إعلان وكشف في سفر الرؤويا

 

تشكّل هذه الآيات الثلاث جزءاً من المطلع الذي يضمّ أيضاً آ 4-8. في آ 1- 3، نجد عنوان الكتاب (رؤيا يسوع المسيح) ووعداً بالبركة والهناء: هنيئاً لمن يقرأ، هنيئاً لمن يسمع، هنيئاً لمن يعمل. في آ 4-8، نتعرّف إلى من يوجّه إليه الكتاب: الكنائس السبع في آسية (أي: تركيا الحالية).
نحن هنا (آ 1- 4) كما في بداية. "رسالة" تشبه رسائل القديس بولس. "من يوحنا إلى الكنائس السبع" (آ 4). ونقرأ في روم 1: 1-7: "من بولس... إلى جميع أحبّاء الله الذين برومة". وفي 1 كور 1: 1-3: "من بولس... إلى كنيسة الله التي في كورنتوس... نعمة لكم وسلام من الله الآب والرب يسوع المسيح".
تريد الآيات الثلاث الأولى أن تبيّن أن رؤ هو تعليم "ملهم" عن الخلاص. وأنّ يوحنا كاتب رؤ هو رسول صادق تسلّم مهمته من الله. هذا السفر هو كتاب جلياني فيه يكشف الله ويعلن. غير أنّ الجماعات المسيحية العائشة في نهاية القرن الأول قد تراخت في ما يخص الأمل بعودة المسيح القريبة، فما عادت تصدّق أقوالاً في هذا المعنى يعلنها رؤ. لهذا شدّد الكاتب على الأصل الإلهي لهذا الكتاب وعلى صدق كاتبه.
هذه الآيات الثلاث نجد ما يقابلها في 22: 6- 20. وهناك عبارات في آ 1-3 نجدها في 22: 6-7، 10، 16.

1- نظرة إجمالية
أ- الأشخاص
نجد في هذه الآيات عدداً من الأشخاص. في البداية، هناك يسوع المسيح الشخص المركزي الذي نال ما نال من الله. وتجاهه، نجد الجماعة. فيها من يقرأ، وفيها عدد من الذين يسمعون ويحفظون ما يُقال. هي جماعة منفتحة على اللامحدود. هي جماعة السبع كنائس. وكنائسنا أيضاً. ونحن المؤمنون المنتمون إلى هذه الكنائس. إذن، هذا الكلام يتوجّه إلينا.
وبين يسوع المسيح والجماعة، يقف خدّام الله وعباده. تدل هذه اللفظة على المسيحيين بشكل عام كما نقرأ في 2: 20 (إيزابيل تغري عبادي) و 7: 3 (عباد إلهنا). غير أنها تدلّ في العهد القديم بشكل خاصّ على الأنبياء. نقرأ في عا 3: 7: "الرب الإله لا يصنع شيئاً دون أن يكشف سرّه لعباده الأنبياء". ونقرأ في رؤ 22: 6: "فالرب، إله الأرواح والأنبياء، أرسل ملاكه ليكشف لعباده ما لا بدّ من حدوثه عاجلاً". ويوحنا هو واحدٌ من هؤلاء العباد، من هؤلاء الأنبياء. إنه يرتبط بالمسيح، ولكنه ليس على مستوى المسيح. لهذا، فهو يحتاج إلى ملاك يوصله إلى المسيح.
ماذا يصنع هؤلاء الأشخاص؟ يتقبّلون وينقلون. الرأس هو يسوع المسيح. عرّف يوحنا بما وهبه الله له. وشهد يوحنا بدوره على ما رآه في شكل كتاب. حينئذ ستُقرأ كلمات النبوءة وتُسمع لكي تحُفظ. أي: لكي نعمل بها ونمارسها كما نفعل مع سائر الكتب المقدسة (لو 11: 28: طوبى لمن يسمع كلمة الله ويعمل بها). وسينتقل هذا التعليم في الجماعة بقدر ما نقرأه في كل جماعة.
ماذا ينقلون؟ وحي وكشف. هو وحي (رؤيا) يسوع المسيح، لا وحي يوحنا. يسوع المسيح هو الذي نقله وهو يرينا يسوع المسيح.
هذا الوحي يسمّى أيضاً كلمة الله لأن يسوع يخبرنا فيه بما تقبّله من الله. ويسمّى أيضاً شهادة يسوع المسيح. فالشهادة التي يؤدّيها يسوع هي أكمل تعبير عن كلمة الله ومتطلّباتها. أجل، "الشهادة" هي كلمة الله. وحين يشهد يوحنا، فهو يشارك في هذه الشهادة التي تضع يده على ذاك الذي ينقلها. فالشاهد في النهاية هو الشهيد. وهكذا ترتبط فكرة الشهادة بالإستشهاد. هذا ما نجده في 1: 5 حيث يُدعى يسوع "الشاهد الأمين وبكر من قام من بين الأموات وملك ملوك الأرض". هذا يعني أنه صُلب وقام وتمجّد (رج 2: 13 حيث نرى أنتيباس، الشاهد الأمين، الذي سقط قتيلاً في سبيل إيمانه). وحي يسوع المسيح هو شهادة يسوع المسيح وتتمة كلمة الله، وهذا ما يرتبط بالسرّ الفصحي لموته وقيامته. وفي هذا السرّ يشارك النبي.
سمّي هذا الوحي أيضاً "أقوال النبوءة" أو "الأقوال النبوية". سنتحدّث عن النبوءة. ما رآه يوحنا هو خبرة عاشها، لا بناء مجرّداً قام به عقله. وقد دوّنت هذه الكلمة فاتخذت طابعاً لا يتبدّل ولا عودة عنه: لا نزيد عليها شيئاً ولا نقتطع منها شيئاً (22: 18).

ب- المضمون
وما هو مضمون هذا الوحي؟ ما سوف يحدث قريباً، عاجلاً.. قربَ زمنُ النهاية: إعلان "زلزال" قريب، لا مفرّ منه. وضرورة مخطّط الله. كل هذا تبرزه عبارة: ما يجب، ما لا بدّ. هذه الألفاظ تذكرنا بالكتابات الجليانية التي تهتمّ بما سيحصل في نهاية الأزمنة، يعني الآن حسب مخطّط الله كما وُضع منذ الأزل (رج دا 2: 28- 29: الله الذي يكشف الأسرار أعلمك بما سيكون).
ويحدّد 22: 6 للكتاب الهدف عينه: ما لا بدّ من حدوثه عاجلاً. وتزيد آ 7: "ها أنا آتٍ سريعاً". ما يجب أن يحصل عاجلاً هو مجيء يسوع. هذا ما قاله يسوع أمام المجلس الأعلى في مر 14: 62: "سترون ابن الإنسان... آتياً مع سحاب السماء". هذه هي شهادة يسوع التي يشهد لها يوحنا.
إذن، يعلن رؤ أول ما يعلن ما يريد أن يكون: إعلان لمجيء المسيح، لا شيء آخر. فلا نبحث فيه عن مفتاح للتاريخ السياسي والإجتماعي والحربي للبشر والأمم. لا نبحث فيه عن تصوير للأحداث المقبلة. رؤ هو تاريخ الكون ننظر إليه في نواته مع ما فيها من معنى: تاريخ المسيح الذي يأتي، تاريخ البشر الذين إليهم يأتي، مهما كان هؤلاء البشر.
والكلمة الأخيرة هي "هنيئاً"، "طوبى" (آ 3؛ 22: 14). فالكلمة الأولى والأخيرة التي يوجّهها يوحنا إلى قرّائه ليست تحريضاً فيه الكثير من التهديد، بل وعداً بالسعادة. هنيئاً لهم، فهم لن ينتظروا طويلاً: فالزمان قريب (1 كور 7: 29).
هذا ما يقوله رؤ عن نفسه. لا حاجة إلى أن نلصق بكلام الله مقولاتنا المسبقة وأفكارنا الخاطئة

2- قراءة تفصيلية
ونعود إلى شرح الآيات.
أ- الرؤيا (آ 1)
في اليونانية: أبوكالبسيس. وحي وكشف. ترد هذه الكلمه 18 مرة في العهد الجديد، ولا نجدها في كل الكتابات اليوحناوية إلاّ في هذا المكان. إنّ سرّ الله هو سرّ "ذاك الذي يسكن نوراً لا يقترب منه" (1 تم 6: 16). فلا يستطيع الإنسان بقواه الخاصة أن يدخله. فالنعمة الإلهية وحدها تستطيع أن تجعله يدرك هذا السرّ. فالأحداث العديدة التي بها أراد الرب أن يعرّف بنفسه في العهد القديم، قد أدركت ذروتها التي لا يمكن تجاوزها، في التاريخ البشري، أدركتها في يسوع المسيح. فيه ظهر الوحي الإلهي بشكل ملموس ومسموع.
أجل، أوحى الله بإرادته وبرّه وخلاصه. وكان العهد الجديد امتداداً لهذا الوحي مع التشديد على شخص يسوع المسيح. "وحي يسوع المسيح" هو الوحي الذي يأتينا من يسوع المسيح، الرسول المتجسّد لكلمة الله. وهو الوحي الذي موضوعه يسوع المسيح، والذي توجّه إلى البشر بواسطة ما قاله وما كتبه المرسلون. و"وحي يسوع المسيح" يتضمّن جزءاً (1 كور 13: 9: معرفتنا ناقصة ونبوءاتنا ناقصة) من هذه الحكمة الإلهية الضرورية للبشر في حجّهم الأرضي. وحي يسوع المسيح هو هبة من الله. هو كشف لأعمال يقوم بها يسوع في المستقبل، كشف لما سيحدث عاجلاً.
نحن أمام الوحي الأخير المتعلّق بعودة المسيح (1 كور 1: 7-8؛ 2 تس 1: 7). ولا ننسَ أنّ الإنجيل هو أيضاً تعليم اسكاتولوجي: إنه يدخلنا في نهاية الأزمنة لأنه يعلن يسوع المسيح (غل 1: 16؛ أف 3: 3؛ روم 16: 25). وهكذا نصل إلى وحي يقدّمه يسوع (غل 1: 12). وحي يصل لنا بحسب إرادة الله.
ما سيحدث عاجلاً. شدّدت كتب الرؤى اليهودية علي فكرة الضرورة (دا 2: 28): لله مخطط تصوّرَه منذ الأزل. ومقاصده تتحقّق في التاريخ فلا يوقفها أحد. ولكن ليس هذا ما يتوخّاه رؤ. وقد بحث الباحثون بفضولية عن التاريخ الماضي وعن تنبؤات عن أحداث المستقبل. لا. سفر الرؤيا يعلن فقط مجيء المسيح.
عبده يوحنا. إنه نبي (22: 9؛ رج 1: 10)، وشاهد للمسيح (آ 2). إن كتب الرؤى اليهودية التي تريد أن تكشف مخطّط الله، إعتبرت أنّ كاتبها هو أب من الآباء الأقدمين (أخنوخ، باروك، عزرا...). رفض رؤ أن يرتبط بهؤلاء الرجال المشهورين، ولم يطالب صاحبه بأي لقب غير لقب شاهد مسيحي. وهذا أمرٌ طبيعي، لأن الكتاب لا يريد أن يتحدّث إلاّ عن مجيء المسيح ونتائج هذا المجيء.
أرسل ملاكه. إنّ هذا التلميح إلى الملاك الذي لا يُذكر اسمه، يتوخّى التشديد على السلطة الإلهية التي يرتديها نقاط التعليم الجلياني. فكتاب الوحي هذا ليس نتيجة رغبات أو سرابات بشرية. بل هو كشف عن يسوع المسيح، وقد أرسل الملاك إلى يوحنا في هذا السبيل.
ب- الشهادة (آ 2)
نجد لفظة "شهد" 33 مرة في إنجيل يوحنا، و 4 مرات في رؤ. فهذا التعليم يرتدي طابعاً رسمياً. إنه جزء من الوحي. وهذا الوحي لا يتوجّه فقط إلى يوحنا. فعلى يوحنا أن يعلنه. وهو لا يستطيع إلاّ أن يشهد بما رأى. وصاحب رؤ لا يُبرز فقط بُعد هذه التأكيدات، بل يريد أن يبيّن أيضاً أنه موكّل من قِبَل الله.
نجد كلمة الله وشهادة يسوع في 1: 9؛ 6: 9؛ 12: 17؛ 20: 4. وفي كل هذه الحالات، نحن أمام الإستشهاد (أو أقله أمام العذابات) الذي يحتمله المؤمن باسم الإنيجل. فشهادة (مارتيريا) يسوع هي أكمل تعبير عن كلمة الله. ومتطلّباتها هي أن نشارك يسوع فيها.
يسوع هو الشاهد الأمين. هذا ما يشير إلى الصلب والموت. وهو بكر الأموات، وهذا ما يشير إلى القيامة. وهو ملك الملوك وهذا ما يشير إلى الصعود والتمجيد.
كلّ الرؤى. كل ما رآه. يستحيل علينا أن نعرف معرفة عميقة وتامة أفكار الله. كما لا نستطيع أن نترجم حقيقة الله في أقوال ومدلولات بشرية. ويُطرح سؤال: هل رأى يوحنا الصور التي يرسمها رؤ؟ بل نحن بالأحرى أمام واقع روحي حاول أن يترجمه فيما بعد في لغة رمزية ومصوّرة صارت قريبة منه بفضل العهد القديم واللغة الجليانية.
ج- التطويبة الأولى (آ 3)
هنيئاً للذي يقرأ... يجب أن يُقرأ الكتاب ويُسمع. نحن أمام قراءة ليتورجية، قراءة تتمّ في شعائر العبادة. نذكر كو 4: 16 حيث يقول بولس: "وبعد قراءة هذه الرسالة عندكم، أرسلوها إلى كنيسة لاودكية لتقرأها، واطلبوا رسالتي إلى لاودكية لتقرأوها أنتم أيضاً". وفي 1 تس 5: 27: "أناشدكم بالرب أن تقرأوا هذه الرسالة على جميع الإخوة". 
النبوءة. الأقوال النبوية. إنّ صاحب رؤ يجعل نفسه في خطّ أنبياء العهد القديم. نحن نعرف انه كان للمسيحية الأولى أنبياؤها الذين تحدّث عنهم بولس. وتكلّم لو 1-2 عن أنبياء مثل زكريا وسمعان الشيخ وحنة النبيّة. إنهم ينشدون مدائح تعلن أن النبوءات القديمة قد تمّت في المسيح. ومن هذا القبيل يبدو رؤ حقاً "نبوءة": هو قراءة جديدة ملهمة ومركّزة على شخص يسوع المسيح، قراءة لما قاله العهد القديم، وهو يعتبر سلطته موازية لسلطة الأنبياء بسب النور الكامل الذي يُسقطه الروح القدس على نصوص قديمة تمّت الآن. أجل "إن شهادة يسوع هي روح النبوءة" (10:19).
الساعة اقتربت. إنّ الجماعات المسيحية الأولى قبلت بصعوبة تأخّر العودة، فخافت من إعلان مفاجىء يقول: الزمان قريب. "كايروس" هو الوقت. المؤاتي الذي يحمل غنى الله ونعمه. هو زمن الخلاص والزمن الأخير. فعلى جماعة العهد الجديد أن لا تهمل سماع التعليم الإلهي الذي يوجّهه إليها يوحنا: فمن تهامل في السماع، لن يستطيع أن يسمع. لأنّ التعليم لا يتكرّر. لسنا فقط إمام قراءة وسماع كما في يع 1: 22 (لا تكتفوا بسماع كلام الله من دون العمل به فتخدعوا أنفسكم)، بل يجب أن نحفظ هذا الكلام، نضعه موضع العمل.

3- المعنى العام
إنّ رؤ هو كتاب ألهمه الله ووجّهه إلى الجماعة لكي تقرأه في الليتورجيا. إذن، نحن بعيدون كل البعد عن كتاب "باطني" دوّنه واحد من أتباع الشيع التي زرعت العالم الروماني، واحتفظ به بعض المتدرّجين والكمّال.
أ- كتاب ملهم
فإنّ آ 1-3 تدلّ على سلسلة لا تنقطع تربط هبة الله إلى يسوع مع الكلمات المكتوبة في النبوءة. وإن آ 11 واضحة: "أكتب ما تراه في كتاب". ويعود هذا الأمر الصريح في بداية كل رسالة من الرسائل السبع التي أُرسلت إلى الكنائس. "أكتب إلى ملاك كنيسة أفسس..." (2: 1). "أكتب إلى ملاك كنيسة سميرنة" (آ 8)... وسنجد اللفظة أيضاً في 14: 13 (أكتب: هنيئاً للأموات)؛ 19: 9 (أكتب: هنيئاً للمدعوين)؛ 21: 5 (أكتب: هذا الكلام صدق وحق). وينتج من أصل الكتاب الإلهي أنه يحمل السعادة إلى الذين يقرأونه. ولكن الويل لمن يزيد أو ينقص، الويل لمن يزوّر (22: 18). هذا الكتاب هو حقاً كلمة الله.


ب- كتاب ليتورجي
يُستعمل في الإحتفالات الليتورجية. يتحدّث يوحنا عن الذي يقرأ والذين يسمعون، عن مجمل الجماعة. فالذين يسمعون يسمعون صوت الروح (2: 7، 11، 17، 29؛ 3: 6، 13، 22؛ 13: 9). والسماع لا يكفي. يجب أن نحفظ. أن نتحرّك. "من سمع فليقل: تعال" (22: 17). إن السماع يصل بنا إلى نداء نوجّهه إلى يسوع. وسيكون رؤ مملوءاً بالمدائح والأصوات التي تعكس ليتورجيا ذاك الزمان. ولا ننسَ أن يوحنا رأى ما رأى يومَ الأحد، يوم الرب (1: 10) وساعةَ الإحتفال بالإفخارستيا.

ج- كتاب يوجّه إلى الجميع
كل متعطّش إلى حياة الله يقرأه. "من. كان عطشاناً فليأت. ومن شاء فليأخذ مياه الحياة مجاناً" (22: 17). لقد قلنا: ليس كتاباً باطنياً يتوجّه إلى فئة محدودة، إلى شيعة. لا شك في أنه ليس ببسيط. فهو يطلب الحكمة والذكاء (13: 18)، يتطلّب بعض المعارف الأولية. ولكنه ليس كتاباً مختوماً، يجب أن لا نكتم النبوءة التي فيه (22: 10). بل يجب أن نعلنه لكي يعرفه الجميع.
ونتساءل: هل نحن أمام نبوءة أم وحي وكشف (وجليان)؟ حين نتحدّث عن الرؤيا، نربط هذه الكلمة (أبوكالبسيس) كما جاءتنا من الغرب بالويلات والحروب. ونحسب أننا أمام تداخل صور مرعبة مرتبطة بنهاية العالم، أو أقله بنهاية عالم. وحين نتحدّث عن النبوءة نتطلّع إلى إمكانية رؤية المستقبل والإنباء المفضل بأحداث تتم غداً. نربط صاحب الرؤى بنوع من الجنون والخيال. أما النبي فهو لا يشبه سائر البشر: يخطف، يعارض، يعيش على هامش المجتمع، غريب في تصرّفاته!! إن فهمنا الرؤيا والنبوءة في هذا المعنى قلنا: إن ذاك العائش وحده في بطمس يعلن لكم مصائب ستصبّ عليكم قريباً فتدلّ على نهاية العالم القريبة. قول كله ضلال وابتعاد عن كلام الله.
د- بين النبي والرائي
لهذا يجب أن نعود إلى المعنى الحقيقي لهاتين اللفظتين.
أولاً: النبي في العهد القديم
النبي هو حامل كلام الله. يحسّ بأمور الله. هو شاهد للإيمان والعهد. إنّ الله يكلّمه "بألف شكل شكل" (حب 1: 1): أحلام، رؤى، إستنارة داخلية. وهو يوجّه كلامه إلى الشعب الذي يعيش في وسطه مرافقاً حاجاته. إنه يكشف مخطّط الله الحاضر في وسط أحداث الحاضر. هو يكتب "مقالاً" عن الله. يدعو شعبه لكي يعي مسؤولياته في التاريخ.
فالشعب يستطيع أن يحوّل مسيرة التاريخ بقبوله أو رفضه لله. ويذكّره الأنبياءُ بالإلتزامات التي أخذها في سيناء. هناك مواعيد الله في المستقبل، مواعيد بالمسيح المنتظر ويوم الله في النهاية. ولكن هدف النبي الأخير هو دعوة إلى التوبة، إلى تبدّل يبدأ اليوم. فالزمن الأخير يبقى خفياً، وهناك ستار يحجب عن أعين البشر نهاية التاريخ.
ثانياً: الرائع في العهد القديم
سكت الأنبياء بعد المنفى. وصمت الله فلم يعد يكلّمهم (مرا 2: 9؛ مز 74: 9؛ دا 3: 38). غابت الكلمة الجديدة، فعاد الشعب إلى الكلمة المكتوبة، إلى الشريعة والأنبياء. إنه زمن الكتبة. لم يعد التاريخ الموضع الذي فيه يعمل الله، بل بدا منذ المنفى وفي زمن اليونان، أنه بين يديّ الأشرار وخاضعاً لقوى الكفر. فالمستقبل مخفيّ. والضيق واليأس وصلا بشعب الله إلى نقطة حرجة ظنّ بعدها أنه سيزول دون أن يتحرّك الله. هذا ما شعروا به في أيام أنطيوخس الرابع (167- 164 ق. م.)، وحين دخلت رومة سنة 63 ق. م، وحين دمّر الهيكل سنة 70 ب. م.
فظهرت كتب في تلك الحقبة لتشجّع المؤمنين على الثبات في أوقات الضيق هذه. أصحابها هم الكتبة (1 مك 7: 12) والمفكّرون (دا 8: 33؛ 12: 3). بما أن التاريخ وصل إلى طريق مسدود، يجب كشف نهاية الأزمنة. بعد هذا العالم الفاسد، سيأتي عالم جديد يحتفظ به الله في السماء. وفي تلك الأيام التي ستكون الأخيرة، ستتمّ دينونة الخطأة وقيامة الأبرار ثم سعادتهم الدائمة. كل هذا سيتمّ لا محالة حسب مخطّط حدّده الله منذ البدء وكان لإنسان فيه دور. فلا يبقى لنا إلا الإنتظار كمشاهد من الخارج، والقيام بعمليات حسابية تدلّ على الآخرة. هنا تختلف النبوءة عن الرؤية.
صاحب الرؤيا ليس إنساناً يعيش مع الناس فيفسر الواقع ويحرض الشعب. إنه كاتب يدرس (ويبحث) ولاهوتي يتأمّل في النصوص ليجد فيها نواميس التاريخ. هو لا يعتبر أنه يكتب شيئاً جديداً. بل يلقي الضوء على نصوص قديمة ساعة وُجد أنبياء، ساعة كانت الخليقة بعدُ جديدة. وسلطة ما يقوله تستند إلى رجال من الماضي ينسب إليهم ما يكتب: آدم، أخنوخ، إبراهيم، موسى، أشعيا، عزرا، دانيال. هو يختبىء خلف إسم مستعار، ويجعل نفسه في زمن يسبق الزمن الذي يعيش فيه ويكتب من أجل معاصريه الذين وصلت بهم الأمور إلى حافة اليأس. كل هذا يدفعه إلى أن يكتب بشكل "نبوءات" عن الأحداث التي هي جزء من الماضي: نبوءة نستخرجها من الحدث. نبوءة نقرأها اليوم عن حدث حصل منذ زمان بعيد. هو يعود إلى الوراء ليشرف على الأحداث بمنظار الله، ويكتشف حضور الله في الأحداث الماضية كما في الحاضرة والمستقبلة. كتب دانيال في القرن الثاني ق. م، فأشار إلى ما حدث في أيام الفرس والإسكندر والسلوقيين، فأرانا يد الله التي توجّه التاريخ. هذا ما يعمله أصحاب الكتب الجليانية. ويقولون إن هذا الكتاب ظلّ خفياً وقد أعلن الآن على بعض المتدرّجين.
لقد جاءت الأيام الأخيرة. فاستشفّ الكاتب في رؤية العالمَ الجديد. هو يُختطف أو يَحلم فيقوم بسفر إلى السماء (صعود أشعيا، صعود موسى). فيرى ويشاهد عظائم العلي، وتنتقل إليه أسرار الله (2 كور 12: 1-4) بواسطة ملائكة يحبّونه. وبما أن لغة البشر لا تستطيع أن تصل إلى هذا الواقع المتعالي غير المدرك، يلجأ الكاتب إلى لغة رمزية غريبة وسرية، فيها الكثير من الإصطلاحات.
وبمختصر الكلام نقول: إن النبي يرى المستقبل على ضوء ماضي العهد: خروج جديد، موسى جديد، داود جديد، ميثاق جديد. فالحاضر هو زمن الوصل الذي فيه يشارك الإنسان الله ليصنع التاريخ. والإيمان بمواعيد الماضي تجعله ينتظر بثقة تامة عمل الله في المستقبل. أما "الرائي" فلا ينتظر شيئاً من الماضي، ولا من الحاضر، ولا من مستقبل هذا العالم الذي حُكم عليه بالدمار. فالخلاص يأتي من المستقبل. والحلّ يكون في آخر الأزمنة، في عالم جديد يجتاح هذا العالم الذي سيدمّر. إنّ الله يستعيد خليقته من أساسها. وهذا ما يتطلّب رجاء مطلقاً. 
ثالثا: النبي المسيحي في العهد الجديد
هو يجمع بين الإثنين: إنه الرائي، إنه النبي.
* إنه الرائي. فالخبرة المسيحية هي خبرة رؤيا: إنها تجعلنا نعيش نهاية الإزمنة. لقد تمّ الزمان. والفأس هي على أصل الشجرة. لقد اقترب ملكوت الله. في العماد والتجلّي، إنفتحت السماء. وعرف يسوع أن موته يدشّن العالم الجديد، ومجيء ابن الإنسان الذي وعد به دانيال (مر 14: 62). وفي موت يسوع، تزلزلت الأرض وقام الموتى حسب مت 27: 51- 53. وقيامته التي أعلنها الملائكة، دشّنت القيامة العامة للأبرار وزمن فيض الروح في الأزمنة الأخيرة. وهكذا صار الله كلاً في الكلّ. 
والمسيحية هي خبرة نعمة مطلقة ونهائية لا نستحقّها، نعمة قدّمها الله في يسوع. بالنسبة إليها، يأتي الخلاص من عمل الله وحده، لا من أعمالنا في هذا العالم. ليس الخلاص ثمرة تفتّح لهذا العمل. فهناك انقطاع حاسم. يجب أن نموت عن هذا العالم، ونحمل الصليب مع يسوع، ونعمَّد في موته لكي نحيا في جدّة الروح. لا إذا كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. زال (العالم) القديم. وها هو (الواقع) الجديد" (2 كور 5: 17).
سيكون للنبي المسيحي رؤى ووحي عن هذا العالم الذي لا يزال خفياً عن أنظار الجسد. وهو سيستعمل اللغة الرمزية لكتب الجليان اليهودي لكي يدلّ على انهيار العالم القديم ومجيء العالم الجديد. هنا نتذكّر اسطفانس الذي مات وهو يرى ابن الإنسان (أع 7: 55). ونتذكّر بولس الرسول يصوّر خبرته (2 كور 12: 1- 4) أو يتحدّث عن عودة الرب (1 تس 4: 13- 5: 11؛ 2 تس 1: 6- 2: 12). ونتذكر 2 بط 3: 1-13: "يوم الرب سيجيء مثلما يجيء السارق، فتزول السماوات في ذلك اليوم بدويّ صاعق وتنحلّ العناصر بالنار...".
نسوق كل هذا لنقول إن يوحنا لم يكن وحده في مناخ العالم الجلياني. فقرّاؤه يستطيعون أن يفهموه، وهم الذين قرأوا أموراً عديدة في العهد الجديد تتحدّث عن عودة الرب. غير إن يوحنا لا يكتفي بالتلميح، بل يستعمل هذا الأسلوب بشكل متماسك في كتابه كله.
* إنه النبي بكل معنى النبوءة. لم يعد نبي العهد الجديد في وضع "الرائين" اليهود الذين يعتبرون أن النهاية قريبة وإن لم تكن بعد في متناولنا. لقد تمّ كل شيء والنهاية هي هنا. ولكنها ليست بعد مرئية بوضوح. أما علامتُها فحضور ناشط للروح الذي بدأ ببناء عالم جديد يحلّ محلّ القديم. وهكذا يتقبّل الزمن الحاضر قيمة جديدة: هناك شيء نعمله. الآن لكي ننمّي العالم الجديد الذي بدأ في آخر حشرجات العالم القديم.
لهذا، قد يكون النبي المسيحي نبياً حقيقاً، نبياً يؤوّن الحاضر كما فعل أسلافه في العهد القديم. لا يكفي أن نبقى متفرّجين. فيحرّض المسيحيين ويشجّعهم ليشاركوا في عمل الروح فيهم. فالروح النبوي قد وُلد من جديد. والله قطع صمته وعاد يتكلّم فأرسل كلمته في شخص يسوع.
سيكون يوحنا في رؤ نبياً حقيقياً يلهمه يسوع (19: 10)، وليس فقط كاتباً يتأمّل في نبوءات العهد القديم كيف تمّت. هو لا يقدّم عظة عن العهد القديم، ولا يشرح أقوال الأنبياء. بل لا يورد هذه الأقوال بوضوح مسبقاً كلامه بهذه العبارة: كما كتب. إن يوحنا يعود إلى أعماقه، فيخلق لغة خاصة به من أجل تعليم جديد يضمّ أقوال الأنبياء. هو لا يكرّر أقوال الأنبياء، بل يفجّر أفقهم ويدخل كلماتهم وصورهم في شميلة يبنيها بحرية الروح القدس.
حينئذ نفهم أن رؤ هو عمل شخصي وفي الوقت عينه مليء بتذكّرات عديدة ومتداخلة من التوراة. وهذا ما يميّز رؤيا يوحنا عن عالم الرؤى اليهودي.
إنّ مخطّط الله الأزلي واللازمني الذي كشفه في كتب الرؤى اليهودية، قد كشفه أب من الآباء عاش في الزمن القديم. أما وحي المسيح الذي جاء، الذي هو حاضر، فهو يفترض شاهداً تجسّد في الكون. لهذا لا يخفي الرائي اسمه وراء أخنوخ وإبراهيم... إنه هنا، إنه شخص حيّ واسمه يوحنا.
إنّ رؤ يحمل تعليماً عن حدث يجب أن يُكرز به حتى أقاصي الأرض. فليس بكتاب سرّي. ولا يتوجّه إلى متدرّجين. فإن ظلّت الصور التي تشير إلى البلايا غامضة (كالشرّ نفسه)، فالصور التي تحمل الخبر الطيّب (البشرى) مفهومة وقد كانت شفّافة بالنسبة إلى القرّاء في القرن الأول. قيل لدانيال: "أغلق الكتاب واختمه إلى آخر الأيام" (دا 12: 4؛ رج 8: 26). أما يوحنا فقيل له: "لا تكتم كلام النبوءة في هذا الكتاب" (22: 10). لقد تحرّرت الكلمة، والحمل فتح الكتاب (5: 1- 9).



خاتمة
كانت الرؤى اليهودية متشائمة، فدفعت الناس إلى انتظار سلبي وكسول لا يعملون فيه شيئاً. أما يوحنا فبدا متفائلاً. فالغلبة هي هنا. تدعو المسيحيين إلى أن يعيشوا منذ الآن في الفرح مع الله في أورشليم السماوية، وهم يتذوّقون مسبقاً فرح السماء في الليتورجيا فيسمعون التطويبات السبع (1: 3؛ 14: 13؛ 16: 15؛ 19: 9؛ 20: 6؛ 22: 7، 14) التي تدلّ على ملء سعادتهم لأنهم منذ الآن أبناء الله وأبناء الخلاص