وُلد لنا ولد

 

يقع المقطع الذي نقرأ في نشيد طويل يتحدّث عن عمانوئيل، عن الله معنا. هو القول الثاني في ثلاثة أقوال تجعلنا في إطار الحرب الأراميّة الافرائيميّة على أورشليم. أمّا قلب النصّ فهو إعلان مُلكٍ جديد لولد وُلد منذ زمن قصير. هذا ما يحيلنا إلى ولادة أعلنت في 7:4، هي ولادة عمانوئيل. لا شكّ في أنّ السياق ليس سياق مُلكٍ، بل هو يجعل الولد في العائلة الملكيّة، وولادتُه هي علامة (أو سبب)، تحرير لا يمكن أن ننسبه إلى شخص فرد في بني اسرائيل. فعمانوئيل لا يمكن أن يشير إلاّ إلى الله، إلى ابن الله يسوع المسيح. فهو وحده يُفهمنا أنّه يملك من أجل الخلاص والسلام، ويُتمّم ما قيل في السابق. أجل، هذا الابن في 7:14 هو الولد في 9:5. وسيتماهى مع فرع يسّى الذي يحلّ عليه روح الربّ.

 

1- النصّ الكتابيّ (9:1 - 6):

1 الشعب السالك في الظلمة

رأى نوراً عظيماً

والجالسون في أرض الظلمات

أشرق نور عليهم.

2 منحتَهم ابتهاجاً على ابتهاج،

وزدتَهم فرحاً يا ربّ.

يفرحون أمامك

كالفرح في الحصاد

كالذين يبتهجون

في اقتسام الغنيمة.

3 لأنّ النير الذي أثقلهم،

والخشبة التي بين أكتافهم

وقضيب المسخّرين

كسرتها كما في أيام مديان.

4 نِعال العدوّ في المعركة،

مع كلّ ثوب ملطّخ بالدماء

أحرقتها مأكلاً للنار.

5 لأنّه يُولد لنا ولد،

ويُعطى لنا ابن،

وتكون الرئاسة على كتفيه.

يُدعى اسمه:

عجيباً، مشيراً، إلهاً جباراً

أباً أبدياً، رئيس السلام.

6 سلطانه يزداد قوّة،

ومملكته في سلام دائم.

يوطّد عرش داود

ويثبّت أركان مملكته

على الحقّ والعدل،

من الآن إلى الأبد

غيرة الربّ القدير تعمل ذلك.

بين النصوص النبويّة المختلفة المأخوذة من العهد القديم، يساعدنا 9:1 - 6 على الكلام عن سرّ مولد السيّد المسيح. فحول الإعلان المركزيّ: «يولد لنا ولد» (آ 5)، نجد مواضيع مختلفة تجمّعت، أو صوراً استخدمتها بدايات المسيحيّة أو التقليد الليتورجيّ للدلالة على مجيء المخلص: ظهور «النور» في قلب الظلمة (آ 1). «فرحُ» النصر والتحرير (آ 2 - 4). تنصيب الربّ الملك على عرشه مع ألقاب مجيدة لهذا الطفل المولود (آ 5). إقامة مملكة «سلام» و«برّ» كتجلّ ساطع ونهائيّ لحبّ الله المتنبّه لشعبه (آ 6).

في إطار قراءة جديدة للعهد القديم، يلقي عليها الضوء تفكيرٌ كرستولوجيّ، يبدو 9:1- 6 الشاهدَ للكلام من المسيحانيّة الملكيّة. ولكن يُطرح السؤال: هل حملت النبوءة وعداً اسكاتولوجياً رأى فيه المسيحيون تحقيقاً في يسوع، أو هل جُعل المدلول المسيحانيّ فيما بعد في قراءة مسيحيّة جديدة لنصّ أشعيا؟ هذا ما سوف نجيب عنه.

 

2 - السياق التاريخيّ

ما من إجماع لدى الباحثين في ما يتعلّق بتحديد المعنى الأول لما في 9:1 - 6. والسبب هو أنّ النصّ وسياقه المباشر لا يتيحان لنا أن نكتشف اكتشافاً يقينياً ظروف تأليفه. بل إنّ البعض رفضوا أن ينسبوا هذا المقطع إلى أشعيا. قالوا: هو متأخّر. جاء بعد الحقبة الأشعيائيّة، بل هو عاد إلى زمن المكابيّين، في القرن الثاني ق م. ولكنّ معظم الشرّاح يقولون بنسبة النصّ إلى أشعيا، ويقرّبونه من 7:10 - 25 و11:1 - 9. ويعتبرون أنّ هذه الأقوال النبويّة الثلاثة تشكّل القطع المميّزة في «كتاب عمانوئيل».

متى دوِّن 7:10 - 25؟ هناك إشارة قدّمها النبيّ، فحدّدت موقع هذا القول خلال الحرب الأراميّة الافر ائيميّة، سنة 735 - 730. هذا ما لا نستطيع أن نقوله بالنسبة إلى 9:1 - 6. ولكن عدداً من الشرّاح بدأوا يرون أنّ 9:1 يجب أن يُقرأ في امتداد 8:23 (حيث تكون الشدة). وهكذا يكون الأفق المباشر للنبيّ محنة مملكة الشمال (عاصمتها السامرة) والأمل بتحرير قريب.

ولكن حيث تكون الشدّة لا يكون السواد.

في الزمان الأول،

أهينت أرضُ زبولون ونفتالي.

وفي الزمان الأخير،

تكرَم طريق البحر

وعبر الأردن وجليل الأمم (8:23).

ويتواصل النصّ في 9:1: «الشعب السالك...». فبعد الحملات الأشوريّة التي قادها تغلت فلاسر الثالث سنة 734 - 732، سقطت مناطقُ عديدة من مملكة الشمال تحت النير الأشوريّ (2 مل 15:29). وخضعت سائر البلاد خضوعاً أحسّت بقساوته بسبب الضرائب المفروضة. وكانت محاولات تمرّد انتهت بتدخّل حربيّ جديد وسقوط السامرة على يد سرجون الثاني سنة 722 - 721 (2 مل 17:6). وهكذا كانت نهاية مملكة اسرائيل أو مملكة الشمال. أمّا مملكة يهوذا الصغيرة، فما حافظت على استقلالها إلاّ حين قبلت الخضوع للملك الأشوريّ.

فإذا عدنا إلى هذه الأحداث، تستنير أمورٌ عديدة في هذا القول النبويّ (9:1 - 6). قبيلتا زبولون ونفتالي القريبتان من الحدود الشماليّة، كانتا أول من احتمل الاجتياح الأشوريّ وعرف ذلّ العبوديّة (8:23 أ). فالحدادُ والخضوع جعلا من هاتين المنطقتين «أرض الظلمة». وإذ تحدّث النبيّ عن «الشعب السالك في الظلمة» (9:1)، فكّر بشكل خاص بقوافل المسبّبين الطويلة الذين مضوا إلى أرض المنفى. واستشفّ القول النبويّ هزيمة حاملي الضيق ونهاية احتلالهم للأرض (9:3 - 4). وإن هو عاد إلى انتصار جدعون على المديانيين (قض 7:15 - 25)، فلأن هذا النصر تمّ في سهل يزرعيل فأمّن للقبائل إقامة هادئة في شمال الجليل. أمّا النظرة إلى «سلطان يمتدّ» و«سلام لا نهاية له لداود ولمملكته» (9:6 أ)، فهي تقابل ما سوف يكون، في زمن أشعيا: انتظرت الجماعة اليهوذاوية الصغيرة التي حزنت حين اقتطعت الأراضي من إرث داود، وخافت من تهديد متواصل تسبّبه الامبريالية الأشوريّة.

وأسّس النبيّ إعادة البناء، في النهاية، على محبّة الله المميّزة لشعبه (9:6 ب). بل هو ربط هذا الوعد بشكل مباشر بحدثٍ بدا له علامة استمرار الاختيار وعربون مملكة مثاليّة: وُلد لنا ولد... الرئاسة على كتفه (9:5).

في الواقع، نستطيع أن نقدّم لهذه الآية أكثر من نظرة. بعضهم رأى فيها تلميحاً إلى ولادة الوارث الملكيّ وتحقيق «آية عمانوئيل» التي أعلنت في 7:14. وقد رأى النبي في هذه الولادة، تجلياً لعناية الله بالنسبة إلى ثبات المواعيد التي أعطيت للسلالة الداوديّة (2 صم 7:16)، واحتفالاً يكون مبشّراً بعمل الربّ المحرّر من أجل شعبه.

ولكن ظنّ آخرون أنّ «الولادة» تدلّ بالأحرى على الجلوس الملكيّ نفسه (مز 2:7: أنت ابني. أنا اليوم ولدتك). ويكون 9:5 شذرة من نشيد، أخذت من احتفال بالجلوس الملكي. وهذا ما يفسّر أنّ الألفاظ التي نجدها هنا ليست عاديّة في أقوال تعود إلى أشعيا. في هذه الحال، تكون الألقاب التي أعطيت هنا للملك الجديد، تمنّيات من أجل مُلكه الآتي. وإذ استعاد التبنّي هذا الاعلان، أغنى مدلوله، بحيث إنّ مزايا الملك الجديد جعلت منه ملكاً بحسب روح الربّ وإرادته. وهي تتيح له أن يضع حداً للشقاء الذي حلّ بالبلاد بسبب لاأهليّة رؤساء مملكة اسرائيل في الماضي. هذه المزايا تجعل الملك الجديد في خط داود (وسليمان) الروحيّ، فتجدّد بالنسبة إلى الشعب، البركات التي ميّزت مملكة داود في ملء ازدهارها.

ومجمل الكلام، وإن قلنا بشكل معقول إنّ 8:23 - 9:6 تقابل مقابلة حسنة المناخ السياسيّ الذي فيه مارس أشعيا رسالته، يبقى علينا أن نتحلّى بالفطنة لنحدّد تحديداً دقيقاً الحدث الذي كان مناسبة لهذا التهليل وهتاف الفرح. وقُدّمت أكثر من فرضيّة: ولادة حزقيا، الملك العتيد، سنة 732. أو اعتلاؤه العرش سنة 716. أو ولادة ابن حزقيا، منسى، وذلك بعد أن تركت فلسطينَ جيوشُ سنحاريب، دون أن تحتلّ أورشليم... ما من واحدة من هذه الفرضيّات تستطيع أن تستند إلى براهين حاسمة. ثمّ يجب أن نقرّ أنّه لا مُلك حزقيا، ولا مُلك منسّى حقّقا المواعيد النبويّة.

لهذا، تخلّى شرّاح عديدون عن النظر إلى «ولادة» الولد الملكيّ، كحدث معاصر للنبيّ. ففي قلب مآسي الأمّة وهمومها، أعلن أشعيا إيمانه بمجيء ملك مثالي. ربما هو مجيء بعيد. ولكنّه يراه منذ الآن حاضراً، وهو متأكّد من رؤيته، لأن ثقته بأمانة الربّ عظيمة. وتجاه اليائسين والمتردّدين، والذين لا يرون عوناً إلاّ في معاهدات أرضيّة، ذكّر النبيّ باستمراريّة الاختيار في هذا الآن والمكان: فبالرغم من التقلّبات الحاضرة، إيمانه بإله العهد جعله يشاهد مسبقاً تتمّة مصير الأمة، كما يرغب فيه المؤمنون من نجاح.

 

3 - المنظار المسيحانيّ

وسواء كان القول النبويّ قد حركه واقع الشعب أم لا، فهو يتجاوز هذا الواقع ويلقي عليه بضوئه. فقراءة النبي للتاريخ هي، في شكل من الأشكال، في خارج التاريخ. وإذ تؤسّس فهمها للأحداث، التي هي مادة خُطبتها، تعود لا إلى ما يلاحظه البشر، بل إلى نور الروح. فإن كان التاريخ موضع تجلّي قصد الله وتتمّته، فهو لا يُدرك في هذا المدلول الساميّ إلاّ بالنظر إلى موهبة خاصة أو رؤية الإيمان.

ولكن إن استنار شرحُ 9:1 - 6 بنور الأحداث التاريخيّة، واستند إلى براهين أكيدة، فهو لا يُرضي القارئ كلّ الرضى. لا شكّ في أنّه يتيح لنا أن نفهم بعض ما يشدّد عليه، وما يتمثّله، وما يقدّمه من مواضيع. غير أنّ هذا لا يكفي لاستنتاج الايديولوجيا اللاهوتيّة التي يُعبّر عنها في هذا القول النبويّ، والتي تلهمه.

لا شكّ في أنّ هذه الايديولوجيا تتجذّر في يقين تقليديّ بالعهد بين الربّ وشعبه. وبما أنّ الربّ ليس مجرّد «بعل»، ليس إلهاً محلياً يدافع عن المدينة ويحميها، بل هو الاله الواحد، الخالق، وربّ الكون، فعهدُه مع شعبه يتّخذ شكلَ اختيار مميّز، ويعطي الجماعة المختارة مصيراً فريداً بين الأمم. لهذا، فالاختيار ليس فقط احساناً لاسرائيل، بل إرسالاً في مهمّة ونداء من أجل أمانة لامشروطة. وبركة الربّ لا تنحصر في عطيّة أرض وفي نسل كبير، بل تتضمّن نقاطاً تنفتح على المستقبل.

قد يستطيع التفسير النبويّ للحاضر أن يستند إلى قراءة نبويّة متجدّدة لمآثر الماضي التي نرى فيها «أعمال الله العظيمة». كما أنّه يعود إلى رؤية مسبقة لما يحقّقه الاختيار في المستقبل. غير أنّ هذا المستقبل ليس فقط موضوع خبرة. وإذ هو الآن يُعطي الحاضرَ معناه، فلا يمكن أن يُصوّر أو يمثّل إلاّ انطلاقاً من الحاضر أو بشكل تجدّدٍ مثاليّ لأحداث الماضي الكبرى. إذن، الايديولوجيا المسيحانيّة في سماتها المستمرة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالرجاء الاسكاتولوجيّ الذي يرافق الوعي النبويّ لدعوة اسرائيل المميّزة. ولكنّها تبقى، في أشكال تعبيرها الخاصة والمتنوّعة، خاضعة للتقلّبات التاريخيّة والحضاريّة التي فيها نضج التقليدُ البيبليّ.

هذه الاعتبارات العامة تستطيع أن تساعدنا على فهم 9:1 - 6، في علاقة بالإطار السياسيّ، مع الاحتفاظ بشرعيّة التطبيق الكرستولوجيّ. فما تمّت كرازة النبيّ على هامش الأحداث، ولا كانت لامبالية بالتهديدات على مملكة يهوذا. ولكنّ رجل الله رأى أنّ الاجتياحات الأشوريّة لا تهدّد فقط استقلال البلاد وازدهارها، بل تطرح السؤال حول متانة الاختيار ومتطلّباته. فالربّ ليس الاله الغائب ولا ذاك الذي يخون الأمانة. إنّه الاله الحيّ، «القدوس» الذي يفرض حضورُه تنقيةً جذريّة. كم من مرّة شجب النبيّ الظلامات والشرور التي جعلت الشعب لا يستحقّ امتيازاته. في هذا المنظار، يدلّ شقاء يهوذا على آثار الخطيئة، وهو عقاب لهذه الخطيئة. إنّه يتّخذ صورة دينونة أو كلام قاسٍ. أترى جاءت نهاية العهد؟ ولكن رغم النجاح الظاهر البسيط لكرازة النبي واستمرار الصعوبات السياسية، فقد لبث أشعيا مؤمناً «بحبّ الله الغيور، إله الجنود». لهذا حصل له أن يعلن إعادة البناء النهائيّ في إطار جماعة قليلة العدد، ولكنّها جماعة صارت منذ الآن «مقدّسة».

37:31 وما أفلت من بيت يهوذا، ما بقي،

يغرس جذوره في الأرض

ويُخرج ثمره من فوق.

32 فمن أورشليم تخرج البقية

ومن جبل صهيون الناجون.

غيرةُ الربّ القدير تفعل هذا.

هو رجاء مماثل يعبّر عنه في 9:1 - 6، ولكن بشكل تقديس الملكيّة. فلا شكّ بأن أشعيا الذي كان قريباً من ملوك يهوذا، ولج المواعيد التي تضمنتها نبوءة ناتان بالنسبة إلى السلالة الداودية:

«أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً: إذا فعل الشرّ أؤدّبه بعصا الانسان وبضربات يعطيها البشر. وأمّا رحمتي فلا أنزعها منه كما نزعتها عن شاول الذي أزلتُه من أمام وجهك، بل يكون بيتُك وملكك ثابتين على الدوام أمام وجهي، وعرشك يكون راسخاً إلى الأبد» (2 صم 7:14 - 16).

مثل هذه النبوءة التي نرى فيها أحد ينابيع المسيحانيّة الملكيّة، كفلت شرعيّة السلالة في مملكة يهوذا. وأعطت الوظيفة الملكيّة مدلولاً دينياً، بحيث صار الملك خادم العهد والمسؤول عن الشعب أمام الله. لا شكّ في أنّ هذا المثال لم يطابق دوماً ما في الواقع. لهذا ارتبط شقاء الأمّة مراراً بخطايا الملك. أمّا مزايا الملك فكانت الكافلة لبركات الله على الشعب.

إنّ القول النبويّ في 9:1 - 6 هو الشاهد على هذه العقليّة. هو لا يرى في الملك ذاك الذي يعيد المملكة الداوديّة إلى وحدتها. بل إنّ النبي يفكّر بشكل خاص في الصفة الروحيّة لملكه، وبهذه الصفة يبرّر رجاءه بالخلاص. فهذا الملك سوف يجمع في شخصه مزايا الملوك العظام الذين أمّنوا ازدهار الأمّة، فاعتبرهم التقليد رسل الربّ الحقيقيّين وخدّامه. هذا الملك يكون حكيماً مثل سليمان. تكون حكمته سامية، معطاة من العلاء (مشير عجيب). مآثره مثل مآثر داود، تدلّ على حضور الله الفاعل (إلهاً قديراً). خلال ملكه الطويل، يكون أباً للشعب، على مثال الربّ (أباً أبدياً)، وسلطانه يثبّت في السلام (رئيس السلام). بل هو يؤسّس سلطته على مبادئ الحقّ والعدل، فيعارض بذلك الملوكَ الأشرار الذين حملوا إلى أمّتهم عقاب الله.

من المهمّ أن نلاحظ أنّ الطريقة الشعريّة في الكلام على هذا المُلك السعيد، لا تستند إطلاقاً إلى ما يمكن أن يحدث لدى البشر، بل «إلى غيرة الربّ القدير وحبّه» (آ 6). نحن نجد هنا تعبيراً واضحاً بشكل مسيحانيّة ملكيّة، عن موضوع الرجاء عند أشعيا. فالنبيّ انتظر وتأكّد أن حبّ الربّ لشعبه سوف يتجلّى تجلياً سامياً وبشكل حاسم. وبالنظر إلى النظام السياسيّ الذي يعيش فيه، وبتأثير من قول يونان النبويّ، تحملُ كلّ هذا بشكل ملك مجيد، وتجديد مثاليّ لأكثر من مُلك عرفه الشعب في الماضي. وقد يكون رأى منذ الآن بوادره في ولادة أمير صغير (أو تنصيب ملك) يحمل في الأيام القلقة، مصير السلالة الداودية ومواعيدَها. والكلمات التي بها يُحتفل بهذا الحدث، تدلّ بما فيه الكفاية أنّ النبيّ يستشفّ، أبعد من هذا التفسير الدينيّ للحاضر، استمراريَّة قصد الله، ويرسم كيف يتمّ بشكل نهائيّ.

 

الخاتمة

هذا النشيد حول «ولادة» الوارث الملكيّ وحول الخلاص الذي يدشّنه، لا يفهم فقط بالنظر إلى حدث تاريخيّ خاص. بما أنّه مُلهم، فهو يندرج في تواصل التقليد البيبليّ. ويهيّئ الوحي اللاحق ويستنير به. وبقدر ما يترجم وجهُ الملك المثاليّ الموضوع الأخير لرجاء أشعيا، فهو لا يجد ملء تطبيقه في ملوك الأرض مهما كانوا فاضلين. إنه يعلن منذ الآن مجيء الرب يسوع وملكه الروحيّ. وولادةُ يسوع وحدها تضع أمامنا البعد الحقيقيّ لمثل هذا الحدث. أجل، كلّ ما كُتب في الماضي إنّما كُتب لتعليمنا