الملك المسيح المنتظر

 

في إطار الحرب الأراميّة (دمشق) الافرائيميّة (السامرة) على يهوذا بعاصمتها أورشليم، كانت ثلاثة أقوال نبويّة. في الأول، أعلن عن حبل ابن يُدعى عمانوئيل (7:14). في قول ثان، أعلن المُلك المجيد لهذا الولد وحقبة جديدة يحلّ فيها النور بدل الظلمة، والفرح بدل الضيق (9:1 ي). أمّا هذا القول الثالث (11:1 - 10) فيتحدّث عن فرع من جذع يسّى، عن فرع ينمو انطلاقاً من شجرة بدأ اليباس يحلّ فيها. ولكنّ الروح يحوّل كلّ شيء، ويجعل الأرض تمتلئ من معرفة الربّ.

بعد كلام عن سياق النصّ، نتأمّل في الفرع الذي خرج من جذع يسّى (آ 1)، في الروح ومواهبه (آ 2 - 5)، وفي عالمٍ تحوّل تحوّلاً في الحقبة المسيحانيّة (آ 6 - 10).

 

1 - سياق النصّ

ينتمي 11:1 - 10 إلى دورة عمانوئيل (ف 1 - 12) التي هي قمّة في الكلام عن المسيحانيّة الملكيّة. عن هذا الملك الذي يُمسح فيكون نمطاً بعيداً عن المسيح الذي قال عن نفسه مطبقاً كلام أشعيا: «روح الربّ علي، لأنّه مسحني وأرسلني».

كان الانتظار المسيحانيّ، بشكل جوهريّ، كامناً في يقين يقول إنّ الربّ سيكون دوماً بقرب شعبه. وتمثّلوا واقعاً أفلت من الإدراك المباشر بواسطة صور تقع تحت الأنظار. وهكذا قدِّم لنا انتظار الخلاص بشكل أشخاص وأوضاع عرفها الكاتب الملهم. وبما أنّ الخلاص يجب أن يتحقّق في إطار التاريخ وانطلاقاً من التاريخ، فمجملُ الأقوال المسيحانيّة تربطه بشخص تاريخيّ هو الممسوح بالزيت. وهذا الممسوح يبدو بدوره في صور مختلفة تنطلق من الرؤية النبويّة وإيمان الجماعة، فتصوّرُ، بل تجسّدُ الرجاء الذي يُنعش المؤمنين.

في هذا المشهد المتشعِّب من الانتظار المسيحانيّ، تدخل «المسيحانيّة الملكيّة». فهي تمثّل الممسوح بسمات نسل داود، الملك الملك، الذي معه قطع الربّ عهداً يجدّد عهد سيناء ويكون في امتداده. ونقرأ 2 صم 7:8 - 16:

أنا أخذتك من وراء الغنم،

لتكون رئيساً على شعبي

وأقيم لك اسماً عظيماً،

كأسماء العظماء في الأرض

وإذا انتهت أيامك،

أقمتُ خلفاً لك من نسلك.

أنا أكون له أباً،

وهو يكون لي ابناً

يكون ملكك ثابتاً على الدوام أمام وجهي،

وعرشُك راسخاً إلى الأبد.

هذا ما قيل في داود، وفي ابنه سليمان والملوك الذين جاؤوا فيما بعد. وفي النهاية النهاية، يسوع المسيح وحده يكون ملكه ثابتاً إلى الأبد، لأنّ مملكته ليست من هذا العالم. ويكون عرشه عرش الآب بالذات، كما يقول سفر الرؤيا. ونقرأ في المزامير ما به الربّ وعد داود.

عاهدتُ الذي اخترتُه

حلفتُ لداود عبدي:

إلى الأبد أثبِّت نسلك،

وإلى جيل وجيل عرشك (مز 89:4 - 5).

حلف الربّ لداود

يميناً لا يرتدّ عنها:

«من ثمرة بطنك

أجلس على عرشك.

إن حفظ بنوك عهدي،

وفرائضي التي أعلّمهم،

فبنوهم أيضاً،

يجلسون على عرشك إلى الأبد» (مز 132:11 - 12)

جاءت دورة عمانوئيل، في قسمها الأكبر، صدى لأحداث الحقبة الأشوريّة والنصف الثاني من القرن الثامن. فالبنية السياسيّة والدينيّة في مملكة يهوذا، التي اجتمعت حول بيت داود، بدأت تتزعزع رأساً على عقب بسبب عداء ملوك نينوى. لهذا انتقل الأمل بالخلاص إلى شخص من نسل داود. وبعد أن ضغطت أحداثُ الساعة، تطلّع هذا الأمل نحو المستقبل الاسكاتولوجيّ حيث لا نهتمّ بالخطر القريب، بل نتطلّع إلى مجيء ملكوت الله: في هذه الأيام يتمّ الخلاص، لا بوساطةٍ ضعيفة وناقصة يقدّمها ملك يهوذا الذي هو ظلّ باهت لمن مسحه الربّ، بل بواسطة الله نفسه.

أمّا النبوءة التي نقرأ فهي تقدّم بشكل مباشر شخص هذا الممسوح. تنطلق من ملك عاصر أشعيا، فتتطلّع إلى الممسوح، إلى المسيح المنتظر.

 

2 - فرع من جذع يسّى (11:1)

1 يخرج فرعٌ من جذع يسّى

وينمو غصنٌ من أصوله.

منذ البداية، وعد النبيّ بخروج فرعٍ من الجذع، ومن أصول يسّى. فإذا أردنا أن نفهم فكر أشعيا، نلاحظ في نقطة الانطلاق، من أين يخرج الفرع: من الجذع، من الأصول.

اختلف النصّ العبريّ عن النصّ اليونانيّ الذي استعمل لفظاً واحداً «ريزا» (جذر، أصل) حيث العبريّ استعمل لفظين: ج ز ع (جذع)، ش رش (شلش كما في اللغة اللبنانية). إنّ التوازي الشعريّ في الجملة، يُتيح لنا أن نفهم أنّ اليوناني لم يحوّل المعنى، لا سيّما وأنّ اللفظين يترادفان تقريباً. ولكن يبقى العبري أكثر غنى، لأنّه يتجاوز الترادف، ويُبرز ما في هذين اللفظين من تكامل، قال: ما يبدو للوهلة الأولى صورة من الموت (جذع)، يدل بالأحرى على حيويّة ما كان يتصوّرها أحد (الأصل).

فالجذع يقدّم لنا، من أول نظرة، مشهد الموت. لا حاجة أن نتساءل، كما فعل البعض، إنّ كان النبيّ فكّر في جذع يبس ومات، أو في جذع ما زال يحمل بعض الحياة. فالجذع هو صورة اليباس تجاه الشجرة التي يصوّرها الكتاب بورقها وزهرها وثمرها (ار 17:8؛ مز 52:10؛ 92:13؛ أي 29:19). وهذا ما نراه على تلال قاحلة حيث تندر الخضار، وتتوزّع جذوع يابسة تحاول أن تفلت من الموت. ذاك هو الوضع الذي وصل إليه بيت داود. أترى سيستعيد الازدهار؟ أم صار كالعظام اليابسة التي تحدّث عنها حزقيال؟

متى أعلن النبي هذا القول؟ هذا ما يصعب تحديده. ولكن ما يهمّنا هو أنّ النبيّ يرى الأمور في هذا الشكل مع بعض التضخيم. ثمّ، إذ أراد أن يُبرز عمق الشقاء الذي صارت إليه المملكة، ما قال «جذع داود»، بل «جذع يسّى»، أبي داود. فالكلام عن الملك يجعل أمامنا صورة القوّة والجبروت. أمّا صورة يسّى فلا قيمة لها لا تُذكر. لا يمكن أن تلمّح إلى العظمة الملكيّة.

نجد أنّ لوحة الوضع هذا تُخفي أمراً يدهشنا. كم من مرّة تبيّن لنا البيبليا أنّ الله يسوس الكون ويتدخّل فيه بشكلٍ لا يتوقّعه أحد. ففي المبدأ، لا يتجلّى خلاص الله إلاّ ساعة يغيب كلّ عون بشريّ. فالربّ معتاد أن يلعب دور المخلّص ولكنه يشعر حينئذ بالحاجة إلى استعمال «رافعة» بشكل عنصر لامنتظَر. وهكذا ينطلق من وضع لا مخرج منه، فيبني شيئاً من لا شيء. نتذكّر هنا حدث جدعون في قض 7:1ي: بماذا انتصر على المديانيين؟ أمّا داود فما هو البكر، ولا هو طويل القامة مثل ألياب، بل هو آخر إخوته، وقد جاؤوا به من وراء الغنم (2 صم 7:8).

هنا نتأمّل في محطات من نظرة الكتاب إلى تاريخ الخلاص. حسب التقليد الكهنوتيّ في قراءته لأصول الكون، «كانت الأرض تائهة فارغة، والظلام يغطّي الغمر» (تك 1:2). وضعُ العالم في مثل هذا «العدم» يتطلّب عمل الله: «رفّ روح الربّ على المياه». وحين هرب يعقوب إلى بلاد الرافدين (تك 28)، احتاج إلى خبز يأكله، إلى ثوب يلبسه. ولكن كان الربّ معه. والصراع مع الملاك عند مجازة يبّوق (تك 32:22 ي) جعل يعقوب يعرج بعد أن خُلع فكّ وركه. في بداية الطريق وفي النهاية، اختبر يعقوب الفشل، وظنّ أنّ كلّ شيء ضاع، وتحوّلت البرَ كة إلى لعنة. ولكن في ذلك الوقت بالذات، قدّم الله وعده: بدّل اسم يعقوب وباركه.

ونحن لا ندهش إن سمعنا يسوع يطبّق المبدأ عينه على رسالته: «إنّ حبّة الحنطة التي لا تسقط في الأرض وتموت، لا تحمل ثمراً» (يو 12:24). وبولس الرسول جعل من هذا المبدأ شعار جهاده الرسوليّ: «خدّام الله... مائتين وها نحن أحياء، فقراء ونغني كثيراً من الناس، لا شيء عندنا ونحن نملك كلّ شيء» (2 كور 6:4 - 10). تأكّد الرسول من هذا فجعله مبدأ انطلق منه ليقول: «الله يُعطي الحياة للموتى، ويدعو ما ليس بموجود إلى الوجود» (روم 4:17). وفي 1 كور 1:27: «اختار الله ما هو جاهل في العالم ليخزيَ الحكماء، وما هو ضعيف ليُخزي ما هو قويّ».

وحين نرى أنّ تاريخ الخلاص يسير مسيرته من أجل افتداء ما لا قيمة له، نفهم أنّ الانتظار المسيحانيّ يُدرك ذروتَه يوم لا يستطيع بعد أن يستند إلى سند بشريّ متين. وليس من قبيل الصدف أنّ أسمى تعبير له لا يرتبط بالملكيّة، بل بآلام المسيح الذي اعتُبر ابن الانسان، وأنّ هذا المسيح المتألم يتجاوب مع الرغبات الروحيّة لدى مساكين الربّ (صف 2:3؛ 3:12؛ مز 25:14؛ 73:28)، التي هي أسمى الرغبات في العهد القديم. ويسوع نفسه فضّل أن يُخفي العنصر الداودي في الرجاء المسيحيّ الذي تمّ في شخصه ليُبرز وجهة الآلام. في إنباءات الآلام الثلاثة (مر 8:31 وز؛ 9:30 وز؛ 10:33 - 34 وز)، أوجز يسوع المركّبات النبويّة (المسيح المتألّم) والمتسامية (المسيح، ابن الانسان) للمسيحانيّة، ولكنّه ترك جانباً العنصر الداوديّ.

ونقول في عودة إلى أش 11:1 إنّ المدهش هنا يختفي في لفظ «جذور» الذي يتوازى مع «جذع» في النصّ العبريّ. ففي الجذور لا نرى فقط ما بقي من شجرة مقطوعة، بل ما يكفل حياة هذه النبتة التي لا تستطيع أن تقاوم الجفاف (أي 14:7 - 9) إذا كانت لا تدخل إلى عمق الأرض. فالحياة التي تجري جرياً خفياً في الجذور ستظهر ولا تتأخّر، في الفرع الذي ينبت على الجذع. وكما أنّ «الجذع» و«الأصول» استعارتان تدلاّن على واقع بشريّ، كذلك هو مدلول «الفرع». ففي سياق أقوال عمانوئيل، تعود بنا هذه الصورةُ، لا إلى مجمل الواقع المسيحانيّ وحسب، بل أيضاً إلى الشخص الذي يضمّ هذا الواقع في ذاته. قال ترجوم أشعيا: «ملك يخرج من أبناء يسّى، ممسوح يقوم بين بني بنيه».

 

3 - الروح ومواهبه (11:2 - 5)

2 روح الربّ ينزل عليه،

روح الحكمة والفهم والمشورة،

روح القوّة والمعرفة والتقوى،

3 ويبتهج بمخافة الربّ.

لا يقضي بحسب ما ترى عيناه،

ولا يحكم بحسب سماع أذنيه،

4 بل يقضي للفقراء بالعدل،

ويُنصف الظالمين بكلام كالعصا،

ويُميت الأشرار بنفخة من شفتيه.

 

5 يكون العدل حزاماً لوسطه،

والحقّ مئزراً حول خصره.

«الفرع» الذي هو صورة الحياة، والحياة التي لم يتوقّعها أحد، تستجلب حالاً فكرة الروح، روح الربّ، الذي هو في البيبليا، قدرة الله وينبوع كلّ حياة وعمل (تك 1:2؛ عد 16:22؛ أي 12:10). هذا الروح يُنعش جميع العاملين في تاريخ الخلاص، مثل الأنبياء (مي 3:8: أنا ممتلئ بروح الربّ، قوّة وحقاً واقتداراً) ورؤساء الشعب (عد 27:18: يشوع رجل فيه روح الربّ) والملك (1 صم 10:6؛ 16:13). والعامل الرئيسيّ في الخلاص هو المسيح، ويجب أن يمتلك الروح في ملئه. لهذا يحلّ عليه الروح في سبعة أشكال.

قبل أن نتفحّص التعداد في آ 2، نتساءل لماذا يقال إنّ الروح «ينزل» (يرتاح) على الملك المسيح. إنّ فعل «ن و ح» في العبرية يدلّ على الحركة. فإن قال النبيّ إن الروح «ينزل» على الملك المسيح، فهو لا يريد أن يصوّر الروح كما يظهر للنظر، بل أن يصوّره في عمله، ويدلّ على أنّه ما زال يُغني المسيح ويفيض عليه مواهبه. وهكذا لا تختلف آ 2 عن آ 3 - 5، في جوهرها. فهنا وهناك، يقدّم النصّ صورة عن تصرّف المسيح الملك. وفي تعداد مواهب الروح، نحن أمام الباعث الذي يُلهم عمله. أمّا فيما بعد، فالانتباه يتركّز على عمله في الواقع الملموس.

مواهب الروح القدس سبع في اليونانيّ. أمّا في العبريّ، فالموهبة السابعة (آ 13) يعبَّر عنها بلفظ يبدو كأنّه يتحدّث عن مخافة الله. تجاوز اليونانيّ الصعوبة فتحدّث عن التقوى (آ 2 ب، أوسابيا) ثمّ عن المخافة (آ 3 أ: يمتلئ من روح مخافة الله). مهما يكن من أمر النقد النصوصيّ، فمن الواضح أنّ العبريّ أتاح لليونانيّ أن يجد العدد سبعة للتعبير عن عمل نجح كلّ النجاح. أمّا وجب أن ينزل على المسيح الملك ملءُ روح الربّ؟

إذا أردنا أن نكتشف المدلول الدقيق الذي يميّز موهبة عن موهبة، نرى أنّ مواهب الروح التي أعطِيَت للملك المسيح جاءت اثنتين اثنتين، حيث الواحدة تكمّل الأخرى. فالحكمة هي امكانيّة توجيه الحياة. والفهم أو التمييز أو التبيّن (ب ي ن) هو وضع الحكمة موضع العمل لتوضيح الأوضاع التي نعيش فيها. والحكمة والفهم يمنحان الفطنة الضروريّة للوصول إلى الهدف. المشورة هي إمكانيّة اتخاذ القرار، والقوّة تتيح لنا أن ننفّذ ما اتّخذناه من قرار. تعمل هاتان الموهبتان من أجل اتخاذ قرار متين. العلم (المعرفة) هو معرفة الله (آ 9). ومخافة الربّ هي الاكرام البنويّ. ينضمّان فيكوّنان تقوى مستنيرة. ولكن أكثر من هذه التمييزات اللطيفة في المفاهيم، التي هي غريبة عن عالم يرفض التحليل، نحتفظ هنا بتكديس الألفاظ المتقاربة بعضها من بعض، فتدلّ على أنّ المسيح سيكون ملكاً حكيماً جداً ومتديِّناً بحسب قواعد الحكمة التي حدّدها أم 9:10: «رأس الحكمة مخافة الربّ. ومعرفة القدوس هي الفهم». كما نقرأ في أم 14:33: «تقيم الحكمة في القلب العاقل».

وبعد أن صوّر النبيّ اجتياح ملء الروح للملك المسيح، رسم الخطوط الكبرى من أجل ممارسة سلطته. نلاحظ في آ 3 - 5 تكراراً متواتراً للفظ «عدل»، «دينونة» «دان» مع «الانصاف» (آ 4 ب) و«الصدق» أو الحق (آ 45)، نحن هنا أمام الفكرة عينها: عمل الملك المسيحانيّ يكون كلّه مطبوعاً بالعدل.

«دان» أو قضى، عمل عمل القاضي (آ 3 ب). يعني ساس، مارس العدالة (آ 3 ج). الملك المسيح يقضي للناس فيعيد النظام بحيث لا يبقى الفقير مسحوقاً. هذا الكلام الذي يبقى مجرّداً بعض الشيء، تستعيده آ 4 وتترجمه في عبارات اجتماعيّة ملموسة: تعود العدالة وتمارَس بالنسبة إلى الضعفاء، إلى المساكين والفقراء. معهم يتعاطف الأنبياء كما قال صف 2:3. إذن، من الطبيعيّ أن يلتفت المسيح «العادل» إلى هؤلاء «الفقراء» الذين جُعلوا على هامش المجتمع، ولكنّهم لبثوا واثقين بالله (ار 20:12 - 13) فسمعوا يسوع يعلن سعادتهم: «طوبى للمساكين بالروح» (مت 5:3 - 12).

وتشير آ 4 ب إلى وجهة أخرى من ممارسة المسيح لسلطته. فإن كان العدل بالنسبة إلى الفقراء هو الخلاص، فيتبعه في الوقت عينه أنّ الأقوياء (أهل العنف) الذين يرتفعون على الله، سوف يفنون. عاد النبيّ هنا إلى صورة أخذها من عالم الجليان، وهي تعبّر عن غضب الله: نفخة شفتيه تحوّل من تلتقي بهم إلى رماد (5:26)، لأنّها تصدر عن قوّة لا يمكن أن تقاوَم (30:27 - 28؛ ار 15:14).

 

4 - عالم تحوّل في الحقبة المسيحانيّة (11:6 - 10)

6 فيسكن الذئب مع الحمل،

ويبيت النمر بجانب الجدي،

ويرعى العجلُ والشبلُ معاً،

وصبيّ صغير يسوقهما.

7 وترعى البقرةُ والدبّ،

ويبيت أولادهما معاً

ويأكل الأسدُ التبنَ كالثور.

8 يلعب الرضيع على وكر الأفعى،

والطفل يضع يده في مكمن الثعبان.

9 لا يُسيء أحد ولا يُفسد

أينما كان في جبلي المقدّس

لأنّ الأرض تمتلئ من معرفة الربّ،

كما البحر يمتلئ مياهاً

10 في ذلك اليوم أصلُ يسّى

يرتفع راية للشعوب

إيّاه تطلب الأمم،

ويكون موطنه مجيداً.

يصوَّر مُلكُ المسيح أولاً بألفاظ استعاريّة: هو يجعل المصالحة تامّة في المسكونة (آ 6 - 8). ثمّ يُقال عنه إنّه يجعل معرفة الربّ تنتصر (آ 9). ويرينا النبيّ في لوحة رمزيّة كيف تصالحت الحيوانات في ما بينها، بعد أن تخلّى أشرسُها عن عدوانيّته. وبالرغم ممّا قيل، فلسنا هنا أمام عودة العصر الذهبيّ أو الفردوس الأرضيّ، بل أمام نظرة معروفة في البيبليا حيث الطبيعة الجامدة تنضمّ إلى تقلّبات الانسان (34:11 - 14). غير أنّ النبيّ يضيف شيئاً إلى هذه النظرة إلى الأمور، فيبيّن أنّ الحيوانات نفسها تنعم بالسلام الذي حمله معه الملك المسيحانيّ.

وما عاد النبيّ يستعمل الصور (آ 9). فقال: كلّ هذا يعني أنّ الكون عرف مخافة الله. «فمعرفة الربّ» التي تمتلئ منها الأرض، ليست فقط مسيرة عقليّة، بل موقفاً خلقياً يقوم بتعرّف الانسان إلى يد الله التي تمسك به (ار 31:34).

وأرض فلسطين التي عليها تسود مخافة الله، اجتمعت على «الجبل المقدّس»، جبل الهيكل، حيث يرى أشعيا مركز التدبير الخلاصيّ

2:2 يكون في الأيام الآتية،

أنّ جبل بيت الربّ

يثبت في رأس الجبال،

ويرتفع فوق التلال،

إليه تتوافد جميع الأمم

3 ويسير شعوب كثيرون:

لنصعد إلى جبل الربّ.

4:5 يرسل الربّ على جبل صهيون

وعلى المحتفلين هناك

سحابة ودخاناً في النهار

وضياء نار ملتهبة في الليل،

6 ويكون مجد الربّ غطاء عليها كلّها

وخيمة تظلّلها في النهار، من الحرّ،

وتقيها وتسترها من السيل والمطر.

جاءت آ 10 فلوّنت ما سبق وقيل، واستعادت آ 11 لتشدّد على الدور الخلاصيّ الذي يقوم به «فرعُ يسّى». وعلى ضوء 2:1 - 4 نرى هنا إعلاناً عن اهتداء الشعوب إلى الملك المسيح، في ملكوت يتعرّفون فيه إلى السلام الاسكاتولوجيّ الذي تحقّق بعد طول انتظار. نحو هذا السلام تتوجّه رغباتُ الأنبياء ولا سيّما أشعيا. هذا السلام هو مجد المسيح، لأنّه يكشف هويته الحقيقيّة: هو «أمير السلام» (9:5).

 

الخاتمة

ذاك كان تأمّلنا في القول النبويّ الثالث حول عمانوئيل، أي الله معنا. وكيف نرى هذا الاله؟ في الرجاء الذي يُعيده إلى القلوب. فالجذع الذي يبس، قد عاد إلى الحياة. والأصول التي غارت في التراب، صعدت ونبتت وأزهرت وأثمرت. أمّا الثمرة فمَلكٌ جديد يمتلئ حياة بالروح المسبَّع الذي يحلّ عليه. بواسطة الملك يفهم الناس، ولا سيّما الفقراء منهم، أنّ ملكوت الله حلّ على الأرض. لا ضعيف ولا قويّ، لا حيوان يفترس ولا آخر يأكل العشب. جميع الحيوانات ترعى معاً، تسير معاً. فالحمل الضعيف لا يخاف الذئب، والجدي لا يخاف النمر. والطفل يلعب على وكر الأفعى. ماذا تبدّل لكي تتبدّل البشريّة بهذا الشكل ويتحوّل الحيوان؟ لأنّ الربّ جمع الكون كلّه على جبله المقدّس. لأنّ الجميع امتلأوا من معرفة الربّ. كلّ هذا بدأ منذ أعلن ملكوت السماء ولن يصل إلى كماله إلاّ في النهاية حين يسكن الله معنا، يكون معنا، يكون عمانوئيل في كلّ عظمته ومجد