هذه المناسبة، أعيدت قراءة أش 7 وأضيفت بعض الحواشي (آ 17، 20) بالنظر إلى وضع يهوذا خلال وجود الجيش الأشوريّ. منذ ذلك الوقت، تبدّل منظار القول عن عمانوئيل فطبِّق (11:1 - 5) على فرع آخر من جذع يسّى. فنسلُ داود المنتظر لا يمكن أن يكون انساناً من الناس وحسب. بل هو ذاك الذي يرسله الله فيدلّ أنّه معنا. أنّه عمانوئيل. بل أبعد من ذلك. الله نفسه هو معنا إلى انقضاء العالم. هو الاله وهو الانسان. تجسّد في ملء الزمن من امرأة، ليجعل منّا أبناء الله